فهرس الكتاب

الصفحة 2402 من 4527

أرقّ من عبرات الباكين، وإذا انشد كانت غرره آنَقَ من درر الناظمين، وثغور الضاحكين. حضرت ببغداد مجالسه وشهدت محاسنه فألفيته جوهريّ الوقت، جهوريّ الصوت، وهو كما قال الحريريّ: بزواجر وعظه يقرع الأسماع، وبجواهر لفظه يطبع الأسْجاع، وبكلامه يأسو الكُلوم، ويجلو الهموم، وبنكته يَنكُتُ العقولَ ويَبهَتُ الحُلوم، فما رأيت في مجلسه إلاّ قلوبًا ترقّ، ودموعًا تترقرق، وجيوبًا تُشَقَّق، ونفوسًا تكاد من وجدها تزهَق، وأنفاسًا تتصاعد، وحُرَقًا تتزايد، وأيديًا إلى قابل التوب تُرفَعْ، وشعورًا لقِطْع الحَوب تُقطع. قال يومًا وقد قصَّ شعر شاب، من التوّاب. شابٌّ جفا، قصَّ شعره بمقصّ الوفا، وألبسه قميصًا كان عليه وقال: من وافقَ وفَّق، فقصَّ بقصصه وأشعاره شُعورًا، فكأنَّه بنغماته داوُدُ يتلو زَبورا، وخرج أعيان أهل من ثيابهم إليه، وخلعوها عليه، فقلتُ يجب أن نُسَمِّيَه المَعرّي المُعرّي، وأنا في حدود خمس عشرة سنة، وكان ذلك يوم عاشوراء بالمدرسة النظامية سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، ولم أزل إلى آخر سنة إحدى وخمسين ألقاه في محافل الأماثل، ومجالس الأفاضل، ولم يزل شحّاذًا أخّاذًا، فصّالًا قوّالًا، نتّاشًا حوّاشا، فاتقًا راتقا، ماهرًا حاذقا، لا يخلو يومًا شرَكُه من صيد، لو رآه الحريريُّ لم يذكر أبا زيد، له في كلِّ حادثٍ حديث، وفي كلِّ خطبٍ خطبة، وفي كلِّ نائبٍ نوبة، وفي كلِّ ملِمٍّ إلمام، وفي كلِّ جمعة جمع، وفي كل سبت وقت، وفي كل نادٍ نداء، وفي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت