ولقيت ببغداد الفقيه نصر بن عبد الرحمن الفزاري الإسكندري في سنة ستين، وذكر لي أنه كان من ظرفاء الشعر وفصحاء الأدباء، انتهت به الحال إلى أن صار من شعراء مصر، وله ديوان مشهور، وبالجودة له مشهود. قال: أنشدنا بعض أصحابنا بالإسكندرية لظافر:
ولي همَّةٌ تَبْغِي النجومَ وحالةٌ ... تُصَحِّفُ ما تَبْغيه فَهْوَ لنا ضِدُّ
إِذا رَفَعَتْنِي تلك، تخفضُ هذه ... فكلُّ تناهٍ في إرادته الحدُّ
فما حالُ شخصٍ بين هاوٍ وصاعدٍ ... وليس له عن واحدٍ منهما بُدُّ
تولَّتْنِيَ الأرزاءُ حتى كأنما ... فؤادي لكفَّيْ كلِّ لاطِمَةٍ خَدُّ
قال: وأنشدني صاحب بالإسكندرية، قال: وصل إلى أبي كتاب من ظافر، وفيه:
وَصل الكابُ فكانَ موقعُ قربهِ ... مني مواقعَ أَوْجُهِ الأحباب
فكأَنه أَهدى أَجلَّ مآربي ... حتى لقاءَك ثُمَّ عَصْرَ شبابي
وقرأتهُ وفهمتُ ما فيهِ فيا ... للّه ما يَحْويه من آداب
فجزالةُ العلماء في أثنائه ... ممزوجةٌ بحلاوةِ الكُتَّاب
أقول: ظافر، بحظه من الفضل ظافر، يدل نظمه على أن أدبه وافر، وشعره بوجه الرقة والسلاسة سافر، وما أكمله لولا أنه من مداح المصري، والله له غافر. حداد، لو أنصف لسمي جوهريًا، وكان باعتزائه إلى نظم اللآلئ حريًا، أهدى بروي شرعي الروي للقلوب الصادية ريًا، فيا له ناظمًا فصيحًا مفلقًا جريًا.
ولما وصل الملك الناصر صلاح الدين إلى دمشق في سنة سبعين واجتمعت