القواد بجزيرة صقلية فاطلعت فيه وأطلعت في فلك الخريدة نجوم معانيه. فأول ما بدأ فيه بوصف الكتاب، كلامٌ أصفى ديمةً من در السحاب، وأوفى قيمةً من در السخاب. فمن ذلك: هذا كتابٌ نظمت فريده في عقد الكرم، وجلوت فرنده في عضب الهمم، واستخلصت بنار الطبع تبره، وشحذت من لسن الذهن نبره، وأنبت في روض الشرف أزاهره؛ وأثبت في سماء العز زواهره، ووسمت عواتق المجد بحمائله، ورقمت دمائث الحمد بخمائله، ناضرة مشرقة اللألاء، بل مشرفة الآلاء. وهذا السيد الأيد وإن عظم سوره، وكبر صوره؛ وشرف نسبه، وظرف نصبه، واجتلى من مجالس الفضل، ومغارس النبل منتدى صدور إيوانها، ومبتدأ سطور ديوانها، فإن مثلي وإياه كراعي سنين عجاف، وداعي مسبتين لا يجاف، طواه إدقاع، وأجراه صفصف قاع، فاحتل بوهد، رهين جهد، ما له بالسحاب وأذيال السحاب من عهد، قد لفته النكباء في شملتها، وأتلفته بتفصيلها وجملتها؛ فلما يبست مراتعه، ويئست مطامعه، أتت أكيلة ليثٍ فسامها، وعنت مخيلة غيثٍ فشامها، وأصاخ ليستمع أين موقعه، وينتجع ما ينفعه، وإذا هو نبتٌن في رمل خبتٍ، قد أرضعته بدرها الأمطار، ورصعته بدرها الأزهار، واندفقت أنهاره، وسجعت أطياره، بما خرق له مخارقٌ