فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 2285

172 # ثابت بن قَيْس بن شَمَّاس _ بفتح المعجمة، وشدَّة الميم، آخرها مهملة _ أبو محمَّد،

ج 1 ص 2

وأبو عبد الرَّحمن، الأنصاريُّ، الخزرجيُّ، الحارثيُّ، الصَّحابيُّ، خطيبُ الأنصار، كما كان حسانُ شاعرَهم، وأمُّه امرأة من طيٍّ.

شهد أُحُدًا وما بعدها.

استُشْهِد يوم اليمامة[في خيل خالد بن الوليد، زمن أبي بكرٍ رضي الله عنهم.

قال أنس بن مالك [1] لمَّا انكشف النَّاس يوم اليمامة] قلت لثابت بن قيس بن شَمَّاس أَلَا ترى يا عمِّ؟! فوجدته يتحنَّط، فقال ما هكذا كنَّا نقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بئسما عَوَّدتم أنفسَكم، وبئسما عوَّدتم أقرانَكم، اللَّهمَّ إنِّي أبرأ إليك ممَّا جاء به هؤلاء [_يعني الكفَّار_] وأبرأ إليك ممَّا يصنع هؤلاء. يعني المسلمين، ثمَّ قاتل حتَّى قُتل، بعد أن ثَبَتَ هو وسالم مولى أبي حُذيفة، فقاتلا حتَّى قُتلا، وكان على ثابت دِرْعٌ نَضيَّة [2] ، فمرَّ به رجلٌ من المسلمين، فأخذها، فبينما رجل من المسلمين نائم أتاه ثابت في منامه، فقال إنِّي أُوصيكَ بوصيَّة، فإيَّاكَ أن تقول هذا حلم. فتضيِّعه، إنِّي لمَّا قاتلت أمسِ، مرَّ بي رجل من المسلمين، فأخذ دِرْعِي، ومنزلُه في أقصى النَّاس، وعند خبائه فرس يَسْتَنُّ في طِوَله [3] ، وقد كَفَأَ على الدِّرْع بُرْمَةً، وفوق البُرْمَة رَحْل، فائتِ خالدًا، فَمُرْهُ فليبعث، فليأخذها، فإذا قدمتَ المدينة على خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم _ يعني أبا بكر _ فقل له إنَّ عَلَيَّ من الدَّيْن كذا وكذا، وفلان من رقيقي عتيق. فاستيقظ الرَّجل، فأتى خالدًا فأخبره، فبعث إلى الدِّرْع، فأُتيَ بها على ما وَصَف، وحدَّث أبا بكر رضي الله عنه برؤياه، فأجاز وصيَّته، ولا يُعْلَم أحدٌ أُجيز وصيتَّهُ بعد موته سواه.

وخَلَّف أولادًا محمَّدًا، ويحيى، وعبد الله، قتلوا يوم الحَرَّة.

رُوي أنَّه لمَّا أنزل الله تعالى قوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} الآية [الحجرات 2] ، جلس ثابتٌ في بيته يبكي، وقال أنا من أهل النَّار. واحتبس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عنه سعدَ بنَ مُعاذ، فقال «يا أبا عَمْرو! ما شأنُ ثابتٍ؟ أَيَشتكي؟ [4] » فقال سعد إنَّه لجاري، وما علمت له شكوى. فقال «مَن يَعلَم لي عِلمَه؟» فقال رجل أنا يا رسول الله. فذهب، فوجده في مجلسه جالسًا منكِّسًا رأسه، فقال ما شأنك؟ فقال شرٌّ؛ كنتُ أرفع صوتي فوق صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أنزلت هذه الآية، فقد حَبِطَ عملي، وأنا من أهل النَّار. فرجع سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعلمه. قال موسى بن أنس فرجع سعدٌ إليه والله في المرَّة الثَّانية ببشارة عظيمة، قال

ج 1 ص 2

«اذهَبْ، وقل إنَّك لست من أهل النَّار، ولكنَّك من أهل الجنَّة» [5] .

