من هو خير منهم، وكانت العاقبة إلى خير، ولو كان المتبوع معصومًا مطلقًا لقال التابع: أنا لست من جنسه. فإذا أذنب استيأس من المتابعة والاقتداء، بخلاف ما إذا قيل إنّ ذلك مجبور بالتوبة، فإنّه تصحّ معه المتابعة، كما قيل: أوّل من أذنب وأجرم، ثمّ تاب وندم: آدم أبو البشر، ومن أشبه أباه ما ظلم [1] .
5.أنّ قوله: {وظنّوا أنّهم قد كذبوا} قد يكونون ظنّوا في الموعود به ما ليس هو فيه بطريق الاجتهاد منهم، فتبيّن الأمر بخلافه، فهذا جائز عليهم. فأمّا الشكّ فيما يعلم أنّه أخبر به، فهذا لا يكون. وبيان ذلك: أنّ الله وعد الرسل والمؤمنين بنصر مطلق ـ كما هو غالب إخباراته ـولم يقيّد زمانه، ولا مكانه، ولا سنته، ولا صفته. فكثيرًا ما يعتقد الناس في الموعود به صفات أخرى لم ينزل عليها خطاب الحقّ، بل اعتقدوها بأسباب أخرى، كما اعتقد طائفة من الصحابة إخبار النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ لهم أنّهم يدخلون المسجد الحرام، ويطوفون به، أنّ ذلك يكون عام الحديبية، لأنّ النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ خرج معتمرًا، ورجا أن يدخل مكّة ذلك العام، ويطوف ويسعى، فلمّا استيأسوا من دخول مكّة ذلك العام لمّا صدّهم المشركون حتّى قاضاهم النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ على الصلح المشهور، بقي في قلب بعضهم شيء، حتّى قال عمر للنبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: ألم تخبرنا أنّا ندخل البيت، ونطوف؟ قال:"بلى؛ فأخبرتك أنّك تدخله هذا العام؟"، قال: لا. قال:"فإنّك داخله ومطوّف به"، وكذلك قال له أبو بكر [2] .. ومثل هذا لا يمتنع على الأنبياء أن يظنّوا
(1) مجموع الفتاوى: 15/ 178، 179. (باختصار) .
(2) جزء من حديث طويل جدًّا أخرجه البخاريّ في كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد، والمصالحة مع أهل الحرب ..: 2/ 978، برقم: 2581.