فهرس الكتاب

الصفحة 388 من 2285

354 # دَِحْيَةُ بنُ خَلِيْفة _ بكسر المهملة وفتحها، وسكون الحاء المهملة _ الكَلْبِيُّ، الصَّحابيُّ.

شهد أُحُدًا وما بعدَها، وكان جبريلُ يأتي [إلى] النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في صورته أحيانًا [1] ، وبَعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيصر بكتابه رسولًا، [سنة ستٍّ] في الهُدْنة، فآمَن به قيصر، وامتنع عليه بعض بطارقتُه، فأخبر دَحيةُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال «ثَبَّتَ الله ملكه» . هكذا قاله ابن الأثير في «أسد الغابة» [2] .

ونقل الكِرْمانيُّ عن صاحب الاستيعاب [3] أن قيصرًا آمَن برسول الله صلى الله عليه وسلم وأَبَتْ عليه بَطَارِقَتُه.

وقال النَّوويُّ في شرح مسلم [4] لا عُذْرَ لقيصر في قوله لو أعلم أنِّي أَخْلُصُ إليه لتجشَّمت لقاءَه. لأنَّه [قد] عرف صِدقَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وإنَّما شَحَّ بالملك، ورغب في الرِّئاسة، فآثرها على الإسلام، وقد جاء ذلك مصرَّحًا به في صحيح البخاريِّ [خ¦7] ، ولو أراد الله هدايتَه لوفَّقه، كما وفَّق النَّجاشيَّ، وما زالت عنه الرِّئاسةُ.

قال الكِرمانيُّ [5] هل يُحْكَم بإسلام هرقل حيث قال [فتُبايِعُوا] هذا [6] النَّبيَّ؟ قلت لا يُحَكم به؛ لأنَّه ظهر منه ما ينافيه، حيث قال قلتُ مقالتي أختَبرُ بها شِدَّتكم على دينكم. فعلمنا [7] أنَّه ما صَدَر (منه ما صَدَر) عن التَّصديق القلبيِّ والاعتقاد الصَّحيح، بل لامتحان الرَّعيَّة، بخلاف إيمان وَرَقَةَ، فإنَّه لم يظهر منه ما يخالفه وينافيه، هذا هو على ظاهر الحال. انتهى.

قلت ويمكن أن يكون كلامُه الأخير تقيَّةً من القوم، وخوفًا على القتل، ويكون قلبُه مطمئنًّا بالإيمان، فتأمَّل.

قال الخَطَّابيُّ في قيصر لله درُّه من رجل ما كان أعقلَه لو ساعدَ معقولَه مقدورُه.

فهذا إشارة من أبي سليمان الخَطَّابيِّ إلى أنَّه ما أسلم.

قال ابن سيِّد النَّاس [8] بعد أن سرد قصَّة أبي سفيان، كما ورد في البخاريِّ إنَّ أبا سفيان قال لقيصر أيُّها الملك! أَلَا أخبرُك خبرًا عنه، تَعرف أنَّه قد كذَب؟ قال وما قلت؟ قال إنَّه زعم [لنا] أنَّه خرج من أرضنا أرض الحرم في ليلة، فجاء مسجدكم هذا [مسجد] إيلياء، ورجع إلينا في تلك اللَّيلة قبل الصَّباح. قال وبطريق إيلياء عند رأس قيصر، فقال وقد صدق. قال وما عِلْمُكَ بهذا؟ قال إنِّي كنت لا أنام ليلةً حتَّى أُغلِق باب [9] المسجد، فلمَّا كانت تلك اللَّيلةُ أغلقت الأبواب كلَّها غير باب واحد غلَبني، فاستعنت عليه بعُمَّالي ومَن يحضرني، فلم نستطع أن نحرِّكه، كأنَّما نُزَاوِل جبلًا، فدعوت النَّجَّارِين، فنظروا إليه، فقالوا هذا باب سقط عليه البنيان، فلا نستطيع أن نحرِّكه

ج 1 ص 2

حتَّى نُصبح، فننظر من أين أُتي. فرجعت وتركته مفتوحًا، فلمَّا أصبحت غدوت عليه، فإذا الحَجر الذي في زاوية المسجد مثقوب، وإذا فيه أثر مربط [10] دابَّةٍ، وإذا الباب يُفتح [11] ويُغلق، فقلت لأصحابي ما حبس هذا البابَ اللَّيلةَ إلَّا على نَبيٍّ، قد صلَّى اللَّيلةَ [12] في مسجدنا نبيٌّ. فقال قيصر لقومه يا معشر الرُّوم! ألستم تعلمون أنَّ بين عيسى وبين السَّاعة نبيًّا، بَشَّركم به عيسى بن مريم، ترجون [13] أن يجعله الله فيكم؟ قالوا بلى. قال فإنَّ الله قد جعله في غيركم، في أقلَّ منكم عَددًا، وأَضيق منكم بلدًا، وهي رحمة الله تعالى يضعها حيث شاء.

قال الكِرْمانيُّ [14] كان دَحيةُ من أجمل النَّاس وجهًا، كان إذا قدم المدينة لم تَبقَ مخدَّرةٌ إلَّا خرجت تنظر إليه. أسلَم قديمًا، وشهد المشاهد التي بعد بدر، وبقي إلى خلافة معاوية، وشهد اليرموك، وسكن المِزَّةَ _ بكسر الميم وبالزَّاي _ قرية قرب دمشق.

قال ابن حزم روى دحيةُ ثلاثة أحاديث.

قال ابن الأثير [15] روى عنه الشَّعبيُّ، وعبد الله بن شَدَّاد، ومنصور الكَلبيُّ، وخالدُ بن يزيد.

قال المُغيرةَ بن شُعبة أَهدى دَحيةُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم خُفَّين، فلبسهما [16] .

عن دَحيةَ الكلبيِّ قال أُتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقَبَاطيَّ، فأَعطاني منها قُبطيَّةً [17] .

قال بعضهم [18] الدِّحى الرُّؤساء، بلغة [19] أهل اليمن، واحدهم دِحْية. قال أبو عُمر وهو من ذوات الواو، والدَّحْوُ البَسْطُ؛ لأنَّ الرَّئيس يبسط أصحابَه، أو لأصحابه.

قال أبو الخطَّاب كان دَحية إذا قدم به المدينةَ فرح به الحسن والحسين، فإنَّه كان يُتحِفُهما بظُرَفِ الشَّام.

قال مقاتل بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، إذ قدم دحيةُ بن خليفة من الشَّام بالتِّجارة، وكان إذا قدم لم يبقَ بالمدينة عاتِقٌ إلَّا أتته، وكان يقدم إذا قدم بكلِّ ما يُحتاج إليه من دقيق وبُرٍّ وغيره، فينزل عند أحجار الزَّيت، وهو مكان في سوق المدينة، ثمَّ يضرب بالطَّبل؛ ليُؤْذِن النَّاسَ بقدومه، فيخرج إليه النَّاس ليبتاعوا منه، فقدم ذات جمعة، وكان ذلك قبل أن يُسْلِمَ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب، وقد قُحِطُوا، فخرجوا إليه، فلم يبقَ في المسجد إلَّا اثنا عشر رجلًا وامرأةً، فقال «كم بَقي؟» فقالوا اثنا عشر. فقال «والذي نفس محمَّد بيده! لو تتابعتم حتَّى لا يبقى منكم أحدٌ، لسال بكم الوادي نارًا» . وفي رواية «لقد [20] سُوِّمَتْ لكم الحِجارةُ من السَّماء» [21] .

وتوفِّي بالشَّام، بقرية قرب ناصرة [22] ، وقبره في أعلى الجبل، بعد أن دعا على نفسه أن يقبضه الله إليه؛ لِمَا رأى

ج 1 ص 2

من رغبة النَّاس عن هَدْي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهَدْي أصحابه، وذلك في خلافة معاوية.

ذكره البخاريُّ أوَّل الصَّحيح، في قصَّة هِرَقل [خ¦7] .

[1] البخاري (3633) .

[3] شرح البخاريِّ 1/ 60، والاستيعاب لابن عبد البرِّ 2/ 461.

[5] شرح البخاريِّ 1/ 60.

[6] تصحَّفت في (ه) إلى (غدا) .

[7] في غير (ن) (فعلمتَ) .

[8] عيون الأثر 2/ 325.

[9] في غير (ن) (أبواب) .

[10] في غير (ن) (مربوط) .

[11] في (ن) (ينفتح) .

[12] في (ن) (الليل) .

[13] في غير (ن) (ترجونه) .

[14] شرح البخاريِّ 1/ 60.

[15] أسد الغابة 2/ 190.

[16] التِّرمذي (1769) ، وقال حسن غريب.

[17] أبو داود (4116) .

[18] انظر المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبيِّ 3/ 601.

[19] في غير (ن) (لغة) .

[20] في (ن) تصحيفًا (بعد) .

[21] تفسير البغويِّ 8/ 124، وشعب الإيمان للبيهقيِّ (6495) .

[22] كذا في الأصول كلها، ولم أر أحدًا فيما أعلم نص على أنه توفي قرب (ناصرة) بل الجميع على أنه توفي بالمزة، وأخشى أن تكون مصحفة عنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت