وطلوع النّينان (1) أشباه النجوم من غوره، تبرق بريق الصوارم المسلولة، وتلمع لمعان الذوابل المصقولة، مدنّرة الأصلاب، مفضضة البطون، مذهبة الافواه، مجزّعة العيون، تصلّ صليل السيوف في اضطرابها، وتخطر خطران الفحول بأذنابها، فاستخرجنا (2) لحما طريا واشتوينا، فأكلنا هنيّا مريّا، ورحلنا عنه، وقد تزودنا منه.
وأفضى بنا الركب إلى رملة بيضاء، مفضية إلى قرارة خضراء، تتفجر فيها عين كعين زرقاء، صفاء مائها، كصفاء إنسانها، وقد أحدق بها النبت كهدب أجفانها، فنهلنا من (4) نميرها، وكرعنا في غديرها، وركزنا رماح الخط، وجعلنا عالينا رباط العصب، وافترشنا مطارف الوشي فوق درائك العشب وجعلنا من اللّجم أوتادا موتودة، واتخذنا من الأعنة أسبابا ممدودة، فقام الخبا، واستوى البنا، والماء يقهقه في خريره (5) ، والقمري يقرقر في هديره، والنسيم يعبق عن الروض الزكي، والجو مضمخ بزعفران العشي:
تشدو بعيدان الاراك حمامة ... شدو القيان عزفن بالأعواد
مال النسيم بغصنه فتمايلت ... مهتزة الأعطاف والأجياد
هذي تودع تلك توديع التي ... قد أيقنت منها بوشك بعاد
[واستعبرت لفراقه عين النّدى ... فابتل مئزر غصنها الميّاد] (
وإنّا لكذلك، إذ برقت السماء فسلت مذهب نصولها، ورعدت فضربت منذر طبولها، وجعل الغمام يعبّيء مواكبه، وأخذ الرباب يرتب كتائبه،
(1) الكلمة ساقطة من ق [ومن (ت) ] .
(2) [كلمة: فاستخرجنا، ساقطة من (ت) ] .
(3) [من هنا إلى ترجمة أصبغ بن محمد القرطبي ساقط من (ت) ] .
(4) [في الأصل: فملنا في]
(5) في ق: غديرها.
( [هذا البيت موجود بالأصل، ولم يثبته المحقق] .