بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(ربِّ يسِّر، وأعنْ، واخْتِم بخير، يا خبير يا لطيف) [1] .
الحمدُ لله الذي رفعَ مَنَار الحقِّ ببعثة النَّبيِّ، ورحم الخلقَ بإرسال الرَّسول الأُمِّيِّ، وجعلَ أقوالَه حُجَّة، وأفعاله مَحَجَّة، ففاز من تبعه واقتدى، ونجَا من اقتفى أثره واهتدى، فصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد نبيِّ الهدى، وآله وأصحابه البُرَآء من الزَّيغ والرَّدَّىَ، ما غاب نجم في السَّماء وبدا، وبكَّى أعين السَّماء على مَوَات الأرض بالنَّدَى، وبعد
فيقولُ العبدُ الفقيرُ إلى الله الغنيِّ محمَّدُ بنُ داودَ بنِ محمَّد البازليُّ _ جعله الله تعالى ممَّن سَعِدَ بالإسعاد [2] الأزليِّ، ووالديه، ومشايخه، ومحبِّيه بِحُرْمَةِ كلِّ نبيٍّ لله ووَلِيٍّ _
كنتُ قِدْمًا ممَّن شُغِفَ بخدمة الحديث، فبها اشتَغَل، فطاف البلاد، وجاب المَهَامِهَ، فحصَّل منه ما حصَّل، وصرف فيه عمره، فلِلَّهِ المِنَّة على ما منح به وتفضَّل.
وليس بِخَافٍ أنَّ معرفة رجال احديث من أهمِّ المُهِمَّات، وعند أرباب الحديث من أعظم المرغوبات، وقد صنَّف في هذا الباب المتقدِّمون، وعُني بشأنه المتأخِّرون، كعليِّ بن المَدِيْنيِّ، ومسلم بن الحَجَّاج، والنَّسائيِّ [3] ، والبَرْدِيْجيِّ، وابن الجَوْزِيِّ، وغيرهم، فكلٌّ صَنَّف في الأسماء، والكُنَى، والألقابِ، والنَّسَبِ، وحَرَّضُوا [4] على ذلك؛ لِمَا شاهدوا من الخَبْطِ والغَلَطِ.
وممَّا وَقَعَ عن بعض المُتَسَمِّيْنَ بالعلم في مجلس العلماء، وكنت بينهم، فذكر قصَّة يحيى بن أَكْثَمَ، لمَّا رُئِيَ في المنام، وسُئِلَ ما فعل الله بك؟ قال أوقفني بين يديه الكريمتين، ثمَّ قال لي يا شيخ السَّوء [5] ! فَعَلْتَ كذا وكذا؟ وعدَّ أشياءَ، حتَّى أيقنتُ بالهلاك، فقلتُ ما بهذا حُدِّثْتُ عنك! قال الله تعالى فَبِمَ حُدِّثْتَ عنِّي؟ قال حدَّثني الزُّهْرِيُّ، عن مَعْمَرٍ، عن عُرْوَةَ، عن عائشة، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، عن جبريل، عنك أنكَ قُلْتَ «إنِّي لأَسْتَحْيي أن أعذِّب شيبةً شابتْ في الإسلام» ، وقد شِبْتُ فيه. فقال الله تعالى صدق هؤلاء، وقد غفرت لك [6] . انتهى.
فقلتُ للرَّاوي أخطأتَ، وقلبتَ السَّند؛ فإنَّه ما روى ابنُ أَكْثَمَ عن الزُّهْريِّ، ولا مَعْمَرٌ عن عُرْوَةَ، ولكن قل حدَّثني مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ الحديث ... ، فتنبَّه للصَّواب؛ إذ مات مَعْمَرٌ سنة بضع وخمسين ومئة، والزُّهْرِيُّ سنة أربع وعشرين ومئة، وعُرْوَةُ سنة بضع وتسعين، كما سيأتي مفصَّلًا إن شاء الله.
ومثله في الغلط ما في نُسَخِ الدُّرَّةِ الفاخرة في كَشْفِ علوم الآخرة للغزاليِّ [7] رحمه الله تعالى غلطًا من النَّاسخ في هذه القصَّة بعينها قال يحيى حدَّثني مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن ابن شهاب، عن عروة، الحديث ... ، فإنَّه غلط؛ لأنَّ الزُّهريَّ هو ابنُ شِهَابٍ بعينه، فجعل الواحد اثنين، فتأمَّل.
ورأيت شخصًا يُصلِح نسخة البخاريِّ بل يفسدها [8] ، فرأى في كتابه حدَّثنا محمَّد بن جعفر، عن شُعبة، وفي نسخة أُخرى مقروءة حدَّثنا غُنْدَر، عن شُعْبَةَ، فَضَرَبَ على كتابه، وكتب غُنْدَر، فلمتُه على ذلك، وأعلمته أنَّ غُنْدَرًا هو محمَّد بن جعفر، لُقِّب به لِمَا سيأتي مُبَيَّنًا _ إن شاء الله تعالى [9] _ عند اسمه، فَرَجَعَ إلى الحقِّ.
ومثلُه محمَّد بن السَّائب الكلبيُّ النَّسَّاب، أحدُ الضُّعفاء،
ج 1 ص 2
وكان يُسمَّى حَمَّادًا أيضًا، ويُكنَّى بأبي النَّضْر، وأبي سعيد، وأبي هشام.
قال عبدُ الغنيِّ بنُ سعيد، عن حَمْزَةَ بنِ محمَّدٍ بسنده إلى أبي أسامة، عن حَمَّاد بن السَّائب حدَّثنا إسحاق، عن ابن عبَّاس مرفوعًا «ذكاة كلِّ مَسْكٍ [10] _ [أي إهاب وجلد] _ دِبَاغُه» . قال حمزة حَمَّادٌ هذا كوفيٌّ ثقة.
قال عبد الغنيِّ فسألتُ الدَّارَقُطْنِيَّ عن هذا الحديث، فقال حمَّاد بن السَّائب هو محمَّد بن السَّائب. قال عبد الغنيِّ فتبيَّن لي أن حمزة قد وهم وهمين؛ حيث جعل الرَّجلين واحدًا، ووثَّقَ الضَّعيفَ؛ [فإنَّ حمَّادًا الكوفيَّ غير حمَّاد بن السَّائب.]
قال عبد الغنيِّ فنظرت في كتاب الكنى لأبي عبد الرَّحمن النَّسَويِّ، فوجدته قد وهم أفحش من حمزة، فإنَّه أخرج هذا الحديث عن أبي أسامة حمَّاد بن السَّائب الكلبيِّ، وأسقط لفظة عن، وإنَّما هو عن أبي أسامة [حمَّاد بن أسامة] [11] عن حمَّاد بن السَّائب.
فحينئذٍ ينبغي الاعتناء بشأن الرُّواة اسمًا، ولقبًا، وكنية، ونسبًا، [وولادةً] ووفاةً، فربَّما يُسَمَّى الرَّاوي مرَّةً، ويُكْنَى أخرى، ويُلَقَّبُ ثالثًا، ويُنْسَبُ رابعًا، فيظنُّ العاري عنه التَّعدُّد، وليس كذلك.
بل وقع عن أعلام العلماء مثلُ ذلك، كما رَوَى موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شَدَّاد، عن أبي الوليد، عن جابر مرفوعًا «من صَلَّى خَلْفَ الإمامِ فإنَّ قراءتَه له قِراءةٌ» [12] .
قال الحاكم [13] عبد الله بن شدَّاد هو أبو الوليد بعينه.
ولقد بلغني عن بعض من تصدَّى لنشر علم الحديث أنَّه أراد أن يكشف عن ترجمة أبي الزِّناد فلم يَهْتَدِ لذلك بين كتب الأسماء؛ لسذاجته عن معرفة اسمه، واسمهُ عبدُ الله بن ذَكْوَانَ، وكنيتهُ أبو عبد الرَّحمن [أيضًا] .
وهذا شيمة العلم أن لا يجتمع بالكُلِّيَّة في بَشَرٍ، فمثل عليِّ بن المَدِيْنيِّ، وعبد الرَّحمن بن يوسف بن خِرَاش، وغيرهما فَرَّقُوا بين عبد الله بن أبي صالح أخي سُهَيل، وبين عَبَّاد بن أبي صالح، فجعلوهما أخَوَين، وإنَّما هما واحد.
وإنَّما أطنبتُ في ذلك تحريضًا على الاشتغال، وتحريصًا على الإشغال، ولأنَّ غرامي فيه غَريم، والجاهل به أليم لئيم؛ حتَّى توقَّف بعضهم عن الفرق بين أبي جَمْرَةَ، بالجيم والرَّاء، وبين أبي حمزة، بالحاء والزَّاي، على أنَّ شُعْبَةَ روى عن سبعةٍ كلُّهم أبو حمزة إلَّا نَصْرَ بنَ عِمْرانَ، فإنَّه بالجيم والرَّاء، وسيأتي بيان ذلك في محلِّه، إن شاء الله تعالى.
فإنِّي ما وضعتُ هذا الكتاب إلَّا لِيُغْنِيَ عن كُتُب الغير، وكثيرًا ما أُطَوِّلُ في بعض التَّراجم بالقواعد اللَّطيفة، والفوائد الرَّشيقة، والأبحاث الشَّريفة، والمهمَّات التي لا بدَّ منها، والتنبيهات التي لا يُستغنى عنها، كما ستراه إن شاء الله تعالى، وقصدي في ذلك دعوةُ أخٍ في الله يمحو به ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ الله، على أنِّي معترف بقلَّةِ البضاعة، وقِصَرِ الباعِ في الصِّناعة، لكنْ مَن دَقَّ بابًا، وَلَجَّ وَلَجَ، ومن وقع في ضيقٍ، وقال اللَّهمَّ، انفرَج [14] .
فحاولتُ أن أجمع كتابًا حافلًا في مشايخ البخاريِّ وشيوخهم إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأذكر فيه وفياتهم إلَّا نادرًا جدًا، وبعض أحوالهم ومناقبهم، فإنَّ بذكرهم تنزَّل الرَّحمة، وأُطَوِّلُ التَّرجمةَ وأختصرُها على قدر شهرة الرَّاوي وذِكره.
ورتَّبتُ الأسماءَ على حروف المعجم، ولزمتُ ترتيبَ حروف الهجاء في اسم الرَّاوي فقط، متحتِّمًا دون والده
ج 1 ص 2
إيجابًا، فأقدِّم مَن أوَّل اسمه الهمزة على الذي أوَّله الباء، كأحمد، وبكر، والذي بعد الهمزة الألف على الذي بعدها الباء، كآدم، وإبراهيم، وهكذا، [إلى آخر الحروف] ، وأمَّا أحمد بن إِشْكَاب، وأحمد بن يونس، ليس بينها ترتيب إيجابيٌّ بالنَّظر إلى الهمزة والياء في الأب.
هذا في الأسماء والألقاب، وأمَّا في الكُنَى، فالاعتبار بالاسم الواقع بعد لفظ الأب والأمِّ على التَّرتيب المذكور، فأبو بكر مقدَّم على أبي جَمْرَةَ، وكذلك النَّسب، فالجُعْفِيُّ مقدَّم على الزُّهْرِيِّ، فإنِّي أجعلُ في آخر الكتاب أبوابًا للألقاب والكُنَى والنَّسَبِ على الاختصار جدًا؛ تسهيلًا للكشف لمَن يَعلم الكُنيةَ أو اللَّقَبَ أو النِّسْبَة [15] ، ولا يعلم بالاسم، وكذا أضع بابًا للنِّساء قبل [16] الكُنَى.
هذا فيمَن بين البخاريِّ وسيِّد الخلق صلى الله عليه وسلم، وأمَّا الذي بيني وبين البخاريِّ، فأذكرهم أوَّلًا على ترتيب الوفاة مختصرًا، وسميَّتُه
(( غاية المَرَام في رجال البخاريِّ إلى سيِّد الأنام ) )
عليه من الله تعالى أفضل الصَّلاة، وأكمل السَّلام.
وبه [17] أعتَصم عن الخطأ والزَّلل، وطُغيانِ القلم في أداء العبارة عن الخلل، وهو حسبي، ونعم الوكيل.
[1] في (ن) بعد البسلمة (رب أنعمت فزد) .
[2] في غير (ن) (بإسعاده) .
[3] في غير (ن) (الغساني) .
[4] في غير (ن) (وحرصوا) .
[5] سقطت كلمة (السوء) من نسخة (ف) .
[6] في (ن) و (ف) (له) ، وذكر ابن خلكان القصة في الوفيات بسياق آخر 6/ 164.
[7] ذكره العجلوني في كشف الخفاء 1/ 284، مكتبة التراث الإسلامي _ حلب، قال وهكذا ذكره الغزاليُّ في الدرة الفاخرة، ورواه السُّيوطيُّ في الجامع الكبير، عن ابن النَّجار بسند ضعيف بلفظين آخرين، وذكرهما، ثمَّ ساق القصَّة، إلَّا أنَّه ساقها على الصِّحة، وليس فيها عن الزُّهريِّ، عن ابن شهاب، وطبع كتاب الدُّرة الفاخرة في مدينة جنيف _ سويسرا، مع ترجمة فرنسية باعتناء المفكر غوتيه سنة 1878، ثم طبع في مصر بمطبعة شرف سنة 1303 ه.
[8] في غير (ن) و (ف) (يغيرها) .
[9] سقطت من (ف) (إن شاء الله تعالى) .
[10] في النسخة (ه) وضع فوق لفظة (مَسْك) إشارة لحق على الهامش بكلمتين (إهاب دباغه) ليدلَّ على أنها رواية أخرى، والحديث أخرجه الحاكم برقم (7153) ، 4/ 138 وصححه، ووافقه الذهبي.
[11] في (ن) تحريفًا (عن حماد بن أسامة) وقد سقطت برمتها من غيرها.
[12] أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 1/ 330، وعبد الرزاق 2/ 135 بهذا السند مرسلًا دون ذكر جابر، وقال البيهقي في السنن الكبرى «ورواه الحسن بن عُمَارة موصولًا، والحسن بن عُمَارة متروك» .
[13] في معرفة علوم الحديث ص 178.
[14] جاء في (ن) هنا (هذا ليس دعاء؛ ولكنَّه جواب(من) وهي في (ه) فوق كلمة (انفرج) ، والظَّاهر أنَّه أُقحم في المتن إقحامًا.
[15] في غير (ن) (النسب) .
[16] في (ن) تصحيفًا (قبله) .
[17] في غير (ن) (وبالله) .