وبها رجل يعرف باسماعيل بن حميد المنبوز بابن قادوس، وكان ممّن يهتم بالجمع والادّخار، ويدين بعبادة الدّرهم والدينار، لا تندى حصاته، ولا يظفر بغير الخيبة عفاته، ولا يرشح له كفّ، ولا يُعرف له عرف، إلا أنّ له رواءً وجِدة، وبنين وحفدة، يطمع الغِرّ في نواله، ومنال النّجم دون مناله، فقصده عبد الودود بمدائح أرقّ سلكها، وأجاد سبكها، وتأنّق في وشيها وحبكها، وظن أنّ سهمه قد أصاب الغرض وقرطس، وأنه يفوز بأكثر ما التمس، فكان بارقه خُلّبًا لا يجود بقَطرة، وشرابه سرابًا بقفرة، ولمّا تحقق إكداء كدّه، وصلود قدحه في مدحه، قال:
شقى رجالٌ ويشقى آخرون بهم ... ويُسعِدُ اللهُ أقوامًا بأقوامِ
وليس رزقُ الفتى من حسنِ حيلته ... لكن جُدودٌ بأرزاقِ وأقسام
كالصّيد يُحرَمُه الرّامي المُجيد وقد ... يرمي فيُرزَقُه من ليس بالرامي
وقال في هجو ابن قادوس:
تسلّ فللأيام بِشرٌ وتعبيسُ ... وأيقِنْ فلا النُعمى تدومُ ولا البوس
صديْتَ على قُربٍ وخُلقُكَ عسجد ... ومِلْتَ الى لغْوٍ ولفظُك تقديس
ومنها:
ترحّلْ إذا ما دنّس العزّ ملبَسٌ ... فغيرُك من يرضى به وهو ملبوس
وما ضاقتِ الدنيا على ذي عزيمةٍ ... ولا غرقَتْ فُلْك ولا نفَقتْ عيس