روى مُحيي السُّنَّة في معالم التَّنزيل [6] لمَّا نزلت هذه الآية، قعد ثابتٌ في الطَّريق يبكي، فمرَّ به عاصمُ بن عَدِيٍّ، فقال ما يبكيك يا ثابت؟ قال هذه الآية؛ أَتَخَوَّف أن تكون نزلت فيَّ، وأنا رفيع الصَّوت، وأخاف أن يحبط عملي، و [أن] أكون من أهل النَّار. فمضى عاصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغلب ثابتًا البكاءُ، فأتى امرأتَه جَميلةَ بنت عبد الله بن أُبَيٍّ ابنِ سَلُول _ وفي صحيح البخاريِّ، في باب الخُلْع [خ¦5274] أنَّها أخت عبد الله، (فتأمَّل) _ فقال لها إذا دخلتُ بيتَ فَرَسي فشُدِّي عَلَيَّ الضَّبَّة بمِسمار. فضربته بمسمار، وقال لا أخرج، حتَّى يتوفَّاني الله، أو يرضى عَنِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأتى عاصمٌ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبره، فقال «اذهَبْ، فادْعُه إليَّ [7] » . فجاء عاصم إلى المكان الذي رآه، فلم يجده، فأتى أهله، فوجده في بيت الفرس، فقال إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك. فقال اكسِرْ الضَّبَّة. فأتيا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال له «ما يبكيك؟» فقال أنا صَيِّتٌ، وأخاف أنَّ هذه الآية نزلت فيَّ. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «أَمَا تَرضى أن تعيش حَمِيدًا، وتُقتل شهيدًا، وتدخل الجنَّة؟! [8] » فقال رضيتُ ببشرى الله ورسوله، لا أرفع صوتي أبدًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى} [الحجرات 3] . قال أنس بن مالك وكنَّا ننظر إلى رجل من أهل الجنَّة، بين أيدينا يمشي.

فاستُشهِد يومَ اليمامة، كما ذكرناه.

قال جابر بن عبد الله جاء بنو تميم، فنادَوا على الباب اخرُجْ إلينا يا محمَّد! فإنَّ مَدْحَنَا زَيْنٌ وذَمَّنا شَين. فخرج النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وهو يقول «إنَّما ذلكم الله، الذي مَدْحُهُ زَيْنٌ وذمُّه شَيْن» . فقالوا نحن ناسٌ من بني تميم، جئنا بشاعرنا وخطيبنا؛ نُشاعِرُكَ ونُفاخرك. فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم «ما بالشِّعر بُعثتُ، ولا بالفَخَار أُمِرتُ، ولكنْ هاتوا» . فقام شابٌّ منهم، فذكر فضلَه وفضلَ قومِه، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس _ وكان خطيبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم _ «قُمْ فأجِبْه» . فقام فأجابه، ثمَّ قام شاعرُهم فذكر أبياتًا، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لحسَّان «أجبْه» . فأجابه حَسَّان بن ثابت،

ج 1 ص 2

فقام الأَقْرَعُ بنُ حَابِس، فقال تكلَّم خطيبنا وخطيبهم، وكان خطيبهم أحسنَ قولًا، وتكلَّم شاعرنا وشاعرهم، وكان شاعرهم أشعرَ وأحسنَ قولًا. ثمَّ دنا من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال أشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّك رسول الله، صلَّى الله عليك. فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم «ما كان يضرُّك ما قبل هذا» . ثمَّ أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكَسَاهم، وكان تخلَّف في رِكَابهم عَمْرو بن الأَهْتَم، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلَ ما أعطاهم، فأَزْرَى به بعضهم، وارتفعت الأصوات، فنزلت [الآية] [9] .

قال مُحيي السُّنَّة في تفسيره، وقال _ نقلًا عن ابن عباس _ [10] إنَّه كان في أُذُن ثابتٍ وَقْر [11] ، وكان إذا أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وقد سَبَقوه بالمجلس أَوسَعوا له، حتَّى يجلس إلى جنبه؛ ليَسمَع ما يقول، فأقبل ذات يوم، وقد فاتته ركعةٌ من صلاة الفجر، فلمَّا انصرف النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من الصَّلاة أخذ أصحابُه مجالسَهم، فضنَّ [12] كلُّ رجلٍ بمجلسه، فلا يكاد يُوسِع أحدٌ لأحدٍ، وكان الرَّجل إذا جاء، فلم يجد مجلسًا قام قائمًا كما هو، فلمَّا فرغ ثابت من الصَّلاة أقبل نحوَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخطَّى رقابَ النَّاس، ويقول تَفَسَّحوا [تفسَّحوا] . فجعلوا يتفسَّحون له، حتَّى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم [13] وبينه وبينه رجل، فقال له افسَحْ. فقال الرَّجل أَصبتَ مَجلسًا فاجلِسْ. فجلس ثابتٌ خلفَه مُغضَبًا، فلمَّا انجلَت الظُّلمة، غمز ثابت الرَّجلَ فقال مَن هذا؟ فقال أنا فلان. فقال ثابت يا ابنَ فلانة! وذَكَر أمًّا له كان يعيَّر بها في الجاهليَّة، فنكس الرَّجل رأسَه واستحيا، فأنزل الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ} [الحجرات 11] . وقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم «مَن الذَّاكرُ فلانة؟» قال ثابت أنا يا رسول الله! قال «انظُرْ في وجوه القوم» . فنظر، فقال «ما ترى يا ثابت؟» قال أرى أبيضَ وأحمرَ وأسودَ. قال «فإنَّك لا تَفضُلُهم إلَّا في الدِّين والتَّقوى» . فنزلت {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى} الآية [الحجرات 13] في ثابت. وفي الذي لم يتفسَّح {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ} الآية [المجادلة 11] .

قال ابن الأثير [14] ، عن أبي هُرَيرة أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال «نِعْمَ الرَّجلُ أبو بكر، نِعْمَ الرَّجل عُمر، نِعْمَ الرَّجل أبو عُبَيدة، نِعْمَ الرَّجل أُسَيد بن حُضير، نِعْمَ

ج 1 ص 2

الرَّجل ثابت بن قيس، نِعْمَ الرَّجل معاذ بن جَبَل، نِعْمَ الرَّجل معاذ بن عَمرو بن الجَمُوح».

قال الكَلَاباذيُّ [15] روى عنه أنس بن مالك، روى عنه البخاريُّ بالواسطة، في أوَّل الجهاد والسِّير، في التَّحَنُّط عند القتال [خ¦2845] .

قال ابن حجر [16] روى عنه البخاريُّ حديثًا واحدًا.

قلت قال ابن حَزم بل له مُطلَقًا حديثٌ واحدٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

واعلَمْ أنَّه ذُكِر في تَوثيق عُرَى الإيمان [17] ، نقلًا عن عَبد الله بن عُبيد الله الأنصاريِّ قال شهدتُ دفنَ ثابتِ بن قيس، فلمَّا أردنا أن ندخله القبر قال محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو بكر الصِّدِّيق، عمر الشَّهيد، عثمان البَرُّ الرَّحيم. فنَظَرنا إليه، فإذا هو ميِّت.

[1] أصل الحديث في صحيح البخاري برقم (2845) وهو في أسد الغابة 1/ 340، ومنه ينقل المؤلِّف، وقوله (يعني الكفَّار) بين حاصرتين استدركناه منه، وقد تصحَّفت (يتحنَّط) في (ن) إلى (يتخبَّط) ، وفي (ه) إلى (يتخفى) ، وسقطت من (س) (فوجدته يتحنَّط) ، ويتحنَّط أي يدهن جسمه بالحنوط، وهو ما يخلط من الطِّيب لأكفان الموتى وأجسامهم. النِّهاية 1/ 450.

[2] في غير (ن) (نفيسة) .

[3] قال الحافظ في الفتح 6/ 5 أي يمرح بنشاط، وقوله في (طِوَلهِ) بكسر المهملة وفتح الواو هو الحبل الذي يشد به الدابة ويمسك طرفه، ويرسل في المرعى.

[4] في (ن) (يشتكي؟) والمثبت أولى.

[5] الحديث في البخاري برقم (3613) .

[6] تفسير البغويِّ 7/ 335.

[7] في غير (ن) (فادعه لي) .

[8] في (ن) (أو تدخل الجنَّة) .

[9] انظر تفسير البغويِّ 8/ 338.

[10] تفسير البغوي 7/ 342.

[11] في (ن) تصحيفًا (قرٌّ) .

[12] في (ن) تصحيفًا (فضيق) .

[13] الجملة الأخيرة (يتخطَّى رقاب .. ) مكرَّرة في (ن) وفيها أيضًا تصحَّفت كلمة (بينه) الثَّانية إلى (بين) .

[14] أسد الغابة*1/ 275، والحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند (9431) والترمذي (3795) والنَّسائي في سننه الكبرى (8230، 8243) ، قال الترمذيُّ حديث حسن.

[15] الهداية والإرشاد 1/ 130، وقد سقطت أوَّل ترجمته من مطبوعة الكتاب، فلم يبقَ منها إلَّا قوله (روى عنه أنس بن مالك في أوائل الجهاد والسِّير، في باب التحنُّط عند القتال) ، ملحَقًا بترجمة الذي قبلَه عنده (ثابت بن الضَّحَّاك) ، فليحرَّر.

[16] مقدمة الفتح ص 474.

[17] كتاب في الشَّمائل النَّبويَّة للإمام شرف الدِّين ابن البارِزِيِّ المتوفَّى سنة 738 هـ، انظر تاريخ ابن الوَرْديِّ 2/ 309 - 310، وانظر خزانة التراث (ضمن المكتبة الشَّاملة) برقم 46339، وللحكاية انظر الإعلام بما في دين النَّصارى من الفساد والأوهام للقرطبيِّ 3/ 364.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت