وكان الغيث قد احتبس في هذه السنة، فدر وسح عند ارتفاع نعشه، فكأن السماء بكت عليه بدمع وبله وطشه، بلت الأرض برشه. ورثاه جماعة من الفضلاء.
أنشدني فتيان بن علي الأسدي الدمشقي المعلم الأديب لنفسه. وهذه القصيدة مشتملة على حقيقته وطريقته ووفائه ووفاته:
أَيُّ ركنٍ وَهى من العلماء ... أَيُّ نجمٍ هوى من العَلْياءِ
إِنّ رُزْءَ الإِسلام بالحافظ العا ... لم أَمسى من أَعظم الأَرزاء
أَقفرتْ بعده رُبوعُ الأَحاديث وأَقوتْ معالمُ الأنباء
أَيُّها المبتغى له الدهرَ مِثْلًا ... أَتُرجّي تَعانق العَنْقاء
كان ناديه كالرّياض إِذا ما ... ضحك النَّوْر عن بُكا الأَنْداء
كان حِبْرًا يَقْري مسامعنا من ... أَسود الحِبْر أَبيضَ الآلاء
كان من أَعلم الأَنام بأَسما ... ءِ رجال الحديث والعلماء
فهي من بعدُ في المَهارق كالأَفْعال إِذا عُرِّيَتْ من الأَسماء
كان من وَصْمة التغيّر والتَصحيف أَمْنًا لخابط العَشْواء
كان في دينه قويًّا قويمًا ... ثابتاص في الضرّاء والسرّاء