324 # خالدُ بنُ زَيْدِ بن كُلَيْب، أبو أيُّوب الأنصاريُّ، الخَزرجيُّ، الصَّحابيُّ، وأمُّه هِنْد بنتُ سَعِيد، وهو مشهور بكنيته.
شهد العقبة وبدرًا وأُحُدًا، والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولمَّا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجِرًا نزل عندَه حتَّى بنى مسجده وحُجرته، وانتقل إليها.
وذكر أبو محمَّد (ابن) الأخضر أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أقام عندَه سبعة أشهر. وقال الكِرمانيُّ [1] أقام شهرًا.
وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين مُصْعَب بن عُمير.
قال محمَّد بن إسحاق أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عَمْرو بن عَوْف خمسًا، وبنو عَمْرو يزعمون أنَّه أقام أكثر.
وفي صحيح البخاريِّ، في باب مَقْدَم النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم المدينة [خ¦3932] أنَّه أقام في بني عَمْرو بن عَوْف أربع عشرة ليلة.
وخرج إلى المدينة، فاعترَضه بنو سالم بن عوف، فقالوا يا رسول الله! هَلُمَّ إلى العَدَدِ والعُدَدِ [2] والقُوَّة، انزِلْ بين ظَهْرَانَيْنَا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خَلُّوا سبيلَها؛ فإنَّها مأمورة» . ثمَّ مرَّ ببني بَيَاضَةَ، فاعترضوه بمثل ذلك، فقال مثلَ ذلك، ثمَّ مرَّ ببني سَاعِدةَ، فقالوا مثلَ ذلك، فأجابهم بمثل ذلك، ثمَّ مَرَّ بأخواله بني عَدِيِّ بن النَجَّار، فقالوا هَلُمَّ إلى أخوالِك. فأجابهم بما مضى، فمرَّ على بني مالك بن النَّجَّار،
ج 1 ص 2
فبَرَكت النَّاقة على باب المسجد، ثمَّ التفتَت، ثمَّ انبعثَت، ثمَّ كَرَّتْ إلى مَبْرَكِها الذي انبعثَت منه، فبركت فيه، وتَحَلْحَلَتْ في مُناخها ورَزَمَتْ [3] ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بفِناء المسجد.
عن أبي رُهْم السَّمَاعِيِّ أنَّ أبا أيُّوب حدَّثهم أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نزل في بيته الأسفَلِ، وكنتُ في الغرفة، فهُرِيْق ماءٌ في الغرفة، فقمت أنا وأمُّ أيُّوب بقَطيفة لنا نتتبَّع الماءَ؛ شَفَقًا أن يَخْلُصَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلتُ إليه، وأنا مُشْفِق، فقلت يا رسول الله! إنَّه ليس ينبغي أن نَكون فوقَك، فانتَقِلْ إلى الغرفة. فأَمَر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمتاعه فنُقِل، فقلت يا رسول الله! كنتَ تُرسِل إِليَّ بالطَّعام، فأَنظُرُ، فإذا رأيتُ أثرَ أصابعك وضعتُ فيه يدي [4] ، حتَّى كان هذا الطَّعام الذي أرسلتَ به إِليَّ، فنَظرتُ، فلم أَرَ أثرَ أصابعك!؟ فقال صلى الله عليه وسلم «أَجَلْ، إنَّ فيه بَصَلًا، فكرهتُ أن آكُلَ؛ مِن أجل المَلَكِ، وأمَّا أنتم فكُلُوا» [5] .
قال ابن الأثير [6] وقد رُوي أنَّ الطَّعام كان فيه ثُوم. قال وهو الأَكثر.
قلت ويُمكن أن يكون قضيَّتين، وعلى التقديرين [7] ، فكلُّ ما له رائحةٌ مُنتِنة كان مكروهًا أكلُه، كالبصل، والثُّوم، والكُرَّاثِ، ولو مطبوخًا، كما يُكره لنا نِيئُه.
روى ابن الأثير أنَّ ابنَ عبَّاس قال لأبي أيُّوب يا أبا أيُّوب! إنِّي أريد أنْ أَخرج لك من مَسكني، كمَا خرجتَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسكنِك. فأمَر ابنُ عبَّاس أهلَه فخرجوا، وأعطاه كلَّ شيءٍ أُغلِق عليه بابُه، فلمَّا كان خلافة عليٍّ قال [له] ما حاجتُك يا أبا أيُّوب؟ قال حاجتي عطائي، وثمانيةُ أَعْبُدٍ يَعملون في أرضي. وكان عطاؤه أربعة آلاف، فأضعفها له خمس مرَّات، فأعطاه عشرين ألفًا، وأربعين عبدًا.
وكان أبو أيُّوب من خاصَّة عليٍّ وحِزبه، حضر مع عليٍّ حروبَه كلَّها، الجَمَل، وصِفِّين، وكان على مُقَدِّمته يوم النَّهْرَوان.
وكان مُلازمَ الجهاد، فقيل له في ذلك، قال قال الله تعالى {انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا} [التوبة 41] ، فلا أَجدُني إلاَّ خفيفًا أو ثقيلًا. فلم يتخلَّف عن الجهاد إلَّا عامًا واحدًا؛ لأنَّه استُعْمِلَ على الجيش رجلٌ شابٌّ، فقعد ذلك العامَ، فجعل بعد ذلك يتلهَّف، ويقول وما عليَّ مَن استُعمِلَ عَلَيَّ؟!
ثمَّ آخِر أمرِه أنَّه غزا في جيش يزيد بن معاوية سنةَ خمسين _ أو إحدى وخمسين، أو اثنتين وخمسين، وهو الأكثر، على ما قاله ابن الأثير [8] _ فمرض أبو أيُّوب، فعاده يزيد، فقال ما حاجَتُك؟ قال حاجتي [9] إذا أنا متُّ، فاركَبْ، ثمَّ اسْعَ في أرضِ العدوِّ، فما وجدتَ مَسَاغًا، فادفِنِّي هناك، ثمَّ ارجِعْ. فلمَّا توفِّي فعل الجيش [10] كذلك، ودفنوه بالقرب من القُسْطنطينيَّة، وقبره بها يَستَسقون به، ولمَّا دُفن أَمر يزيدُ بالخيل، فجعلت تُقْبِل وتُدْبِرُ على قبره؛ حتَّى عَفَّى [11] أثَرَ القبر.
ج 1 ص 2
قيل إنَّ الرُّوم قالت للمسلمين في صبيحة دفنهم لأبي أيُّوب لقد كان لكم اللَّيلةَ شأنٌ!؟ قالوا هذا رجل من أكابر أصحاب نبيِّنا وأقدَمِهم إسلامًا، وقد دفنَّاه حيث رأيتم، وواللهِ، إن نُبش [12] لا ضُرِبَ لكم ناقوسٌ بأرض العرب ما كانت لنا.
قال الكِرمانيُّ [13] لمَّا ثَقُلَ أبو أيُّوب قال لأصحابه إذا أنا متُّ فاحملوني، فإذا صافَفْتم العدُوَّ، فادفنوني تحتَ أقدامكم. ففعلوا، فقبرُه قريبٌ من سور القُسْطَنْطِيْنِيَّةِ، معروفٌ إلى اليوم، معظَّمٌ، يَستَسقون به، فيُسْقَون [14] .
وزعم مُجاهد أنَّه حضرها، قال مُجاهد وكانوا إذا قَحَطُوا كَشَفُوا عن قبره فمُطِروا. قاله ابن الأثير [15] .
روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مئة حديث، وخمسين حديثًا، خرَّج البخاريُّ منها ثمانية. [قاله الكرماني [16] ].
ورَوى عن أُبَيِّ بنِ كَعْب.
روى عنه البَرَاءُ بنُ عَازِب، وعُرْوَةُ بن الزُّبير، ومُوسى بن طَلْحَةَ، وعَطَاءُ بنُ يَزيد.
وخارج الصَّحيح روى عنه من الصَّحابة ابنُ عبَّاس، وابن عَمْرو [17] ، وأبو أُمامةَ الباهليُّ، وزيدُ بن خالد الجُهَنِيُّ، والمِقْدامُ بنُ مَعْدِيْ كَرِب، وأَنَسُ بنُ مالك، وجابرُ بن سَمُرَةَ، وعبدُ الله بن يَزيد الخَطْمِيُّ [18] .
ومن التَّابعين سَعيدُ بنُ المُسَيَّب، وسَالِم بن عبد الله، وعَطَاءُ بنُ يَسَار، وأبو سَلَمَةَ [19] .
روى عنه البخاريُّ بالواسطة في مواضع، أوَّلها في باب لا يَستقبل القِبلةَ ببول ولا غائط، من كتاب الوضوء [خ¦144] .
وقد ذكرنا تاريخ موته رضي الله عنه.
[1] شرح البخاريِّ 2/ 188.
[2] في (ن) تصحيفًا (العدو والعدو) .
[3] في (ن) تصحيفًا (ورمت) .
[4] في (ن) (وضعت فيه يدي فيه) .
[5] المسند (23570) .
[6] أسد الغابة 2/ 117.
[7] في (ن) (وعلى التقدير) .
[8] أسد الغابة 2/ 118.
[9] سقطت (حاجتي) من (ه) .
[10] في (س) (بالجيش) .
[11] في (ن) (خفي) .
[12] تكررت (إن نبش) في (س) .
[13] شرح البخاريِّ 2/ 188.
[14] في (ن) تصحيفًا (فيستسقون) .
[15] أسد الغابة 6/ 29.
[16] شرح البخاري 2/ 188.
[17] في غير (ن) (وابن عُمَر) ولم يذكر الحافظ المزي (ابن عمر) وإنما ذكر (عبد الله بن عمرو بن عبد القاري) فلعله المقصود. انظر تهذيب الكمال 8/ 67.
[18] في (ن) تصحيفًا (عبد الله بن مزيد) ورواية عبد الله بن يزيد الخَطميِّ رضي الله عنه عنه، في الصَّحيح، في كتاب الحجِّ، برقم (1674) .
[19] رواية أبي سلَمة بن عبد الرَّحمن عنه في الصَّحيح، في كتاب الأحكام، وهي معلَّقة بعد الحديث رقم (7198) .