فهرس الكتاب

الصفحة 1640 من 2285

1541 # صَفِيَّةُ بنتُ حُيَي _ بضمِّ المهملة، وفتح المثنَّاة الأولى [1] _ بن أخطب، الصَّحابيَّة، الإسرائيليَّة، من سبط هارون النَّبيِّ، إحدى أمَّهات المؤمنين، وكان أبوها سيِّد بني النَّضير، وقتل مع [بني] قريظة، وأمُّها بَرَّةُ بنت شَمَوْأَل القُرظيِّ، وكانت [قبل الإسلام تحت [2] ] (سَلاَّمِ بنِ) مِشْكَم، ثمَّ خلف عليها كنانة بن الرَّبيع الشَّاعر، وقتل عنها يوم خيبر، ولم تلد لأحد منهما شيئًا، فاصطفاها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لنفسه، فأعتقها وتزوَّجها وجعل عتقها صداقها، وبعض العلماء يعدُّ ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم، وكانت جميلة، من أحسن النِّساء، ولم تبلغ سبع عشرة سنة.

روى عمار بن سلمة، عن ثابت، عن أنس أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم اشترى صفيَّة بنت حيي بسبعة أَرْؤُسٍ من دحية بن خليفة الكلبيِّ. وخالفه عبد العزيز بن صهيب وغيره، عن أنس، فقالوا إنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لمَّا جمع سبي خيبر جاءه دحية، فقال أعطني جارية من السَّبي. قال اذهب وخذ جارية. فأخذ صفيَّة بنت حيي، فقيل يا رسول الله، إنَّها سيِّدة قُريظة والنَّضير، وإنَّها لا تصلح إلَّا لك. فقال صلى الله عليه وسلم «خذ جارية من السَّبي غيرها» . فقال حمَّاد فأبى دحية، حتَّى عوَّضه عنها سبعة أرؤس. ولم يثبت ذلك عند غيره، نعم [3] ، اعترض على هذا بأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كيف وهب، ثمَّ رجع؟ فقيل كان قبل قسمة الغنيمة. وقيل كان النَّبيُّ والدًا لأمَّته، وللوالد الرُّجوع فيما يهب لولده.

قال ابن شهاب وكانت صفيَّة ممَّا أفاء الله عليه، فحجبها وأولم عليها بتمر وسويق، وقسم لها.

ويروى أنَّه صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهي تبكي، فقال «مالك تبكين» ؟ قالت بلغني أنَّ عائشة وحفصة تنالان منِّي، وتقولان نحن خير من صفيَّة، نحن بنات عمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه. فقال «ألا قلت لهما كيف تكونان خيرًا منِّي؟ وأبي هارون، وعمِّي موسى، وزوجي محمَّد» .

وكانت [4] صفيَّة حليمة عاقلة فاضلة. قال أبو عمر رُوِّينا أنَّ جارية لها أتت عمر بن الخطَّاب، فقالت إنَّ صفيَّة تحبُّ السَّبت، وتصل اليهود. فبعث إليها عمر فسألها، فقالت أمَّا السَّبت، فإنِّي لم أحبُّه منذ أبدلني الله به يوم الجمعة، وأمَّا اليهود، فإنَّ لي فيهم رحمًا، فأنا أصلها. ثمَّ قالت للجارية ما حملك على ما صنعت؟ قالت الشَّيطان. قالت اذهبي فأنت حرَّة.

وكانت صفيَّة قد رأت قبل خيبر أنَّ قمرًا وقع في حجرها، فذكرت ذلك لأبيها، فضرب وجهها ضربة أثَّرت فيه، وقال إنَّك لتمدِّين عينيك [5] إلى أن تكوني عند ملك العرب. فلم يزل الأثر في وجهها حتَّى أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألها عن ذلك؟ فأخبرته الخبر. هكذا ذكره ابن [سيِّد الناس تبعًا لابن] الأثير [6] ، والمذكور في السِّمط الثَّمين أنَّ زوجها لطمها، فإنَّه ذكر عن ابن عمر أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم رأى بعين صفيَّة خضرة، فقال «يا صفيَّة، ما هذه الخضرة» ؟ فقالت كان رأسي في حجر ابن أبي حُقيق _يعني زوجها كنانة_ وأنا نائمة، فرأيت كأنَّ قمرًا وقع في حجري، فأخبرته بذلك، فلطمني، وقال تتمنِّين ملك يثرب. قالت وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبغض النَّاس إليَّ، قتل زوجي، وأبي، وأخي، فما زال يعتذر إليَّ، ويقول إنَّ أباك جمع عليَّ العرب، وفعل، وفعل. حتَّى ذهب ذلك من نفسي.

وكان صداقها عتقها، سئل أنس ما أصدقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم صفيَّة؟ قال أصدقها نفسها، أعتقها وتزوَّجها؛ حتَّى إذا كان بالطَّريق، جهَّزتها له أمُّ سُليم، فأهدتها له من اللَّيل، فأصبح صلى الله عليه وسلم عروسًا، وقال «من كان عنده شيء فليجئ به» . وبسط نطعًا، فجعل الرَّجل يجيء بالتَّمر، والرَّجل يجيء بالسَّمن، والرَّجل يجيء بالأقط، فحاسوا حيسًا، فكانت وليمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية أنَّهم قالوا لا ندري، أتزوَّجها أم اتَّخذها أمَّ ولد؟ قالوا إن حجبها فهي زوجته، وإن لم يحجبها فهي أمُّ ولد. فلمَّا أراد أن يركب حجبها.

وفي رواية انطلقنا حتَّى إذا رأينا جدر المدينة هششنا إليها، فرفعنا مطايانا، ورفع صلى الله عليه وسلم مطيَّته، وصفيَّة خلفه، فعثرت المطيَّة، فصرعا، وليس أحد من النَّاس ينظر إليها؛ حتَّى قام صلى الله عليه وسلم فسترها، ثمَّ أتيناه [7] ، فقال «لم تضرَّ» . فدخلنا المدينة، فخرجت جواري نسائه يتراءينها وشمتن [8] بصرعتها، وفي رواية فعثرت العَضْباء، وقد أشرفت النِّساء، فقلن أبعد الله [9] اليهوديَّة. فقيل لأنس يا أبا حمزة، أوقع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال إي والله، لقد وقع.

قال جابر أتي بصفيَّة يوم خيبر، وكان قد قتل أبوها وأخوها وزوجها، فقال صلى الله عليه وسلم لبلال «خذ بيدها» . فأخذها، ومرَّ بها بين المقتولين من اليهود، ومعها ابنة عمِّ لها، فلمَّا رأتهم التي مع صفيَّة صكَّت وجهها، وصاحت، وحثت التُّراب على رأسها، فقال صلى الله عليه وسلم «أعزبوا [10] هذه الشَّيطانة عنِّي» وأمر بصفيَّة، فجيزت خلفه، وغطى عليها ثوبه، فعرف النَّاس أنَّه قد اصطفاها لنفسه، وقال صلى الله عليه وسلم لبلال _ حين رأت اليهوديَّة ما رأت _ «أنزعت الرَّحمة منك يا بلال حتَّى تمرَّ بامرأتين على قتلاهما» ؟ وكره صلى الله عليه وسلم ذلك، حتَّى رئي في وجهه، ثمَّ قام فدخل على صفيَّة، فنزعت شيئًا كانت عليه جالسة، فألقته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمَّ خيَّرها بين أن يعتقها، فترجع إلى من بقي من أهلها، أو تسلم فيتَّخذها لنفسه، فقالت أختار الله ورسوله. فلمَّا كان عند رواحه [11] خرجت تمشي معه، حتَّى ثنى لها ركبته الشَّريفة لتطأ عليها، فأجلَّت واستعظمت أن تضع قدمها على فخذه، فوضعت ركبتها على ركبته، فركبت، ثمَّ ركب، وألقى عليها كساء، ثمَّ سارا، فقال المسلمون حجبها. حتَّى إذا كان على ستَّة أميال من خيبر مال ليعرِّس بها، فأبت صفيَّة، فوجد في نفسه عليها، فلمَّا كان بالصهباء مال إلى دَوْمَةٍ هناك فطاوعته، فقال «ما حملك على امتناعك أوَّلًا» ؟ قالت يا رسول الله، خشيت عليك قرب يهود. فأعرس بها بالصَّهباء، وبات أبو أيُّوب ليله يحرسه، فلمَّا استحسَّ بالمشي، قال «من هذا» ؟ قال خالد بن زيد. قال «مالك» ؟ قال ما نمت هذه اللَّيلة مخافة هذه الجارية عليك. فأمره صلى الله عليه وسلم بالرُّجوع.

