وتُحرَقُ أكباد وتمرضُ أنفُس ... وتعظُم أتراح وتكبُر أشجانُ
وتهتاجُ أحزانٌ وتهمي مدامع ... وتُجمع أمواه غِزار ونيرانُ
تبكّتْ له خيماتُه وقُصورُه ... وناحتْ عليه مرهفاتٌ ومُرّانُ
وعاد صهيلُ الخيلِ في لهواتِه ... حنينًا وعافتْهُنّ لُجم وأرْسانُ
وما ناح وُرْقُ الأيكِ إلا له فلو ... درَتْ لبكتْ قبلَ الحمائم أغصانُ
فيا لك من رُزْءٍ عظيمٍ وحادثٍ ... يعزّ له صبر ويُعوِزُ سُلوانُ
ويا يومَه ما كان أقطعَ هولَهُ ... تشيبُ لمرآهُ المروّعِ وُلْدانُ
كأن منادي البعثِ قام مناديًا ... لحشرٍ فهبّ الخلْقُ طُرًّا كما كانوا
وقد ضاق رحبُ الأرضِ بالخلقِ والتقتْ ... جموعهُم مرجًا رجالٌ ونسوانُ
وشُقّتْ قلوبٌ لا جيوب ورجّعتْ ... بلابِلُ وارتجّتْ نفوس وأذهان
وكانوا بلُبْسِ اللهوِ بيضًا حمائمًا ... فعادوا وهم في ملبَسِ الحزن غرْبان
أبو عبد الله محمد بن عبد الصمد بن بشير التنوخي الشاعر
هو من معاصري الحكيم أبي الصلت أمية، وقد أثبتنا شعر أميّة فيه، وهو قطعة خائية موسومة بتنوخ، ولم يقع إلينا من شعره ما نورده إلا ما ذكره في الحديقة، وكان أبو الصلت يرى في المنام كثيرًا أبا عبد الله بن بشير، وتجري بينهما محاورات في فنون الآداب،