وإذا عَدَدْت سِنِيَّ ثم نَقَصْتها ... زَمَنَ الهُموم فَتِلْك ساعُة مَوْلِدي
تعجب من مقاصد هذه الكلم، وتعرض لموراد هذه الحكم، واقض العجب كل العجب، من غزارة هذا الأدب، ولولا أن المداد أفضل ما ترقم بن صحائف الكتب، لحررت هذه الأبيات بماء الذهب، فهذا أبلغ من قول أبي فراس بن حمدان:
ما العمرُ ما طالتْ به الدّهورُ ... العمرُ ما تَمَّ به السرورُ
أَيّامُ عِزّي ونَفاذ أَمري ... هي التي أَحْسُبها من عمري
فالفضل للمُتقدِّم في ابتكار المعنى وللمتأَخر في المبالغة، حيث ذكره في بيتٍ واحد ولم يجعل له نصيبًا من العمر إلاّ ساعةَ مَوْلِده. فجميع الحياة على الحقيقة نصب، وألم وتعب.
وأنشدني أيضًا لنفسه من قديم نظمه:
تَجَرَّمَ حتى قد مَلِلْتُ عِتابَهُ ... وأَعرضتُ عنه لا أُريدُ اقترابَهُ
إذا سقَطتْ من مَفْرَقِ المرء شَعْرَةٌ ... تأَفَّف منها أَن تَمَسَّ ثِيابَه
وأنشدني من قديم قوله في السلوان أيضًا:
لم يَبْقَ لي في هَواكُمُ أَرَبُ ... سَلَوْتُكُمْ والقُلوبُ تَنْقَلبُ