فهرس الكتاب

الصفحة 1027 من 2285

قال الحسن خطب عمر النَّاس، وهو خليفة، وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة، قال أنس كان بين كتفي عمر ثلاث رقاع. وفي رواية رقاع بعضها فوق بعض.

قالت حفصة لأبيها يا أمير المؤمنين، ما عليك لو لبست ثوبًا ألينَ من ثوبك هذا، وأكلت طعامًا غير هذا؟ قد فتح الله عليك الأرض، وأوسع الرِّزق. فقال أخاصمك إلى نفسك، أما تعلمين ما كان يلقى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم؟ وذكر لها من حاله حتَّى أبكاها، ثمَّ قال لها إنَّه كان لي صاحبان سلكا طريقًا، وإنِّي إنْ سلكت غير طريقهما، سلك بي غير طريقهما، فإنِّي والله لأشركهما في مثل عيشهما الشَّديد، لعلِّي أدرك معهما عيشهما الرَّخيَّ.

قال أنس صلَّيت إلى جنب عمر عام الرَّمادة، وكان عام قحط، فتقرقر بطنه، فقال لبطنه اسكن، فوالله مالك عندنا غير هذا حتَّى يُخصب النَّاس. وكان الزَّيت لا يوافقه، ولم يكن للنَّاس إدام غيره، فحلف أن لا يأكل غير الزَّيت مساواة للنَّاس.

قال ابن أبي نجيح كان لعمر كلَّ شهر ثلاثة دراهم لحم، وكان للعبَّاس ميزاب على طريق عمر، فلبس عمر ثيابه يوم الجمعة، وكان ذُبح للعبَّاس فرخان، فلمَّا وافى الميزاب صبَّ ماء بدم الفرخين، فأصاب عمر، فأمر بقلعه، ثمَّ رجع فطرح ثيابه، ولبس غيرها [1] ، فصلَّى بالنَّاس، فأتاه العبَّاس، فقال والله إنَّه لفي الموضع الذي وضعه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم. فقال عمر وأنا أعزم عليك لَمَا صعدت على ظهري حتَّى تضعه في موضعه الذي وضعه رسول الله [2] صلى الله عليه وسلم. ففعل.

عن السُّدِّيِّ أنَّ عمر خرج ومعه ابن مسعود، فإذا بضوء، فاتَّبع الضَّوء؛ حتَّى دخل دارًا، فإذا سراج وشيخ، وبين يديه شراب وقينة تغنِّي، فلم يشعر حتَّى هجم عليه، فقال ما رأيت كالليلة منظرًا أقبح من شيخ ينتظر أجله. قال فرفع الشَّيخ رأسه، فقال بل يا أمير المؤمنين، ما صنعت أنت أقبح، إنَّك تجسَّست، وقد نهى الله [3] عن التَّجسُّس، ودخلت بيتي بغير إذن، وما سلَّمت. فقال عمر صدقت. ثمَّ خرج عاضًّا على يديه يبكي، وقال ثكلت عمرَ أمُّه إن لم يغفر له، هذا كان يستخفي بهذا من أهله، فيقول الآن رآني عمر، فيتتابع فيه. قال وهجر الشَّيخ مجالس عمر حياء، فبينما عمر جالس، إذا به قد جاء كالمستحي، فجلس آخريات النَّاس [4] ، فرآه عمر فقال عليَّ بهذا الشَّيخ. فأتى، فقيل له أجب. فقام، وهو يرى أن عمر سيؤنِّبهُ بما رأى منه، فقال عمر أدن منِّي، فما زال يدنيه حتَّى جلس بجنبه، فالتقم أذنه، فقال أما والذي بعث محمَّدًا بالحقِّ رسولًا، ما أخبرت أحدًا من النَّاس بما رأيت منك، ولا ابن مسعود، وكان معي. فقال يا أمير المؤمنين، والذي بعث محمَّدًا بالحقِّ رسولًا، ما عدت إليه حتَّى جلست مجلسي هذا. فرفع عمر صوته فكبَّر، ما يدري النَّاس من أيِّ شيء يكبِّر.

قال يزيد بن قَعْنَب الرَّهاويُّ [5] كنَّا عند عمر، فقالوا إنَّ لنا إمامًا يصلي بنا العصر، فإذا صلى تغنَّى بأبيات. فقال عمر قوموا بنا إليه. فاستخرجه من منزله، فقال له إنَّه يبلغني أنَّك تقول أبياتًا إذا قضيت صلاتك، فأنشدنيها، فإن كانت حسنة قلتها معك، وإن كانت قبيحة نهيتك عنها. فأنشد الرَّجل _ من البحر الرَّمل [6] _

~وفؤادي كلَّما نبهتُه عاد في اللَّذَّاتِ يَبْغِي تَعَبِي

~لا أراه الدَّهرَ إلَّا لاهيًا في تَمَادِيْه فقد بَرَّح بِي

~يا قرينَ السُّوءِ ما هذا الصِّبا فَنِيَ العمرُ كذا باللَّعِبِ

~وشباب بانَ منِّي فمضَى قبلَ أن أقضيَ منه أَرَبِي

~ما أُرَجِّي بعدَه إلَّا الفَنَا ضَيَّقَ الشَّيْبُ عليَّ مَطْلَبِي

~نَفْس لا كنت [7] ولا كانَ الهَوَى اتَّقِي المولَى وخافِي وارهبي

فقال عمر [نعم،] نَفْس لا كنت ولا كان الهوى. وهو يبكي، ويقول اتَّقي المولى وخافي وارهبي. ثمَّ قال عمر من كان متغنيًّا فليتغَنَّ هكذا.

قال الأوزاعي إنَّ عمر بن الخطَّاب كان يخرج في سواد اللَّيل يسوس المدينة، فرآه طلحة يدخل بيتًا ويخرج في طوفاته، فلمَّا أصبح طلحة ذهب، فدخل ذلك البيت، فإذا عجوز عمياء مقعدة، فقال ما بال هذا الرَّجل يأتيك (كلَّ ليلة) ؟ قالت إنَّه يتعاهدني منذ تولَّى عمر، فيصلحني، ويزيل عنِّي الأذى. فقال طلحة ثكلتك أمُّك يا طلحة، أعثراتِ عمر تتَّبع؟

وحكي أنَّ عمر كان يطوف في أزقَّة المدينة، فسمع قائلًا يقول ويل أمِّ عمر أسهر ليلتي، وأموت بغصَّتي، وألقى الله بفاقتي، وهو يتولَّى أمور المؤمنين. فقرع عمر الباب، فقال [8] من؟ قال عمر، العبد المقصِّر في شأن [9] رعيَّته. فخرجت عجوز شمطاء، فقال عمر يا أختاه، ما فاقتك؟ فإنِّي لا أعلم ما تُكِنُّ [10] البيوت، فهلَّا رفعت أمرك إليَّ. فقالت يا عمر، إن قبل الله منك هذا العذر، فقد نجوت. فشهق عمر، وخرَّ مغشيًّا عليه، فلمَّا أفاق، سألها عن حالها وحاجتها، فذكرت أنَّ أطفالها جياع، فذهب ورجع، بِحِمْلِ دقيقٍ على كتفه، وزنبيل تمر، واعتذر إليها، فبكت، وقالت من للمسلمين بعدك يتدلَّلون عليه، لا أعدمهم الله حياتك.

وحكي أنَّه لمَّا افتتح مصر زمن خلافة [11] عمر، وحان وقت جريان النِّيل، أمسك النِّيل، فلم يمدَّ، فسأل عمرو بن العاص عن ذلك، فقالوا إنَّا كنَّا إذا أتى وقت جريان النِّيل عمدنا إلى جارية من بنات ملوكنا، وألقيناها فيه، فيمدُّ، وما لم نفعل لم يمدَّ. فأشفق المسلمون من ذلك، وكتبوا به إلى عمر، فكتب عمر بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر، سلام عليك، وإنَّا نحمد الله الذي لا إله إلَّا هو، أَّما بعد فإن كنت تجري بحولك وقوَّتك، فلا حاجة لنا بك، وإن كنت تجري بحول الله وقوَّته، فاجر على بركة الله. وكتب إلى عمرو بن العاص، وهو أمير مصر يومئذ، يأمره أن يلقي كتابه في عرض النِّيل، ففعل، فمدَّ النِّيل.

قال القرطبيُّ في التَّذكرة [12] إنَّ عمر قال لمَّا أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بفتنة الميِّت في قبره، وسؤال منكر ونكير، قال يا رسول الله، أيرجع إليَّ عقلي؟ قال نعم. قال إذًا أكفيكهما، والله لئن سألاني لأسألنَّهما، فأقول لهما إنَّ الله ربِّي، فمن ربُّكما؟

قال زيد بن ثابت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أوَّل من يعطى كتابه بيمينه من هذه الأمَّة عمر، وله شعاع كشعاع الشَّمس» . فقيل له فأين يكون أبو بكر يا رسول الله؟ قال «هيهات! زفَّته الملائكة إلى الجنان» .

وروي عن حمَّاد بن يحيى المكِّيِّ عن أبيه، قال قدمت المدينة [13] بأهلي، فانطلقت إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلَّمت عليه، ثمَّ أقبلت، فلقيتني المرأة [14] في بعض الطُّرق [15] ، فجعلت أسألها عن بعض (الأمر) ، فبينا أنا أتكلَّم معها إذا ضربة على رأسي من خلفي، فالتفت، فإذا عمر، فقلت يا أمير المؤمنين! ظلمتني، هي والله زوجتي. قال أفلا كلَّمتها خلف باب أو ستر؟ قلت يا أمير المؤمنين! تلقَّتني، فسألتها عن بعض الأمر. فألقى إليَّ الدُّرَّة، فقال اقتصَّ. قلت لا. قال فاعف. قلت لا. فأخذ بيدي، وانطلق بي إلى منزل أُبيِّ بن كعب، فخرج إلينا ابنه، فقال حاجتك يا أمير المؤمنين. قال قل لأبيك فليخرج. قال فخرج أُبيٌّ أبيض الرَّأس واللِّحية، فجلس معه، ثمَّ قال عمر اقرأ عليَّ {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا} [الأحزاب 58] فقرأها عليه، فقال عمر، أفي عمر نزلت؟ قال لا. قال أضرب المؤمنين ولا يضربونني، وأؤذيهم ولا يؤذونني، قال لا؛ ولكن [16] أحدِّثك حديثًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أحدِّثه أحدًا قبلك، ولا أحدِّثه أحدًا بعدك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إذا كان يوم القيامة، ينادي مناد من قبل الله ألا لا يرفع أحد كتابه حتَّى يرفع عمر، فيجاء بك، مُبْيَضًّا وجهُك، تزفُّ إلى ربِّك، كتابك بيمينك» .

قال إمام الحرمين إنَّ الأرض زلزلت على زمن عمر، فحمد الله، وأثنى عليه، والأرض ترتجُّ، ثمَّ ضربها بالدُّرَّة، وقال قرِّي، ألم أعدل عليك؟ فاستقرَّت من وقتها.

قال السُّبكيُّ [17] كان عمر على الحقيقة، في الظَّاهر والباطن، وخليفة الله في أرضه، فهو يعزِّر الأرض، ويؤدِّبها بما يصدر منها، كما يعزِّر ساكنيها على خطيئاتهم. قال السُّبكيُّ فإن قيل أيجب على الأرض تعزير، وهي غير مكلَّفة؟ قلت هذا قصور وجهل بظواهر الشَّرع، فظاهر الشَّرع، ما يبحث عنه الفقيه، وباطنه يطَّلع عليه بعض أصفيائه، ومنهم الفاروق، فإذا كان شخص يستوي عنده الظَّاهر والباطن، يجوز له تعزيرها. قلت لقد صدق السُّبكيُّ، ومصداقه تأديب موسى الحجر؛ لمَّا ذهب بثوبه، فطفق يضربه، ويقول ثوبي حجر، ثوبي حجر، وإنَّه لندب بالحجر ستٌّ أو سبع، كما وقع في الصَّحيحين [18] .

قال السُّبكيُّ وفي قول عمر ألم أعدل عليك؟ إشارة إلى أنَّ الظُّلم موجب للانتقام، وأنَّ العدل موجب للرِّضا، وأنَّ الأرض مطيعة لله، وليس لها الارتجاج إلَّا في الوقت المعلوم، وهو يوم القيامة، كما قال تعالى {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا} [الزلزلة 1] الآية. قال وكذلك وقت وقوع الجور من الولاة. قال ويدلُّ لهذا قوله عزَّ وجلَّ {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا. أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا} [مريم 90 - 91] فدلَّت على أنَّ الأرض تنشقُّ بالجور الكائن عليها، لولا أن يمسكها الله.

وقال السُّبكيُّ في الطَّبقات الكبرى _ في ترجمة أبي تراب النَّخشبيِّ [19] _ إنَّ نارًا كانت تخرج من كهف في جبل، فتحرق ما أصابت، فخرجت في زمن عمر، فأمر أبا موسى الأشعريَّ، أو تميمًا الدَّاريَّ أن يُدخلها الكهف، [فجعل يحبسها بردائه، حتى أدخلها الكهف،] فلم تخرج بعد. قال السُّبكيُّ ولعلَّه أردا بذلك منع أذاها.

قال السُّبكيُّ وعرض عمر جيشًا يبعثه إلى الشَّام، فعرضت له طائفة، فأعرض عنهم، ثمَّ اعترضت ثانيًا، فأعرض، ثمَّ ثالثًا، فأعرض، فتبيَّن بالآخرة أنَّه كان فيهم قاتل عثمان وقاتل عليٍّ.

وذكر السُّبكيُّ قصَّة النِّيل أوفى ممَّا مرَّ، وهي أنَّ النِّيل لمَّا امتنع من الجريان، أخبر أهل مصر عمرو بن العاص أنَّ لنيلهم سُنَّة، وهي أنَّه لا يجري حتَّى تلقى فيه جارية عذراء بين أبويها، ويجعل عليها من الحليِّ والحلل أفضل ما يكون. فقال عمرو بن العاص إنَّ هذا لا يكون، وإنَّ الإسلام يهدم ما قبله. فأقاموا ثلاثة أشهر لا يجري قليلًا ولا كثيرًا، حتَّى هَمُّوا بالجلاء، فكتب عمرو بذلك إلى عمر بن الخطَّاب، فكتب إليه عمر قد أصبت، إنَّ الإسلام يهدم ما قبله، وقد بعثت إليك بطاقة، فألقها في النِّيل. ففتح عمرو البطاقة، وإذا فيها من عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر، أمَّا بعد فإن كنت تجري من قبلك، فلا تَجْرِ، وإن كان الله الواحد القهَّار هو الذي يجريك، فنسأل الله الواحد القهَّار أن يجريك. فألقى عمرو البطاقة في النِّيل قبل يوم الصَّليب، وقد تهيَّأ أهل مصر للجلاء والخروج منها، فأصبحوا وقد أجراه الله تعالى ستَّة عشر ذراعًا في ليلة. قال السُّبكيُّ فانظر إلى عمر كيف يخاطب الماء ويكاتبه، ويكلِّم الأرض ويؤدِّبها، وإذا قال لك مغرور ألذلك أصل في السُّنَّة؟ فقل (أيُّها) المعثَّر في أذيال الجهالة! أيطالب الفاروق بأصل؟ وإن شئت أصلًا، فهاك أصولًا، أليس قد حنَّ الجذع إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم؟ حتَّى ضمَّه إليه، أليس شكى إليه البعير ما به؟ أليس في قضيَّة الظَّبية حجَّة؟ والأصول في هذا النَّوع لا تنحصر.

وقال السُّبكيُّ في قصَّة سارية المذكورة أنَّ عمر لم يقصد إظهار هذه الكرامة، وإنَّما كشفت له، ورأى سارية والجيش عيانًا، وكان كمن هو بين أظهرهم، وطويت الأرض، وصار بين أظهرهم حقيقة، وغاب عن مجلسه بالمدينة، واشتغلت حواسُّه بما دهم المسلمين بنهاوند، فخاطب أميرهم خطاب من هو معه، أو هو معه حقيقة، أو كمن معه. ثمَّ قال واعلم أنَّما يجريه الله على لسان أوليائه من هذه الأمور يحتمل أن يعرفوا بها، ويحتمل أن لا يعرفوا بها، وهي كرامة على كلا الحالين.

قال السُّبكيُّ _ في أوَّل الطَّبقات الكبرى [20] _ إنَّ عمر بن الخطَّاب بينما هو يطوف في سِكَكِ المدينة؛ إذ سمع امرأة تهتف في خدرها، وهي تقول _ من البحر البسيط _

~هل مِنْ سبيلٍ إلى خَمْرٍ فأشربَها أم مِنْ سبيلٍ إلى نَصْرِ بنِ حَجَّاجِ

~إلى فتىً ما جدِ الأعراقِ مُقْتَبَلٍ سَهْلِ المُحَيَّا كريمٍ غيرِ مِلْجَاجِ

~يَنميه أعراقُ صدقٍ حين تنسبه أَخي حِفَاظٍ [21] عن المكروب فَرَّاجِ

~سامي المواطنِ من بَهْزٍ له نَهَلٌ تضيءُ صورتُه للحالِكِ الدَّاجِي

فقال عمر أرى معي في المصر من تهتف به العواتق [22] في خدرها، عليَّ بنصر بن الحجَّاج بن عِلاَط _ ووالده صحابيٌّ أسلم يوم خيبر _ فأتى به، فإذا هو من أحسن النَّاس وجهًا وعينًا [وشعرًا] ، فأمر بشعره فجُزَّ، فخرجت له جبهة كأنها شُقَّةُ قمر، فأمره أن يعتمَّ، فاعتمَّ، فافتتن النَّاس بعينيه، فقال عمر والله لا تساكنني ببلدة أنا بها. فقال يا أمير المؤمنين، ولم؟ قال هو ما أقول لك. فسيَّره إلى البصرة، وخشيت المرأة التي سمعها عمر أن يبدر [23] (من عمر) في حقِّها شيء، فدسَّت إليه أبياتًا _ من البحر البسيط _

~قُلُ للإمامِ الذي تُخْشَى بَوَادِرُهُ مالي وللخَمْرِ أو نصرِ بنِ حَجَّاجِ

~إنِّي مُنِيْتُ أبا حفصٍ بغيرهِما شربِ الحليبِ وطَرْفٍ فاترٍ ساجِي

~إنَّ الهوى زَمَّهُ التَّقوى فحبَّسه حتَّى أَقَرَّ بإلْجامٍ وإسْراجِ

~ما مُنْيَةٌ (لم أُرَبْ) فيها بضائرةٍ والنَّاسُ من صادقٍ فيها ومن داجي

~لا تجعلِ الظَّنَّ حقًَّا أو تَيَقَّنَهُ إنَّ السَّبيلَ سبيلُ الخائفِ الرَّاجي

فبكى عمر، وقال الحمد لله الذي حبس التَّقوى الهوى. ثمَّ أتى على نصر بن حجَّاج حِيْنٌ اشتدَّ أَلَمُ أمِّه، فعرضَتْ لعمر بين الأذان والإقامة، فلمَّا خرج يريد الصَّلاة، قالت يا أمير المؤمنين، لأجاثينَّك بين يدي الله تعالى، ثمَّ لأخاصمنَّك، تبيت وعبد الله وعاصم إلى جنبيك [24] ، وبيني وبين ابني الفيافي والمفاوز. فقال لها يا أمَّ نصر، إنَّ عبد الله وعاصمًا لم تهتف بهما العواتق في خدورهن. فانصرفت [25] ، ومضى عمر إلى الصَّلاة، ثمَّ أشخص عمر بَرِيْدًا إلى البصرة، فمكث بالبصرة أيَّامًا، ثمَّ نادى مناديه من أراد أن يكتب إلى المدينة فليكتب، فإنَّ بريد المسلمين خارج. فكتب النَّاس، وكتب نصر بن حجَّاج سلام عليك، أما بعد يا أمير المؤمنين. وكتب أبياتًا _ من البحر الطَّويل [26] _

~لَعمري لئن سيَّرتَنِي أو حرمتَنِي فما نلتَ من عِرْضِي عليكَ حرامُ

~وما لِيَ ذنبٌ غيرَ ظَنٍّ ظننتَه وفي بعضِ تصديقِ الظُّنونِ أَثامُ

~لَئِنْ غَنَّتِ الذَّلْفَاءُ يومًا بُمْنَيةٍ وبعضُ أمانيِّ النِّساءِ غَرَامُ

~ظننتَ بيَ الأمرَ الذي ليس بعدَه بقاءٌ فما لي في البَذِيءِ كلامُ

~فأصبحتُ منفيًَّا على غيرِ رِيْبَةٍ وقد كان لي بالمكَّتين مُقَامُ

~ويمنعني ممَّا تقولُ تكرُّمي وآباءُ صِدْقٍ سابقونَ كِرامُ

~ويمنعها ممَّا تقولُ صَلاتُها وحالٌ لها في قومِها وصيامُ

~فهاتانِ حالانَا [27] فهل أنتَ راجِعِي فقد جَبَّ منَّا غارِبٌ وسَنَامُ

فقال عمر أما وَلِي إمارة فلا. وأقطعه مالًا بالبصرة ودارًا، فرضي الله عن عمر، ما كان أنظرَه بنور الله في ذات الله وأفرسَه! كان والله، كما قال الشَّاعر _ من البحر الطَّويل [28] _

~بصيرٌ بأعقابِ الأمورِ برأيهِ كأنَّ له في اليوم عينًا على غدِ

وذكر أنَّ نصرًا لمَّا نفاه عمر إلى البصرة، كان يدخل على مُجَاشِعِ بنِ مسعود السُّلَمِيِّ، وكان معجبًا به، وكان له امرأة يقال لها الخضراء [29] ، وكانت من أجمل النِّساء، وكان لا يصبر عنها، وهو يومئذ أمير على البصرة، نيابة عن أبي موسى الأشعريِّ، فكان لشغفه بها يجمعهما في مجلسه، فحانت يومًا من مجاشع التفاتة، ونصرُ بنُ حَجَّاج يخطُّ على الأرض خطوطًا، فقالت الخضراء وأنا والله. فعلم مجاشع أنَّه جواب كلام، فقال ما قال لك؟ قالت قال ما أصفى لِقْحَتَكُمْ هذه! فقال مجاشع ما أصفى لقحتكم هذه! وأنا والله، ما هذه لهذه، أعزم عليك لَمَا أخبرتني. قالت أمَّا إذ عزمت، فإنَّه قال ما أحسنَ شوار [30] بيتكِم! فقال مجاشع ما أحسن شَوارَ بيتكِم! وأنا والله، ما هذه لهذه. وكان مجاشع لا يكتب، وهي تكتب، فدعا بإناء، فكفأه على الخطوط، ودعا كاتبًا فقرأه، فإذا هو إنِّي أحبُّك حبًّا لو كان فوقك لأظلَّك، أو تحتك لأقلَّك، فقال مجاشع هذه لهذه. وبلع نصرًا ما صنع مجاشع، فاستحيا، ولزم بيته، وضني حتَّى صار كالفرخ، فقال مجاشع لامرأته اذهبي إليه وأسنديه إلى صدرك، وأطعميه الطَّعام بيدك. فأبت، فعزم عليها، فذهبت إليه، فلمَّا تحامل خرج من البصرة، وكانوا لا يخفون من أمرائهم شيئًا، فأتى مجاشع أبا موسى، فأخبره، فقال أبو موسى لنصر أقسم بالله! ما أخرجَكَ أمير المؤمنين من خير، اخرج عنَّا. فأتى فارس، وعليها عثمان بن أبي العاص الثَّقفيُّ، فنزل على دهقانة، فأعجبها، فأرسلت إليه، فبلغ ذلك عثمان بن أبي العاص (الثَّقفيَّ) ، فقال ما أخرجَكَ أمير المؤمنين وأبو موسى عن خير، اخرجْ عنَّا. فقال والله إن فعلتم لألحقنَّ بالشِّرك. فكتب عثمان إلى أبي موسى، وكتب أبو موسى إلى عمر بذلك.

وقال عبد الله بن دينار خرج عمر من اللَّيل، فسمع امرأة تقول _ من البحر الطَّويل _

~تطاول هذا اللَّيلُ وازورَّ جانبُهْ وأَرَّقني أن لا خليلَ ألاعبُه

~فواللهِ لولا اللهُ أنِّي أُراقِبُهْ لحُرٍّك من هذا السَّريرِ جوانبُه

~مخافةَ ربي والحياء يصُدُّنِي وأصونُ بَعْلِيْ أن تُنَالَ مراتبُه

فسأل عمر ابنته حفصة أمَّ المؤمنين [31] ، كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت ستَّة أشهر، أو أربعة. فقال عمر لا أحبس أحدًا من الجيوش أكثر من ذلك. وراسل [32] عمر أمراء الجيوش أنَّ لا يمنع أحدًا من الورود إلى أهله أكثر من أربعة أشهر.

قال ابن الجوزيِّ في مثير الغرام السَّاكن [33] إنَّ عمر استعمل أوَّل سنة ولي على الحجِّ عبد الرَّحمن بن عوف، فحجَّ بالنَّاس، ثمَّ لم يزل عمر يحجُّ بالنَّاس [خلافته كلَّها، فحجَّ بهم عشر سنين، وحجَّ بأزواج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهنَّ في آخر حجَّة حجَّها، واعتمر] في خلافته ثلاث مرَّات، وقال ابن عبَّاس حججت مع عمر إحدى عشر حجَّة، ودخل عمر في بعض حجَّاته على نافع بن الحارث يعوده، فوجده قريب عهد بعرس، وفي بيته ستر من أدم، مزين بسيور، فأخذه عمر، فشقَّه، وقال لا تستروا بيوتكم بهذه المسوح، فهي أدفأ وأَكَنُّ وأحمل للغبار. ومرَّ بأبي سفيان بن حرب، فرأى أحجارًا قد بناها أبو سفيان، كالدُّكَّان في وجه داره، فجلس عليها بالغداة، فقال عمر لا أرجعنَّ من وجهي هذا حتَّى تقلعه وترفعه. فلمَّا رجع وجده على حاله، فقال ألم أقل لك؟ فقال انتظرت بعض أهل مهنتنا. فقال عزمت عليك لتقلعنَّه بيدك، ولتنقلنَّه على عاتقك. فلم يراجعه، وفعل ذلك، فقال عمر الحمد لله الذي أعزَّ الإسلام برَجِلٌ [34] من بني عديٍّ، يأمر أبا سفيان سيِّد بني عبد مناف بمكَّة، فيطيعه!

-ذكر وفاته [35] رضي الله عنه

قال أبو الأشهب رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمر ثوبًا غسيلًا، فقال «البس جديدًا، وعش حميدًا، ومت شهيدًا، يُعطيك الله قرَّة عين في الدُّنيا والآخرة» .

وقالت حفصة سمعت أبي يقول اللهم ارزقني قتلًا في سبيلك، ووفاة في بلد نبيِّك. قالت قلت وأنَّى ذلك؟ قال إنَّ الله يأتي بأمره إن [36] شاء.

قال سعيد بن المسيَّب لمَّا نفر عمر من منى في آخر حجَّة حجَّها، أناخ بالأبطح، فكوَّم كَوْمةً من بطحاء، فألقى عليها ثوبه، ثمَّ استلقى عليها، ورفع يديه إلى السَّماء، فقال اللهم كبرت سنِّي، وضعفت قوَّتي، وانتشرت رعيَّتي، فاقبضني غير مضيِّع ولا مفرِّط. ثمَّ قدم المدينة، وخطب النَّاس، فقال أيُّها النَّاس! قد فرضت لكم الفرائض، وسننت [37] لكم السُّنن، وتركتكم على الواضحة، إلَّا أن تضلُّوا بالنَّاس يمينًا وشمالًا. فما انسلخ ذو الحجَّة حتَّى طعن، فمات، رضي الله عنه.

قال عمرو بن ميمون قال عمر [38] قبل أن يصاب بأيَّام إن سلَّمني الله لأدعنَّ أرامل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي، فما أتت عليه إلَّا أربعة [39] حتَّى أصيب، وإنِّي لقائم ما بيني وبينه إلَّا عبد الله بن عبَّاس، وكان ربَّما قرأ بسورة يوسف والنَّحل في صلاة الغداة، يطوِّل ذلك في الأولى حتَّى يجتمع النَّاس، فما هو إلَّا أن كبَّر، فسمعته يقول قتلني العِلْج. أو قال قتلني الكلب. وكان مع العلج سكِّين ذات طرفين، لا يمرُّ على أحد يمينًا ولا شمالًا إلَّا طعنه، حتَّى طعن ثلاثة عشر رجلًا، مات منهم تسعة، فلمَّا رأى ذلك رجل من المسلمين، طرح عليه برنسًا، فلمَّا ظنَّ العلج أنَّه مأخوذ، نحر نفسه. قال وتناول عمر بيد عبد الرَّحمن بن عوف، فقدَّمه، فأمَّا من يلي عمر، فقد رأوا الذي رأوا، وأمَّا نواحي المسجد، فلا يدرون إلَّا أنَّهم فقدوا صوت عمر، وهم يقولون سبحان الله، سبحان الله. فصلَّى عبد الرَّحمن بالنَّاس صلاة خفيفة، فلمَّا انصرف، قال عمر يا ابن عبَّاس، انظر من قتلني، فجال ساعة، ثمَّ جاء، فقال عبد للمغيرة [40] بن شعبة. فقال الصَّنَع؟ قال نعم. قال قاتله الله، لقد كنت أمرت به معروفًا، الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدَّعي الإسلام، قد كنت أنت وأبوك تحبَّان أن يكثر العلوج بالمدينة. قال عبد الله يا أمير المؤمنين، إن شئت فعلنا. أي قتلناهم، فقال أَبَعْد ما تكلَّموا بلسانكم، وصلُّوا إلى قبلتكم، وحجُّوا حجَّكم؟ فقال فاحتمل إلى بيته، فكأنَّ النَّاس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يخاف عليه [41] . وقائل لا بأس. فأتي بنبيذ _ يعني ماء طرح فيه التمر _ فشربه، فخرج من جرحه، فعرفوا أنَّه ميِّت، فولج النَّاس يثنون عليه، وجاء شابٌّ، فقال أبشر يا أمير المؤمنين، كانت لك صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدم في الإسلام، ثمَّ ولِّيت فعدلت، ثمَّ شهادة. فقال عمر يا ابن أخي، والله لوددت أنَّ ذلك كفاف، لا عليَّ ولا لي. فلمَّا أدبر إذا إزاره يمسُّ الأرض، فقال ردُّوا عليَّ الفتى. فلمَّا جاء قال يا ابن أخي، ارفع ثوبك، فإنَّه أتقى لربِّك، وأنقى لثوبك. ثمَّ قال يا عبد الله بن عمر، انظر ما عليَّ من الدَّين. فحسبوه، فوجدوه ستَّة وثمانين ألفًا، أو نحو ذلك، فقال إنَّ وفَّى مال آل [42] عمر، فأدُّوا من أموالهم، وإن لم تفِ [43] ، فاسألوا في بني عديٍّ، فإن لم تف، فاسألوا في قريش، ولا تعدوهم إلى غيرهم، فأدُّوا عنِّي هذا المال، فاذهب إلى أمِّ المؤمنين عائشة فسلِّم، ثمَّ استأذن، ثم قل يقرأ عليك عمر بن الخطَّاب السَّلام، ولا تقل أمير المؤمنين، فإنِّي لست اليوم للمؤمنين بأمير. قال فاستأذن عبد الله على عائشة، فوجدها قاعدة تبكي، فقال يستأذن عمر بن الخطَّاب أن يدفن مع صاحبيه. فقالت قد كنت أريده لنفسي، ولأوثرنَّه على نفسي. فلمَّا أقبل [قيل هذا] عبد الله. فدخل، فقال أقعدوني [44] . فأسنده رجل إليه، فقال ما لديك؟ قال الذي تحبُّ يا أمير المؤمنين، أذنت لك. فقال الحمد لله، ما كان شيء أهمَّ إليَّ من ذلك المضجع، إذا أنا متُّ فاحملوني، ثمَّ سلِّم يا عبد الله، وقل يستأذن عمر أن يدفن مع صاحبيه. فإن أذنت لي فأدخلوني، وإلَّا فردُّوني إلى مقابر المسلمين. قال وحضرت [45] أمُّ المؤمنين حفصة، والنِّساء يسترنها، فلمَّا رأيناها قمنا، فولجت عليه، فمكثت عنده ساعة، ثمَّ استأذن الرِّجال، فولجوا [46] ، وكنَّا نسمع بكاها من داخل، فقالوا له أوص يا أمير المؤمنين. قال ما أجد أحدًا أحقَّ بهذا الأمر من هؤلاء الذين توفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض. قال فسمَّى عليًّا وعثمان والزُّبير وطلحة وعبد الرَّحمن بن عوف وسعدًا، وقال ليشهدكم عبد الله، وليس له من الأمر شيء. وقال إن أصابت سعدًا فذاك، وإلَّا فليستعن به أيُّكم أُمِّر، فإنِّي لم أعزله من عجز ولا خيانة. ثمَّ قال أوصي الخليفة من بعدي بتقوى الله، وأوصيه بالمهاجرين الأوَّلين، أن يعرف لهم حقَّهم، وأوصيه بالأنصار أن يقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرًا، فإنَّهم ردء [47] الإسلام، وجباة الأموال، وغيظ العدوِّ، وأن لا يؤخذ منهم إلَّا فضلهم، عن رضىً منهم، وأوصيه بالأعراب خيرًا، فإنَّهم أصل العرب، ومادَّة الإسلام؛ أن يؤخذ من حواشي أموالهم، فيردَّ على فقرائهم، وأوصيه بذمَّة الله وذمَّة رسوله؛ أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من وراءهم، وأن لا يكلِّفوا إلَّا طاقتهم. فلمَّا توفِّي أخرجناه، فانطلقنا معه، فسلَّم عبد الله، واستأذن [لعمر] من عائشة، فقالت أدخلوه. فدفن مع صاحبيه، ثمَّ بويع عثمان، كما ذكرنا.

قال أبو عاصم النَّبيل لم نجد لأبي بكر وعمر فضيلة مثل الدَّفن مع النَّبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ ذلك يدلُّ على أنَّ طينتهما [48] من طينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم «ما من مولود إلَّا قد ذرَّ [49] عليه من تراب حفرته» . قال أبو نعيم [50] هذا حديث غريب، لم نكتبه إلَّا من حديث أبي عاصم، وهو أحد الأئمَّة الأعلام من أهل البصرة، وروي [عنه] صلى الله عليه وسلم أنَّه رأى جنازة حبشيٍّ، فقال «سبحان الله سيق من أرضه وسمائه إلى التُّربة التي خلق منها» . وقال عطاء الخراسانيُّ في قوله تعالى {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} [طه 55] الآية، إنَّ الملك ينطلق، فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه، فيذره على النُّطفة، فيخلق من التُّراب، ومن النُّطفة.

قال المِسْوَرُ بنُ مَخْرَمَة لمَّا طعن عمر دخلت فأخذت بعضادتي الباب، فقلت كيف ترونه؟ قالوا [51] كما ترى. فقلت فأيقظوه للصَّلاة، فإنَّكم لن توقظوه بشيء أفزع له من الصَّلاة. ثمَّ قام وصلَّى، وجرحه يجري دمًا [52] .

قال عثمان رضي الله عنه أنا آخركم عهدًا بعمر، دخلت ورأسه في حجر ابنه عبد الله، فقال له ضع خدِّي بالأرض. قال فهل فخذي والأرض سواء؟ قال ضع خدِّي بالأرض، لا أمَّ لك. وسمعته يقول ويلي، وويل أمِّي، إن لم يغفر لي. حتَّى فاضت نفسه.

قال ابن عمر لمَّا طعن عمر وخشي أن يكون له ذنب إلى النَّاس لا يعلمه، فدعا عبد الله بن عبَّاس [53] ، وكان يحبُّه ويأتمنه، فقال أحبَّ أن تعلم، أكان هذا عن اتِّفاق النَّاس. فخرج ثمَّ رجع إليه، فقال ما أتيت على ملأ من النَّاس إلَّا وهم يبكون، كأنَّهم فقدوا أبناءهم. قال فمن قتلني؟ قال أبو لؤلؤة المجوسيُّ. فرأينا البِشْرَ في وجهه، فقال الحمد لله الذي لم يقتلني رجل يحاجُّني بلا إله إلَّا الله يوم القيامة، أما إنِّي كنت نهيتكم أن تحملوا إلينا من العلوج أحدًا، فعصيتموني، ثمَّ إنِّي نظرت في هذا الأمر، فوجدت هؤلاء السِّتَّة رؤوس النَّاس، فلا يكون إلَّا منهم [54] ، وليصلِّ بالنَّاس صهيب. ثمَّ قال والله لو كانت لي الدُّنيا كلُّها لافتديت بها من هول المطلع، وما ذاك _ والحمد لله _ إلَّا خيرًا. فقال ابن عبَّاس أليس قد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعزَّ الله بك الدِّين، (والمسلمون مختفون بمكَّة، فلمَّا أسلمت أعزَّ الله بك الدِّين،) فظهر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثمَّ هاجرت إلى المدينة، فكانت هجرتك فتحًا، ثمَّ لم تغب عن مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتال المشركين، وقد قال صلى الله عليه وسلم يوم كذا كذا. ويوم كذا كذا. ثمَّ قبض، وهو عنك راض، ثمَّ ارتدَّ النَّاس بعده، فوازرت [55] الخليفة على منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضربت بمن أقبل من أدبر حتَّى دخل [في] الإسلام طوعًا وكرهًا، وقبض الخليفة، وهو عنك راض، ثمَّ ولِّيت، فخير ما ولِّي أحد من النَّاس، مصَّر الله بك الأمصار، وجبى بك الأموال، ونفى الله بك العدوِّ، وأدخل الله على كلِّ أهل من المسلمين بالثَّناء عليك. فكره ذلك، فقال والله إنَّ المغرور من غررتموه، ألزق خدِّي بالأرض يا عبد الله. ففعلت، فقال ويلك، وويل أمِّك يا عمر إن لم يغفر الله لك.

قال ابن عمر لمَّا طعن عمر وأمر بالشُّورى بين السِّتَّة، دخلت عليه حفصة، وقالت يا أبت، إن النَّاس يزعمون أنَّ هؤلاء السِّتَّة ليسوا برضىً. قال أسندوني، أسندوني. فلمَّا أسند، قال ما عسى أن يقولوا في عليٍّ؟! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «يا عليُّ، يدك في يدي تدخل معي يوم القيامة حيث أدخل أنا» . قال ما عسى أن يقولوا في عثمان؟ سمعت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول «يوم يموت عثمان تصلِّي عليه ملائكة السَّماء» . قلت يا رسول الله، لعثمان خاصَّة أم للنَّاس عامَّة؟ قال «لعثمان خاصَّة» . ما عسى أن يقولوا في طلحة؟! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، وقد سقط رحله، فقال «من يسوِّي (لي رحلي) فهو في الجنَّة» . فبدر طلحة، فسوَّاه له حتَّى ركب، فقال له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم «يا طلحة، هذا جبريل يقرئك السَّلام، ويقول لك أنا معك في أهوال القيامة حتَّى أنجيك منها» . ما عسى أن يقولوا في الزُّبير؟ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نام، فجلس يذبُّ عن وجهه حتَّى استيقظ، فقال «أبا عبد الله لم تزل» ؟ قال لم أزل، بأبي أنت وأمِّي. فقال «هذا جبريل يقرئك السَّلام، ويقول أنا معك يوم القيامة حتَّى أذبَّ عنك شرر جهنَّم» . ما عسى أن يقولوا في سعد بن أبي وقَّاص؟! سمعت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول، وقد أوتر قوسه أربع عشرة مرَّة، يدفعها إليه، ويقول «ارم فداك أبي وأمِّي» . ما عسى أن يقولوا في عبد الرَّحمن؟! رأيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول، وهو في منزل فاطمة، والحسن والحسين يبكيان جوعًا، ويتضورَّان، فقال صلى الله عليه وسلم «من يصلنا بشيء» . فطلع عبد الرَّحمن بصحفة، وفيها حَيْس ورغيفان [56] وبينهما إهالة، فقال صلى الله عليه وسلم «كفاك الله أمر دنياك، فأمَّا أخراك، فأنا لها ضامن» .

قال المِسْوَرُ بنُ مَخْرمة خرج عمر بن الخطَّاب يومًا يطوف في السُّوق، فلقيه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، وكان نصرانيًّا _قلت وقد مضى أنه كان مجوسيًّا_ فقال يا أمير المؤمنين، أَعْدِني على المغيرة، فإنَّ عليَّ خراجًا كثيرًا. قال وكم خراجك؟ قال درهمان كلَّ يوم. قال وما صنعتك؟ قال أنا نجَّار ونقَّاش وحدَّاد. قال (أما) إنَّ خراجك ليس بكثير على ما تصنع، قد بلغني أنَّك تقول لو أردت أن أعمل رحىً تطير بالرِّيح لفعلت. قال نعم. قال فاعمل لي رحىً. قال لئن سلمت لأعملنَّ لك رحىً يتحدَّث النَّاس بها بالمشرق والمغرب. ثمَّ انصرف عنه، فقال (عمر) لقد توعَّدني [57] [العبد] آنفًا. ثمَّ انصرف إلى منزله، فلمَّا كان من الغد جاء كعب الأحبار، فقال يا أمير المؤمنين، اعهد، فإنَّك ميِّت إلى ثلاثة أيَّام. قال وما يدريك؟ قال أجد في التَّوراة. قال عمر [اللهَ] لتجدُ عمرَ بنَ الخطَّاب؟! قال اللَّهم لا، ولكن [58] أجد صفتك وحليتك، وإنَّه قد فني أجلك. قال عمر وأنا لا أحسُّ وجعًا! فلمَّا كان من غد أتاه كعب، فقال ذهب يوم وبقي يومان. ثمَّ جاءه من الغد، فقال يا أمير المؤمنين، ذهب يومان، وبقي يوم، وهي لك، ولي صبحها. فلمَّا كان الصُّبح خرج _ رضي الله عنه _ إلى الصَّلاة، وكان يوكل بالصُّفوف رجالاَ، فإذا استوت جاء هو فنظر، ودخل أبو لؤلؤة في النَّاس، في يده خنجر له رأسان، نصابه في وسطه، فضرب عمر ستَّ ضربات، إحداها تحت سرَّته، وهي التي قتلته، وقتل معه كُليب بن بُكير [59] اللَّيثي، وكان حليفه، فلمَّا وجد عمر حرَّ السِّلاح سقط، وقال أفي النَّاس عبد الرَّحمن؟ قالوا يا أمير المؤمنين، هو ذا. قال تقدَّم فصلِّ، فصلَّى عبد الرَّحمن، وعمر طريح، ثمَّ احتمل إلى داره، فدعا عبد الرَّحمن، فقال إنِّي أريد أن أعهد إليك. قال نعم يا أمير المؤمنين، إن أشرت إليَّ قبلت، أنشدك الله، أتشير عليَّ بذا؟ قال اللَّهم لا. فقال والله لا أدخل فيه أبدًا، قال فهبني صمتًا؛ حتَّى أعهد إلى النَّفر الذين توفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فدعا عثمان وعليًّا والزُّبير وسعدًا، قال انتظروا أخاكم طلحة ثلاثًا، فإن جاء، وإلَّا فاقضوا، أنشدكم الله، يا عليُّ، إن ولِّيت من أمور النَّاس شيئًا أن تحمل بني هاشم على رقاب النَّاس، أنشدك الله يا عثمان، إن ولِّيت من أمور النَّاس شيئًا أن تحمل بني أبي معيط على رقاب النَّاس، أنشدك بالله يا سعد، إن ولِّيت من أمور النَّاس شيئًا أن تحمل أقاربك على رقاب النَّاس، قوموا فتشاوروا، ثمَّ اقضوا أمركم، وليصلِّ بالنَّاس صهيب. ثمَّ دعا أبا طلحة، وقال قم على بابهم، لا تدع أحدًا يدخل عليهم، وأوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأوَّلين، الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم أن يقسم عليهم فيئهم، ولا يستأثر عليهم، وأوصيه بالأنصار، الذين تبوَّؤا الدَّار والإيمان، وأوصي الخليفة من بعدي بالعرب، فإنَّهم مادَّة الإسلام، أن تؤخذ صدقاتهم، فتوضع في فقرائهم، وأوصيه بذمَّة الله وذمَّة رسوله أن يوفي لهم بعهد الله، اللهم هل بلغت؟ تركت الخليفة من بعدي على أنقى من الرَّاحة، يا عبد الله بن عمر، اخرج وانظر من قتلني. قال يا أمير المؤمنين، أبو لؤلؤة. فقال الحمد لله الذي لم يجعل منيَّتي على يد رجل سجد لله سجدة، يا عبد الله، إن اختلف القوم، فكن مع الأكثر، فإن كانوا ثلاثة وثلاثة، فكن مع الحزب الذي فيه عبد الرَّحمن، يا عبد الله، ائذن للنَّاس. فأذن، فدخلوا فوجًا فوجًا، ويقول عمر هذا عن اتِّفاقكم؟ فيقولون معاذ الله. فلمَّا دخل كعب الأحبار، ورآه عمر أنشأ يقول [60] _ من البحر الطَّويل _

~فواعدَني كعبٌ ثلاثًا أعدَّها ولا شكَّ أنَّ القول ما قاله كعبُ

~وما بي حذارَ الموتِ إنِّي لميِّتٌ ولكنْ حذارَ الذَّنبِ يتبعُه الذَّنبُ

فقيل له يا أمير المؤمنين، لو دعوت طبيبًا. فدُعي طبيب من بني الحارث بن سعد، فسقاه ماء نبذ فيه تمر، فخرج مشكلًا [61] ، قال فاسقوه لبنًا. فخرج أبيض، فقال له اعهد. قال قد فرغت. فتوفِّي ليلة الأربعاء.

قال ابن عبَّاس لمَّا وضع عمر على النَّعش، تكنَّفه النَّاس يثنون عليه، ويصلَّون عليه، فلم يَرُعْنِي إلَّا رجل قد أخذ بمنكبي من ورائي، فالتفتُّ، فإذا هو عليٌّ، فترحَّم على عمر، وقال ما خلَّفت أحدًا أحبَّ إليَّ أن ألقى الله بمثل عمله منك، وأيم الله! إن كنت لأظنُّ أن يجعلك الله مع صاحبيك، وذاك أنِّي كنت كثيرًا أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر» . فإن كنت لأرجو أن يجعلك الله معهما.

قال جرير بن عبد الحميد، عن جدَّته أنَّها قالت لمَّا جاء نعي عمر، كان النَّاس يرون أنَّ القيامة قد قامت، فجعل الرَّجل يوصي، كأنَّه قد جاءه الأمر.

قال الحسن بن أبي جعفر (بلغنا) أنَّه لمَّا قتل عمر أظلمت الأرض كلُّها، فجعل الصَّبيُّ يأتي أمَّه، فيقول يا أماه، أقامت القيامة؟ فتقول لا، ولكن مات عمر.

قالت عائشة _ كما نقل عنها ابن الأثير [62] _ إنَّ الجنَّ بكت على عمر قبل أن يموت بثلاث، فقالت _ من البحر الطَّويل _

~أبعدَ قتيلٍ بالمدينةِ أظلمتْ له الأرضُ تهتزُّ العضَاهُ [63] بأَسْوُقِ

~جزى الله خيرًا من أميرٍ وباركتْ يدُ الله في ذاك الأَديمِ الممزَّقِ

~فمن يَسْعَ أو يركبْ جناحَي نَعَامَةٍ ليدركَ ما قدمتَ بالأمسِ يُسْبَقِ

~قضيتَ أمورًا ثمَّ غادرتَ بعدها بَوَائِقَ في أَكْمامِها لم تفتَّقِ

~فما كنتُ أخشى أن يكون مما تُه بكَفَّيْ سَبَنْتَى أخضرِ العينِ مُطْرِقِ

وقيل إنَّ هذه الأبيات للشَّمَّاخ، أو لأخيه مُزَرِّد [64] .

قالت أمُّ أيمن لمَّا مات عمر اليوم وَهَى الإسلام.

قال عمر بن ميمون لمَّا مسَّ الحديدُ عمرَ سمعته يقول {وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} [الأحزاب 38]

وقدم [65] على ابن مسعود رجلان اختلفا في آية من القرآن، فقال أحدهما أقرأنيها عمر. وقال الآخر أقرأنيها أُبيُّ بن كعب. فقال ابن مسعود اقرأ كما أقرأك عمر. ثمَّ هملت عيناه بالدُّموع، حتَّى بل الحصى، وهو قائم، ثمَّ قال إنَّ عمر كان حائطًا كثيفًا، فمات، فانثلم الحائط، فهم يخرجون، ولا يدخلون، ولو أنَّ كلبًا أحبَّ عمر لأحببته، وما أحبُّ [66] أحدًا حبِّي لأبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجرَّاح بعد نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم.

قال أبو طلحة ما من بيت حاضر ولا باد إلَّا وقد وصله من موت عمر نقص.

وقال ابن مسعود إنَّ عمر كان أعلمنا بالله، وأقرأنا لكتاب الله، وأتقانا لله، والله إنَّ أهل بيت من المسلمين لم يدخل عليهم حزن على عمر حين أُصِبْتَ لأهلُ بيت سوء، وإنِّي لأحسب سبعة أعشار العلم ذهبت مع عمر.

قال سفيان بن عيينة ما كان أبو بكر وعمر إلَّا حجَّة على النَّاس؛ أن يقول قائل من ذا الذي يستطيع أن يعمل بمثل [67] عمل رسول الله؟ فيقال [68] أبو بكر وعمر. فكانا حجَّة على النَّاس.

قال القرطبي في التَّذكرة [69] إنَّ عمر قال _ لمَّا أخبر، النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بفتنة الميت [70] في قبره وسؤال منكر ونكير _ يا رسول الله، أيرجع إليَّ عقلي؟ قال نعم، كهيئتكم [اليوم] . قال إذًا اكفيتهما [71] ، والله لئن سألاني لأسألنَّهما، فأقول [لهما] فإنَّ الله ربِّي، فمن ربُّكما أنتما؟

قال الأعمش عن أبي وائل، قال قال ابن مسعود لو أنَّ علم عمر وضع في ميزان، ووضع علم النَّاس في ميزان لرجح علم عمر. فذكرته لإبراهيم [72] ، فقال قد [73] قال عبد الله أفضل من ذلك، قال لمَّا مات عمر ذهب تسعة أعشار العلم.

قال قبيصة بن جابر والله ما رأيت أحدًا أرأف برعيَّة [74] من عمر، ولا خيرًا من أبي بكر، ولم أر أحدًا أقرأ في كتاب الله، ولا أفقه في دين الله، ولا أَقْوَمَ بحدود الله، ولا أهيبَ في صدور الرِّجال من عمر، ولا رأيت أشدَّ حياء من عثمان.

قال طلحة، وسعد بن أبي وقَّاص ما كان عمر بأوَّلنا إسلامًا، ولا بأقدمنا هجرة، وقد عرفنا بأي شيء فَضَلنا، كان أزهدنا في الدُّنيا، وأرغبنا في الآخرة.

قال ثابت إنَّ عمر استسقى، فأتي بإناء من عسل، فوضعه على كفِّه، فجعل يقول أشربها [75] فتذهب حلاوتها، وتبقى نقمتها. قالها ثلاثًا، ثمَّ دفعه إلى رجل من القوم، فشربه.

قال الأحنف بن قيس كنت مع عمر، فلقيه رجل، فقال يا أمير المؤمنين، انطلق معي، فأنجدني على فلان، فإنَّه قد ظلمني. فرفع الدُّرَّة، فخفق بها رأسه، فقال تدعون [76] أمير المؤمنين، وهو معرض لكم؛ حتَّى إذا شغل في أمر من أمور المسلمين أتيتموه أنجدني أنجدني. قال فانصرف الرَّجل، وهو يتذمَّر، ثمَّ قال عليَّ بالرَّجل. فألقى إليه المخفقة، فقال امتثل. قال لا والله! ولكن أدعها لله ولك. قال ليس هكذا [77] ، إمَّا أن تدعها لله إرادة ما عنده، أو تدعها لي، فأعلم ذلك. قال أدعها لله. فانصرف، ثمَّ جاء يمشي، حتَّى دخل منزله، ونحن معه، فصلَّى ركعتين، ثمَّ جلس، فقال يا ابن الخطَّاب، كنت وضيعًا فرفعك الله، وكنت ضالًّا فهداك الله، وكنت ذليلًا فأعزَّك الله، ثمَّ حملك على رقاب المؤمنين، فجاءك رجل يستنجدك، فضربته، ما تقول لربِّك غدًا إذا أتيته [78] ؟ فجعل يعاتب نفسه في ذلك معاتبة حتَّى ظننَّا أنَّه (من) خير أهل الأرض.

قال ابن أبي مُليكة بينا عمر وقد وضع بين يديه طعامه [79] (خبز) ؛ إذ جاء الغلام، فقال هذا عتبةُ بنُ فَرْقَدٍ بالباب. قال وما أقدم عتبة؟ ائذن له. فلمَّا دخل رأى بين يديه طعامه خبز وزيت، قال اقترب يا عتبة، فأصب من هذا. فذهب يأكل، فإذا هو طعام جشب [80] ، لا يستطيع أن يسيغه، فقال يا أمير المؤمنين، هل لك في طعام يقال له الحواري؟ قال ويلك! أيسع [81] ذلك المسلمين كلَّهم؟ قال لا والله. قال ويحك يا عتبة! أفأردت أن آكل طيِّبًا في حياتي الدُّنيا وأستمتع؟.

قال أبو حازم دخل عمر على حفصة، فقدَّمت إليه مرقًا باردًا، وصبَّت عليه زيتًا، فقال عمر إدامان في طعام واحد _ وكان صائمًا _ لا أذوقه حتَّى ألقى الله عزَّ وجلَّ.

قال أنس لقد رأيت بين كتفي عمر أربع رقاع في قميصه. وقال أبو عثمان النَّهديُّ رأيت عمر يرمي الجمار، وعليه إزار مرقوع بقطعة جِراب. ورأى عمر مرَّة في يد بعض أولاده درهمًا، فقال [له] من أين لك هذا؟ قال أعطاني أبو موسى الأشعري. فأخذه منه، وأتى [82] أبا موسى، فسأله من أين لك هذا؟ قال كنست بيت المال، فوجدت هذا الدِّرهم، فقلت أحقُّ النَّاس به ابن أمير المؤمنين. فقال ردَّ الدِّرهم إلى بيت المال، أتريد أن يطالبني النَّاس كلُّهم بهذا يوم القيامة؟ وأخذ (مرَّة) ابنٌ له طفلٌ تفَّاحةً من بيت المال، وعض عليها، وأخذ منها قطعة تفاح، فقام إليه يسعى خلفه؛ حتَّى وقع الرِّداء من منكبه، وأدخل أصبعه في أنفه، وأخرج القطعة من فمه. فرضي الله تعالى عنه.

وذكر كمال الدِّين الدَّميريُّ [83] _ نقلًا عن زيد بن أسلم، وعبد الله بن عمر _ أنَّه لمَّا انصرف ابنا عمر عبد الله وعبيد الله من غزوة نهاوند مرَّا بالعراق، وعليها أبو موسى الأشعريُّ، فقال لهما إنِّي أريد أن أصلكما بشيء، وليس عندي ما أصلكما به سوى مئة ألف من [مال] بيت المال، فخذاها واتَّجرا فيها، ثم سلِّما المال إلى أمير المؤمنين بالمدينة، والرِّبح لكما. فأخذا المال، واشتريا به متاع العراق، فربحا بالمدينة ربحًا كثيرًا، ثمَّ أخبرا عمر بذلك، فقال لو أعطى كلَّ رجل من المسلمين مثل ما أعطاكما، [إنما أعطيتما] [84] لمكانكما منِّي، فأدِّيا المال والرِّبح إلى بيت المال. فسكت عبد الله، ولم يراجع أباه بشيء، وقال عبيد الله أرأيت لو تلف هذا المال أما كان من ضماننا؟ قال نعم. قال فالربح لنا إذن. فأعاد عمر كلامه، فراجعه عبيد الله، فقال عبد الرَّحمن بن عوف يا أمير المؤمنين، لو جعلته قراضًا. [ففعل،] فأخذ منهما المال، ونصف ربحه. قال الدَّميريُّ فإن قيل كان المال قرضًا، فكيف جعله قراضًا؟ قال الجواب أنَّه استطاب قلوبهما في نصف الرِّبح، وللإمام ذلك إذا رآه مصلحة كما فعله صلى الله عليه وسلم في سبي هوازن، وحمله على ذلك ما فهمه من قصد أبي موسى إرفاقهما لكونهما ابني أمير المؤمنين، وقصد رعاية بيت المال، وعليه نَزَّل ابنُ شُريح مشاطرة عمر لعمَّاله؛ لأنَّهم كانوا يتَّجرون بجاه العمل [85] بأموالهم، فنزَّل الجاه منزلة العامل، وأخذ نصيبه لبيت المال.

ورأى [86] مرَّة جِمَالًا سمانًا، فقال لمن هذه؟ قيل لعبد الله بن عمر. [قال] فسوقوها إلى بيت المال، اسقوا جِمال ابن أمير المؤمنين، أطعموا جمال ابن أمير المؤمنين، يعني بذلك أنَّ سمنها حصل بجاه أمير المؤمنين، وقال إنها سمنت باسمي، وليس لي اسم، إنَّما الاسم للمؤمنين، وكلُّ شيء يحصل على اسمي فإنَّ ذلك لبيت المال.

وأتى قبيصة عمر يسأله عن ظبي قتله خطأ، فالتفت عمر إلى عبد الرَّحمن بن عوف، فقال أترى شاة تكفيه؟ قال نعم. فأمره عمر بذلك، فلمَّا انصرف، قال قبيصة إنَّ أمير المؤمنين لا يحسن أن يفتي حتَّى يسأل. فسمع عمر بعض كلامه، فدعاه، فقال أما قرأت كتاب الله؟ قال لا. قال إنَّ الله تعالى يقول [87] {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ} [المائدة 95] ثمَّ قال عمر إنَّ في الإنسان عشرة أخلاق، تسعة حسنة، وواحدة سيِّئة، فيفسد الخلق السَّيِّء التِّسعة الصَّالحة، فإيَّاك وعثرات اللِّسان.

قال ابن الأثير في أسد الغابة [88] إنَّ سويد بن غَفَلة الجُعْفيَّ دخل على عليِّ بن أبي طالب في إمارته، فقال يا أمير المؤمنين، إنِّي مررت بنفر يذكرون أبا بكر وعمر بغير الذي هما أهل له من الإسلام. فقال عليٌّ لمَّا حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم الوفاة، قال «مروا أبا بكر أن يصلِّي بالنَّاس» . وهو يرى مكاني، فصلَّى بهم سبعة أيَّام في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا قبضه الله ارتدَّ النَّاس، فقالوا نصلِّي، ولا نعطي الزَّكاة. فرضي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم و (أبى) أبو بكر منفردًا برأيه، فرجح برأيه رأيهم جميعًا، وقال والله لو منعوني عقالًا ممَّا فرض الله ورسوله لأجاهدنَّهم عليه، كما أجاهدهم على الصَّلاة. فأعطى المسلمون البيعة طائعين، فكان أوَّل من سبق في ذلك من ولد عبد المطَّلب أنا، فمضى وترك الدُّنيا وهي مُقْبلة، فخرج منها سليمًا، فسار فينا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ننكر من أمره شيئًا؛ حتَّى حضرته الوفاة، فرأى أنَّ عمر أقوى عليها، ولو كانت محاباة لآثر بها ولده، واستشار المسلمين في ذلك، فمنهم من رضي، ومنهم من كره، وقالوا أتؤمِّر علينا من كان عنيفًا وأنت حيٌّ، فماذا تقول لربِّك إذا قدمت عليه؟ قال أقول لربِّي إلهي، أمَّرت عليهم خير أهلك. فأمَّر علينا عمر، فقام فينا بأمر صاحبه، لا ننكر منه شيئًا يعرف، (فيه) زيادة [89] كلَّ يوم الدِّين والدُّنيا، فتح الله به الأرضين، ومصَّر به الأمصار، لا تأخذه في الله تعالى لومة لائم، البعيد والقريب سواء في العدل والحقِّ عنده، وضرب الله بالحقِّ [90] على لسانه وقلبه، حتَّى إنْ كنَّا لنظنَّ أنَّ السَّكينة تنطق على لسانه، وأنَّ لملكًا [91] بين عينيه يسدِّده ويوفِّقه. (ثمَّ) قال عليٌّ إنَّ الله تعالى جعل أبا بكر وعمر حجَّة على من بعدهما من الولاة إلى يوم القيامة، فسبقا _ والله _ سَبْقًا بعيدًا، وأتعبا _ والله _ من بعدهما تعبًا شديدًا، فذكرهما حزن للأمَّة، وطعن على الأئمَّة.

قال عبد الله البهيُّ [92] إنَّ أبا بكر لمَّا استعزَّ دعا عبد الرَّحمن بن عوف، فقال أخبرني عن عمر بن الخطَّاب. فقال ما تسألني عن امرئ إلَّا وأنت أخبر به منِّي [93] . قال أبو بكر وإن. فقال والله هو أفضل م

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت