545 # شريح [1] _ بضمِّ المنقَّطة، وفتح الرَّاء، وسكون التَّحتانيَّة المثنَّاة، وبالمهملة _.
نقل عنه البخاريُّ بصيغة التَّمريض، في باب إذا حاضت في شهر ثلاث حِيَض، من كتاب الحيض [خ¦قبل 325] .
قال الكِرمانيُّ [2] الظَّاهر أنَّه ابن الحارث بن [3] قيس الكنديُّ، أبو أميَّة الكوفيُّ، يقال إنَّه من أولاد الفرس الذين كانوا باليمن. أدرك النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولم يلقه، استقضاه عمر الكوفة، وأقرَّه من بعدَه إلى أن ترك هو بنفسه زمن الحجَّاج، وكان له مائة وعشرون سنة، وهو أحد الأئمَّة.
قال ابن خلِّكان [4] وفي نسبه اختلاف كثير، وهذه الطَّريق من أصحِّها، وكان من كبار التَّابعين، وأدرك الجاهليَّة، واستقضاه عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه على الكوفة، فأقام قاضيًا خمسًا وسبعين سنة، لم يتعطَّل فيها إلَّا ثلاث سنين؛ امتنع فيها من القضاء في فتنة ابن الزُّبير، واستعفى [5] الحجَّاج بن يوسف من القضاء فأعفاه، ولم يقض بين اثنين حتَّى مات.
وكان أعلم النَّاس بالقضاء، ذا فطنة وذكاء ومعرفة وعقل ورصانة، قال ابن عبد البرِّ [6] وكان شاعرًا محسنًا، وهو أحد السَّادات الطُّلْس، الذين لا شعر على وجهه _يعني لا لحية له_ وهم أربعة عبد الله بن الزُّبير، وقيس بن سعد بن عبادة، الذي يضرب به المثل في الكرم، والأحنف بن قيس، الذي يضرب به المثل في الحلم، والقاضي شريح هذا.
وقال الغزاليُّ في إحيائه [7] لم يكن على خدِّه شعرة واحدة، قال أصحابه وَدِدْنا أن نشتري له لحية ولو بعشرة آلاف.
قال الدَّميريُّ في شرح المنهاج في كتاب الدِّية [8] نقلا عن الجواهر، تبعا لابن سيده أنَّ من لا لحية له والكوسج لا يكمل أسنانه العدد المعهود، وهو اثنان وثلاثون.
وقال الدَّميريُّ في كتاب القضاء [9] مستدلًِّا على رفع المسلم على الكافر في مجلس القضاء خرج عليُّ بن أبي طالب إلى السُّوق، وإذا هو بنصرانيٍّ يبيع درعًا، فعرفها عليٌّ، فقال هذه ردعي، بيني وبينك قاضي المسلمين، فأتيا شريحًا، فلمَّا رأى القاضي أمير المؤمنين. قام من مجلسه وأجلسه فيه، وجلس شريح أمامه إلى جنب النَّصرانيِّ، فقال عليٌّ لو كان خصمي مسلمًا لجلست معه مجلس الخصم، ولكنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «لا تساووهم في المجالس» . اقض بيني وبينه يا شريح.
فقال شريح ما تقول يا أمير المؤمنين؟ فقال هذه درعي، ذهبت منِّي منذ زمان. فقال شريح لأمير المؤمنين هل من بيِّنة؟ فقال عليٌّ صدق شريح. فقال النَّصرانيُّ أشهد أنَّ هذه أحكام الأنبياء. ثمَّ أسلم النَّصرانيُّ، فأعطاه عليٌّ الدِّرع وحمله على فرس عتيق.
قال الشَّعبيُّ فلقد رأيته يقاتل المشركين عليه.
قال ابن خلِّكان وكان شريح مزَّاحًا، تقدَّم إليه رجلان في شيء، فأقرَّ أحدهما بما ادَّعى عليه خصمه، وهو لا يعلم، فقضى عليه شريح، فقال يا أبا أميَّة قضيت عليَّ بغير بيِّنة. قال أخبرني به ابن أخت خالتك.
وأتته امرأة تخاصم رجلًا فبكت، قال الشَّعبيُّ فقلت يا أبا أميَّة ما أظنُّ هذه إلَّا مظلومة. فقال إنَّ إخوة يوسف جاؤوا أباهم عشاءً يبكون.
وعرض شريح ناقة للبيع، فقال المشتري كيف لبنها؟ قال احلب في أيِّ إناء شئت. قال كيف مشيها؟ قال افرش ونم. قال كيف نجادها؟ قال إذا رأيتها في الإبل عرفت مكانها، علِّق سوطك وسر. قال كيف قوتها؟ قال احمل على الحائط ما شئت. فاشتراها، فلم يجد ما وصف، فرجع إليه، فقال لم أرَ فيها شيئًا ممَّا وصفتها به. قال ما كذبتك. قال أقلني. قال نعم.
وقال له ابنه بيني وبين شخص خصومة، فانظر إن كان الحقُّ لي خاصمتهم، فقضي عليه فقال خاصمهم. فتخاصما إليه، فقضى على ابنه، فقال ابنه لو لم أتقدَّم إليك لم أَلُمْك، فضحتني. قال والله أنت أحبُّ إليَّ من ملئ الأرض مثله، لكنَّ الله أعزُّ عليَّ منك خشيت إن أخبرتك أن تصالحهم، فتذهب ببعض حقِّهم.
وكان زياد بن أبيه كتب إلى معاوية إنِّي ضبطت العراق بشمالي، ويميني فارغة. فسأله أن يولِّيه الحجاز، فبلغ ذلك عبد الله بن عمر بمكَّة، فقال اللهم اشغل عنَّا يمينه. فخرجت على يمينه خرَّاجة، فاستشار الأطباء، فأشاروا بقطعها، فشاور شريحًا في ذلك، فقال إنِّي أخشى أن يكون الخراج في يدك، والألم في قلبك، وإن يكن الأجل حضر لقيت الله أجزم كراهة لقائه، وإن تأخَّر الأجل عشت أجزم وعُيِّرت بذلك وولدك. فلم يلبث أن مات زياد، فذمَّ النَّاس شريحًا على منعه من القطع، فقال إنَّه استشارني، والمستشار مؤتمن، ولولا الأمانة لوددت أن تقطع يده يومًا، ورجله يومًا، وسائر جسده يومًا يومًا.
توفِّي شريح سنة بضع وسبعين، أو سنة اثنتين وثمانين].
[1] سقطت ترجمته من غير (ن) و (أ) .
[2] شرح البخاري 3/ 199.
[3] في (ن) تصحيفًا (من) .
[4] وفيات الأعيان 2/ 460.
[5] في (ن) تصحيفًا (واستعف) التصحيح من المصدر.
[6] الاستيعاب 2/ 702.
[7] 1/ 144، والكلام فيه قال أصحاب الأحنف بن قيس وددنا أن نشتري للأحنف لحية ولو بعشرين ألفًا. وقال شريح القاضي وددت أن لي لحية ولو بعشرة آلاف.