وعن أنس قال لها «هل لك فيَّ» ؟ قالت يا رسول الله، لقد كنت أتمنَّى ذلك في الشِّرك، فكيف إذ مكَّنني الله منه في الإسلام؟

قال أبو عمر [12] غضب صلى الله عليه وسلم على زينب لقولها في صفيَّة بنت حيي تلك اليهوديَّة. وهجرها لذلك ذا الحجَّة، ومحرَّم، وبعض صفر.

قالت صفيَّة حجَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بنسائه، فلمَّا كان في بعض الطَّريق برك بي جملي، وكنت من أحسهنَّ _أي أعياهنَّ_ ظهرًا [13] ، فبكيت، فجاء فجعل يمسح دموعي بردائه ويده، وجعلت لا أزداد إلَّا بكاء، وهو ينهاني، فلمَّا أكثرت عليه زبرني. قالت عائشة كنَّا نتخوَّف أن تحيض صفيَّة قبل أن تفيض، فجاء صلى الله عليه وسلم فقال «أحابستنا [14] صفيَّة» ؟ قلنا قد أفاضت. قال «فلا إذن» .

قالت صفيَّة كان صلى الله عليه وسلم معتكفًا، فأتيته أزوره، فحدَّثته ثمَّ قمت لأنقلب، فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمرَّ رجلان من الأنصار، فلمَّا رأيا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أسرعا، فقال «على رسلكما، إنَّها صفيَّة بنت حيي» . فقالا سبحان الله! يا رسول الله. فقال «إنَّ الشَّيطان يجري من ابن آدم مجرى الدَّم، وإنِّي خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًّا» .

قال ابن الأثير [15] لمَّا برك بصفيَّة جملها، عام حجَّة [16] صلى الله عليه وسلم نزل بالنَّاس، فلمَّا كان عند الرَّواح، قال لزينب بنت جحش «أعطي أختك جملًا» . وكانت من أكثرهنَّ ظهرًا، فقالت أنا أعطي يهوديَّتك جملًا؟! فغضب حين سمع ذلك منها، فلم يكلِّمها حتَّى قدم مكَّة، وأيَّام منى، وفي سفره حتَّى رجع إلى المدينة، والمحرَّم، وصفرًا، ولم يأتها، ولم يقسم لها، ويئست منه، فلمَّا كان ربيع الأوَّل [17] دخل عليها، فلمَّا رأت ظلَّه قالت هذا رجل، وما يدخل على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم! فدخل، قالت يا رسول الله، ما أصنع؟ وكانت لها جارية تخبؤها منه، فقالت فلانة لك. فمشى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى سرير صفيَّة، وكان قد رفع، فوضعه بيده، ورضي عن أهله.

قال ابن حزم روت صفيَّة عشرة أحاديث.

ذكرها البخاريُّ بالواسطة في مواضع، في الاعتكاف [خ¦2035] ، [وبدء الخلق] [خ¦3281] .

وروى عنها عليُّ بن الحسين بن عليِّ زين العابدين.

ماتت في رجب، سنة ستِّين من الهجرة. قاله الكلاباذيُّ [18] ، وقال غيره سنة خمسين، أو اثنتين [19] وخمسين، زمن معاوية. وقيل سنة ستٍّ وثلاثين. قال ابن سيِّد النَّاس [20] ودفنت بالبقيع، وورثت مائة ألف درهم بقيمة أرض، وعَرَض، فأوصت لابن أختها بالثُّلث، وكان يهوديًّا.

[1] في (ن) (الأول) .

[2] في غير (ن) (عند) .

[3] في (ن) تصحيفًا (تقسم) .

[4] في (ن) (وكان) .

[5] في (ن) (عنقك) .

[6] أسد الغابة 7/ 168.

[7] في غير (ن) (ثم أتينا) .

[8] في غير (ن) (يرئنها ويشتمن) .

[9] تكرر في (ن) قوله (أبعد الله) .

[10] في الأصول (أَعْزِبُوا) وفي أسد الغابة 7/ 169 (أَغْرِبُوا) بالغين المعجمة، وكذا (فحيزت خلفه) جاء في الأصول (فجيزت) .

[11] في (ن) (زواجه) .

[12] الاستيعاب 4/ 1850.

[13] في (ن) (وكنت من آخرهن ظهرًا) .

[14] في (ن) تصحيفًا (أجالستنا) .

[15] أسد الغابة 7/ 169، وفيه «أَفْقِري أختَك جَمَلًا» .

[16] في غير (ن) (حج) .

[17] في غير (ن) (ربيع الآخر) .

[18] الهداية والإرشاد 2/ 844.

[19] في (ن) (أو اثنين) .

[20] عيون الأثر 2/ 290.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت