1533 # رملة بنت أبي سفيان، صخر بن حرب _بالموحَّدة في آخره، لا المثلَّثة_ الصَّحابيَّة، القرشيَّة، الأمويَّة، [أمُّ المؤمنين] ، أمُّ حبيبة، كنِّيت ببنتها، وأمُّها صفيَّة بنت أبي العاص، عمَّة عثمان بن مظعون، رضي الله عنه، وكانت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عند عبيد الله بن جحش، مصغَّرًا، وغلط من قال إنَّها كانت زوجة عبد الله بن جحش، بصيغة المكبَّر.
هاجرت مع زوجها عُبيد الله الهجرة الثَّانية إلى الحبشة، ثمَّ تنصَّر زوجها عبيد الله _معاذ الله من غضب الله_ بالحبشة، وهلك هنالك على التنصُّر، واستمرَّت أمُّ حبيبة على الإسلام، فتزوَّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قالت أمُّ حبيبة رأيت في النَّوم [1] كأنَّ زوجي عبيد الله في أسوأ صورة وأشوهها، ففزعت، فقلت تغيَّر والله حاله. فإذا هو يقول _ حين أصبح _ يا أمَّ حبيبة، إنِّي نظرت في الدِّين، فلم أجد [2] دينًا خيرًا من [دين] النَّصرانيَّة، وكنت قد دنت [3] بها، ثمَّ دخلت في دين محمَّد، ثمَّ إنِّي قد رجعت إلى النَّصرانيَّة. فقلت والله، ما هي خير لك. وأخبرته بالرُّؤيا التي رأيته [4] ، فلم يلتفت إليها، وأكب على الخمر حتَّى مات، ثمَّ رأيت في النَّوم كأنَّ قائلًا يقول لي يا أمَّ المؤمنين. ففزعت، فأوَّلتها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزوَّجني. قالت فما هو إلَّا أن انقضت عدَّتي، فما شعرت إلَّا برسول النَّجاشيِّ على بابي يستأذن، وإذا جارية له يقال لها أبرهة، كانت تقوم على ثيابه ودهنه [5] ، فدخلت عليَّ، وقالت إنَّ الملك يقول لك إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليَّ أن أزوِّجك (به) . فقلت بشَّرك الله بخير. قالت ويقول الملك وكِّلي من شئت ليزوِّجك. قالت فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص، فوكَّلته. قالت فأعطيتُ أبرهة سوارًا [6] من فضَّة، وخلخالين كانتا في رجلي، وخواتم فضَّة كانت في أصابع رجلي؛ سرورًا بما بشَّرتني به، فلمَّا كان العشيُّ، أمر النَّجاشيُّ جعفر بن أبي طالب، ومن هناك من المسلمين، فحضروا النَّجاشيَّ، فقال الحمد لله [7] الملك، القدوس، السَّلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبَّار، (المتكبِّر،) أشهد أن لا إله إلَّا الله وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله [8] ، أرسله بالهدى ودين الحقِّ؛ ليظهره على الدِّين كلِّه ولو كره المشركون، أمَّا بعد فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من زواج أمِّ حبيبة، وقد أصدقتها أربعمئة دينار ذهبًا. ثمَّ سكب الدَّنانير بين يدي القوم، فتكلَّم خالد بن سعيد، فقال الحمد لله أحمده، وأستعينه، وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحقِّ؛ ليظهره على الدِّين كلِّه، ولو كره المشركون؛ أمَّا بعد، فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوَّجْتُه أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب، فبارك الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فدفع النَّجاشيُّ الدَّنانير إلى خالد بن سعيد بن العاص، فقبضها، فلمَّا أراد القوم أن يقوموا، قال النَّجاشيُّ اجلسوا، فإنَّ سنَّة [9] الأنبياء إذا تزوَّجوا أن يؤكل طعام على التزويج. ثمَّ دعا بطعام فأكلوا، ثمَّ تفرَّقوا، قالت أم حبيبة فلما وصل إليَّ المال أرسلت إلى أبرهة الجارية التي بشَّرتني، فقلت لها إنِّي كنت أعطيتك ما أعطيتك يومئذ، ولا مال بيدي، وهذه خمسون مثقالًا فخذيها، واستعيني بها. فأبت وأخرجت حُقًَّا فيه كلُّ شيء أعطيتها إيَّاه، فردَّته عليَّ، وقالت عزم الملك [عليَّ] ألَّا آخذ منك شيئًا، وأنا الذي أقوم على ثيابه ودهنه [10] ، وقد اتَّبعت دين محمَّد صلى الله عليه وسلم، وأسلمت لله، وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بكلِّ ما عندهنَّ من العطر. فلمَّا كان الغد جاءتني بوَرْسٍ، وعُود، وعَنْبر، وزَبَاد، فقمت بذلك كلِّه إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكان يرى ذلك كلَّه [عليَّ] ولا يكرهه. ثمَّ قالت أبرهة حاجتي إليك أن تقرئي رسول الله صلى الله عليه وسلم منِّي السَّلام، وتعلميه بأنِّي قد اتبعت دينه. ثمَّ جهَّزتني، وكانت كلَّما دخلت عليَّ قالت لا تنسي حاجتي إليك. فلمَّا قدمت المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته، كيف كانت الخطبة، وما فعلت بي أبرهة، فتبسَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقرأته منها السَّلام، فقال «وعليها السَّلام ورحمة الله وبركاته» .
