وقدم سفيان البصرة، فجلس إلى يونس بن عُبيد، فإذا شباب كأنَّ على رؤوسهم الطَّير، فقلت يا معشر القرَّاء، ارفعوا رؤوسكم، فقد وضح الطَّريق، واعملوا، ولا تكونوا عالة على النَّاس. فرفع يونس رأسه إليهم، فقال قوموا، فلا أعلِّمنَّ أحدًا منكم جالسني حتَّى يكتسب [1] معاشه من وجهه. فتفرَّقوا. قال سفيان فوالله ما رأيتهم عنده بعدُ. وقال يا معشر القرَّاء، ارفعوا رؤوسكم، لا تزيدوا [2] التَّخشُّع على ما في القلب، فقد وضح الطَّريق، فاتَّقوا الله وأجملوا في الطَّلب، ولا تكونوا (عيالًا) على المسلمين.
وقال لشُعيب [3] بن حَرْب يا أبا صالح، احفظ عنِّي ثلاثًا، إن احتجت إلى شِسْعٍ فلا تسأله [4] ، وإن احتجت إلى مِلْحٍ، فلا تسأل، وإن احتجت إلى ماء [5] فاستعمل كفَّيك، فإنَّه يجري مجرى الإناء.
قال إبراهيم بن عيسى الزَّاهد الأصفهانيُّ رأيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال عليكم بجامع سفيان. وقال يزيد بن أبي حكيم رأيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في المنام، فقلت يا رسول الله، رجل من أمتك يقال له سفيان الثَّوريُّ، لا بأس به؟ قال نعم، لا بأس به. فقلت إنَّه حدَّثنا عنك أنَّك رأيت يوسف النَّبيَّ في السَّماء حين أُسري بك. قال صدق. وقال الوليد بن مسلم رأيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم [في المنام] فعرضت عليه النَّاس، فكأنَّه كرهه، فقلت يا رسول الله، بمن تأمر؟ قال عليك بسفيان الثَّوريِّ.
قال سفيان بن عيينة رأيت سفيان الثَّوريَّ في المنام، فقلت أوصني. فقال أقلل من معرفة النَّاس، أو من مخالطتهم. فقلت فزدني. فقال سَتَرِد فتعلم.
قال إبراهيم بن أَعْيَن البَجَلِيُّ رأيت سفيان في النَّوم، ولحيتُه حمراءَ صفراءَ، فقلت ما صنعتَ فديتُك؟ قال أنا مع السَّفَرة. (قلت وما السَّفرة؟) قال الكرام البررة. وقال زائدة بن أبي الرُّقاد [6] رأيت الثَّوريَّ في المنام، فقلت ما فعل بك ربُّك؟ قال أدخلني الجنَّة، ووسَّع عليَّ. وقال بُدَيْل رأيت سفيان في المنام، فقلت ما صنع بك ربُّك؟ قال عفا عنِّي حتَّى طلبي الحديث. وقال مؤمِّل بن إسماعيل رأيت سفيان في المنام، فقلت له يا أبا عبد الله، ما صنع بك ربُّك؟ فقال لي غفر لي ربِّي. فقلت لقيت محمدًا وحزبه؟ قال نعم. قال عثمان بن زائدة رأيت في النَّوم كأنِّي أُدخلت الجنَّة، وإذا بسفيان يطير من شجرة إلى شجرة، وهو يقول {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ} [القصص 83] الآية.
قال حَفْصُ بنُ نُفْيَل رأيت داود الطَّائيَّ في المنام، فقلت هل لك علم بسفيان بن سعيد، وقد كان يحبُّ الخير
ج 1 ص 2
وأهله؟ قال رقَّاه الخير إلى درجة أهل الخير.
قال صخر بن راشد رأيت عبد الله بن المبارك في منامي بعد موته، فقلت أليس قد متَّ؟ قال بلى. قلت فما صنع بك ربُّك؟ قال غفر لي مغفرة أحاطت بكلِّ ذنب. قال قلت فسفيان [7] الثوري؟ قال بخٍ بخْ، ذلك {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء 69] .
قال سيف بن هارون البرجُمِيُّ رأيت في المنام كأنِّي في موضع علمت أنَّها ليست الدُّنيا، وإذا أنا برجل لم أر قطُّ أحسن منه، فقلت من أنت يرحمك الله؟ قال أنا يوسف بن يعقوب. فقلت كنتُ أُحبُّ أن ألقى مثلك فأسأله. فقال سل. فقلت ما الرَّافضة؟ قال يهود. قلت فالإباضيَّة؟ قال يهود. قلت فقوم عندنا نصحبهم؟ قال من هم؟ قلت سفيان الثَّوريَّ وأصحابه. فقال أولئك يُبعثون على ما بُعثنا معاشر المرسلين [8] .
وقال مُصعب بن المِقْدَام رأيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في المنام آخذًا بيد سفيان، وهو يجزيه خيرًا، ويقول حسن الطَّريقة. وقال الحَسَنُ بنُ السَّمَّاك رأيت سفيان فيما يرى النَّائم، كأنَّه (على عرش) يُهادَى بين السَّماء والأرض، فقلت يا أبا عبد الله! ما فعل الله بك؟ قال غفر لي. قلت فهل كان ثَمَّ شي تكرهه؟ قال نعم، الإشارة بالأصابع [9] .
قال بِشْرُ بنُ المُفَضَّل رأيت سفيان في النَّوم، فقال يا أبا سفيان، رقدتُ بين قدريَّة أو تُركت [10] ؟ فنظرت فإذا هو دُفن في مسجد شَبَّةَ [11] في بني حنيفة، [في] قوم من القدريَّة.
وقال سفيان رضا النَّاس غاية لا تدرك، وطلب الدُّنيا غاية لا تدرك. وقال ليس الزُّهد بأكل الجَشِب [12] ولا بلبس [13] الخشن، إنَّما الزُّهد في الدُّنيا قِصَرُ الأمل، وازهد في الدُّنيا ونَمْ. وكتب سفيان إلى أخ له واحذر حُبَّ المنزلة، فإنَّ الزَّهادة فيها أشدُّ من الزَّهادة [14] في الدُّنيا.
وكان سفيان إذا ذكر الموت لا يُنْتَفَعُ به أيَّامًا، فإذا سئل عن الشَّيء؟ قال لا أدري، لا أدري.
وقال إذا رأيت القارئ يلوذ بالسُّلطان، فاعلم أنَّه لصٌّ، وإذا رأيته يلوذ بالأغنياء، فاعلم أنَّه مراءٍ، وإذا لم يكن لله في العبد حاجة نبذه إلى السُّلطان، وإذا دعاك السَّلاطين لتقرأ عليهم {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} فلا تأتيهم، ولو خُيِّرتُ بين ذهاب بصري، وبين أن أملأ بصري (منهم) ، لاخترت ذهاب بصري.
قال وَهْبُ بن إسماعيل كنَّا يومًا عند سفيان، فمرَّ رجل من هؤلاء الجند، فجعل سفيان ينظر إليهم وإلينا [15] ، ثمَّ قال يمرُّ بكم المبتلَى والمكفوفُ
ج 1 ص 2
والزَّمِنُ الذين يؤجرون على بلائهم، فتسألون الله العافية، ويمرُّ بكم هؤلاء ولا تسألون الله العافية.
قيل لسفيان الثَّوريِّ أيكون الرَّجل زاهدًا، ويكون له المال؟ قال نعم، إذا ابتلي صبر، وإذا أُعطي شكر. وقال ما أحسن تذلُّلَ الأغنياء عند الفقراء، وما أقبح تذلُّل الفقراء عند الأغنياء!.
وقال قال عيسى بن مريم عليه السلام حبُّ الدُّنيا رأس كلِّ خطيئة، والمال فيه داء كبير [16] ، قيل يا رسول الله، ما داؤه؟ قال لا يؤدَّى حقُّه. قال فإن أَدَّى حقَّه؟ قال لا يسلم من الفخر [17] والخيلاء. قالوا فإن سلم من الفخر والخيلاء؟ قال يشغله استصلاحُه عن ذكر الله.
خرج إبراهيم بن أدهم، وإبراهيم بن طَهْمَانَ، وسفيان الثَّوريُّ إلى الطَّائف، ومعهم سفرة فيها طعام، فوضعوها ليأكلوا، وإذا أعراب قريب منهم، فناداهم إبراهيمُ بنُ طَهْمَانَ يا إخواناه [18] هلمُّوا. فقال لهم سفيان يا إخوتاه مكانَكم. ثمَّ قال سفيان لإبراهيم خذ من هذا الطَّعام ما طابت به أنفسنا، فاذهب به إليهم، فإن شبعوا فالله أشبعهم، وإن لم يشبعوا فهم أعلم، أخاف أن يجيبوا [19] ويأكلوا طعامنا كلَّه، فتتغيَّر نيَّاتنا ويذهب أجرنا.
وقال لا أعتدُّ بعبادة رجل له عيال.
قال يوسف بن أسباط كنت مع الثَّوريِّ في المسجد الحرام، فقال والله الذي لا إله إلا هو، وربِّ هذه الكعبة، لقد حلَّت العُزلة، وأُحبُّ أن أكون في موضع لا أُعرف ولا أُستذَلُّ. [وقال [20] وددت أنِّي أخذت نعلي هذه ثمَّ جلست حيث شئت، لا يعرفني أحدٌ. ثمَّ رفع رأسه وقال بعد أن لا أُستذَلُّ].
وقال أقلل معرفة النَّاس يقلَّ عَيْبُك.
وقال من الصَّبر ثلاثة لا تحدِّث بمصيبتك، ولا تخبر بوجعك، ولا تُزَكِّ نفسك. قال يحيى بن ثابت أُتيَ سفيان وهو في مسجد الحرام [21] بسَوِيْق فيه نحو من مُدِّ أهل مكَّة ثلثيه سويق وثلثه سكَّر، فشربه حتَّى حَلَّ إزاره، ثمَّ شدَّ إزاره، وقال أَشْبِعِ الزَّنْجِيَّ وَكُدَّه. ثمَّ قام من أوَّل اللَّيل إلى آخره، ومُدُّ مكَّة بقدر مُدِّ المدينة أربع مرار، ودعا سفيان مرَّة بطعام، فأكله، وتمر [22] وزبد فأكله، ثمَّ قام يصلِّي حين زالت الشَّمس إلى العصر، وقال أحسنوا إلى الزَّنْجِيَّ وكُدُّوه.
قال أبو منصور الواسطيُّ زارني سفيان بواسط، فأتيته بثريد فأكل، وأتيته برمَّان فأكل [23] ، فلمَّا رآني أنظر إليه قال [24] يا أبا منصور إنَّما هي أكلة، فإذا أكلت فاشبع، وإذا زهد العبد في الدُّنيا أنبت الله تعالى الحكمة في قلبه، وأطلق بها لسانه، وبَصَّرَهُ عيوب الدُّنيا وداءها ودواءها.
وقال إنِّي لأفرح [25] إذا
ج 1 ص 2
جاء اللَّيل، (ليس) إلَّا لأستريح من رؤية النَّاس.
قال وإذا عرفت نفسك لا يضرُّك ما قيل فيك، ووجدنا أصل كلِّ عداوة اصطناع المعروف إلى اللِّئام، وإذا رأيت الرَّجل حريصًا على أن يَؤُمَّ فأَخِّرْه، ولا تتكلَّم بلسانك ما يُكَسر [به] أسنانَك.
وقال من جاع فلم يسأل، فمات دخل النَّار.
قال أبو شهاب كنت مع الثَّوريِّ في المسجد، فقمت فصلَّيت ركعة، فالتفتَ إليَّ سفيان، فقال يا أبا شهاب، ما أجرأك! تصلِّي والنَّاس ينظرون إليك؟!
قال محمَّد بن مُزاحِم جعل سفيان على نفسه ثلاثة أشياء أن لا يخدمه أحد، وأن لا يُطوى له ثوب، ولا يضع لبنة على لبنة.
وقال سفيان هذا زمان خاصَّة، وليس زمان عامَّة، أقبل على خاصَّة نفسك، واترك عامَّهم، وما من نفس تخرج أحبُّ إليَّ من نفسي، ولو كانت بيدي لأرسلتها.
وأرسل إلى أخ له في الله رسالة عافانا الله وإيَّاك من النَّار برحمته، وأوصيك وإيَّاي بتقوى الله، وأحذِّرك أن تجهل بعد إذْ علمت، وتهلك بعد إذْ أبصرت، وتدع الطَّريق بعد إذ وضح لك، وتغترَّ بأهل الدُّنيا بطلبهم لها وحرصهم عليها، فإنَّ الهول شديد، والخطر عظيم، والأمر قريب، وكان قد كان، وتفزَّعْ وفَزِّعْ قلبَك، ثمَّ الحذرَ [الحذرَ] [26] ، الوَحَا الوَحَا، والهربَ الهربَ، وارتحل إلى الآخرة من قبل أن يُرتحل بك، واستقبل سبل [27] ربك، وانكمش، واشدد مئزرك من قبل أن يُقضى قضاؤك، ويُحال بينك وبين ما تريد، فقد وعظتك بما وعظت [به] نفسي، والتَّوفيق من الله، ومفتاح التَّوفيق الدُّعاء والتَّضرُّع والاستكانة [28] ، والنَّدامة على ما فرَّطت، ولا تضيِّع حظَّك من هذه الأيَّام واللَّيالي، أسأل الله تعالى الذي منَّ علينا بمعرفته أن لا يكلنا وإيَّاك إلى أنفسنا، وأن يتولَّى منَّا ومنك ما يتولَّى من أحبائه وأوليائه، ثمَّ إيَّاك وما يفسد عليك عملك الرِّياء؛ فإن لم يكن رياء فإعجابك بنفسك، حتَّى يُخيَّل إليك أنَّك أفضل من أخ لك، وعسى أن لا تصيب من العمل مثل الذي يصيب، ولعلَّه يكون أورع منك [29] عمَّا حرَّم الله، وأزكى منك عملًا، فإن لم تكن معجبًا بنفسك، فإيَّاك أن تحبَّ محمدة النَّاس، ومحمدتُهم أن تحبَّ أن يكون لعملك [30] به شرف ومنزلة في صدورهم، أو حاجة تطلبها اليهم في أمور كثيرة، فإنَّما تريد [31] لعملك _كما زعمت_ وجه الله تعالى والدَّار الآخرة، (لا تريد به غيره، فكفى بذكر الموت مزهِّدًا في الدُّنيا، ومرغِّبًا في الآخرة،) وكفى بطول الأمل قلَّة الخوف وجرأة على المعاصي، وكفى بالحسرة والنَّدامة يوم القيامة لمن كان
ج 1 ص 2
يعلم ولا يعمل.
قال سفيان كان يقال يا حملة القرآن، لا تتعجَّلوا منفعة القرآن، وإذا مشيتم إلى الطَّمع، فامشوا رويدًا.
وكان من دعائه اللهم سلِّم سلِّم، اللهم سلِّمنا منها إلى خير، اللهم ارزقنا العافية في الدُّنيا والآخرة.
قال سفيان قال رجل لعمر بن عبد الله أبقاك الله. قال قد فُرغ من هذا، فادع لي بالصَّلاح.
قال سفيان لو أنَّ البهائم تعقل من الموت ما تعقلون [32] ، ما أكلتم منها لحمًا سمينًا.
وربَّما كان سفيان يأخذ في التَّفكر [33] ، فينظر إليه النَّاظر، فيقول إنَّه مجنون. وقال له شخص زَمَنَ أبي جعفر المنصور يا أبا عبد الله، لو دعوت بدعوات. قال ترك الذُّنوب هو الدُّعاء.
وكان إذا أكل قال الحمد لله الذي كفانا المؤنة، وأوسع علينا الرِّزق. وقال إنِّي لأريد [34] أن أشرب الماء، فيسبقني الرَّجل إلى الشِّربة فيسقينيها، فكأنَّما دقَّ ضلعًا من أضلاعي، لا أقدر له على مكافأة فعله.
قيل لفضيل بن عياض في بعض ما كان إليه من الورع مَنْ إمامك في هذا؟ قال سفيان الثَّوريُّ. قال يحيى بن (يمان) ما رأينا مثل سفيان، ولا أبصر سفيان مثل نفسه، أقبلت عليه الدُّنيا، فصرف وجهه عنها.
قال البَلْخِيُّ أهديتُ إلى سفيان قميصًا، فردَّه عليَّ، فقلت له يا أبا عبد الله، لست أنا ممَّن يسمع الحديث حتَّى تردَّه عليَّ. قال علمت أنَّك ليس ممَّن يسمع الحديث، ولكن أخوك يسمع منِّي الحديث، فأخاف أن يلين قلبي أكثر ممَّا يلين لغيره.
قال مبارك بن سعيد أخو سفيان الثَّوريِّ جاء رجل إلى سفيان ببَدْرَة أو بَدْرَتين، وكان أبو ذاك الرَّجل صديقًا لسفيان، [وكان سفيان] يأتيه كثيرًا، فقال له يا أبا عبد الله، في نفسك من أبي شيء؟ فقال يرحم الله أباك، كان وكان. فأثنى عليه، فقال يا أبا عبد الله، قد عرفت [35] كيف صار إليَّ هذا المال، فأحبُّ أن تأخذ هذه، فتستعين بها على عيالك. قال فقبل سفيان ذلك، وقام [36] الرَّجل، فلمَّا كاد [37] أن يخرج قال لي مبارك، الحقه، فَرُدَّه عليَّ. فلمَّا رجع، قال يا ابن أخي، أحبُّ أن تأخذ هذا المال. فقال يا أبا عبد الله، في نفسك منه شيء؟ قال لا، ولكن أحبُّ أن تأخذه. فما زال به حتَّى أخذه، فذهب به، قال فلمَّا خرج لم أملك نفسي أن جئته، فقلت له ويلك! أيُّ شيء قلبك هذا حجارة، عُدَّ أن ليس لك عيال، أما ترحمني؟ أما ترحم إخوتك؟ أما [38] ترحم عيالنا؟ قال مبارك فأكثرت عليه، فقال الله الله يا مبارك، تأكلها هنيئًا مريئًا، ويسأل عنها أنا.
(قال) سفيان إذا رأيتموني تغيَّرت عن الحالة
ج 1 ص 2
التي أنا عليها اليوم، فاعلموا أنِّي قد بدلت.
قال عليُّ بن الجعد سمعت منادي هارون الرَّشيد ينادي من دلَّنا على سفيان فله ألف درهم. قال أحمد الزُّبيريُّ كنت مع سفيان في مسجد الخَيْف، والمنادي ينادي من جاء بسفيان الثوَّريِّ فله عشرة آلاف. قال الثَّوريُّ طُلبت في أيَّام المهديِّ فهربت، فأتيت اليمن، فكنت أنزل في حيٍّ، وآوي إلى مسجدهم، فسُرق في ذلك الحيِّ فاتَّهموني، فأتوا بي معن بن زائدة، وكان قد كتب إليه في طلبي، فقيل إنَّ هذا سرق منَّا. فقال لم سرقت متاعهم؟ فقلت ما سرقت شيئًا. فقال لهم تنحَّوا لأُسائله. فقال لي ما اسمك؟ فقلت عبد الله بن عبد الرَّحمن، قال أيا عبد الله بن عبد الرَّحمن، نشدتك بالله لمَّا نسبت لي نسبك [39] . قلت أنا سفيان بن سعيد بن مسروق. قال الثَّوريُّ؟ قلت الثَّوريُّ. قال أنت بغية أمير المؤمنين؟ قلت (نعم، إنَّه) أجل. فأطرق ساعة، ثمَّ قال ما شئت فأقم، وارحل متى [40] شئت، فوالله لو كنت تحت قدمي ما رفعتها.
قال يحيى بن يمان سمعت الثَّوريَّ يقول سترَك الجميل الذي لم يزل، سترَك الجميل الذي لم يزل.
قال بعضهم كان رجل يتتبَّع الثَّوريَّ، فيجده [41] أبدًا يخرج من كتبه رقعة ينظر فيها، فأحبَّ أن يعلم ما فيها، فوقع يده في الرُّقعة، فإذا فيها مكتوب سفيان، أذكر وقوفك بين يدي الله.
وقال ما عالجت شيئًا قط أشدُّ علي من نفسي، مرَّة عليَّ، ومرَّة لي.
وقال لله قرَّاء، وللسُّلطان قرَّاء. وصنفان [42] إذا صلحوا صلح النَّاس، السُّلطان والقُرَّاء.
وكتب إليه بعض إخوانه أن عظني [43] وأوجز. فكتب إليه عافانا الله وإيَّاك من السُّوء كلِّه، يا أخي، إنَّ الدُّنيا غمَّها لا يفنى، وفرحها لا يدوم، وفكرها لا ينقضي، فاعمل لنفسك حتَّى تنجو، ولا تتوانَ فتعطب، والسَّلام.
وكان يتمثَّل بهذا البيت _ من البحر البسيط _
~باعُوا جديدًا جميلًا باقيًا أبدًا بدارِسٍ خَلَقٍ يا بئسَ ما اتَّجَرُوا
وقيل لسفيان أيُّ شيء شرٌّ؟ فقال اللهم غَفْرًا، العلماء إذا فسدوا.
وقال لولا أن أُستَذلَّ لسكنت بين قوم لا يعرفوني.
وقال في قوله تعالى {سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} [القلم 44] قال [44] نسبغ [45] عليهم النِّعم، ونمنعهم الشُّكر.
وقال صابروا الأغنياء في الطَّعام ما بين الشَّفَة واللَّهاة، فإنه إذا جاوز ذلك، لم يعرف لينه من خشنه.
قال سعد بن صدقة أخذ بيدي الثَّوريُّ، وأخرجني إلى الجبَّانة [46] ، فاعتزلنا ناحية عن [47] طريق النَّاس، فبكى،
ج 1 ص 2
ثمَّ قال يا أبا [48] مهلهل، إن استطعت بأن لا تخالط في زمانك هذا أحدًا فافعل، وليكن همُّك مَرَمَّة جَهَازِك، واحذر إتيان هؤلاء الأمراء، وارغب إلى الله في حوائجك [49] ، وافزع إليه فيما ينوبك، وعليك بالاستغناء عن جميع النَّاس، وارفع حوائجك إلى من لا تعظم الحوائج عنده، فوالله ما أعلم اليوم بالكوفة أحدًا لو فزعت إليه في قرض عشرة دراهم أقرضني، ثمَّ كتمها [50] عليَّ؛ حتَّى يذهب ويجيء، ويقول جاءني سفيان فاستقرض فأقرضته.
قال عطاء بن مسلم الخَفَّاف قال لي سفيان يا عطاء، احذر النَّاس واحذرني، فلو خالفت رجلًا في رمَّانة، فقال حامضة. وقلت حلوة. أو قال حلوة. وقلت حامضة. لخشيت [أن] يشيط [51] بدمي. وقال اصحب من شئت ثمَّ أغضبه، ثمَّ دُسَّ إليه من يسأله عنك.
وقال عبد الله بن مرزوق استشرت سفيان الثَّوريَّ قلت ترى [52] أين أنزل بمكَّة؟ (قال) بمَرِّ الظَّهران حيث لا يعرفك أحد.
وقال لا تَعَرَّفَن إلى من [53] لا يعرفك، وأنكر معرفة من يعرفك.
وقال لرجل أخبرني! يأتيك ما تكره ممَّن تعرف منهم، أو ممَّن لا تعرف؟ قال بل ممَّن أعرف. قال فما قَلَّ من هؤلاء فهو خير.
وقيل لسفيان أرى النَّاس يقولون سفيان الثَّوريُ. وأنت تنام باللَّيل. فقال لي اسكت، مِلاَكُ [54] هذا الأمر التَّقوى.
وقال اليقين أن لا تتَّهم مولاك في كلِّ ما أصابك.
قال سفيان دخلت على بنت أمِّ حسَّان الأسديَّة، وفي جبهتها [55] مثل ركبة العنز من أثر السُّجود، وليس به خفاء، فقلت لها يا بنت أمِّ حسَّان، ألا تأتين عبد الله بن شهاب وترفعين إليه رقعة [56] ؟ لعلَّه أن يعطيك من زكاة ماله ما تغيِّرين به بعض الحالة التي أراها بك. فدعت بمعجر لها فاعتجرت به، فقالت يا سفيان، لقد كان لك في قلبي رجحان كبير، فقد أذهب الله رجحانك من قلبي، يا سفيان، تأمرني أن أسأل الدُّنيا من لا يملكها؟ وعزَّته وجلاله! إنِّي أستحي أن أسأله الدُّنيا وهو يملكها. قال سفيان وكان إذا جنَّ عليها اللَّيل دخلت محرابها، وأغلقت عليها، ثمَّ نادت إلهي خلا كلُّ حبيب بحبيبه، وأنا خالية بك يا محبوب، فما كان من سجن يسجن به من عصاك إلَّا جهنَّم، ولا عذاب إلَّا النَّار. قال سفيان فدخلت عليها بعد ثلاث، فإذا الجوع قد أثَّر في وجهها، فقلت لها يا بنت أمِّ حسَّان، إنَّك لن تؤتي أكثر ممَّا أوتي موسى والخضر،
ج 1 ص 2
إذ أتيا أهل قرية استطعما أهلها. فقالت يا سفيان، قل الحمد لله. فقلت الحمد لله. قالت اعترفت له بالشُّكر؟ قلت نعم. قالت وجب عليك من معرفة الشُّكر شكرٌ، وبمعرفة الشُّكرين شكرٌ لا ينقضي أبدًا. قال سفيان فقصر والله علمي، وفهَّ [57] لساني، وما أقوم بشكر، كلَّما اعترفت بنعمة وجب عليَّ بمعرفة النِّعمة شكرٌ، وبمعرفة الشُّكرين شكرٌ، فولَّيت وأنا أريد الخروج، فقالت يا سفيان، كفى بالمرء جهلًا أن يعجب [58] بعمله، وكفى بالمرء علمًا أن يخشى الله، اعلم أنَّه لن تنقى القلوب من الرَّديِّ حتَّى تكون الهموم كلُّها في الله همًّا واحدًا. قال سفيان فقصرت والله إليَّ نفسي.
وقال أتدرون ما تفسير لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله؟ يقول ما أعطى [59] أحدٌ إلَّا ما أعطيت، ولا يقي أحدٌ إلا (ما) وقيت.
دخل إياس بن عَمْرو بن يزيد مسجد سفيان، فقال أبلغك يا أبا عبد الله أنَّ قول لا إله إلا الله عشر حسنات، والحمد لله والله أكبر كذلك؟ فقال كذا بلغنا. فقال فما تقول فيمن كسب ثلاثين ألف درهم من غير حقِّها؟ وقال أقعد وأسبِّح وأكبِّر حتَّى أعمل من الحسنات بعدد هذه. فقال سفيان فليردَّها قبل وفاته، لا يقبل له ذكر إلَّا بردِّها.
قال وإنَّما سمِّيت الدُّنيا؛ لأنَّها دنيَّة، وسمِّي المال؛ لأنَّه يميل بأهله، وكان أقوام يدعون [إلى] الحلال فلا يقبلونه، ويقولون نخاف منه على أنفسنا.
وقال الثَّوريُّ لعليِّ بن الحسن يا أخي، اطلب العلم لتعمل به، ولا تطلبه لتباهي به العلماء، وتماري به السُّفهاء، وتأكل به الأغنياء، وتستخدم به الفقراء، فإنَّ لك من علمك ما عملت به، وعليك ما ضيَّعت منه، فقد بَلَغنا، والله أعلم أنَّه من طلب الخير صار غريبًا في زمانه، ولا تستوحش، واستقم على سبيل ربِّك، فإنَّك إن فعلت ذلك كان مولاك الله تعالى وجبريل وصالح المؤمنين، واشتغل بذكر عيوب ذكر نفسك عن ذكر عيوب غيرك، واحزن على ما قد مضى من عمرك في غير طلب آخرتك، وأكثر من البكاء على ما أوقرتَ ظهرك؛ لعلَّك تخلص منها، ولا تملَّ من الخير وأهله، ولا تباعد [60] عنهم، فإنَّهم خير لك ممَّن سواهم، ومِلْ عن الجهَّال، وتباعد عنهم [61] ، فإنَّه لم [62] ينجو من جوارهم إلَّا من عصم الله، وإن أردت اللَّحاق بالصَّالحين فاكتف بما أصبت من الدُّنيا، ولا تنس من لا ينساك، ولا تغفل عمَّن وكَّل بك من يحصي أثرك، ويكتب عملك، راقب الله في سريرتك
ج 1 ص 2
وعلانيتك، وهو رقيب عليك، واستح ممَّن هو معك، وهو أقرب إليك من حبل الوريد، اعرف فاقة نفسك وحقارتها، فإنَّك حقير فقير إلى ربِّك، وابك على نفسك وارحمها، فإنَّك إن لم ترحمها لم تُرحم، ولا تغشَّها ولا توردها [63] ، وخذ منها لك، فإنَّك بيومك، ولستَ بغد، وكأنَّ الموت قد نزل بك، ولا تغفل غفلة الغافلين والجاهلين، وأكثر من البكاء على نفسك، فلست من الضَّحك بسبيل إن عقلت، فقد بلغنا، والله أعلم أنَّ الله تعالى قد عيَّر أقوامًا في كتابه بالضَّحك وتَرْك البكاء، فقال {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ. وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ. وَأَنتُمْ سَامِدُونَ} [النجم 59 - 61] ومدح أقوامًا في كتابه، فقال {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء 109] [للمخرج يخرّون] وقد بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال «إذا أحبَّ الله قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرِّضا، ومن سخط فله السُّخط» [64] .
وقال البكاء عشرة أجزاء، تسعة لغير الله، وواحدة لله، فإذا جاء الذي لله مرَّة في السَّنة فهو كثير.
وقال يأتي على النَّاس زمان لا تقرُّ فيه عين حكيم، ومن أحبَّ أفخاذ النِّساء لم يفلح.
وسئل سفيان، فقال أطلب [65] العلم أحبُّ إليك يا أبا عبد الله أم العمل؟ فقال إنَّما يراد العلم للعمل، لا تدع طلب العلم للعمل، ولا طلب العمل للعلم [66] .
وقال مرَّ عابد براهب، فقال العابد يا راهب، ما بلغ من عبادتك؟ قال ينبغي لمن يعلم أنَّ الجنَّة حقٌّ، وأنَّ النَّار حقٌّ أن لا يأتي عليه ساعة إلَّا وهو قائم يصلِّي. فقال العابد إنِّي لأبكي حتَّى ينبت العشب من دموع عيني. قال الرَّاهب إنَّ الذي يضحك ويُقِرُّ خير من الذي يبكي ويُدِلُّ، إن المُدِلَّ [67] لا تجاوز صلاته رأسه.
ولمَّا مات سفيان عند عبد الرَّحمن بن مهديٍّ، فحين اشتدَّ وجعه جعل يبكي، فقال رجل يا أبا عبد الله، أراك كثير الذُّنوب. فأخذ شيئًا من الأرض، وقال والله لذنوبي أهون عندي من ذا [68] ، إنِّي أخاف أن أُسلب الإيمان قبل أن أموت.
وقال سفيان لعبد العزيز بن [69] عثمان عليك بالقصد في معيشتك، وإيَّاك أن تشَبَّه بالجبابرة [70] ، وعليك بما تعرف من الطَّعام واللِّباس والمركب، وليكُ [71] أهل مشورتك أهل التَّقوى وأهل الأمانة ومن يخشى الله تعالى.
وقال من أخذ من ظالم فرسًا أو مالًا أو سلاحًا، فغزا به في سبيل الله لُعن بكلِّ قدم يرفعه ويضعه حتَّى يرجع.
وقال للفضل [72] بن مهلهل فيم السَّلامة؟
ج 1 ص 2
قال أن لا تُعرف. قال هذا ما لا يكون، ولكن السَّلامة في أن لا تحبَّ أن تعرف.
وقدم سفيان البصرة، والسُّلطان يطلبه [73] ، فصار في بعض البساتين، فآجر نفسه على أن يحفظ ثمارها، فمرَّ به بعض العشَّارين، فقال له من أنت يا شيخ؟ قال من أهل الكوفة. قال أخبرني، أرطب البصرة أحلى أم رطب الكوفة؟ قال أما رطب البصرة فلم أذقه، ولكن رطب السَّابريِّ بالكوفة حلو [74] . فقال ما أكذبك من شيخ! البَرُّ والفاجر يأكلون الرُّطب السَّاعة، وأنت تزعم أنَّك لم تذقه. فرجع إلى العامل فأخبره بما قال لتعجُّبه، فقال ثكلتك أمُّك! أدركه، فإن كنتُ صادقًا، فإنَّه سفيان الثَّوريُّ، فخذه لِتَتقَرَّبَ به إلى أمير المؤمنين المهديِّ. فرجع في طلبه فما قدر عليه.
وقال سفيان لو لم يكن للأشراف أن يزهدوا في الدُّنيا إلَّا لأنَّها [75] تضعهم وترفع السَّفِلَةَ عليهم، كان يحقُّ لهم أن يزهدوا فيها.
وسئل ما الزُّهد في الدُّنيا؟ قال سقوط المنزلة.
وقال مثل المتعبِّد ببغداد، كمثل المتعبِّد في الكنيف.
وكان يقول لا شيء أقطع لظهر إبليس من قول لا إله إلا الله، ولا شيء يضاعف ثوابه من الكلام، مثل الحمد لله.
وقال الظَّنُّ ظنَّان، فظنٌّ فيه إثمٌ، وظنٌّ ليس فيه [76] ؛ أمَّا الظَّنُّ الذي فيه إثم، فالذي يتكلَّم به، وأمَّا الظَّنُّ الذي لا إثم فيه، فالظَّنُّ الذي لا يتكلَّم به.
وكان شخص ضرير يجالس سفيان، فإن كان شهر رمضان خرج إلى السَّواد يصلِّي بالنَّاس، فيُكْسَى ويُعْطَى، فقال سفيان إذا كان يوم القيامة أثيب أهل القرآن من قراءتهم، ويقال لمثل هذا قد تعجَّلت ثوابك في الدُّنيا. فقال يا أبا عبد الله!، تقول هذا لي [هذا] ، وأنا جليسك؟ فقال إنِّي أخاف أن يقال لي يوم القيامة كان هذا جليسك، أفلا نصحته [77] ؟
وقيل له ما تقول في رجل قَصَّار إذا كسب درهمًا كان فيه ما يقوته ويقوت عياله، ولم يدرك الصَّلاة جماعة، وإذا كسب أربعة دوانيق [78] أدرك الصَّلاة في جماعة، ولم يكن فيه ما يقوته ويقوت عياله، أيُّهما أفضل؟ قال يكسب الدِّرهم، ويصلِّي وحده.
وقال إنِّي لألقى الرَّجل أبغضه، فيقول [لي] كيف أصبحت؟ فيلين له قلبي، فكيف بمن أكل ثريدهم، ووطئ بساطهم؟
وقال حرمت قيام الليل بذنب أحدثته خمسة أشهر.
ج 1 ص 2
قال أبو زيد رأيت سفيان [79] ، وقد طاف بالبيت، وصلَّى خلف المقام ركعتين، فرفع رأسه إلى السَّماء، فانقلب مغشيًّا عليه، فأُدخل زمزم، وصُبَّ عليه الماءُ حتَّى أفاق، فحدَّثت به أبا سليمان قال ليس النَّظرُ قَلَبَهُ، إنَّما قلبته الفكرة.
قال مُزاحم بن زُفَر صلَّى بنا سفيان المغرب، فقرأ بفاتحة الكتاب، فلما بلغ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} بكى حتَّى انقطعت قراءته، ثمَّ عاد فقرأ، حتَّى إذا بلغ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} بكى حتَّى انقطعت قراءته، ثمَّ عاد فقرأ الحمد [الله] .
وقال لو أنَّ اليقين استقرَّ [80] في القلب كما ينبغي لطار فرحًا وحزنًا شوقًا إلى الجنَّة وخوفًا من النَّار.
وكان يقول إذا بلغكم عن موضعٍ رخصٌ فارتحلوا إليه، فإنَّه أسلم لدينكم، وأقلُّ لهمِّكم [81] .
وقال كان مكتوب في التَّوراة إذا كان في البيت بُرٌّ فتعبَّد [82] ، فإذا لم يكن فالتمس. وقال إذا أردت أن تتعبَّد فأحرز الحنطة.
وقيل لسفيان أين تطيب [83] العبادة؟ قال حيث جُوالِقُ خبز بدرهم؛ حتَّى لا يمدَّ أحد عينه إلى أحد.
وكان سفيان إذا اغتمَّ رمى بنفسه إلى وُهَيْبِ بن الورد، فقال يا أبا أميَّة، أترى أحدًا تمنَّى الموت؟ فقال وهيب أمَّا أنا فلا. قال سفيان أمَّا أنا فوددت أنِّي ميت [84] .
قال وكان رجل منَّا من بني ثور إذا أصبح هتف بصوته اللَّهم ذهب الإخوان، واشتدَّ [85] الزَّمان، اللهم اكفني عجلان إلى غير خزي وهوان.
وجلس سفيان ومالك بن مِغْول، فتذاكرا حتَّى رَقَّا، فقال سفيان وددت أنِّي لا أقوم من مجلسي حتَّى أموت. فقال مالك لكن لا أحبُّ ذلك معاينة الرُّسل [86] . ثمَّ قام يبكي، يخطُّ الأرض برجليه.
وقال سفيان من لم يكن معك فهو عليك، وما خالفت رجلًا في هواه إلَّا وجدته يَقْلي [87] عليَّ.
وكان سفيان يديم النَّظر إلى المصحف، فيوم لا ينظر فيه يأخذه ويضعه على صدره.
وسئل مَن آل محمَّد؟ قال أمَّة محمَّد.
وقال لو حُدِّثت عن ذي العيال أنَّه كَفَر ما أبعدت.
وقال الدُّنيا أكثرها أقبحها في عين من يبصرها، وما أعطي رجل شيئًا من الدُّنيا إلَّا قيل له خذه ومثله حرصًا [88] .
وقال لشخص يجالسه أتحبُّ [89] أن تخشى الله حقَّ خشيته؟ قال نعم. قال أنت أحمق، لو خفته حقَّ خوفه ما أدَّيت الفرائض. بمعنى [90] متَّ من خوفه [91] .
وقال إنِّي لأسأل الله أن يُذهب عنِّي من خوفه.
قال قتيبة بن سعيد لولا سفيان لمات الورع.
ج 1 ص 2
قال أبو نصر بشر بن الحارث الحافي قال سفيان لبكر العابد يا بكر، خذ من الدُّنيا لبدنك، ومن الآخرة لقلبك. قال أبو نصر يعني لبدنك ما لا بدَّ لك منه، ولقلبك، أي اشغل قلبك بذكر الآخرة.
وقال [سفيان] عليك بالزُّهد يُبصِّرك الله عورات الدُّنيا، وعليك بالورع يخفِّف الله حسابك، ودع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك، وادفع الشَّكَّ باليقين، يسلم لك دينك، وإذا أردت أن تعرف قدر الدُّنيا، فانظر عند من هي؟
وقال خير الدُّنيا لكم ما لم تُبْتَلوا به منها [92] ، فإذا ابتُليتم بها، فخيرها لكم ما خرج من أيديكم منها.
وكان من يرى سفيان يراه كأنَّه في سفينة يخاف الغرق، أكثر ما تسمعه يقول يا ربِّ سلِّم سلِّم.
وقال قرَّاء زماننا لهم شره [93] ، ليس لهم تقوى، ولا يملح [94] القراءة إلَّا بالُّزهد، واغبط الأحياء بما تغبط به الأموات، وأحبَّ النَّاس على قدر أعمالهم، وذِلَّ عند [95] الطَّاعة، واستعص عند المعصية.
قال إبراهيم بن سعد كنت مع سفيان في المسجد [96] الحرام، فكوَّم كومة من الحصباء [97] ، ثمَّ قال يا إبراهيم، هذا خير من (أَسِرَّتِهم) [98] .
وقال ما أنفقت درهمًا في بناء قطُّ.
وقال وقع عندنا من هذا الأمر شيء، فوددنا أنَّا وجدنا من نرضى حتَّى نرمي به إليه.
وكتب إليه أخوه مبارك بن سعيد يشكو إليه ذهاب بصره، فكتب إليه يا أخي، فهمت كتابك، تذكر شكاية ربِّك، اذكر الموت يَهُنْ عليك ذهابُ بصرك، أحسن القيام على عيالك، وليكن ذكر الموت من بالك، والسَّلام.
وقال لأن تدخل يدك في فم التِنِّين [99] خير لك من أن ترفعها إلى ذي نعمة قد عالج الفقر. ونظر بمكَّة إلى السُّودان، وقال إنَّ ذنوبًا سلِّط بها علينا هؤلاء لذنوب عظام.
قال [100] وما شبَّهت خروج المؤمن من الدُّنيا إلى الآخرة إلا مثل خروج الصَّبيِّ من بطن أمِّه من ذلك الغمِّ إلى روح [101] الدُّنيا.
وقال للمسيَّب بن واضح إيَّاك والشُّهرةَ، فما أتيت أحدًا إلَّا وقد نهاني عن الشُّهرة. فقال بعضهم أفتريد [102] أشهر منك؟!
وكان من شدَّة الفكرة يبول الدَّم. وقال إنِّي لأهتمُّ فأبول الدَّم.
وقرأ على عليِّ بن الحسين السُّلَمِي يا أخي، لا تغبط
ج 1 ص 2
أهل الشَّهوات بشهواتهم، ولا ما يتقلَّبون إليه من النِّعمة، فإنَّ أمامهم يومًا [103] تزلزل [104] فيه الأقدام، وترعد فيه الأجسام، وتتغيَّر فيه الألوان، ويطول فيه القيام، ويشتدُّ فيه الحساب، وتَطَاير [105] فيه القلوب حتَّى تبلغ الحناجر، فيا لها من ندامة على ما أصابوا من هذه الشَّهوات! اجعل كسبك فيما يكون لك، ولا تجعل كسبك فيما يكون عليك، فإنَّ الذي يقدِّم ماله، ويعطي حقَّ الله منه، فمالُه له وأفضل منه، والذي يخلف ماله، ويضيِّع حقَّ الله فيه، فماله وبال عليه يوم القيامة، اكسب حلالًا، واجلس مع مَنْ كسبُه حلال، وكُلْ طعام مَنْ كسبه حلال، وليكن أهل مشورتك مَنْ كسبه حلال، فإنَّ الورع مِلاك الدِّين واستكمال أمر [106] الآخرة، واعلم يا أخي أنَّه لا يمتنع أحد من الحرام إلَّا من هو مشفق على لحمه ودمه، فإنَّما دينك لحمك ودمك، واجتنب الحرام، ولا تجلس مع من يكسب الحرام، ولا تأكل مع مَنْ كسبه حرام، ولا تَدُلَّ أحدًا على الحرام، ولا تشيرنَّ به على أحد (فيأخذه) ، وانصح لكلِّ بَرٍّ وفاجر أن لا يأخذه، فإن فعلت من ذلك شيئًا فأنت عون له، والعون شريك، وإيَّاك والظُّلم، وأن تكون عونًا للسُّلطان، وأن تصحبه وتؤاكله، أو تبتسم في وجهه، أو (أن) تنال منه شيئًا، فتكون عونًا له، والعون شريك، خالط أهل التَّقوى، ولا تُخَادِنْ أهل الخطايا، ولا تجالس أهل المعاصي، واجتنب المحارم كلَّها، واتَّق أهلها، وإيَّاك والأهواء، فإنَّ أوَّلها وآخرها باطل، ولكلِّ ذنب توبة، وترك الذَّنب أيسر من طلب التَّوبة، وإنَّ الله غفور لأهل المعاصي، رحيم للتَّوَّابين [حليم] ودود، وإيَّاك أن تزداد بحلمه عنك جَرَاءَةً على معصيته، فإنَّ الله لم يرضَ لأنبيائه المعصية والحرام والظُّلم [107] ، فقال {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون 51] ثمَّ قال للمؤمنين {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة 267] ثمَّ أجملها، فقال {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلًا طَيِّبًا وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [البقرة 168] واعلم يا أخي أنَّه لم يرضَ لأنبيائه، ولا للمؤمنين، ولا للمشركين حرامًا، ولا تتهاون بالذَّنب الصَّغير، ولكن انظر من عصيت، عصيت ربًّا عظيمًا يعاقب على الصَّغيرة، ويتجاوز عن الكبيرة، وإنَّ أَكْيَسَ الكَيْسِ من يدخل
ج 1 ص 2
الجنَّة بذنبٍ عمله، فنصبه بين عينيه، ثمَّ لم يزل حذرًا على نفسه من تلك الخطيئة حتَّى فارق الدُّنيا، ودخل الجنَّة، وإنَّ أحمقَ الحُمقِ من دخل النَّار بحسنة واحدة نصبها بين عينيه، ولم يزل يذكرها، ويرجو ثوابها، وتهاون بالذنُّوب حتَّى فارق الدُّنيا، ودخل النَّار، فكن يا أخي كَيِّسًا حذرًا على ما قد زلَّ منك ومضى، لا تدري ماذا يفعل بك ربُّك فيه؟ وما بقي من عمرك لا تدري ماذا يحدث لك فيه؟ فإنَّ إبراهيم خليل الرَّحمن حذر على نفسه، فسأل ربَّه، فقال {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ} [إبراهيم 35] وقال يوسف عليه السلام {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف 101] وقال موسى عليه السلام {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ} [القصص 17] وقال شعيب عليه السلام {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ رَبُّنَا} [الأعراف 89] فهؤلاء أنبياؤه خافوا على أنفسهم، وإنَّما المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.
وقال النَّاس عندنا مؤمنون مسلمون، ولكن لا ندري ما هم عند الله؟
سأله رجلٌ عن رجلٍ يكذِّب بالقدر أصلِّي وراءه؟ قال لا تقدِّموه. قال هو إمام القرية، ليس لهم إمام غيره. فقال لا تقدِّموه، لا تقدِّموه. وجعل يصيح.
وقال البدعة أحبُّ إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها، ومن أصغى إلى صاحب بدعة بسمعه، فقد خرج من عصمة الله.
قال عمرو بن حسَّان نِعْمَ المداوي سفيان، إذا دخل البصرة حدَّث بفضائل عليٍّ، وإذا دخل الكوفة حدَّث بفضائل عثمان.
وقال سفيان إذا كنتُ بالشَّام أذكرُ مناقب عليٍّ، وإذا كنتَ بالكوفة أذكرُ مناقب أبي بكر وعمر.
وذُكر سفيان عند عاصم بن محمَّد، فذكروا مناقبه حتَّى عدُّوا خمس عشرة [108] منقبة، فقال فرغتم؟ إنِّي لأعرف فيه فضيلة أفضل من هذه كلِّها، سلامة صدره لأصحاب محمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام.
وقال رجل لسفيان ما أزعم أنَّ عليًّا أفضل من أبي بكر وعمر، ولكن أجد لعليٍّ ما لا أجد لهما، فقال أنت رجل منقوص.
وقال الحِلِّيُّ [109] سألت سفيان ونحن نطوف بالبيت عن رجل يحبُّ أبا بكر وعمر إلَّا أنَّه يجد لعليٍّ من الحبِّ ما لا يجد لهما؟ فقال هذا رجل به داء، ينبغي أن يُسقى دواء.
ج 1 ص 2
وسأله رجل أصلِّي خلف من سبَّ أبا بكر وعمر؟ قال لا. قلت أصلِّي خلف من يقول الإيمان قول بلا عمل؟ قال لا، ولا كرامة.
وقال سفيان منعتنا الشِّيعة أن نذكر فضائل عليٍّ. وقال من قدَّم عليًّا على أبي بكر وعمر فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وأخشى أن لا ينفعه مع ذلك عمل.
قال عبد الله بن المبارك سمعت الثَّوريَّ يقول الجهميَّة كفَّار، والقدريَّة كفَّار. فقيل [110] لعبد الله فما رأيك؟ قال رأيي رأي سفيان.
وسأله رجل فقال أوصني. قال إيَّاك والأهواء، إيَّاك والخصومة، إيَّاك والسُّلطان.
وقيل لا يزال قوم يسألوني عن الإسلام، ما الإسلام؟ فقال له إذا غدوت من [111] السُّوق، فانظر إلى أدنى حمَّال، فاسأله عنه، فإذا أخبرك فهو ذاك.
قال ما أبغضَ الله عبدًا فأحبَّه، ولا أحبَّ عبدًا فأبغضَه، وإنَّ الرَّجل ليعبد الأوثان، وهو عند الله سعيد.
قال وليس من ضلالة إلَّا وعليها ريبة [112] ، ولا تعرض دينك إلى من يبغضه.
وقيل له أمؤمن أنت؟ قال إن شاء الله. قيل لا تفعل. قال أما سمعت الله يقول {وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الشعراء 112] ، {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء 114] ، قال إنَّما مثلي ومثلك كمثل الطَّبيب والصَّيدلانيِّ، فأنا الطَّبيب، وأنت الصَّيدلانيُّ. عليكم بما عليه الحمَّالون، والنِّساء في البيوت، والصِّبيان في الكُتَّاب من الإقرار والعمل.
قال ليس أحد أبعد من كتاب الله من المرجئة، خالفت في ثلاث، نحن نقول الإيمان قول وعمل. وهم يقولون قول لا عمل. ونحن نقول يزيد وينقص. وهم يقولون يزيد ولا ينقص. ونحن نقول مؤمنون بالإقرار. وهم يقولون نحن مؤمنون عند الله.
ولما مات عبد العزيز بن أبي روَّاد [113] ووضع عند باب الصَّفا، فصفَّ النَّاس، فجاء الثَّوريُّ حتَّى خرق الصُّفوف، والنَّاس ينظرون [إليه] ، فجاوز الجنازة، ولم يصلِّ عليه؛ لأنَّه كان يُرمى بالإرجاء.
وقال سفيان من زعم أن «قل هو الله أحد» مخلوق فقد كفر بالله.
وقال إذا أثنى على رجل جيرانُه أجمعون، فهو رجل سوء، قالوا لسفيان كيف ذاك؟ قال يراهم يعملون بالمعاصي، فلا يغيِّر عليهم، ويلقاهم بوجه طلق.
وقال بلغني أنَّ العبد يعمل [114] العمل سرًّا، فلا يزال به الشَّيطان حتَّى يعلنه، فيكتب في العلانية، ثمَّ لا يزال الشَّيطان به حتَّى يحبَّ أن يحمد
ج 1 ص 2
عليه، فينسخ من العلانية، فيثبت في الرِّياء.
وجاء زائدةُ بنُ قُدَامة إلى سفيان، فلمَّا رآه صاح به وانتهره، فقيل [له] ما شأنه؟ فقال إنَّ شريكًا أمر بمال يقسمه، فولَّاه هذا. ثمَّ قال سفيان إنَّ شريكًا لم يصوِّب [115] لدنسه أحدًا غيرك.
قال زيدُ بنُ الحُبَاب كان رأيُ سفيان رأيَ الكوفيِّين، يفضِّل عليًّا على أبي بكر وعمر، فلمَّا صار إلى البصرة رجع عنها، وهو يفضِّل أبا بكر وعمر على عليٍّ، ويفضِّل عليًّا على عثمان.
قال ما قاتل عليٌّ أحدًا إلَّا كان علٌّي أولى بالحقِّ منه، ومن قال عليٌّ أحقُّ بالولاية من أبي بكر وعمر، فقد خَطَّأَ أبا بكر وعمر [وعليًّا] والمهاجرين والأنصار، ولا أدري يرتفع له عمل إلى السَّماء أم لا؟
وقيل له إنَّ النَّاس قد أكثروا في المهديِّ، فما تقول فيه؟ قال إن مرَّ على بابك فلا تكن منه في شيء حتَّى يجتمع النَّاس عليه.
وقال سفيان لعطاء بن مسلم كيف حبُّك اليوم لأبي بكر؟ قال شديد. قال فكيف حبُّك لعمر؟ قال شديد. قال كيف حبُّك لعليٍّ؟ قال شديد. وطوَّلها، فقال يا عطاء إنَّ هذه الشَّديد تزيد كَيَّةً وسط رأسك [116] .
قال ولا يجتمع حبُّ عليٍّ وعثمان إلَّا في قلوب نبلاء الرِّجال.
وقال لا يستقيم قول إلَّا بعمل [117] ، ولا يستقيم قول وعمل إلَّا بنيَّة، ولا يستقيم قول وعمل ونيَّة [118] إلَّا بموافقة السُّنَّة، والإيمان كالسِّربال إن شئت لبسته، وإن شئت خلعته، ومن كره أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله، فهو عندنا مرجئ. يمدُّ بها صوته، وأرْجِئ كلَّ شيء ممَّا لا يعلم إلى الله، ولا تكن مرجئًا، واعلم أنَّ ما أصابك فمن الله، ولا تكن قدريًّا، والصَّلاة والزَّكاة من الإيمان، والإيمان يزيد، والنَّاس عندنا مسلمون، ولكنَّ الإيمان يتفاضل، وجبريل أفضل منك إيمانًا.
وقيل له أنت قدريٌّ؟ فقال سفيان إن كنتُ قدريًّا فأنا رجل سوء، وإلَّا فأنت في حلٍّ.
قال أيُّوب لعبد الواحد بن زيد قل للثَّوريِّ لا يصحب عَمْرو بنَ عُبيد. فقال له ذلك، فقال إنِّي أجد عنده أشياء، لا أجدها [119] عند غيره. فقلت ذلك لأيُّوب، فقال من تلك الأشياء أخاف عليه.
قال سفيان إذا أردا الله بعبد خيرًا أفرغ عليه السَّداد، وكنَّفه بالعصمة، وإذا سمع أحد
ج 1 ص 2
بدعة فلا يحكها لجلسائه، لا يلقيها في قلوبهم.
وقال الإيمان والإسلام [سواء] [120] ثمَّ قرأ {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذاريات 35 - 36] وإذا بلغك عن صاحب سنَّة بالمشرق فابعث إليه السَّلام، وإذا بلغك عن آخر بالمغرب فابعث إليه السَّلام، فقد قلَّ أهل السُّنَّة والجماعة.
وقال إذا واخَيْت الرَّجل في الله، فأحدثَ حدثًا فلم أجانبْه، لم يكن مؤاخاتي في الله.
وقال عبد الواحد بن زيد قال سفيان إنَّما هو اختيار أو اختبار [121] أو عقوبة، قال فحدَّثت به محمودًا أو ناظرته فيه [122] ، فقلت له الاختيار ينبغي أن يرضى به، والاختبار ينبغي أن يصبر عليه، والعقوبة ينبغي أن يتوب منها.
وقرأ على عليِّ بن الحسين واعلم أنَّ السُّنَّة سنَّتان، سنَّة أخذها هدًى، وتركها ضلالة، وسنة أخذها هدًى، وتركها ليس ضلالة، وإنَّ الله لا يقبل نافلة حتَّى تؤدَّى الفريضة، وإنَّ لله حقًّا باللَّيل لا يقبله بالنَّهار، وحقًّا بالنَّهار لا يقبله باللَّيل، وأنَّه يحاسب العبد يوم القيامة بالفرائض، فإن جاء بها تامَّة قبلت فرائضه ونوافله، وإن لم يؤدِّها وأضاعها لحقت النَّوافل بالفرائض، فإن شاء غفر له، وإن شاء عذَّبه، وأولى الفرائض الانتهاء عن الحرام والمظالم، وإنَّ الله تعالى يقول في كتابه {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ} [النساء 58] [123] وقال {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة 197] وإنَّما عنى به اتَّقوا عن المظالم أن تنالوها، وتزوَّدوا من أعمال البرِّ. يا أخي عليك بتقوى الله تعالى ولسانٍ صادق [124] ، ونيَّة خالصة، وأعمال صالحة شتَّى، ليس فيها غشٌّ ولا خديعة [125] ، فإنَّ الله تعالى يراك، وإن لم تكن تراه، وهو معك أينما كنت، لا يسقط عليه شيء من أمرك، لا تخدع الله فيخدعك، فإنَّه من يخادع [126] الله يخدعه، ويخلع منه الإيمان ونفسُه لا تشعر، ولا تمكرنَّ بأحد من المسلمين (بالمكر السَّيِّء، فإنَّه لا يحيق المكر السَّيُّء إلَّا بأهله، ولا تبغيَّن على أحد من المسلمين) ، فإنَّ الله تعالى يقول {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم} [يونس 23] [ولا تغشَّ أحدًا من المسلمين] [127] وقد بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال «من غش مؤمنًا فقد برئ من المؤمنين» [128] فيكون نفاقًا في قلبك، ولا تحسدنَّ، ولا تغتابنَّ، فتذهب حسناتك، وقد كان بعض الفقهاء يتوضَّأ من الغيبة، كما يتوضَّأ
ج 1 ص 2
من الحدث، وأحسن سريرتك يحسن الله علانيتك، وأحسن فيما بينك وبين الله يصلح فيما بينك وبين النَّاس، واعمل لآخرتك يكفك الله أمر دنياك، بع [129] دنياك بآخرتك تربحهما جميعًا، ولا تبع آخرتك بدنياك تخسرهما جميعًا.
وقال بشر الحافي الذي أنا عليه، بل كلُّ الذي أنا عليه جاء مع سفيان.
قال بعضهم إذا رأيت عراقيًّا، فاستعذ بالله من شرِّه، وإذا رأيت سفيان الثَّوريَّ فاسأل الله الجنَّة.
قال سفيان ما سألت أبا حنيفة عن شيء، وربَّما لقيني فسألني.
قال الأوزاعيُّ إذا مات ابن عَوْن، وسفيان الثَّوريُّ استوى النَّاس.
قال سفيان نعوذ بالله من فتنة العابد الجاهل، والعالم الفاجر، فإنَّ فتنتهما فتنة لكلِّ مفتون.
قيل له إنِّي أحبُّك، قال كيف لا تحبُّني، ولست بابن عمي ولا جاري؟
وقال إيَّاكم والبِطْنة، فإنَّها تُقَسِّي القلوب، ولا تكثروا الضَّحك، فإنَّها تميت القلوب.
قال وكنت إذا رأيت الرِّجال يجتمعون إلى أحد غبطته، فلمَّا ابتليت بها [130] ، وددت أنِّي نجوت منها كفافًا لا عليَّ ولا لي.
وقال إنِّي أعرف حبَّ الرجل للدُّنيا بتسليمه على أهل الدُّنيا.
وكان سفيان إذا سئل عن شيء من هذه العجائب أشار بيده إلى مقاتل بن سليمان، يعني اذهبوا إليه.
وكان إذا رأى الرَّجل عليه قلنسوة شاشيَّة [131] لم يحدِّثه.
وقال بلغني أنَّه يأتي على النَّاس زمان تمتلئ قلوبهم في ذلك الزَّمان من حبِّ الدُّنيا، فلا تدخله الخشية. قال سفيان وأنت تعرف ذلك إذا أنت ملأت جرابًا من شيء حتَّى يمتلئ، فأردت أن تدخل فيه غيره معه [132] ، لم تجد لذلك مدخلًا.
قال الأصمعيُّ أمَّا سفيان فإنَّه أوصى أن تُدفَن كتبه، وكان ندم على أشياء كتبها من قوم، وقال حملتني عليه شهوة الحديث.
وقال الفاجر الرَّاجي لرحمة الله أقرب إلى الله من العابد الذي يرى أنَّه لا ينال ما عند الله إلا بعمله.
قال مفضَّل بنُ مُهَلْهِل خرجت حاجًّا مع سفيان، فلمَّا صرنا إلى مكَّة، وافينا الأوزاعيَّ بها، فاجتمعنا في دار، وكان الأمير على الموسم عبد الصَّمد بن عليٍّ الهاشميُّ، فدُقَّ الباب علينا، فقلنا من؟ قيل [133] الأمير. فقام الثَّوريُّ فدخل المخرج، [أي بيت الخلاء،] وقام الأوزاعيُّ فتلقَّاه، فقال له عبد الصَّمد من أنت أيُّها الشَّيخ؟ قال أبو عمرو الأوزاعيُّ. قال
ج 1 ص 2
حياك الله بالسَّلام، أما إنَّ كتبك كانت تأتينا، فكنَّا نقضي حوائجك، ما فعل سفيان الثَّوريُّ؟ قال قلت دخل المخرج [134] . فدخل الأوزاعيُّ في أثره، فقال إنَّ هذا الرَّجل ما قصد إلَّا قصدك. فخرج سفيان مقطِّبًا، فقال سلام عليكم، كيف أنتم؟ قال عبد الصَّمد أتيتك أكتب هذه المناسك عنك. فقال سفيان أولا أدلُّك على ما هو أنفع لك منها؟ قال وما هو؟ قال تدع ما أنت فيه. قال وكيف أصنع بأمير المؤمنين أبي جعفر؟ قال إن أردتَ اللَّهَ كفاك أبا جعفر. قال له الأوزاعي يا أبا [135] عبد الله! إنَّ هؤلاء ليس يرضون منك إلَّا بالإعظام له. قال يا أبا عمرو! إنَّا لسنا نقدر [أن] نضربهم، وإنَّما نؤذيهم بمثل هذا الذي ترى. قال مفضَّل فالتفت إليَّ الأوزاعيُّ، فقال لي قم