يا مصرُ هل عَرَضَتْ لغصنٍ فوقه ... قَمَرٌ برَبْعكِ إِرْبَةٌ لمَعَادي
تَرِفٌ يُمَيِّلُهُ الصِّبا مَيْلَ الصَّبَا ... بقوامِ خُوطِ البانةِ الميَّادِ
أَتُرَى أنالَ النيلَ بعضَ رُضَابهِ ... فعَذُبْنَ منه مياهُ ذاك الوادي
فأفادَ منه الطعمَ لكنْ شُرْبُ ذا ... يُرْوي وذاك يَزِيد كَرْبَ الصَّادي
واهًا على تلك الديار فإنها ... أوطانُ أحبَابي، وأَهل ودادي
ولقد أَحِنُّ لها ولَسْنَ منازلي ... وأَوَدُّهَا شَغَفًا، ولَسْنَ بِلادي
دِمَنٌ لبستُ بها الشبابَ ولِمَّتي ... سوداءُ ترفلُ في ثيابِ حِدَاد
والعيشُ أَخضرُ، والديارُ قريبةٌ ... وأَبيتُ من أملي على ميعاد
والقلبُ حيث القلبُ رَهْنٌ والظُّبضا ... حَدَقُ الظِّبَاءِ الغِيدِ قَيْدُ الغادي
شَتَّتُّ شَمْلَ الدَّمْعِ لما شَتَّتُوا ... شملي، وصحتُ به بَدادِ بَدادِ
فالآن تخترقُ الجفونُ عُبَابَه ... ما بين مَثْنَى تَوْأَمٍ وأُحَاد
قَاني المَسِيلِ كأنَّ فَيْضَ غُرُوبهِ ... فوقَ الخدود عُصارةُ الفِرْصَادِ
قال: وأنشدني أيضًا لنفسه:
هذا الفراقُ وهذه الأظعانُ ... هل غيرُ وقتك للدموع أوانُ
إن لم تُفْضْها كالعَقيقِ فكلُّ ما ... تدعوه من سُنَنِ الهوَى بهتانُ
هذا الغرامُ على ضميركَ شاهدٌ ... عَدْلٌ فماذا ينفع الكتمانُ
إن كنت تدَّخِرُ الدموعَ لبَيْنِهِمْ ... فالآنَ قد وقَع الفراقُ وبانوا
عُذْرُ المتيَّمِ أن يكون بقلبهِ ... سَقَرٌ وبين جفونه طُوفانُ