وفي أبي داود [11] أنَّ النَّجاشيَّ أمهرها أربعة آلاف درهم، وبعث بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع شرحبيل بن حسنة، [وقيل إنَّ الذي زوَّجها عثمان بن عفَّان. وروي أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بعث عمرو بن أميَّة الضَّمريَّ إلى النَّجاشيَّ ليخطبها عليه، فزوَّجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعثها مع شرحبيل بن حسنة] _رضي الله عنه_ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيحتمل أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمرو بن أميَّة _ رضي الله عنه _ للخطبة، وبعث صلى الله عليه وسلم شرحبيل بن حسنة _ رضي الله عنه _ ليحملها إليه، وذلك في سنة سبع للهجرة، وقال ابن الأثير [12] _ رحمه الله تعالى _ كان ذلك في سنة ستٍّ من الهجرة. قال وبهذا يحتجُّ من أنكر أنَّ عثمان بن عفَّان _ رضي الله عنه _ زوَّجها، فإنَّ عثمان قدم من الحبشة قبل بدر في السَّنة الثَّانية من الهجرة، وقيل كان عقدها بالمدينة بعد رجوعها من الحبشة. لكنَّ المشهور ما تقدَّم من أنَّه كان بالحبشة، وكان أبو سفيان حال زواجها بمكَّة مشركًا، فلمَّا سمع أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم تزوَّج ابنته قال ذاك فحل لا يقدع أنفه. ونساء النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مهرهنَّ أربعمئة درهم، وقيل خمسمئة، كبناته. وما يقال _ نقلًا عن ابن عبَّاس _ كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان، ولا يقاعدونه [13] ، فقال للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم [يا رسول الله،] ثلاث أُعطيتهنَّ، عندي أحسن العرب وأجملها [14] أمُّ حبيبة بنت أبي سفيان أزوِّجكها. قال نعم. ومعاوية تتَّخذه كاتبًا بين يديك. قال نعم. وتؤمِّرني حتَّى أقاتل الكفَّار، كما كنت أقاتل المسلمين. قال نعم. فقد عدَّه ابن حزم من أوهام مسلم [15] .
قال الزُّهريُّ قدم أبو سفيان المدينة لمَّا نقضوا العهد، وبيَّتت بنو بكر خزاعة حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعانهم [16] على ذلك بعض قريش، وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن سالم، وأنشد _ من البحر الرَّجز _
~لا هُمَّ إنِّي ناشد محمَّدًا حِلْفَ أبينا وأبيك الأ تْلَدَا
~إنَّ قريشًا أخلفوك الموعدا ونقضُوا ميثاقَك المؤكَّدَا
فنظر صلى الله عليه وسلم، وإذا بغيم قد ظهر، فقال «أبشر يا عمرو، فإنَّ هذا الغيم يخبرني بنصرك» . ثمَّ قال صلى الله عليه وسلم «اللهم أعم الأخبار على قريش» . وأمر النَّاس بالجهاز [17] ، وقال صلى الله عليه وسلم «كأنِّي بأبي سفيان وقد ورد ليجدِّد العهد» . فلم يلبث إلَّا وأبو سفيان قد ورد عليه صلى الله عليه وسلم، وطلب منه أن يجدِّد العهد، ويزيد في هدنة الحديبية، فلم يقبل عليه، فجاء إلى ابنته أمِّ حبيبة، فلمَّا ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته دونه، فقال يا بنيَّة، أرغبت بهذا الفراش عنِّي أم رغبت بي عنه؟ فقالت بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت امرؤ مشرك نجس. فقال يا بنيَّة [18] ، لقد أصابك بعدي شرٌّ.
قالت أمُّ حبيبة يا رسول الله، انكح أختي بنت أبي سفيان، قال «أو تحبين ذلك؟» قالت نعم، لست بمخلية لك، وأَحَبُّ مَنْ شاركني في خير أختي. فقال صلى الله عليه وسلم إنَّ هذا لا يحلُّ لي. قالت فقلت فإنَّا نتحدَّث أنَّك تريد أن تنكح بنت أبي سَلَمة، قال «بنت أمِّ سَلَمة» ؟ قلت نعم. قال «لو لم تكن ربيبتي لم تحلَّ لي، ولأنَّها بنت أخي من الرَّضاعة، أرضعتني وأباها ثويبةُ، فلا تعرضن عليَّ بناتكنَّ ولا أخواتكنَّ» .
ولمَّا جاء أمُّ حبيبة نعي أبيها أبي سفيان، دعت بطيب، فمسحت ذراعيها وعارضيها، وقالت مالي بالطِّيب من حاجة، وإنِّي لغنيَّة عنه، لولا أنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ علي ميِّت فوق ثلاث؛ إلَّا على زوج أربعة أشهر وعشرًا» .
وقالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من صلَّى اثنتي عشرة [19] ركعة في كلِّ يوم وليلة بُني له بهنَّ بيت في الجنَّة» . قالت أمُّ حبيبة ما تركتهنَّ منذ سمعتهنَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن عبَّاس _ في قوله تعالى _ {عَسَى اللهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً} [الممتحنة 7] هو صهر أبي سفيان حين تزوَّج أمَّ حبيبة.
قالت عائشة دعتني أمُّ حبيبة عند موتها، فقالت قد كان بيننا ما يكون بين الضَّرائر، فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك. فقالت [20] سررتيني سرَّك الله تعالى. وأرسلت إلى أمِّ سلمة، فقالت لها مثل ذلك.
قال ابن الأثير [21] وكانت أمُّ حبيبة من السَّابقين إلى الإسلام، وهاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى الحبشة، وولدت بها حبيبة، وتزوَّجها صلى الله عليه وسلم بعد زينب بنت جحش، ووهم من قال إنَّ أبا سفيان لمَّا أسلم طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوَّجها [22] ، فأجابه إلى ذلك.
قالت أمُّ حبيبة _ تعني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم _ «من صلَّى أربعًا قبل الظُّهر، وأربعًا بعدها، حرَّمه الله على النَّار» .
وروى أخوها معاوية عنها، وكان سألها، هل كان صلى الله عليه وسلم يصلِّي في الثَّوب الذي يجامع فيه؟ قالت إذا لم ير فيه أذى.
تزوَّجها صلى الله عليه وسلم سنة ستٍّ، وتوفِّيت سنة أربع وأربعين، أو قبلها.
[1] في غير (ن) (في المنام) .
[2] في غير (ن) (فلم أر) .
[3] في غير (ن) (دخلت) .
[4] في غير (ن) (رأتها) .
[5] في (ن) (وذهبه) .
[6] في غير (ن) (سوارين) .
[7] في (ن) تصحيفًا (فقال الحمنية) .
[8] في غير (ن) (أن محمدًا رسول الله) .
[9] في غير (ن) (شيمة) .
[10] في (ن) (وذهبه) (وقد انبعث) بدل (وقد اتبعت) .
[11] برقم (2107) وهو حديث صحيح.
[12] أسد الغابة 7/ 116.
[13] في غير (ن) (يتقاعدونه) .
[14] في (ن) (وأجمله) .
[15] هو عند مسلم برقم (6493) .
[16] في (ن) (وأعانه) .
[17] في غير (ن) (بالجهاد) .
[18] في (ن) (يابني) و (بعد) بدل (بعدي) .
[19] في (ن) (اثني عشر) .
[20] في (ن) (فقال) .
[21] أسد الغابة 7/ 303.
[22] في (ن) (أن بزوجها) .