بالكريم، فانتقل إلى مصر فبقي بها مؤمرًا مشارًا إليه بالتعظيم، إلى أيام ابن رزيك فعاد إلى الشام، وسكن دمشق مخصوصًا بالإكرام، حتى أخذت شيزر من أهله، ورشقهم صرف الزمان بنبله، ورماه الحدثان إلى حصن كيفا مقيمًا لها في ولده، مؤثرًا بلدها على بلده، حتى أعاد الله دمشق إلى سلطنة الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب في سنة سبعين، ولم يزل مشغوفًا بذكره، مستهترًا بإشاعة نظمه ونثره، والأمير العضد مرهف ولد الأمير مؤيد الدولة جليسه، ونديمه وأنيسه، فاستدعاه إلى دمشق وهو شيخ قد جاوز الثمانين وكنت قد طالعت مذيل السمعاني ووجدته قد وصفه وقرظه، وأنشدني العامري له بأصفهان من شعره ما حفظه، وكنت أتمنى أبدًا لقياه، وأشيم على البعد حياه، حتى لقيته في صفر سنة إحدى وسبعين بدمشق وسألته عن مولده، فقال: سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، يوم الأحد السابع والعشرين من جمادى الآخرة، وأنشدني لنفسه البيتين اللذين سارا له، في قلع ضرسه:
وصاحبٍ لا أَمَلُّ الدَّهْرَ صُحْبَتهُ ... يشقى لنفعي ويسعى سَعْيَ مُجْتَهِد