فهرس الكتاب

الصفحة 995 من 2285

931 # عليُّ بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، اسم أبي طالب [1] عبد مناف، صحابيٌّ، قرشيٌّ، هاشميٌّ، ابن عمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته فاطمة (الزَّهراء) ، وأبو ذرِّيَّته، فإنَّه انقرض ذرِّيَّة سيِّد الخلق إلَّا من فاطمة.

قيل إنَّه أوَّل من أسلم، وهو من السَّابقين الأوَّلين، أحد العشرة المبشَّرة، وأحد الثَّمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد السِّتَّة، صاحب الشُّورى، وأفضل الأحياء على وجه الأرض يوم مات، بإجماع أهل السُّنَّة، أبو الحسن، الكوفيُّ، وأمُّه فاطمة بنت أسد بن هاشم، شهد بدرًا، وجميع المشاهد غير تبوك.

روى عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم خمس مئة وستَّةً وثمانين حديثًا، للبخاريِّ منها تسعة وعشرين حديثًا.

روى عنه أبو جُحيفة، وابناه الحسين، ومحمَّد المشهور بابن الحنفيَّة، ومروان بن الحكم، وعبد الرَّحمن بن أبي ليلى، ورِبْعي بن حِراش، وعَبيدة السَّلْمانيُّ.

نقل عنه البخاريُّ في مواضع، أوَّلها في باب إثم من كذب على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من كتاب العلم [خ¦106] .

تولَّى الخلافة بعد عثمان، [يوم الجمعة،] لثمان [2] عشرة خلت من ذي الحجَّة، سنة خمس وثلاثين، ومدَّتها أربع سنين وتسعة أشهر، ومات صلى الله عليه وسلم وهو ابن سبع وعشرين سنة، وهذا (قول) ، على قول من يقول إنَّه عاش سبعًا [3] وخمسين سنة، وسيأتي [أنَّ] المرجَّح أنَّه عاش ثلاثًا وستِّين سنة، فيكون مراهقًا عند البعثة إن لم يكن بالغًا، على اختلاف في ذلك، وعلى الأوَّل لا يكون مميِّزًا، ولم يقل أحد بذلك، نعم، منهم من قال إنه كان مميِّزًا لقوله _ من البحر الوافر _

~سبقتهمُ إلى الإسلام طُرًّا صغيرًا ما بلغتُ أوانَ حُلمي

ولهذا ذهب الأئمَّة الثَّلاثة، وجمعٌ من علمائنا (إلى) أنَّ إسلام المميِّز صحيح؛ اقتداء بعليٍّ، فإنَّه صلى الله عليه وسلم دعاه إلى الإسلام قبل البلوغ فأجابه، وأجاب جمهور علمائنا أنَّ هذا الشِّعر لم يصحَّ عنه، وأنَّ عليًّا كان ابن خمس عشرة، وأجاب البيهقيُّ [4] أنَّ الأحكام كانت متعلِّقة منوطة بالتَّمييز قبل الهجرة، وإنَّما تعلَّقت بالبلوغ عام الخندق، بعد الهجرة.

وهو أخو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو السِّبطين، وأوَّل هاشميٍّ ولد بين هاشميَّين [5] ، وأوَّل خليفة من بني هاشم، وأصغر أولاد أبي طالب، وخلَّفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهله بالمدينة، فلم يخرج إلى تبوك، واستثقله المنافقون، فقالوا ما أخذه [6] معه النَّبيُّ لأمر عظيم. فالتحق به، وأخبره بذلك، فردَّه إلى [7] المدينة، وقال «أما ترضى أن تكون منِّي بمنزلة هارون من موسى إلَّا أنَّه لا نبيَّ بعدي» . [8] وله في جميع مشاهده بلاء عظيم، وأثر حسن، وأعطاه صلى الله عليه وسلم اللِّواء في مواطن كثيرة، منها يوم بدر، وفيه خلاف، ولمَّا قتل مصعب بن عمير يوم أحد _وكان اللِّواء بيده_ دفعه صلى الله عليه وسلم إلى عليٍّ، وآخاه مرَّتين؛ فأنَّه [9] صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين مرَّة، ثمَّ آخى بين المهاجرين والأنصار بعد الهجرة، وقال لعليٍّ فيهما «أنت أخي في الدُّنيا والآخرة» [10] .

ذكر إسلام عليٍّ رضي الله عنه (وكرَّم وجهه) ، قال ابن الأثير [11] _ رحمه الله _ جاء عليٌّ بعد إسلام خديجة، فوجدهما يصلِّيان، فقال عليٌّ يا محمد! ما هذا؟ فقال «دين الله الذي اصطفى لنفسه، وبعث به رسله [12] ، فأدعوك إلى الله، وإلى عبادته، وكفرٍ باللَّات والعَّزى» . فقال عليٌّ هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاض أمرًا حتَّى أحدِّث أبا طالب. فكره [رسول الله] صلى الله عليه وسلم أن يفشي عليه سرَّه قبل أن يستعلن أمره، فقال له «يا عليُّ، إن لم تسلم فاكتم» . فمكث عليٌّ تلك اللَّيلة، ثمَّ إنَّ الله تعالى أوقع في قلبه الإسلام، فأصبح حتَّى أتاه صلى الله عليه وسلم، فقال ماذا عرضت عليَّ يا محمَّد؟ فقال «أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، وتكفر باللَّات والعزَّى، وتبرأ من الأنداد» . ففعل عليٌّ، فأسلم، ومكث عليٌّ يأتيه على خوف من أبي طالب، وكتم عليٌّ إسلامه، وكان ممَّا أنعم الله على عليٍّ أنَّه كان في حجر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قبل الإسلام، وأسلم عليٌّ وهو ابن خمس عشرة سنة، وقيل إنَّه ابن عشر سنين.

عن أنس بن مالك أنَّه بعث صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، وأسلم عليٌّ يوم الثُّلاثاء. قال عليٌّ أنا أوَّل من صلَّى معه صلى الله عليه وسلم.

قال سلمان الفارسيُّ أوَّل هذه الأمَّة ورودًا على نبيِّها، أوَّلها إسلامًا، عليُّ بن أبي طالب. وعن أبي أيُّوب الأنصاريِّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد صلَّت الملائكة عليَّ وعلى عليٍّ سبع سنين، وذلك أنَّه لم يصلِّ معي رجل غيره» قاله ابن الأثير [13] في أسد الغابة، وقال قال عليٌّ لم أعلم أحدًا من هذه الأمَّة عَبَد الله قبلي، لقد عبدته قبل أن يعبده أحد منهم خمس سنين، أو سبع سنين. وسئل محمَّد بن كعب القُرظيُّ عن أوَّل من أسلم، عليٌّ أو أبو بكر؟ قال سبحان الله! عليٌّ أوَّلهما إسلامًا، وإنَّما اشتبه على النَّاس؛ لأنَّه أخفى إسلامه عن أبي طالب، وأبو بكر أظهر إسلامه [14] . وقد مرَّ في ترجمة أبي بكر غير هذا فراجعه.

وهاجرت أمُّ عليٍّ إلى المدينة، وتوفِّيت بها في حياته صلى الله عليه وسلم، وصلَّى عليها، ونزل قبرها، وكنَّى صلى الله عليه وسلم عليًّا أبا تراب، وسببه أنَّه رآه نائمًا في المسجد على التُّراب، فنبَّهه، وقال «قم (يا) أبا تراب» . هو أحد العلماء الرَّبَّانيِّين، والشُّجعان المشهورين، والزُّهَّاد المذكورين، استخلفه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم حين هاجر من مكَّة أن يقيم بها أيَّامًا حتَّى يؤدِّي عنه أمانته، ثمَّ يلحقه بأهله، وأصابته يوم أحد ستُّ عشرة ضربة [15] ، وقال ابن الأثير [16] كلُّ ضربة تلزمه الأرض، فما كان يرفعه إلَّا جبريل، عليه السلام. وأعطاه الرَّاية يوم خيبر، وأخبر أنَّ الفتح يكون على يده، وأخباره في الشَّجاعة مشهورة.

وأمَّا علمه، فكان من العلوم بالمحلِّ الأعلى، وسؤال كبار الصَّحابة ورجوعهم إلى فتواه، وأقواله في المسائل المعضلات أيضًا مشهورة. قال عليٌّ بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فقلت يا رسول الله! تبعثني إلى اليمن، ويسألوني عن القضاء، ولا علم لي به؟! فقال «ادنه» . فدنوت، فضرب بيده على صدري، ثمَّ قال «اللهم ثبِّت لسانه، واهد قلبه» . فلا والذي فلق الحبَّة وبرأ النَّسمة، ما شككت في قضاء بين اثنين بعد.

عن ابن عبَّاس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها، فمن أراد العلم فليأت بابه» . قال ابن مسعود كنَّا نتحدَّث أنَّ أقضى أهل المدينة عليُّ بن أبي طالب. وقال سعيد بن المسيِّب ما كان أحد من النَّاس يقول سلوني غير عليِّ بن أبي طالب.

قال عبد الملك بن أبي سلمان [17] قلت لعطاء أكان أحد أعلم من عليٍّ؟ قال لا والله، لا أعلمه. وقال ابن عبَّاس لقد أُعطي عليٌّ تسعة أعشار العلم، وايم الله! لقد شاركهم في العُشر العاشر. وقال سعيد بن عمرو لعبد الله بن عيَّاش [18] بن أبي ربيعة يا عمُّ! لم كان صَغْو النَّاس إلى عليٍّ؟ قال يا ابن أخي! إنَّ عليًّا كان له ما شئت [19] من ضرس قاطع في العلم، وكان له السِّطَةُ [20] في العشيرة، وكان له القدم في الإسلام، والصِّهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والفقه في السُّنَّة، والنَّجدة في الحرب، والجود في الماعون [21] .

قال سعيد بن المسيِّب كان عمر يتعوَّذ من معضلة ليس لها أبو حسن، يعني عليًّا. قال ابن عبَّاس إذا ثبت لنا عن عليٍّ شيء، لم نعدل به إلى غيره. قال أبو الطُّفيل قال [22] بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد كان لعليٍّ من السَّوابق، لو أنَّ سابقة منها بين الخلائق لوسعتهم خيرًا. وله في هذا أخبار كثيرة، قال الكرمانيُّ [23] وأمَّا زهده، فممَّا اشترك في معرفته الخاصُّ والعامُّ، وكان الحاصل من غلَّته أربعين ألف دينار، وجعل كلَّها للصَّدقة، وكان عليه إزار غليظ اشتراه بخمسة دراهم، ولم يترك حين توفِّي إلَّا ستَّ مئة درهم، أعدَّها ليشتري بها خادمًا لأهله.

قال عليُّ بن أبي طالب الدُّنيا جيفة وطلَّابها كلاب، فمن أراد منها شيئًا، فليصبر على مخالطة الكلاب.

قال عمَّار بن ياسر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعليِّ بن أبي طالب «يا عليُّ، إنَّ الله قد زيَّنك بزينة لم يتزيَّن العباد بزينة أحبَّ إليه منها، الزُّهد في الدُّنيا، فجعلك لا تنال من الدُّنيا شيئًا، ولا تنال الدُّنيا منك شيئًا، ووهب لك حبَّ المساكين، ورضوا بك إمامًا، ورضيت بهم أتباعًا، فطوبى لمن أحبَّك، وصدق فيك، وويل لمن أبغضك، وكذب عليك؛ فأمَّا الذين أحبُّوك، وصدقوا فيك فهم جيرانك في دارك، ورفقاؤك في قصرك، وأمَّا الذين أبغضوك، وكذبوا عليك فحقٌّ على الله أن يذيقهم مواقف الكذَّابين يوم القيامة.

قال عليُّ بن أبي طالب لقدر رأيتني، وإنِّي لأربط الحجر على بطني من الجوع، وإنَّ صدقتي لتبلغ اليوم أربعة آلاف دينار. عن شريك أنَّه قال أربعين ألفًا، ولم يرد بذلك زكاة ماله، وإنَّما أراد الوقوف التي جعلها صدقة، كان الحاصل من دخلها هذا القدر. وإنَّ عليًّا لم يدَّخر مالًا؛ لما ذكرناه أوَّلًا.

قال سفيان ما بنى عليٌّ لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة، وإن كان ليؤتى بحبوبه من المدينة. قال أبو بحر [24] رأيت على عليٍّ إزارًا غليظًا اشتراه بخمسة دراهم، قال فمن أرغبني فيه درهمًا بعته. قال ورأيت معه دراهم مصرورة، قال هذه بقيَّة لنفقتنا من ينبع [25] يعني البلد المعروف.

قال أبو النِّيَّار أتاني عليٌّ، ومعه غلام له، فاشترى منِّي قميصين كرابيسين [26] ، فقال لغلامه اختر أيَّهما شئت. فأخذ أحدهما، وأخذ عليٌّ الآخر، ثمَّ مدَّ يده بعد لبسه، فقال اقطع القدر الذي يفضل من يدي. فقطعه وكفَّه، وذهب. وقال رجل من ثقيف استعملني عليٌّ على مدرج سابور، فقال لا تضربنَّ رجلًا سوطًا في جباية درهم، ولا تبيعنَّ لهم رزقًا، ولا كسوة شتاء ولا صيفًا، ولا دابَّة يعتملون عليها، ولا تقيمنَّ رجلًا قائمًا في طلب درهم. فقلت يا أمير المؤمنين! إذًا أرجع إليك كما ذهبت من عندك. قال وإن رجعت، ويحك! إنَّما أمرنا أن نأخذ العفو منهم. يعني الفضل. وزهده وعدله لا يمكن استقصاؤه.

ذكر هجرة عليٍّ، رضي الله عنه.

قال ابن إسحاق أقام النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بعد أن هاجر أصحابه إلى المدينة [ينتظر مجيء جبريل عليه السَّلام، وأمره أن يخرج من مكَّة بإذن الله له في الهجرة إلى المدينة،] حتَّى إذا اجتمعت قريش، فمكروا بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل، وأمره [27] أن لا يبيت في مكانه الذي يبيت فيه، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليَّ بن أبي طالب، وأمره أن يبيت على فراشه، ويتسجَّى ببرد له أخضر، ففعل، ثمَّ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والقوم على بابه، وتتابع النَّاس في الهجرة، وكان آخر من قدم المدينة من النَّاس، ولم يفتن في دينه عليٌّ، وذلك أنَّه صلى الله عليه وسلم [28] أخره بمكَّة، وأجَّله ثلاثًا، وأمره أن يؤدِّي إلى كلِّ ذي حقٍّ حقَّه، (ففعل،) ثمَّ لحق به صلى الله عليه وسلم، وأخرج إليه أهله، وكان أمره أن يضطجع على فراشه، وكان قريش ينظرون إلى فراشه [29] ، فيرون عليًّا عليه، فيظنُّونه النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، حتَّى [إذا] أصبحوا رأوا عليًّا، فقالوا لو خرج محمَّد لخرج بعليٍّ معه، فحبسهم الله بذلك عن طلبه صلى الله عليه وسلم حين رأوا عليًّا، ثمَّ خرج عليٌّ في طلبه بعدما أخرج إليه أهله يمشي اللَّيل، ويكمن النَّهار، حتَّى بلغ المدينة، فقال صلى الله عليه وسلم «ادعوا لي عليًّا» قيل يا رسول الله! [ائته،] لا يقدر أن يمشي، فأتاه صلى الله عليه وسلم، فلمَّا رآه اعتنقه وبكى؛ رحمة لما بقدميه من الورم، وكانتا [30] قد تفطَّرتا، وتقطران دمًا، فتفل في يده، ومسح بها رجليه، ودعا له بالعافية، فلم يشتكهما حتَّى استشهد.

قال ثعلبة بن مالك كان سعد بن عبادة صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملها، فإذا كان وقت القتال أخذها عليُّ بن أبي طالب. قال عليُّ لمَّا انجلى النَّاس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، نظرت [31] في القتلى، فلم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت والله ما كان ليفرَّ، وما أراه في القتلى، ولكنَّ الله غضب علينا بما صنعنا، فرفع نبيه، فما فيَّ خير من أن أقاتل حتَّى أقتل، فكسرت جفن سيفي، ثمَّ حملت على القوم، فأفرجوا لي [32] ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم.

قال بريدة لمَّا كان يوم خيبر، أخذ أبو بكر اللِّواء، فلمَّا كان من الغد أخذه عمر، وقتل محمود بن مسلمة [33] ، فقال صلى الله عليه وسلم «لأعطينَّ [34] الرَّاية غدًا رجلًا يحبُّ الله ورسوله، ويحبُّه الله ورسوله، يفتح الله على يديه» . فصلَّى صلى الله عليه وسلم صلاة الصُّبح، ثمَّ دعا باللِّواء، فدعا عليًّا، وهو يشتكي عينيه، فمسحها، وبصق فيها، فبرأت من ساعته، ثمَّ دفع إليه اللِّواء، ففتح خيبر، وقَتل مَرْحبًا صاحب الحصن. وقد ذكرنا فتح خيبر في ترجمة الزُّبير، فراجعها.

ذكر فضائل عليٍّ، قال ابن الأثير [35] لمَّا اتَّشح عليٌّ ببردة [رسول الله] صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة، أوحى الله تعالى إلى جبريل وميكائيل أنِّي آخيت بينكما، وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر، فأيُّكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ فاختار كلاهما الحياة، فأوحى الله إليهما، أفلا كنتما مثل عليٍّ؟ آخيت بينه، وبين محمَّد نبيِّي [36] صلى الله عليه وسلم فبات على فراشه يفديه بنفسه، ويؤثره بالحياة، اهبطا إلى الأرض، فاحفظاه من عدوِّه. ففعلا، وكان جبريل عند رأس عليٍّ، وميكائيل عند رجليه، وجبريل ينادي بخ بخ! من مثلك يا ابن أبي طالب؟! يباهي الله عزَّ وجلَّ بك الملائكة [37] . فأنزل الله تعالى على رسوله، وهو متوجِّه إلى المدينة في شأن عليٍّ {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ} الآية [البقرة 207] قلت وذكر أهل التَّفسير أنَّها نزلت في الزُّبير، فتأمَّل.

قال ابن عبَّاس نزل قوله تعالى {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً} [البقرة 274] في عليٍّ، كان عنده أربعة دراهم، فأنفق باللَّيل واحدًا، وبالنَّهار واحدًا، وفي السِّرِّ واحدًا، وفي العلن واحدًا.

قال سعد بن أبي وقَّاص لمَّا نزل [38] قوله تعالى {تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ} [39] [آل عمران 61] دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا وفاطمة وحسنًا وحسينًا، فقال «اللهم هؤلاء أهلي» .

قال عليُّ بن أبي طالب لمَّا كان يوم الحديبية خرج إلينا ناس من المشركين، فيهم سهيل بن عمرو، وأناس من رؤساء المشركين، فقالوا خرج إليك ناس من إخواننا وأقربائنا، وليس بهم فقه في الدِّين، وإنَّما خرجوا فرارًا من أموالنا وضياعنا، فارددهم إلينا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا معشر قريش! لتنتهنَّ أو ليبعثنَّ الله عليكم من يضرب أعناقكم بالسَّيف على الدِّين، قد امتحن الله قلبه على الإيمان» . قالوا من هو يا رسول الله؟ قال «خاصف النَّعل» . وكان قد أعطى عليًّا نعله يخصفها، قال ثمَّ التفت إلينا عليٌّ، فقال إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأ مقعده من النَّار» .

وقال عليٌّ لقد عهد إليَّ رسول الله [40] صلى الله عليه وسلم أن لا يحبُّك إلَّا مؤمن، ولا يبغضك إلَّا منافق.

قالت أمُّ عطيَّة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشًا فيهم عليٌّ، قال فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «اللهم لا تمتني حتَّى تريني [41] عليًّا» .

قال جابر بن عبد الله لمَّا كان يوم الطَّائف دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا، فناجاه طويلًا، فقال بعض أصحابه لقد أطال نجوى ابن عمِّه. فقال صلى الله عليه وسلم «ما أنا انتجيته، ولكنَّ الله انتجاه» [42] .

قال عمران بن حصين بعث صلى الله عليه وسلم جيشًا، واستعمل عليهم عليًّا، فمضى في السَّريَّة، فأصاب جارية، فأنكروا عليه، فتعاقد أربعة من أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا إذا لقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرناه بما فعل عليٌّ. وكان المسلمون إذا رجعوا من سفر بدؤوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلَّموا عليه، ثمَّ انصرفوا إلى رحالهم، فلمَّا قدمت السَّريَّة، وسلَّموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قام واحد من الأربعة، فقال يا رسول الله! ألم تر إلى عليٍّ صنع كذا وكذا؟ فأعرض عنه، ثمَّ قام الثَّاني وقال كذلك، فأعرض عنه، وكذلك الثَّالث، والرَّابع، ثمَّ أقبل عليهم، والغضب يعرف من وجهه، فقال «ما تريدون من عليٍّ» ؟ مرَّتين «إن عليًّا منِّي، وأنا من عليٍّ، وهو وليُّ كلِّ مؤمن من بعدي» . قال يزيد بن طلحة إنَّما وجد جيش عليٍّ الذين كانوا معه باليمن عليه أنَّهم حين أقبلوا خلَّف عليهم رجلًا، وتعجَّل إلى رسول الله يخبره الخبر، فعمد الرَّجل، فكسا كلَّ واحد حلَّة، فلمَّا دنوا خرج عليٌّ يستقبلهم [43] ، فإذا عليهم الحلل، فقال عليٌّ ما هذا؟ قالوا كسانا فلان. قال يا فلان! ما دعاك إلى هذا قبل أن تقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصنع ما شاء؟ فنزع الحلل منهم، فلمَّا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم شكوه لذلك، وكانوا [قد] صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنَّما بعث عليًّا على جزية موضوعة.

قال عبد الرَّحمن بن أبي ليلى شهدت عليًّا بالرَّحبة يناشد النَّاس بالله تعالى، من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه» ؟ فقام اثنا عشر بدريًّا، كأنِّي أنظر إلى أحدهم عليه سراويل، فقالوا نشهد أنَّا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجي أمَّهاتهم» ؟ قلنا بلى، يا رسول الله! قال «فمن كنت مولاه فعليٌّ مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه» ومثل هذا روي عن البراء بن عازب، (وزاد،) فقال عمر أصبحت _ يا ابن أبي طالب اليوم _ وليَّ كلِّ مؤمن.

وجاء رجل إلى سعيد بن زيد، فقال إنِّي أحببت عليًّا حبًّا لم أحبَّه أحدًا قطُّ. قال أحببت رجلًا من أهل الجنَّة. (قال جابر كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فقال «يطلع عليكم رجل من أهل الجنَّة،) فجاء عمر، فهنَّيناه [44] ، ثمَّ قال يطلع عليكم رجل من أهل الجنَّة. قال ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصغي رأسه من تحت السَّعف، ويقول اللهم إن شئت جعلته عليًّا. فجاء عليٌّ، فهنَّيناه» .

قالت أمُّ سلمة جلَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا وفاطمة والحسن والحسين، ثمَّ قال «اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصَّتي [45] ، اللهم أذهب عنهم الرِّجس، وطهَّرهم تطهيرًا» . قالت أمُّ سلمة قلت يا رسول الله! أنا منهم؟ قال «إنَّك على خير» .

قال عليٌّ كنت إذا سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاني، وإذا سكتُّ بدأ بي. وقال عليٌّ أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد حسن وحسين، وقال «من أحبَّني، وأحبَّ هذين، وأباهما وأمُّهما، كان معي في درجتي يوم القيامة» .

قال أنس بن مالك كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم طائر، فقال «اللهم ائتني بأحبَّ خلقك إليك يأكل من هذا الطَّائر معي» . فجاء أبو بكر، فردَّه، فجاء عمر، فردَّه، فجاء عثمان، فردَّه، فجاء عليٌّ، فأذن له. وفي رواية لأنس أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم طائر [46] ، فقال «اللهم ائتني بأحبِّ خلقك إليك» فجاء عليٌّ، فأكل معه، وفي رواية لأنس أيضًا، يقول أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم طير [47] ، فقال «اللهم ائتني برجل يحبُّه الله، ويحبُّه رسوله» . فأتى عليٌّ، فقرع الباب، فقلت إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مشغول، وكنت أحبُّ أن يكون رجلًا من الأنصار، ثمَّ أتى الثَّانية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا أنس أدخله فقد عنيته» . فلمَّا أقبل قال «اللهم والِ، اللهم والِ» قلت حديث مشهور بالنَّكارة، وقد أطال العلماء في ذلك القول، وهو ممَّا عيب به على الحاكم حيث ذكره في مستدركه.

قال ابن الأثير [48] وذكرُ أبي بكر وعمر وعثمان في هذا الحديث غريب جدًّا، وأقول معاذ الله أن يردَّ سيِّد الخلق أفاضل الصَّحابة عن الدُّخول لأجل طير، وما هذا إلَّا كذب المفترين المبغضين للخلفاء، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

قال في توثيق عرى الإيمان عليُّ بن أبي طالب أوَّل من يحمل [49] اللِّواء بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوَّل من يرد على الحوض، وأوَّل من يدخل الجنَّة من هذه الأمَّة. قال بكلِّ ذلك جاءت الأخبار، وشهدت الآثار، وهو الممدوح بالسِّيادة، كما روي أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة «زوجك سيِّد في الدُّنيا والآخرة» .

ومن خواصِّه أنَّه وليُّ الله، ووليُّ رسوله، ووليُّ المؤمنين. قال الله {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ} الآية [المائدة 55] نزلت في عليٍّ حين كان يصلِّي في المسجد، وهو راكع، فقام سائل يسأل، فمدَّ عليٌّ يده إلى خلفه، وأومأ إلى السَّائل بخاتمه، فأخذه من أصبعه [50] ، قال ولمَّا رجعوا من بدر إلى المدينة، فقدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنادى الرِّفاق بعضهم بعضًا، أفيكم رسول الله؟ فوقفوا حتَّى جاء، ومعه عليٌّ، فقالوا يا رسول الله! فقدناك. فقال «إنَّ عليًّا وجد مغصًا في بطنه، فتخلَّفت عليه» . ولمَّا نزل قوله تعالى {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} [الحاقة 12] قال صلى الله عليه وسلم «سألت الله أن يجعلها أذنك يا عليُّ واعية» . قال عليٌّ فما نسيت شيئًا بعد ذلك، وما كان لي أن أنسى.

ومن خواصِّه أنَّه ركب على منكبي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لما روى عليٌّ في قصَّة قمع الأصنام، قال انطلق بي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة، فقال «اجلس» فجلست، ونزل، ثمَّ جلس، وقال «يا عليُّ! اصعد على منكبي» . فصعدت، ثمَّ نهض بي، فخيِّل لي لو شئت نلت أفق السَّماء، فصعدت إلى الكعبة، وتنحَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال [لي] «ألق صنمهم الأكبر» . وكان من نحاس، موتدًا بأوتاد الحديد إلى الأرض، فقال صلى الله عليه وسلم «عالجه» . فجعلت أعالجه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إيهِ إيهِ» . فلم أزل أعالجه حتَّى استمكنت منه، فقال «اقذفه» . فقذفته، فتكسَّر، ونزلت من فوق الكعبة، وانطلقت أنا والنَّبيُّ نسعى، وخشينا أن يرانا أحد.

ومن خواصِّه أنَّه حاز سهم جبريل من غنائم تبوك، ولم يشهدها؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم استخلف عليًّا على المدينة، فلمَّا نصر الله رسوله، وغنم المسلمون أموال المشركين ورقابهم، جلس في المسجد، وجعل يقسم السِّهام على المسلمين، فدفع إلى كلِّ رجل سهمًا، ودفع إلى عليٍّ سهمين، فقام زائدة بن الأكوع، فقال يا رسول الله! أوحي نزل من السَّماء أم أمر من نفسك، تدفع إلى المسلمين المجاهدين سهمًا وإلى عليٍّ سهمين؟ فقال صلى الله عليه وسلم «هل رأيتم في ميمنة عسكركم صاحب الفرس الأغرِّ المحجَّل والعمامة الخضراء، لها ذؤابتان مرخيتان على كتفيه» ؟ قال نعم يا رسول الله! لقد رأينا ذلك. قال «ذلك جبريل، وإنَّه أمرني أن أدفع سهمه إلى عليِّ بن أبي طالب» . وفي ذلك قال قائلهم [51]

~عليٌّ حَوَى سهمينِ من غير أَنْ غَزَا غزاةَ تبوكٍ حبَّذا سَهْمُ مُسْهِمِ

قاله في توثيق عرى الإيمان، مع زيادة تنبو النَّفس منها؛ لمخالفته أصحاب السِّير.

ومن خواصِّه أنَّ النَّظر إلى وجهه عبادة، [لما] روت عائشة [قالت] رأيت أبي يديم النَّظر إلى وجه عليٍّ، فسألته عن ذلك، فقال [52] يا بنيَّة! وما يمنعني من ذلك؟ وقد سمعت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول «النَّظر إلى وجه عليٍّ عبادة» .

ومنها أنَّه صلى الله عليه وسلم سمَّاه يعسوب المؤمنين، واليعسوب بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة، وسكون المهملة، وضمِّ السِّين المهملة، بعد الواو موحَّدة، هو أمير النَّحل، الذي تنقاد لأمره، ويقوم بمصالحها، وترجع إليه في أمورها.

ومنها أنَّه صلى الله عليه وسلم تولى تسميته، وتغذيته أيَّامًا من ريقه المبارك، ومصَّه لسانه؛ وذلك ما روي عن أمِّه، قالت بينا أنا أسوق هديًا إلى هُبَل _بضمِّ الهاء، وفتح الموحَّدة، آخرها لام، اسم أكبر أصنامهم_ قالت إذ استقبلني محمَّد، وهو يومئذ غلام، فقال «ما هذا يا أمَّاه! إنِّي معلِّمك شيئًا، فهل تكتميه عليَّ؟» فقلت نعم. قال «اذهبي بهذا القربان [53] إلى ربِّ السَّموات والأرض» . فقلت أعمل ذلك؛ لما أعلم من صدقك. ففعلت، فلمَّا كان بعد أربعة أشهر، ومحمَّد يأكل مع عمِّه أبي طالب؛ إذ نظر إليَّ، فقال «ما لك حائلة [54] اللَّون» ؟ فقلت ما (علمت) أنِّي حامل للوقت. فقال محمَّد لأبي طالب «إن كان أنثى فزوِّجنيها» . فقال أبو طالب إن كان ذكرًا فهو عبد لك، وإن كان أنثى فهي [55] جارية لك وزوجة. فلمَّا وضعته جعلته في غشاية، فقال أبو طالب لا تفتحوه [56] حتَّى يجيء محمَّد، فيأخذ حقَّه. فجاء محمَّد، وفتح الغشاية، وأخذ منها غلامًا حسنًا، فغسَّله بيده، وسمَّاه عليًّا، وبصق في فيه، وأصلح أمره، ثمَّ إنَّه ألقمه لسانه، فما زال يمصُّه حتَّى نام، فلمَّا كان من غد، طلب ظئرًا _ (أي مرضعة) _ فأبى أن يقبل ثدي أحد، فدعونا محمَّدًا، فلقمه لسانه فنام، فكان كذلك ما شاء الله تعالى.

ذكر خلافة عليٍّ

قال عليُّ قيل يا رسول الله! من نؤمِّر بعدك؟ قال «إن تؤمِّروا أبا بكر تجدوه أمينًا، زاهدًا في الدُّنيا، راغبًا في الآخرة، وإن تؤمِّروا عمر تجدوه قويًّا أمينًا، لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمِّروا عليًّا _ ولا أراكم فاعلين _ تجدوه هاديًا، يأخذ بكم الطَّريق المستقيم» . وقال عليٌّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنت بمنزلة الكعبة تؤتى ولا تأتي، فإن أتاك [57] هؤلاء القوم، فسلَّموها إليك، _ [يعني الخلافة] _ فاقبل منهم، وإن لم يأتوك، فلا تأتهم حتَّى يأتوك» .

قال يحيى بن عروة المراديُّ سمعت عليًّا يقول قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أرى أنِّي أحقُّ بهذا الأمر، فاجتمع المسلمون على أبي بكر، فسمعت وأطعت، ثمَّ إنَّ أبا بكر أصيب، فظننت أنَّه لا يعدلها عنِّي، فجعلها في عمر، فسمعت وأطعت، ثمَّ إنَّ عمر أصيب، فظننت أنَّه لا يعدلها عنِّي، فجعلها في ستَّة أنا أحدهم، فولَّوها عثمان، فسمعت وأطعت، ثمَّ إنَّ عثمان قتل، فجاؤا وبايعوني طائعين غير مكرهين، ثمَّ خلعوا بيعتي، فوالله ما وجدت إلَّا السَّيف، أو الكفر بما أنزل الله _ عز وجل _ على محمَّد صلى الله عليه وسلم.

قال سعيد بن المسيَّب لمَّا قتل عثمان جاء النَّاس كلُّهم إلى عليٍّ يهرعون، أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم، تقول (يا) أمير المؤمنين عليُّ. حتَّى دخلوا عليه داره، فقالوا نبايعك، فمدَّ يدك، فأنت أحقُّ بها. فقال ليس ذلك [58] إليكم، إنَّما ذاك إلى أهل بدر، فمن رضي به أهل بدر، فهو خليفة. فلم يبق أحد إلَّا أتى عليًّا، فقالوا ما نرضى أحدًا أحقَّ بها منك، فمدَّ يدك نبايعك. فقال أين [59] طلحة والزُّبير؟ فكان أوَّل من بايعه طلحة بلسانه، وسعد بيده، فلمَّا رأى عليٌّ ذلك خرج إلى المسجد، وصعد المنبر، وكان أوَّل من صعد المنبر، فبايعه طلحة، وبايعه الزُّبير، وأصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.

قال المدائنيُّ لمَّا دخل عليٌّ الكوفة دخل عليه رجل من حكماء العرب، فقال والله يا أمير المؤمنين! لقد زِنْتَ الخلافة وما زانتك، ورفعتها وما رفعتك، وهي كانت أحوج إليك منك إليها.

قال أبو وائل [60] قلت لعبد الرَّحمن بن عوف كيف بايعتم عثمان وتركتم عليًّا؟ قال ما ذنبي؟ قد بدأت بعلي، فقلت أبايعك على كتاب الله، وسنَّة نبيِّه، وسيرة أبي بكر وعمر. فقال فيما استطعت. قال ثمَّ عرضنا على عثمان، فقبلها.

ولمَّا بايعه النَّاس تخلَّف عن بيعته جماعة من الصَّحابة، منهم ابن عمر، وسعد، وأسامة، وغيرهم، فلم يلزمهم بالبيعة، وسئل عليٌّ عمَّن تخلَّف عن بيعته، فقال أولئك بعدوا عن الحقِّ، ولم ينصروا الباطل. وتخلَّف عنه أهل الشَّام مع معاوية، فلم يبايعوه، وقاتلوه، قال أبو سعيد الخدريُّ كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فانقطع شسع نعله، فأخذها عليٌّ يصلحها، فمضى صلى الله عليه وسلم، فقال «إنَّ منكم رجلًا يقاتل على تأويل القرآن، كما قاتلتُ على تنزيله» . فاستشرف لها القوم، فقال صلى الله عليه وسلم «لكنَّه خاصف النَّعل» . فلمَّا جاء بشَّرناه [61] بذلك، فلم يرفع به رأسًا، كأنَّه شيء سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال أبو سعيد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقاتل النَّاكثين والقاسطين والمارقين، قلنا يا رسول الله، أمرتنا بقتال هؤلاء، فمع من؟ قال «مع عليِّ بن أبي طالب، معه يقتل عمَّار بن ياسر» .

قال مِخْنف [62] بن سليم أتينا أبا أيُّوب الأنصاريَّ، فقلنا قاتلت بسيفك المشركين، [ثمَّ جئت تقاتل المسلمين] ؟ قال أمرت أن أقاتل النَّاكثين والقاسطين والمارقين.

وقال ابن عمر حين حضره الموت ما أجد في نفسي من الدُّنيا إلَّا أنِّي لم أقاتل الفئة الباغية مع عليٍّ.

قال الشَّعبيُّ ما مات مسروق حتَّى تاب إلى الله من تخلُّفه عن القتال مع عليٍّ.

قال سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بعدي ثلاثون (سنة) ، ثمَّ تكون ملكًا عضوضًا» . فحسبنا ذلك، فوجدناه تمام ولاية عليٍّ.

قال أبو سعيد الخدريُّ _ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في حديث ذكر فيه قومًا _ «يخرجون على فُرقة من النَّاس مختلفة، يقتلهم أقرب الطَّائفتين إلى الحقِّ» . رواه مسلم في صحيحه [63] ، قال المغربيُّ المقري هؤلاء هم [64] الذين قتلهم عليٌّ وأصحابه، وكان خروجهم حين اتَّفق عليٌّ ومعاوية _ رضي الله عنهما _ على تحكيم الحكمين، وكانوا في عسكر [65] عليٍّ، فقالوا إنَّ عليًّا ومعاوية استبقا على الكفر كفَرَسَي رهان، فكفر معاوية بقتال عليٍّ، ثمَّ كفر عليٌّ بتحكيم الحكمين. فانفردوا من عسكره، وقتلوا عبد الله [بن خبَّاب] ، واستحلُّوا دماء المسلمين [كلِّهم] إلَّا من قال بقولهم وخرج معهم، وقتلهم عليٌّ، وشهد صلى الله عليه وسلم أنَّ الطَّائفة التي تقتلهم أقرب من الحقِّ، وهذه شهادة لعليٍّ وأصحابه، وفيه دلالة على صحَّة خلافته، وخطأ من خالفه [66] ، وأنكر خلافته.

قال محمَّد بن الحنفيَّة كنَّا مع عليٍّ، وقد حصر عثمان، فأتاه رجل، فقال إنَّ أمير المؤمنين مقتول السَّاعة. فقام عليٌّ، فأخذتُ بثوبه تخوُّفًا عليه، فقال خَلِّ، لا أبا لك. فأتى عليٌّ الدَّار، وقد قتل عثمان، فرجع إلى داره، وأغلق بابه، فأتاه النَّاس، فضربوا عليه الباب، فدخلوا عليه، فقالوا إنَّ عثمان قد قتل، ولا بدَّ للنَّاس من خليفة، ولا نعلم أحدًا أحقَّ بها منك، فقال لهم لا نريد [67] ، فأن أكون لكم وزيرًا خيرًا من أمير. قالوا لا والله، لا نعلم أحدًا أحقَّ بها منك. قال فإن أبيتم عليَّ، فإنَّ بيعتي لا تكون سرًّا، ولكن أخرج إلى المسجد، فمن شاء بايعني. فخرج إلى المسجد، فبايعه النَّاس [68] . قال أبو عبد الله بن بطَّة كانت بيعةُ عليٍّ [بيعةَ] اجتماعٍ ورحمة، لم يدع إلى نفسه، ولم يجبرهم على بيعته بسيفه، ولم يغلبهم بعشيرته، ولقد شرَّف الخلافة بنفسه، وزانها بشرفه، وكساها حلَّة البهاء بعدله، ورفعها بعلوِّ قدره، ولقد أباها فأجبروه، وتقاعس عنها فأكرهوه، وكان كما مدح الحطيئة عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه _ من البحر البسيط [69] _

~أنت الإمامُ الذي مِنْ بعدِ صاحبِه ألقت إليك مقاليدَ النُّهَى البشرُ

~ما آثروك بها إذ قدَّموكَ لهَا لكنْ لأنفسهِمْ كانت بِك الإِثَرُ

قيل إنَّ خلافة عليٍّ مذكورة في كتب الله المتقدِّمة. فإنَّ [70] كعب الأحبار قال عن حبر من أحبار اليهود حين سأله عقيب [71] وفاته صلى الله عليه وسلم من يلي بعده؟ قال العدل أبو بكر. قال فمن يلي بعده؟ قال قَرن من حديد عمر بن الخطَّاب. قال فمن يلي بعده؟ قال الحييُّ الستير [72] عثمان. قال فمن يلي بعده؟ قال الهادي المهديُّ عليُّ بن أبي طالب. فكان عليٌّ خاتمَ الخلفاء الرَّاشدين، ولمَّا قدم عمر الشَّام قدم بعليٍّ يأخذ برأيه، ويشاوره في أمره، وهو ومعاذ أشارا على عمر بوقف الأرض التي افتتحها، فقبل رأيهما.

قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجنا مع عليٍّ حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر برايته، فلمَّا دنا من الحصن خرج إليه أهله، فقاتلهم، فضربه رجل من اليهود، فطرح ترسه من يده، فتناول عليٌّ بابًا كان عند الحصن، فترَّس [73] به عن نفسه، فلم يزل في يده، وهو يقاتل حتَّى فتح الله عليه، ثمَّ ألقاه من يده، فلقد رأيتني في نفر سبعة معي أنا ثامنهم نجتهد أن نقلب ذلك الباب، فما قدرنا.

قال الثَّعلبيُّ _ نقلًا عن عليٍّ _ [74] قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حرِّمت الجنَّة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي، ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطَّلب، ولم يجازه عليها، فأنا أجازيه غدًا إذا لقيني يوم القيامة» . وقال أيضًا _ نقلًا عن جرير بن عبد الله البجليِّ _ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من مات على حبِّ آل محمِّد مات شهيدًا، ألا ومن مات على حبِّ آل محمَّد مات مغفورًا له، ألا ومن مات على حبِّ آل محمِّد مات تائبًا، ألا ومن مات على حبِّ آل محمَّد بشَّره ملك الموت بالجنَّة، ثمَّ منكر ونكير، ألا ومن مات على حبِّ آل محمَّد يزفُّ إلى [75] الجنَّة كما تزفُّ العروس إلى بيت زوجها، ألا ومن مات على حبِّ آل محمَّد فُتح له في قبره بابان إلى الجنَّة، ألا ومن مات على حبِّ آل محمَّد جعل الله تعالى زوَّار قبره الملائكة بالرَّحمة، ألا ومن مات على حبِّ آل محمَّد مات على السُّنَّة والجماعة، ألا ومن مات على بغض آل محمَّد جاء يوم القيامة مكتوبًا بين عينيه آيس من رحمة الله، ألا ومن مات على بغض آل محمَّد لم يشمَّ رائحة الجنَّة» . [76]

وذكر القرطبيُّ في تذكرته [77] عن عليِّ بن أبي طالب أنَّ النَّبيَّ [78] رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو في أصحابه أتاه آت، فقال إنَّ أمَّ عليٍّ، وجعفر، وعقيل قد ماتت. فقال «قوموا بنا إلى أمِّي» . فقمنا كأنَّ على رؤوسنا الطَّير، فلمَّا انتهينا إلى الباب نزع قميصه، وقال «إذا كفنتموها، فأشعروه إيَّاها تحت أكفانها» . فلمَّا خرجوا بها جعل [النَّبيُّ] صلى الله عليه وسلم مرَّة يحمل، ومرَّة يتقدَّم، ومرَّة يتأخَّر؛ حتَّى انتيهنا بها إلى القبر، فنزل، فتمعَّك في القبر، ثمَّ خرج، وقال «أدخلوها بسم الله، وعلى اسم الله» . فلمَّا دفنوها قام قائمًا، وقال «جزاك الله من أمٍّ وربيبة خيرًا» . وسألناه عن نزع قميصه، وتمعُّكه (في) اللَّحد، فقال «أردت أن لا تمسها النَّار أبدًا إن شاء الله، وأن يوسَّع عليها القبر» . [79] وقال «ما أغنى أحد عن ضغطة القبر إلَّا فاطمة بنت أسد» . قيل يا رسول الله، ولا القاسم ابنك، قال «لا، ولا إبراهيم» . وكان أصغر، وأعطى صلى الله عليه وسلم السَّيف المسمَّى بذي الفقار عليًّا، وكان للعاص بن نبيه، قتله عليٌّ يوم بدر.

قال يحيى بن عقيل كان عمر يقول لعليٍّ فيما يسأله [80] ويجيبه لا أبقاني الله بعدك. (وقال سعيد بن المسيَّب لم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سلوني إلَّا علٌّي) .

قال ابن عبَّاس ما علمي إلى علم عليٍّ إلَّا كالقُرَارة إلى المتعنجر. والقُرَارة، بضمِّ القاف، وخفَّة الرَّاء الأولى ما يصبُّ في القدر من الماء بعد الطَّبخ؛ لئلَّا يحترق، والمتعنجر لُجَّةُ البحر.

وقال صلى الله عليه وسلم لفاطمة «زوجك سيُّد في الدُّنيا والآخرة» .

روى الثعلبيُّ قال [81] بينا عبد الله بن عباس على شفير زمزم، يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ أقبل رجل متعمِّم بعمامة، فجعل ابن عبَّاس (لا يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلَّا قال الَّرجل كذلك. فقال ابن عبَّاس) سألتك بالله من أنت؟ فكشف العمامة عن وجهه، وقال أنا أبو ذرٍّ الغفاريُّ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بهاتين، وإلَّا فصُمَّتا، ورأيت بهاتين، وإلَّا فعميتا، يقول «عليٌّ قائد البررة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله» . أما إنِّي صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظُّهر، فسأل سائل في المسجد، فلم يعطه أحد، فرفع السَّائل يده إلى السَّماء، وقال اللهم اشهد أنِّي سألت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعطني أحد [شيئًا] . وكان عليٌّ راكعًا، فأومأ إليه بخنصره اليمنى، وكان يتختَّم فيها، فأقبل السَّائل، وأخذ الخاتم من يده، وذلك بمرأى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلمَّا فرغ من الصَّلاة رفع رأسه إلى السَّماء، قال «اللهم إنَّ أخي موسى سألك، فقال {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي} الآية [طه 25] فأنزلتَ قرآنًا ناطقًا {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا} الآية [القصص 35] ، اللهم! وأنا محمَّد نبيُّك وصفيُّك، اللهم فاشرح لي صدري، ويسِّر لي أمري، واجعل لي وزيرًا من أهلي عليًّا، اشدد به ظهري» . قال أبو ذرٍّ فما استتمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلمة حتَّى نزل عليه جبريل، وقال يا محمَّد! اقرأ، (قال) وما أقرأ؟ قال اقرأ {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة 55]

قال الإمام أحمد بن حنبل ما جاء لأحد من الصَّحابة ما جاء لعليٍّ من الفضائل.

قال بريدة الأسلميُّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليٍّ «إنَّ الله عزَّ وجلَّ أمرني أن أدنيك ولا أقصيك، وأن أعلِّمك، وأن تعي، وحقٌّ على الله أن تعي» . قال فنزلت {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} .

قال ابن عبَّاس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( «ما أنزل الله آية فيها {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} إلَّا وعليٌّ رأسها وأميرها» .

قال أبو سعيد الخدريُّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) لعليٍّ _ وضرب بين كتفيه _ «يا علي! لك سبع خصال، لا يحاجُّك فيهنَّ أحد يوم القيامة أنت أوَّل المؤمنين بالله إيمانًا، وأوفاهم بعهد الله، وأقومهم بأمر الله، وأرأفهم بالرَّعيَّة، وأقسمهم بالسَّويَّة، وأعلمهم بالقضيَّة، وأعظمهم رزيَّة [82] يوم القيامة» . قيل لعلَّه أعظم المؤمنين في الآخرة أجرًا على المصيبة في الدُّنيا.

وقال ابن عبَّاس كانت لعليٍّ ثلاث عشرة [83] منقبة، ما كانت لأحد قبله. قلت ليس في هذا مخالفة للحديث المذكور قبله، فإنَّ مفهوم العدد لا اعتبار به. قال التَّيميُّ فَضَلَ عليٌّ النَّاس بمئة منقبة، وقال بعضهم هذا محمول على المبالغة في مدح عليٍّ، وإلَّا فكم لأبي بكر وعمر وعثمان من منقبة ليست لعليٍّ. قلت وهو كما قال بلا شكٍّ، ولا ريب.

قال الحسن بن عليٍّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ادع لي سيِّد العرب» . يعني عليًّا. فقالت عائشة ألستَ بسيِّد العرب؟ قال «أنا سيِّد ولد آدم، وعليٌّ سيِّد العرب» . فلمَّا جاء أرسل إلى الأنصار، فأتوه، فقال «يا معاشر الأنصار! ألا أدلُّكم على ما إن تمسَّكتم به لن تضلُّوا بعده أبدًا» ؟ قالوا بلى يا رسول الله! قال «هذا عليٌّ، فأحبُّوه بحبِّي، وأكرموه بكرامتي، فإنَّ جبريل أمرني بالذي قلت لكم عن الله عزَّ وجلَّ» .

(قال) ابن أبي مريم سمعت عليًّا يقول يهلك فيَّ رجلان، مفرط في حبِّي، ومفرط في بغضي. قال المصريُّ يعني يفرط في حبِّي [84] إلى أن يفضِّلني على أبي بكر وعمر وينقصهما [85] ، أو ينسب إليَّ ما ليس لي، كبغض الرَّافضة، يقول إنَّ النُّبوَّة كانت لعليٍّ، فأتى جبريل بها محمَّدًا.

قال جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعليٍّ قبل موته بثلاث «سلام عليك أبا الرَّيحانتين، أوصيك بريحانتيَّ من الدُّنيا، وعن قليل ينهدم ركناك، والله خليفتي عليك» . فلمَّا قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عليٌّ هذا (أحد) ركنيَّ الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلمَّا ماتت فاطمة، قال هذا الرُّكن الثَّاني.

قال ابن عبَّاس عتب العبَّاس علي عليٍّ أشياء؛ حتَّى بلغ الأمر إلى الهجران، قال فاشتكى العبَّاس، فاجتمعت بنو هاشم إلى عليٍّ، فقالوا له ليس أنت ممَّن ينبَّه على مكرمة وفضيلة، والعبَّاس مهاجر لك، وقد جاء الحقُّ. فقال عليٌّ ما لي ذنب فأُهجر عليه. قالوا فالخير أن تقوم إليه معنا. فقام، فقلنا له هذا عليٌّ قد جاء. فقال أقعدوني. فقال عليٌّ مبتدئًا يا عمُّ! أيُّ شيء عتبت عليَّ؟ قال أشياء ثلاثة، وهي لك لا لي. فقال له عليٌّ سمِّها، فإن كنت معذورًا عذرت، وإن كنت مخطئًا غفرت. قال قلت لك إنِّي أعرف وجوه بني عبد المطَّلب إذا جاء الحقُّ، وإنِّي رأيت العلامة [86] . قال ما هي؟ قال رأيت نورًا ساطعًا في نسمته صلى الله عليه وسلم، فقلت لك قم بنا إليه نسأله، إن كان لنا الأمر بعده علمنا، وإن كان لغيرنا أوصى بنا. فقلتَ لا. فقال عليٌّ يا عمُّ! إنَّه كان أسرَّ إليَّ في حياته أنَّ النَّاس يجتمعون على أبي بكر، فكيف كنت أقوم معك، ولم أحبَّ أن أفشي سرَّه. فقال العبَّاس لمَّا قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الدَّار، قلت لك مدَّ يدك حتَّى أبايعك، فتقول النَّاس بايعه عمُّه. فلا يتخلَّف عنك اثنان. فقلت لا. فقال (عليٌّ لو علمت من الخبر المذكور ما علمت، ما كان يجوز لك أن تقول ما قلت. فقال) العبَّاس قد قلت لك _ وقد عزمت أن تأتي بسهم ذوي القربى، فتسلِّمه إلى عمر بن الخطَّاب _ لا تفعل، فإنَّك إن أخرجته [87] من يدك لم يرجع إلى بني هاشم، فقلت لا. فقال عليٌّ يا عمُّ! أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤكِّدًا، فقال «يا عليُّ إذا استغنت بنو هاشم، أو استقلَّت، فردَّ سهم ذوي القربى إلى بيت المسلمين» . فلمَّا رأيتك يا عمُّ، ولك ضيعة كذا، ومال كذا، ورأيت الحسن والحسين قد استقلَّا، ما كان لي بدٌّ من أن أنفذ ما أمرني به، ولو تلفت نفسي، فيا عمُّ! هل خرجت من معاتباتك؟ قال نعم، والله مكرمًا معزوزًا [88] مشكورًا، وليس من عَلِمَ كمن لا يعلم، تقدَّم إليَّ. فقبَّل بين عينيِّ عليٍّ، وقبَّل عليٌّ رأس العبَّاس، وافترقا راضيين.

قال النَّزَّالُ بنُ سَبْرَةَ وافقنا من عليٍّ يومًا طيب نفس، فقلنا يا أمير المؤمنين! حدِّثنا عن أبي بكر، قال ذاك امرؤ سمَّاه الله تعالى صدِّيقًا، على لسان جبريل، ومحمد عليهما السلام، كان خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضيه لديننا، فرضيناه لدنيانا. قلنا حدِّثنا عن عمر. قال ذاك امرؤ سمَّاه الله الفاروق، فرَّق به بين الحقِّ والباطل، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «اللهم أعزَّ الإسلام بعمر» . قلنا حدِّثنا عن عثمان. قال ذاك امرؤ يدعى في الملأ الأعلى ذا النُّورين، كان ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنتيه، ضمن له بيتًا في الجنَّة. قلنا حدِّثنا عن طلحة بن عبيد الله. قال ذاك امرؤ نزل فيه آية من كتاب الله، قال الله تعالى {فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب 23] طلحة منهم، لا حساب عليه في مستقبل. قالوا يا أمير المؤمنين! حدِّثنا عن الزُّبير. قال ذاك امرؤ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «لكلِّ نبيٍّ حواريٌّ وحواريَّ الزُّبير» . قلنا فحدِّثنا عن حذيفة. قال ذاك رجل عَلِمَ المعضلات، وأسماء المنافقين، إن تسألوه عنها تجدوه بها عالمًا. قلنا فحدِّثنا عن أبي ذرٍّ. قال ذاك امرؤ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «ما أظلَّت الخضراء، ولا أقلَّت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذرٍّ» . طلب شيئًا من الزُّهد عجز عنه النَّاس. قلنا فحدِّثنا عن سلمان. قال ذاك امرؤ منَّا أهل البيت، أدرك علم الأوَّلين والآخرين، من لكم بلقمان الحكيم؟ قلنا فحدِّثنا عن ابن مسعود [89] . قال ذلك امرؤ قرأ القرآن، (فعلم القرآن،) فعلم حلاله حرامه، ثمَّ برك عنده وجثم. قلنا فحدِّثنا عن عمَّار. قال ذاك امرؤ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «خلط الله الإيمان ما بين قرنه إلى قدمه، وخلط الإيمان بلحمه ودمه، ويدور مع الحقِّ حيث دار، وليس ينبغي للنَّار أن تأكل من لحمه شيئًا. قلنا فحدِّثنا عن نفسك. قال مه، نهى الله تعالى عن التَّزكية. قالوا يا أمير المؤمنين، إنَّ الله تعالى قال {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى 11] قال كنت امرءًا أبتدي فأعطي، وإن سكت فأبتدي، وإنَّ تحت الجوانح منِّي لعلمًا جمًّا، فَسَلوني.

قيل أُتي عليٌّ بفالوذج، فوضع قدَّامه، فقال إنَّك طيِّب الرِّيح، حسن اللَّون، ولكن أكره أن أعوِّد نفسي ما لم تعتد.

قال رجل من ثقيف كان عليٌّ يجعل طعامه في جراب صغير، فدعا يومًا بها، وعليها خاتم، فكسر الخاتم، وإذا فيها سويق، فأخرج منها، فصبَّ في القدح، وصبَّ عليه ماء، فشرب، وسقاني، فقلت يا أمير المؤمنين! أتصنع هذا بالعراق، وطعام العراق أكثر من ذلك؟ قال أما والله ما أختم عليه بخلًا، ولكن أبتاع قدر ما يكفيني، فأخاف أن يفنى، فيُصنع من غيره، وأكره أن أدخل بطني إلَّا طيِّبًا.

قال الغزاليُّ في إحيائه [90] تولَّى على العراق، وكان مأكوله من جراب، كان يحمل إليه كلَّ سنة من الحجاز من ملكه، وكان يختم على الجراب، ?

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت