-الأَشْعَرِيُّ، أبو موسى، عبد الله بن قيس.
تنبيه لمَّا كان إمامنا أهلَ السُّنَّة والجماعة، كثَّر الله تعالى منهم، وأماتنا على عقيدتهم كان أبو الحسن [1] الأشعريُّ من ذرِّيَّة أبي موسى الأشعريِّ أحببت أن أذكر بعض مناقبه تتميمًا للفائدة، فهو عليُّ بن إسماعيل بن [بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن] عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة ابن صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي موسى عبد الله بن قيس، الأشعريُّ، وهو شيخنا، وقدوتنا إلى الله تعالى، شيخ المتكلِّمين، وناصر سنَّة سيِّد المرسلين.
قال السُّبكيُّ في طبقاته الكبرى [2] وهو الذَّابُّ عن الدِّين، والسَّاعي في عقائد المسلمين، سعيًا يبقى أثره إلى أن يقوم النَّاس لربِّ العالمين، ولد الشَّيخ سنة ستِّين ومئتين، وكان أوَّلًا قد أخذ عن أبي عليٍّ الجُبَّائيِّ، وتبعه في الاعتزال أربعين سنة، حتَّى صار للمعتزلة إمامًا، فلمَّا أراده الله تعالى لنصرة دينه، وشرح صدره لاتِّباع الحقَّ غاب عن النَّاس في بيته خمسة عشر يومًا، ثمَّ خرج إلى الجامع، وصعد على المنبر، وقال معاشر النَّاس، إنَّما تغيَّبت عنكم هذه المدَّة؛ لأنِّي نظرت، فتكافأت عندي الأدلَّة، لم يترجَّح عندي شيء على شيء، فاستهديت الله تعالى، فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلعت عن جميع ما كنت أعتقده، كما انخلعت من ثوبي هذا. وانخلع من ثوب كان عليه، ورمى به، ودفع الكتب التي ألَّفها على مذهب أهل السُّنَّة إلى النَّاس، ويحكى من مبتدأ رجوعه [عنه] أنَّه كان نائمًا في شهر رمضان، فرأى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال له يا عليُّ، انصر المذاهب المرويَّة عنِّي، فإنَّها الحقُّ. فلمَّا استيقظ دخل عليه أمر عظيم، ولم يزل متفكِّرًا [3] مهمومًا من ذلك، وكانت هذه الرُّؤيا في العشر الأوَّل، فلمَّا كان العشر الأوسط رأى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في المنام ثانيًا، فقال له ما فعلت فيما أمرتك به؟ فقال يا رسول الله، وما عسى أن أفعل؟ وقد خرَّجت للمذاهب المرويَّة عنك محامل صحيحة. فقال لي [4] انصر المذاهب المرويَّة عنِّي، فإنَّها الحقُّ. فاستيقظ وهو شديد الأسف والحزن، فأجمع على ترك الكلام، واتِّباع الحديث، وملازمة تلاوة القرآن، فلمَّا كانت ليلة سبع وعشرين، وكان من عادته سهر تلك اللَّيلة، فأخذه من النُّعاس ما لم يتمالك معه السَّهر، فنام وهو يتأسَّف على ترك القيام، فرأى فيها النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ثالثًا، فقال ما فعلت فيما أمرتك به؟ فقال قد تركت الكلام يا رسول الله، ولزمت كتاب الله وسنَّتك. فقال له أنَّا ما أمرتك بترك الكلام، إنَّما أمرتك بنصرة المذاهب المرويَّة عنِّي، فإنَّها الحقُّ. قال فقلت يا رسول الله، كيف أترك مذهبًا تصوَّرت مسائله، وعرفت دلائله منذ ثلاثين سنة لرؤيا؟ قال فقال لي لولا أنِّي أعلم أنَّ الله يمدُّك بمدد من عنده [لما قمت من عندك حتَّى أبيِّن لك وجوهها، قجدَّ فيه، فإنَّ الله سيمدُّك بمدد من عنده] . فاستيقظ، وقال ماذا بعد الحقِّ إلَّا الضَّلال؟ وأخذ في نصرة الأحاديث في الرُّؤية والشَّفاعة وغير ذلك، وكان يفتح عليه من المباحث والبراهين بما لم يسمعه من شيخ قطُّ، ولا عارضه به خصم، ولا رآه في كتاب.
قال الحسين بن محمَّد العسكريُّ كان الأشعريُّ تلميذًا الجبَّائيِّ [5] ، وكان صاحب نظر، وذا إقدام على الخصوم، وكان الجبَّائيُّ صاحب تصنيف وقلم، إلَّا أنَّه لم يكن قويَّا في المناظرة، وكان إذا عرضت مناظرة قال للأشعريِّ ذُبَّ عنِّي.
قال الأستاذ أبو سهل الصُّعْلوكيُّ حضرنا مع الشَّيخ مجلسَ علويٍّ بالبصرة، فناظر المعتزلة، وكانوا كثيرين، فأتى على الكلِّ وهزمهم، وكلَّما انقطع واحد تناول الآخر، حتَّى انقطعوا عن آخرهم، فلمَّا عدنا في المجلس الثَّاني ما عاد منهم أحد، فقال الشَّيخ بين يدي العلويِّ يا غلام، اكتب على الباب فرُّوا.
وقال الإمام أبو بكر الصَّيرفيُّ كانت المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم؛ حتَّى أظهر الله تعالى الأشعريَّ، فحجرهم في أقماع السِّمسم.
وقال الأستاذ أبو عبد الله بن خفيف دخلت البصرة أيَّام شبابي؛ لأرى أبا الحسن الأشعريَّ لمَّا بلغني خبره، فرأيت شيخًا بهيَّ المنظر، فقلت أين منزل أبي الحسن الأشعريِّ؟ قال وما الذي تريد منه؟ قلت أحبُّ أن ألقاه. فقال ابتكرْ غدًا إلى هذا الموضع. قال فابتكرت، فلمَّا رأيته تبعته، فدخل دار بعض وجوه أهل البلد، فلمَّا رأوه أكرموا محلَّه، وكان هناك جمع من العلماء، ومجلس نظر، فأقعدوه في الصَّدر، ثمَّ سأل بعضهم مسألة، فلمَّا شرع في الجواب، دخل هذا الشَّيخ، فأخذ يردُّه عليه، وجعل يناظره، حتَّى أفحمه، فقضيت العجب من علمه وفصاحته، فقلت لبعض من كان عندي من هذا الشَّيخ؟ فقال أبو الحسن الأشعريُّ. فلمَّا قاموا تبعته، فقال يا فتى، كيف رأيت الأشعريَّ؟ فخدمته، وقلت يا سيِّدي، كما هو في محلِّه، ولكن لم تسأل أنت ابتداء. فقال أنا لا أكلِّم هؤلاء ابتداء، ولكن إذا خاضوا في ذكر ما لا يجوز في دين الله رددنا عليهم بحكم ما فرض الله _ سبحانه وتعالى _ علينا من الرَّدِّ على مخالفي الحقِّ. قال السُّبكيُّ [6] ورويت هذه الحكاية عن ابن خفيف على وجه [آخر] ، قال ابن خفيف وكان الشَّيخ صاحب فراسة، وينظر بنور الله، وكان ابن خفيف _ كما عرف من حاله _ من أرباب الأحوال، وسادة المشايخ، فلمَّا أبصره الشَّيخ، وفهم عنه ما يريد، أحبَّ ألَّا يراه إلَّا على أكمل أحواله من العلم، وهو وقت المناظرة، فإنَّه أوَّل نظر يثبت في القلب ويرسخ، فأراد الشَّيخ تربية ابن خفيف، فإنَّه إذا نظره في أكمل أحواله أمتلأ قلبه بعظمته.
قالوا وكان الشَّيخ سيِّدًا في التَّصوُّف، واعتبار القلوب، كما هو سيِّد في علم الكلام، وأصناف العلوم.
قال أبو إسحاق الإسفرايينيُّ كنت في جنب الشَّيخ (أبي) الحسن [7] الباهليِّ كنقطة في جنب البحر، وسمعت الباهليَّ يقول كنت في جنب الأشعريِّ كنقطة في جنب البحر.
وقال لسان الأمَّة، القاضي أبو بكر أفضل أحوالي أن أفهم كلام الشَّيخ أبي الحسن الأشعريِّ.
قال أبو عُمر وسمعت أبا سهل الصعلوكيَّ، أو أبا بكر الإسماعيليَّ يقول أعاد الله تعالى هذا الدِّين بعدما ذهب _ يعني أكثره _ بأحمد بن حنبل، وأبي الحسن [8] الأشعريِّ، وأبي نُعيم الإِسْتَراباذيِّ.
قال السُّبكيُّ [9] وأمَّا اجتهاد الشَّيخ في العبادة والتَّألُّه فأمر غريب، ذكر من صحبه [10] أنَّه مكث عشرين سنة يصلِّي الصُّبح بوضوء العتمة، وكان يأكل من غلَّة قرية وقفها جدُّه بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعريِّ على نسله. قال وكانت نفقته كلَّ سنة سبعة عشر درهمًا، كلَّ شهر درهم وشيء.
ومناقبه كثيرة، فمن أراد الاطِّلاع على أكثره فعليه بكتاب تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام الأشعريِّ، صنَّفه ابن عساكر، وهو من أجلِّ الكتب، حتَّى قيل كلُّ سُنِّيٍّ لا يكون عنده كتاب التَّبيين لابن عساكر فليس من أمره على بصيرة. وقيل لا يكون الشَّافعيُّ شافعيًّا على الحقيقة حتَّى يحصِّل كتاب التَّبيين لابن عساكر. وكان شيوخنا يأمرون الطَّلبة بالنَّظر فيه، واعلم أنَّ بعضهم قد زعم أنَّ الشَّيخ كان مالكيَّ المذهب، وليس ذلك بصحيح، وإنَّما كان شافعيَّا، تفقَّه على أبي إسحاق المروزيِّ، كما نصَّ عليه ابن فُورك، والإسفرايينيُّ، نعم المالكيُّ هو القاضي أبو بكر الباقلانيُّ، شيخ الأشاعرة، هذا كلام السُّبكيِّ، وقال في المطالب العالية للإمام فخر الدِّين الرَّازيِّ الشَّيخ أبو الحسن الأشعريُّ ينتسب إلى مذهب الشَّافعيِّ، وقيل لا، بل اتَّفق الرَّأيان في أكثر المسائل. وقال كثير من الحنابلة إنَّ الأشعريَّ كان حنبليًّا، أو اتَّفق رأيه رأي أحمد بناء على أنَّه ذكر في الإبانة ما يقرب من كلامه. قال وينبغي أن يكون تأليفه بعد تشنيع [11] أحمد، لأنَّه ذكر المقدسيُّ أنَّ أحمد كان ينكره، وأنكره الأكثر لتأخُّره عن أحمد. انتهى كلام الإمام.
قال السُّبكيُّ والصَّحيح أنَّ وفاة الشَّيخ بين العشرين والثَّلاثين [12] بعد الثَّلاثمئة، والأقرب أنَّها سنة أربع وعشرين، وهو ما صحَّحه ابن عساكر، ويقال نيِّف وثلاثين. قال الإمام في المطالب العالية وتربته [13] في بلخا، في نواحي بغداد.
مناظرة بين الأشعريِّ وأبي عليٍّ الجبَّائيِّ، وهو شيخ الأشعريِّ وأستاذه. قال التَّفتازانيُّ وكانت المناظرة سببًا لترك الأشعريِّ مذهبه، واشتغل هو ومن تابعه بإبطال مذهب المعتزلة، وإثبات ما ورد به السُّنَّة، ومضى عليه الجماعة، فسمُّوا أهل السُّنَّة والجماعة، فسأل الأشعريُّ أبا عليٍّ، فقال ما قولك في ثلاثة كافر، ومؤمن، وصبيٍّ؟ قال الجبَّائيُّ المؤمن من أهل الدَّرجات، والكافر من أهل الهلكات، والصَّبيُّ من أهل النَّجاة. فقال الأشعريُّ فإن أراد الصَّبيُّ أن يرقى إلى أهل الدَّرجات، هل يمكن؟ قال الجبَّائيُّ لا، ويقال له إنَّ المؤمن إنَّما نال هذه الدَّرجة بالطَّاعة، وليس لك ذلك. (قال الشَّيخ) فإن قال الصَّبيُّ التَّقصير ليس منِّي، فلو أحييتني كنت أعمل بالطَّاعة كعمل المؤمن. قال الجبَّائيُّ يقول له الله كنت أعلم أنَّك لو بقيت لعصيت، ولعوقبت، فراعيت مصلحتك، وأمتُّك قبل أن تنتهي إلى سنِّ التَّكليف. قال الشَّيخ فلو قال الكافر يا ربِّ، علمت حالي كما علمت حاله، فهلَّا راعيت مصلحتي مثله؟ فانقطع الجبَّائيُّ.
مناظرة أخرى بينهما في أنَّ أسماء الله تعالى، هل هي توقيفيَّة؟
دخل رجل على الجبَّائيِّ، فقال هل يجوز أن يسمَّى الله تعالى عاقلًا؟ فقال الجبَّائيُّ لا؛ لأنَّ العقل مشتقٌّ من العقال، وهو المانع، والمنع على [14] الله تعالى محال، فامتنع الإطلاق. قال الشَّيخ فقلت له فعلى قياسك لا يسمَّى الله تعالى حكيمًا؛ لأنَّ هذا الاسم مشتقٌّ من حَكَمة اللِّجام، وهي الحديدة المانعة للدَّابَّة عن الخروج، فإذا كان اللَّفظ مشتقًّا من المنع، والمنع على الله محال، لزمك أن تمنع إطلاق اسم حكيم (عليه) . قال فلم يردَّ جوابًا إلَّا أنَّه قال لي فلمَ منعت أنت أن يسمَّى الله عاقلًا، وأجزت أن يسمَّى حكيمًا؟ قال قلت له إنَّ طريقي في مأخذ أسماء الله الإذن الشَّرعيُّ دون القياس اللُّغويِّ، فأطلقت حكيمًا؛ لأنَّ الشَّرع أطلقه، ومنعت عاقلًا؛ لأنَّ الشرع منعه، ولو أطلقه الشَّرع لأطلقته.
مسألة فقهيَّة وقع عن الشَّيخ، قال إمام الحرمين [15] _ في المرأة تدَّعي غيبة وليِّها، وتطلب من السُّلطان أن يزوِّجها، وتلحُّ في ذلك _ اختلف أرباب الأصول في ذلك، فذهب قدوتنا في الأصول إلى أنَّها تجاب، وأقصى ما يمكن من السُّلطان أن يمهلها، فإن أبت أجابها، وذهب القاضي أبو بكر الباقلَّانُّي إلى أنَّ القاضي لا يجيبها إن رأى التَّأخير صوابًا، ويقول لا يجب عليَّ إجابتك ما لم أحتط. وقد نقل الرَّافعيُّ المسألة عن الإمام، قال السُّبكيُّ فأراد بقدوتنا [16] في الأصول الأشعريَّ.
قال والد السُّبكيِّ الشَّيخ تقيُّ الدِّين (ينبغي أن يقال إنَّ) اجتهاد القاضي إن أدَّاه إلى أنَّ مصلحة المرأة تفوت بالتَّأخير وجبت المبادرة، وإن رأى المصلحة في التَّأخير تعيَّن، وإن أشكل الحال واستوى وكان في مهلة النَّظر، فهذا موضع التَّردُّد، [وينبغي ألَّا يبادر. قلت فرض المسألة أن تكون المسافة أقلَّ من يومين، أو أنَّها تطلب الزَّواج بغير كفؤ؛ وإلَّا فالغيبة إلى مسافة القصر تجوِّز الزَّواج من الكفؤ؛ فإنَّ السُّلطان هو نائب الوليِّ، فتأمل] .
ذكر تصانيفه
قال ابن حزم تصانيف الأشعريِّ [17] بلغت خمسًا وخمسين مصنَّفًا. وقال ابن عساكر إنَّه [قد] ترك من مصنَّفاته أكثر من النِّصف. وذكر ابن فورك ما يزيد على الضِّعف، وذكر ابن عساكر بعد ذلك نقلًا عن أبي [18] [المعالي] أنَّه سمع من يثق به أنَّه رأى تراجم مصنَّفاته تزيد على مئتين وثلاثمئة مصنَّف، منها الفصول في الرَّدِّ على الملحدين، والموجز، وإمامة الصِّدِّيق، وخلق الأعمال، والاستطاعة، [والصِّفات، والرُّؤية، والأسماء والأحكام، والرَّدُّ على المجسِّمة، والإيضاح،] واللُّمع الصَّغير، واللُّمع الكبير، والشَّرح والتَّفصيل، والمقدِّمة، والنَّقض على الجبَّائيِّ، والمقالات [19] المسكتة، ومقالات الملحدين، والجوابات [20] في الصَّفات على الاعتزال. قال الأشعريُّ ثمَّ نقضناه وأبطلناه. والرَّدُّ على ابن الرَّاونديِّ [21] .
بيان دليل استنبطه العلماء من الحديث الصَّحيح على أنَّ أبا الحسن ومن تبعه على السُّنَّة، وأنَّ سبيلهم سبيل أهل الجنَّة، قال طوائف من أئمَّتنا إنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال «الإيمان يمان، والحكمة يمانيَّة» . وقال «أتاكم أهل اليمن، هم أرقُّ أفئدة، وألين قلوبًا» . أخرجه البخاري ومسلم [22] ، وفي حديث أنه صلى الله عليه وسلم قال «يقدم عليكم قوم هم أرقُّ أفئدة منكم» . فقدم الأشعريُّون، فيهم أبو أبي الحسن، أبو موسى الأشعريُّ، وفي حديث لمَّا نزلت {فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة 54] قال صلى الله عليه وسلم «هم قوم هذا» . وضرب بيده على ظهر أبي موسى الأشعريِّ.
قال علماؤنا بشَّر صلى الله عليه وسلم بأبي الحسن إشارة وتلويحًا، كما لوَّح بالشَّافعيِّ في حديث «عالم قريش يملأ طباق الأرض علمًا» . وبمالك في حديث «يوشك أن يضرب النَّاس آباط الإبل، فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة» . قال عياض لمَّا نزلت {فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} أومأ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى أبي موسى، فقال «هم قوم هذا» . قال السُّبكيُّ [23] ونحن نقول _ ولا نقطع على رسول الله صلى الله عليه وسلم _ يشبه أن يكون إنَّما ضرب على ظهر أبي موسى في الحديث المذكور للإشارة والبشارة بما يخرج من ذلك الظَّهر في تاسع بطن، وهو الشَّيخ أبو الحسن، فقد كانت له صلى الله عليه وسلم إشارات لا يفهمها إلَّا المؤمنون الموفَّقون بنور الله {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ} [النور 40] قال السُّبكيُّ وقال علماؤنا إنّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يحدِّث أحدًا في أصول الدّين بحديث حدَّثه للأشعريِّين، وأنَّهم الذين اختصوا بسؤاله عن ذلك وإجابته لهم، ففي صحيح البخاريِّ [24] وغيره، عن عمران بن حصين، قال إنِّي لجالس عند النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إذ جاءه قوم من بني تميم [25] ، (فقال) «اقبلوا البشرى (يا) بني تميم» . فقالوا بشَّرتنا فأعطنا يا رسول الله؟ قال فدخل عليه ناس من أهل اليمن، فقال «اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم» قالوا قبلنا يا رسول الله، جئنا لنتفقَّه في الدِّين، ونسألك عن أوَّل هذا الأمر، ما كان؟ كذا في لفظ، وفي لفظ البخاريِّ جئناك نسألك عن أوَّل هذا الأمر. قال «كان الله ولم يكن شيء غيره» . وفي رواية «ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثمَّ خلق السَّموات والأرض، وكتب في الذِّكر كل شيء» . [قال] وأتاه رجل، فقال يا عمران بن حصين، راحلتك، أدرك ناقتك، فقد ذهبت. فانطلقتُ في طلبها، وإذا السَّراب ينقطع دونها، وايم الله؛ لوددت أنَّها ذهبت، وأنِّي لم أقم.
قال السُّبكيُّ واعلم أنَّ أبا الحسن لم يبدع رأيًا، ولم ينشئ مذهبًا، وإنَّما هو مقرِّر لمذاهب السَّلف، مناضل عمَّا كانت عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالانتساب إليه إنَّما هو باعتبار أنَّه عقد على طريق السَّلف نطاقًا، وتمسَّك به، وأقام الحجج والبراهين عليه، فصار المقتدي به في ذلك يسمَّى أشعريًّا.
قال الشَّيخ عزُّ الدِّين بن عبد السَّلام إنَّ عقيدته اجتمع عليها الشَّافعيَّة، والمالكيَّة، (والحنفيَّة، وفضلاء الحنابلة، ووافقه على ذلك من أهل عصره شيخ المالكيَّة) في زمانه أبو عمرو ابن الحاجب، وشيخ الحنفيَّة جمال الدِّين الحصيريُّ [26] .
قال تقيُّ الدِّين [27] _ والد السُّبكيِّ _ وقفت لبعض المعتزلة على كتاب سمَّاه طبقات المعتزلة، وافتتح بذكر عبد الله بن مسعود _ رضي الله عنه _ ظنًّا منه أنَّه يراه منهم، وعلى عقيدتهم. قال وهذا نهاية في التَّعصُّب، فإنَّما ينسب إلى المرء من مشى على منواله.
قال السُّبكيُّ فقلت لوالدي لو تمَّ هذا لهم كان للأشاعرة أن يعدُّوا أبا بكر وعمر وغيرهما رضي الله عنهم من الصَّحابة في جملتهم؛ لأنَّهم على عقيدتهم. فتبسَّم، وقال أَتباع المرء من دان بمذهبه، وقال بقوله على سبيل المتابعة، (فبين المتابعة) والموافقة بون [28] عظيم.
قال السُّبكيُّ تصفَّحت [29] كتب الحنفيَّة، فوجدت جميع المسائل التي بيننا وبين الحنفيَّة فيها خلاف ثلاث عشرة [30] مسألة، ستَّ مسائل منها لفظيَّة، والباقي معنويَّة، ولا يقتضي مخالفتنا لهم ومخالفتهم لنا تكفيرًا ولا تبديعًا. صرَّح بذلك الأستاذ أبو منصور البغداديُّ وغيره من أئمَّتنا وأئمَّتهم.
قال السُّبكيُّ ولي قصيدة نونيَّة، جمعت فيها هذه المسائل، وضممت إليها مسائل اختلفت الأشاعرة فيها، مع تصويب بعضهم بعضًا في القصيدة. وهي من البحر الكامل، ومطلعها
~الوَرْدُ خدُّك صِيْغَ من إنسانِ أم في الخدود شقائقُ النُّعْمانِ
ثمَّ أطنب إلى أن قال
~والخُلْفُ بينهما قليلٌ أمرُه سَهْلٌ بلا بِدْعٍ ولا كُفْرانِ
~فيما يقلُّ من المسائل عدُّه ويهونُ عند تطاعنِ الأقرانِ
~ولقد يَؤول خلافُها إمَّا إلى لفظٍ كالاستثناءِ في الأَيْمانِ
~ [وكمنعه أنَّ السَّعيد يضلُّ أو يشقى ونعمة كافر خوَّان]
~وكذا الرِّسالةُ بعد موتٍ إن يكنْ صحَّتْ وإلَّا أَجمعَ الشَّيخانِ
~وقد ادَّعى ابنُ هوازنٍ أستاذُنا فيها افتراءٌ من عدوٍّ شانِ
~وهو الخبير الثَّبت [31] نقلًا والإرا دةُ ليس يلزمُها رضَى الرَّحمنِ
~فالكفرُ لا يرضَى به لعبادِهِ ويريده، أمرانِ مختلفانِ [32]
~وأبو حنيفةَ قائلٌ إنَّ الإرا دة كالرِّضى [33] أمران مُتَّحدانِ
~وعليه أكثرُنا ولكنْ لا يصحُّ وقيل مكذوبٌ على النُّعمانِ
~وكذاكَ إيمانُ المقلِّد وهو مم ما أنكرَ ابنُ هوازنَ الرَّبَّاني
~ولو أنَّه ممَّا يصحُّ فخُلْفُهُمْ فيه لِلَفْظٍ عاد دون مَعَانِ
~وكذاكَ كَسْبُ الأشعريِّ وإنَّه صَعْبٌ ولكنْ قام بالبرهانِ
~من لم [34] يقلْ بالكَسْب مالَ إلى اعتزا ل أو مقال [35] الجبر ذي الطُّغيانِ
~أو للمعاني وهي ستُّ مسائلٍ هانتْ مَداركُها بدون هوانِ
~للهِ تعذيبُ المطيعِ ولو جَرَى ما كان من ظُلْمٍ ولا عُدوانِ
~متصرِّفٌ في مُلْكهِ فله الذي يختار لكن جاد بالإحسانِ
~فنفَى العقابَ وقال سوف أثيبهمْ فله بذاك عليهمُ فَضْلانِ
~هذا مقال [36] الأشعريِّ إمامنا وسواه مأثور عن النُّعمانِ
~ووجوب معرفة الإله الأشعريُّ يقول ذاكَ بشرعةِ الدَّيَّانِ
~والعقلُ ليس بحاكمٍ لكنْ لهُ ال إدراكُ لا حكم على الحيوانِ
~وقَضَوا بأنَّ العقلَ يوجبُها وفي كتُب الفروع لصَحْبنا وجهانِ
~وبأنَّ أوصافَ الفِعَالِ قديمةٌ ليست بحادثةٍ على الحدثانِ
~وبأنَّ مكتوبَ المصاحفِ مُنْزَلٌ [37] عينُ الكلامِ المُنْزَلِ القرآنِ
~والبعضُ أنكرَ ذا فإنْ يصدقْ (فقد) ذهبتْ من التَّعْدادِ مسألتانِ
~هذي ومسألةُ الإرادةِ قبلَها أَمْرانِ فيما قيل مكذوبانِ
~وكما انتفَى هذانِ عنهم هكذا عنا انتفَى ممَّا يقال اثنانِ
~قالوا وليس بجائزٍ تكليفُ ما لا يستطاعُ فتى من الفتيانِ
~وعليه مِنْ أصحابِنا شيخُ العرا ق وحُجةُ الإسلامِ ذو الإتقانِ
~ورآه مجتهد الزَّمان محمَّد ب ن دقيقِ عيدٍ واضح السُّبْلانِ
~قالوا وتمتنع الصَّغائرُ من نبيٍّ للإله وعندنا قولانِ
~والمنعُ مرويٌّ عن الأستاذ والقاضي عِياضٍ وهو ذو رُجحانِ
~وبه أقول وكان مذهبَ والدي دفعًا لرتْبتهم عن النُّقصانِ
~والأشعريَّ إمامنا لكنَّنا في ذا نخالفه بكل لسانِ
~ونقول نحن على طريقته ولكن صَحْبُه في ذاك طائفتانِ
~بل قال بعضُ الأشعريَّةِ إنَّهم بُرآء معصومون منْ نسيانِ
~والكلُّ معدودون من أتباعه لا يخرجون بذا عن الإذعانِ
~وأبو حنيفةَ هكذا مع شيخنا لا شيءَ بينهما من النُّكْرانِ
~متناصران وذا اختلاف هيِّن عارٍ عن التَّبديعِ والخِذْلانِ
~هذا الإمامُ وقبلَه القاضي يقو لانِ البَقَاْ لِحقيقةِ الرَّحمنِ
~وهما كبيرَا الأْشعريَّةِ وهو قال بِزائدٍ في الذَّاتِ للإمكانِ
~والشَّيخُ والأستاذُ متَّفقانِ في عَقْدٍ وفي أشياءَ مختلفانِ
~وكذا ابنُ فُوْرَكٍ الشَّهيدُ وحجَّةُ الإسلام خَصْمَا الإْفكِ والبهتانِ
~وابنُ الخطيبِ وقولُه إنَّ الوجود يزيدُ وهو الأشعريُّ الثَّاني
~والإِخْتلافُ [38] في الاسم هل هو والمسمَّى واحد لا اثنانِ أو غيران
~والأشعريَّةُ بينهمْ خُلْفٌ إذا عُدَّتْ مسائلُه [39] على الإنسانِ
~بلغتْ مئينَ وكلُّهمْ ذو سُنَّةٍ أُخذتْ عن المبعوثِ من عدنانِ
~صلَّى عليه الله ما وَضَحَ الضُّحى [40] وبَدَا بدَيْجور الدُّجَى النَّسْرانِ
~والآل والصَّحب الكرام ومنهمُ الصِّدِّيق والفاروق مع عثمانِ
~وعليٌّ ابْنُ العمِّ والباقون إنَّهمُ النُّجومُ لمُقْتَدٍ حيرانِ
أمَّا المسألة الأولى وهي الاستثناء في الإيمان، فقد أزاح عنها حجَّة الإسلام الإشكال في الإحياء [41] بأوجه، منها الاحتراز عن الجَزْم خيفة تزكية النَّفس، فإنَّ الإيمان أفضل [42] الأعمال؛ وقد قال الله تعالى {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ} [النجم 32] وقال {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ} [النساء 49] وقيل لحكيم ما الصِّدق القبيح؟ قال ثناء المرء على نفسه. وبهذا الاعتبار، لو سئل عن صفة ذمٍّ، ما حَسُنَ الاستثناء، ومنها التَّأدُّب بذكر الله في كلِّ حال. قال الله تعالى {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا. إِلَّا أَن يَشَاء اللهُ} [الكهف 23 - 24] ومنها مستنده الشَّكِّ، ولكن في كمال الإيمان، وهل هو من المؤمنين (حقًّا) أو لا؟ ومنها مستنده الشَّكُّ أيضًا، لكن من خوف الخاتمة؛ لأنَّه لا يدري أيسلم الإيمان عند الموت أم لا؟ فإنَّ الصَّائم أوَّل النَّهار إذا سئل عن صومه قال أنا صائم. ثمَّ أفطر بعد ذلك تبيَّن كذبه؛ لأنَّ الصِّحة موقوفة على الغروب، وكذلك تمام صحَّة الإيمان موقوفة على الموت. قلت وكثيرًا ما يستعمل هذه الصِّيغة المرغِّبة في الأمر، كما تقول لغيرك أتفعل كذا غدًا؟ فيقول إن شاء الله. كما يقول بتوفيق الله. وهذا شائع ذائع في العرف، لا خفاء به، نعم إن قال أنا مؤمن إن شاء الله شاكًّا [43] في الحال كفر، والعياذ بالله.
المسألة الثَّانية هل السَّعادة والشَّقاوة يتبدَّلان أو لا؟ فعندنا لا، وعُزِيَ إلى أبي حنيفة وكثير من المعتزلة نعم، دليلنا حديث التِّرمذيِّ [44] «فرغ ربُّكم من العباد، فريق في الجنَّة، وفريق في السَّعير» . ومن هؤلاء من ضمَّ إليهما الأجل والرِّزق، وذهب قوم [45] إلى أنَّ لله تعالى كتابين سوى أُمِّ الكتاب، يمحو منهما ما يشاء ويثبت، وعنده أمُّ الكتاب الذي لا يغيِّر منه شيء، ويروى هذا عن ابن عبَّاس ومجاهد وغيرهما، فمن علم الله موته مؤمنًا فليس بشقيٍّ، بل هو سعيد، وإن تقدَّم منه كفر، وقد غفر، ومن علم موته كافرًا فشقيٌّ، وإن تقدَّم منه إيمان، وقد حبط، وفي قول للأشعريِّ إنَّه تبيَّن أنَّ الأوَّل لم يكن إيمانًا.
المسألة الثَّالثة يقول الأشعريُّ ليس على الكافر نعمة، بل كلُّ ذلك نقمة، وكلُّ ما يتقلَّب فيه استدراج. وأبو حنيفة يقول إنَّ عليه نعمة. ووافقه أبو بكر الباقلَّانيُّ، وخالفه منهم الماتريديُّ، وقال بقول الأشعريِّ في مسألة الاستثناء، واستدلَّ أبو حنيفة ومن رأى رأيه، كالمعتزلة بقوله عزَّ وجلَّ حكاية عن قوم هود {فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ} [الأعراف 69] وقال {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} [النحل 83] واستدلَّ الأشعريُّ بقوله تعالى {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ. نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ} [المؤمنون 55 - 56] وقال {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ} [التوبة 55] وقال بعضهم إنَّ الخُلْفَ لفظيٌّ. قال من نفى النِّعم مطلقًا لا ينكر الملاذ في الدُّنيا، غير أنَّه لا يسمِّيها نعمًا؛ لما يعقبها من الهلاك، ومن أثبت كونها نعمة لا ينازع في تعقيب الهلاك لها، غير أنَّه سمَّاها نعمة للصُّورة. قال الزَّركشيُّ وهو كما قال، فإنَّ الخُلْفَ راجع إلى تفسير النِّعم، هل من مجرَّد الملاذ والتنعُّم؟ فعلى الكافر نعمة عظيمة، أو التَّنعُّم مع سلامة العاقبة فهي نقمة لا نعمة. قال والأوَّل أقوى في النَّظر؛ لأنَّ الله تعالى سمَّاها نعمة.
المسألة الرَّابعة إنكار الرِّسالة بعد الموت معزوٌّ إلى الأشعريِّ، قال السُّبكيُّ [46] وهي من الكذب عليه؛ لأنَّه صرَّح بخلافها، ومن عقائدنا أنَّ الأنبياء _ عليهم السَّلام _ أحياء [47] في قبورهم، فأين الموت؟ وقد أنكر أبو القاسم القشيريُّ في كتاب شكاية أهل [48] السُّنَّة هذه المسألة، وبيَّن أنَّها افتراء على الشَّيخ، وصنَّف البيهقي جزءًا في حياة الأنبياء في قبورهم.
روى البيهقيُّ [49] عن أنس أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال «الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة، لكنَّهم يصلُّون بين يدي الله حتَّى ينفخ في الصُّور» . قاله الدَّميريُّ في كتاب الجنائز [50] . قال وأمَّا ما استدلَّ به الرَّافعيُّ ومن تبعه بقوله صلى الله عليه وسلم «أنا أكرم على ربِّي أن يتركني في قبري بعد ثلاث» . فهو باطل، لا أصل له، روى النَّسائيُّ «إنَّ الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» .
قال في الطَّبقات الكبرى واشتدَّ نكير الأشاعرة على من نسب هذا القول إلى الشَّيخ، وقالوا قد افتري عليه وبهته. [انتهى] .
المسألة الخامسة في أنَّ الإرادة والرِّضا، هل هما واحد، أو اثنان [51] ؟ فاعلم أنَّ المنقول عن أبي حنيفة اتِّحادهما، وعن الأشعريِّ افتراقهما، وقيل إنَّ أبا حنيفة لم يقل بالاتِّحاد فيهما، بل ذلك مكذوب عليه، فعلى هذا انقطع النِّزاع، وإنَّما الكلام بتقدير صحَّة الاتِّحاد عنده، وأكثر الأشاعرة على ما يعزى إلى أبي حنيفة _ رضي الله عنه _ من عدم الافتراق، منهم إمام الحرمين وغيره، آخرهم النَّوويُّ، فقال هما شيء واحد. قال السُّبكيُّ [52] ولكن [53] لا أختار ذلك، والحقُّ عندي أنَّهما مفترقان، فإنَّ كما هو منصوص الشَّيخ أبي الحسن انتهى.
قال الآمديُّ [54] ذهب جمهور أصحابنا [55] إلى أنَّهما واحد، وذهب الباقون إلى المغايرة، واحتجُّوا بأنَّ الله تعالى مريد للكائنات، ومن جملتها الكفر والفساد، فيكون مريدًا له، فلو كانت الإرادة هي المحبَّة والرِّضى لكان الباري تعالى محبًّا للفساد وراضيًا بالكفر، وهو محال لقوله تعالى {وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ} [البقرة 205] وقوله {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر 7] وأجاب الأوَّلون بأنَّه لا يرضى (لعباده) الكفر شرعًا. قال تعالى {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عمران 19] أي الدِّين المرضيَّ، ولذلك شرَّفهم بالإضافة إلى نفسه، كقوله تعالى {يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ} [الإنسان 6] وهو مخصوص بالطَّائعين، وقال بعضهم الإرادة والمشيئة أعمُّ من الرِّضى والمحبَّة، فكلُّ رضى ومحبَّة إرادة ومشيئة، ولا عكس؛ لأنَّ الرِّضى [56] والمحبَّة لا اعتراض معهما، بخلاف الإرادة والمشيئة، فالعاصي بإرادته ومشيته، لا برضاه ومحبَّته، ويكون الرِّضى والمحبَّة من صفات الفعل، لا من صفات الذَّات، وعلى هذا السُّبكيُّ، [والتَّفتازانيُّ] .
المسألة السَّادسة في إيمان المقلِّد، وذكر أنَّ الأشعريَّ يقول أنَّ إيمان المقلِّد لا يصحُّ. وأنكر ذلك الأستاذ أبو القاسم، وقال إنَّه مكذوب عليه. قال المحلِّي وشنَّع قوم على الأشعريِّ بسبب هذا القول؛ بأنَّه يلزم تكفير العوامِّ، وهم غالب المؤمنين. قال السُّبكيُّ والتَّحقيق في المسألة لدفع التَّشنيع أنَّه إن كان التَّقليد اَخْذًَا لقول الغير [57] من غير حجَّة مع احتمال شكٍّ أو وَهْمٍ بأن لا يجزم به، فلا يكفي إيمان المقلِّد قطعًا؛ لأنَّه لا إيمان مع أدنى تردُّد فيه، وإن كان التَّقليد أخذًا لقول الغير بغير حجَّة لكن جزمًا، وهذا هو المعتمد، فيكفي إيمان المقلِّد عند الأشعريِّ وغيره، خلافًا لأبي هاشم، فإنَّه يقول لا يكفي ذلك، بل لا بدَّ لصحَّة [58] الإيمان من النَّظر. وقد أطال [النَّفس] في ذلك الزَّركشيُّ.
المسألة السَّابعة في خلق الأفعال وكسب العبد، فاعلم أنَّ للعبد أفعالًا اختياريَّة، يثاب عليها إن كان طاعة، ويعاقب عليها إن كان معصية إن شاء الله تعالى، لا كما زعمت الجبريَّة أنَّه [59] لا فعل له ولا اختيار أصلًا، وأنَّ حركاته بمنزلة حركة الجمادات؛ لأنَّا نفرِّق [60] بالضَّرورة بين حركة البطش وحركة الارتعاش، وإلَّا لما صحَّ تكليفه، ولا إسناد الأفعال التي تقتضي القصد والنِّيَّة إليه على سبيل الحقيقة، نحو صلَّى، وصام [61] ، بخلاف طال الغلام، واحمرَّ البُسْر، ويدلُّ لنا النُّصوص، قال الله تعالى {جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [التوبة 82] {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} [الكهف 29] نعم الكلُّ بخلق الله وإرادته، (لا) كما زعمت المعتزلة أنَّ العبد خالق لأفعاله. لنا قوله تعالى {وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات 96] أي وعملكم، أو والذي تعملونه، وقال تعالى {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام 102] أي كلَّ شيء ممكن بدلالة العقل، فإنَّه لا يقدر على خلق ذاته القديمة [62] ، ولا على [خلق] الممتنع، وقال تعالى _ في مقام التَّمدُّح بالخالقيَّة _ {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} [النحل 17] وأما قوله {فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون 14] فمعناه أحسن المصورِّين [63] ، وكذلك قوله تعالى {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} [المائدة 110] أي تصوُّر، أو الخلق هنا بمعنى التَّقدير، فإن [64] قلت فالقائل بكَوْنِ العبد خالقًا لأفعاله مشرك. قلت لا؛ لأنَّ الإشراك هو إثبات الشَّريك في الألوهيَّة، بمعنى وجوب الوجود، كما للمجوس، أو بمعنى استحقاق العبادة، كما لعبدة الأوثان، والمعتزلة لا يثبتون ذلك، بل (لا) يجعلون خالقيَّة العبد كخالقيَّة الله تعالى؛ لافتقاره إلى الأسباب والآلات، وهي بخلق الله تعالى إلَّا أَّن مشايخ ما وراء النَّهر بالغوا في تضليلهم، حتَّى قالوا إنَّ المجوس أسعد حالًا منهم؛ حيث لم يثبتوا إلَّا شريكًا واحدًا، والمعتزلة أثبتوا شركاء لا تحصى، تمسَّكت المعتزلة بأنَّه لو كان خالقًا لأفعال العبد لكان هو القائم والشَّارب والزَّاني والسَّارق [65] إلى غير ذلك. قال التَّفتازانيُّ وهذا جهل عظيم؛ لأنَّ المتَّصف بالشَّيء من قام به ذلك الشَّيء، لا من أوجده، أولا يرون أنَّ الله خالق السَّواد والبياض؟ ولا يتَّصف بشيء من ذلك. إن قلت ما الفرق بين الخلق والكسب؟ وأنت تقول الله خالق لفعل العبد، والعبد كاسب له. فاعلم أنَّ للقوم عبارات في الفرق بينهما، مثل أنَّ الكسب ما يقع بآلة، والخلق ما ليس بآلة، والكسب مقدور وفع في محلِّ قدرته، والخلق لا في محلِّ قدرته، والكسب لا يصحُّ بانفراد القادريَّة، والخلق يصحُّ. قاله التَّفتازانيُّ.
المسألة الثَّامنة في أنَّ الله تعالى هل يجوز تعذيب الطَّائع وإثابة العاصي؟ فعندنا نعم؛ لأنَّه يستحيل أن يوصف بالظُّلم؛ لأنَّه المالك على الإطلاق، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وكلُّ نعمة منه فضل، وكلُّ نقمة منه عدل، لا حجر عليه في ملكه، ولا داعي له إلى فعله، وعند المعتزلة يجب على الله تعالى تعذيب العاصي، وإثابة المطيع، ويمتنع العكس، ولكن نحن، وإن قلنا بالجواز، لكن لا يقع ذلك منه، كما قاله المحلِّيُّ لإخباره [66] تعالى بإثابة المطيع وتعذيب العاصي فضلًا ومنَّة، وكذلك له إيلام الدَّوابِّ والأطفال في غير قصاص، لكنَّه لم يرد؛ أمَّا في القصاص، فقال صلى الله عليه وسلم «لتؤدَّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتَّى يقاد للشَّاة الجَلْحاء من الشَّاة القَرْناء» . رواه مسلم [67] . وقال صلى الله عليه وسلم «يقتصُّ للخلق بعضهم من بعض، حتَّى الجمَّاء من القرناء، وحتَّى الذَّرَّة من الذَّرَّة» . وقال عليه الصلاة والسلام «ليختصمنَّ كلُّ شيء يوم القيامة، حتَّى الشَّاتان فيما انتطحتا» ؟ رواه الإمام أحمد [68] . قال المحلِّيُّ وقضية [69] هذه الأحاديث أن لا يتوقَّف القصاص على التَّكليف والتَّمييز يوم القيامة، فيقتصُّ من الطِّفل للطِّفل وغيره.
قال الزَّركشيُّ قال أصحابنا ليست الطَّاعة علَّة الثَّواب، ولا المعصية علَّة [70] العقاب، وإنَّما هما أمارتان جعلتا علمًا عليهما. قلت اعتقاد المعتزلة بالوجوب في هذا وغيره (فيه) مفاسد عظيمة، لأنَّه لو كان يجب عليه هذا لوجب عليه ما هو الأصلح للعبد، ولو وجب الأصلح لما خلق الكافر الفقير المعذَّب في الدُّنيا والآخرة، ولما كان له منَّة على العباد، واستحقاق شكر في الهداية، وإفاضة أنواع الخيرات لكونها أداء للواجب، ولما كان امتنانه على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فوق امتنانه على أبي جهل _ لعنه الله _ لأنَّه على هذا فعل مع كلٍّ منهما غاية مقدورهِ من الأصلح، ولما كان لسؤال العصمة والتَّوفيق وكشف الضَّرَّاء والبسط والخصب معنى؛ لأنَّ ما لم يفعله في حقِّ كلِّ واحد فهو مفسدة له يجب على الله تعالى تركها، ولما بقي في قدرة الله تعالى بالنِّسبة إلى مصالح العباد شيء؛ إذ قد أتى بالواجب، ولانحصر قدرة الله تعالى في الواجب فقط، ولا تتعدَّى إلى غيره، فتنفذ قدرته. قاله القاضي عضد [71] . قال التَّفتازانيُّ ولعمري إنَّ مفاسد هذا الأصل، أعني وجوب الأصلح، بل أكثر أصول المعتزلة أظهر من أن تخفى، وأكثر من أن تحصى، وذلك لقصور نظرهم في المعارف الإلهيَّة، ورسوخ قياس الغائب عن الشَّاهد في طباعهم، وغاية متثبَّتهم [72] في ذلك أن ترك الأصلح يكون بخلًا وسفهًا، وجوابه أنَّ منع ما يكون حقَّ المانع يكون محض عدل وحكمة، كيف وقد ثبت بالأدلَّة (الواضحة) القاطعة كرمه وحكمته؟ قال وليت شعري، ما معنى وجوب الشَّيء على الله تعالى؟ إذ ليس معناه استحقاق تاركه الذَّمَّ والعقاب، وهو ظاهر [73] ، ولا لزوم صدوره عنه بحيث لا يتمكَّن من التَّرك بناء على استلزامه محالًا من سفه أو جهل أو عبث أو بخل ونحو ذلك؛ لأنَّه رفض لقاعدة الاختيار، ميل إلى الفلسفة [74] الظَّاهرة العوار. قال الزَّركشيُّ ويدلُّ لجواز إثابة العاصي، وتعذيب المطيع ما ورد [75] في الحديث «إنَّ الله ينشئ للجنَّة أقوامًا، وللنَّار أقوامًا» . قلت هذا لا يستلزم التَّعذيب في النَّار؛ لأنَّ الله قادر على أن لا يعذِّبهم بالنَّار، كالملائكة الموكلين بالنَّار. قال الله تعالى {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً} [المدثر 31] ولم يلزم من هذا تعذيب الملائكة، وقال تعالى {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا} [النساء 56] قال بعض المفسِّرين كيف يجوز أن يبدِّل في النَّار جلودًا ما أذنبت [قطُّ] فتعذَّب؟ فأجاب بعضهم إنَّ هذه الجلود سجن لهم يعذِّبهم فيه، ولا يعذِّب الجلد. وأقول التَّبديل يدلُّ على الاحتراق، وكيف يتصوَّر احتراق جزء من الحيوان وتبديل غيره من غير إيلام؟ ولكنَّ الله قادر على ما يشاء، فنحن نؤمن بالآيات والأحاديث، ونفوِّض التَّأويل إلى عالم الغيب والشَّهادة.
المسألة التَّاسعة في وجوب معرفة الباري، عزَّ اسمه [76] ، فاعلم أنَّ هذه المسألة مبنيَّة على منع تكليف ما لا يطاق، كما قال الله تعالى {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة 286] وبيان ذلك أنَّ المعرفة ذات وجه واحد، لا ذات وجهين، فإنَّها إن وقعت على الصِّحة سمِّيت معرفة، وإلَّا جهلًا، والشَّخص إن عرف ربَّه فقد سقط التَّكليف، فكيف (يكلِّف) بالمعرفة ثانيًا؟ وإن لم يعرفه كيف يطلبه؟ وطلب المجهول محال. فأجاب البيضاويُّ وغيره إنَّ المعرفة مستثناة من القاعدة، وقال الكرمانيُّ [77] _ في أوَّل صحيح البخاريِّ، في حديث النِّيَّة _ إن قلت ما قولك في معرفة الله للغافل؟ قلت لا دخل [78] له في البحث؛ لأنَّ المراد تكليف الغافل عن تصوُّر التَّكليف، لا عن التَّصديق بالتَّكليف، ولهذا كان الكفَّار مكلَّفين؛ لأنَّهم تصوَّروا التَّكليف لمَّا قيل لهم إنَّكم مكلَّفون. وإن كانوا غافلين عن التَّصديق.
المسألة العاشرة أوصاف أفعال الله تعالى قديمة أو محدثة، فنفت المعتزلة قدم الصِّفات. زعموا أنَّ في ذلك إبطال التَّوحيد؛ لما أنَّها مغايرة لذات الله تعالى، فيلزم قدم غير الله تعالى، وتعدُّد القدماء محال؛ لأنَّ النَّصارى كفرت بإثبات ثلاثة من القدماء، فما بال الثَّمانية؟ فأجاب حميد الدِّين الضَّرير ومن تابعه بأنَّه لا استحالة في تعدُّد الصِّفات القديمة، وإنَّما المستحيل تعدُّد الذَّوات القديمة.
منهم من قال إنَّ الصِّفات حادثة بالنَّظر في ذاتها، قديمة بالنَّظر إلى الله تعالى، والإضافة إليه بأنَّها صفاته.
وأجاب عمر النَّسفيُّ في عقائده بأنَّ الصِّفات ليست عين الذَّات ولا غيره، فلا يلزم قدم الغير، ولا تكثر القدماء، والنَّصارى؛ وإن لم يصرِّحوا بالقدماء المتغايرة، لكن لزمهم ذلك؛ لأنَّهم أثبتوا الأقانيم الثَّلاثة الوجود، والعلم، والحياة، وسمَّوها الأب، والابن، وروح القدس، وزعموا أنَّ أقنوم العلم قد انتقل إلى بدن عيسى، فجوَّزوا الانفكاك [والانتقال] ، فكانت ذوات متغايرة. قاله التَّفتازانيُّ، والمراد بأقنوم الوجود [هو] الأب، وأقنوم النُّطق الابن، وهو الكلمة المسيحيَّة، وأقنوم الحياة هو روح القدس، وقالوا قولنا الأب، والابن، وروح القدس، كقول المسلمين الله الرَّحمن الرَّحيم. قال وذلك بطلان، تعدُّد الصِّفات لا يستلزم تعدُّد الذَّوات؛ بدليل أنَّ شخصًا واحدًا يكون أبًا وخالًا وعمًّا وابنًا وجدًّا، إلى غير ذلك من تعدُّد الصِّفات، وهو متَّحد بالذَّات. قال التَّفتازانيُّ الأوَّل جواب حميد الدِّين، ومراد من قال إنِّها واجبة لذات الله تعالى وممكنة في نفسها أنَّها ليست عينه ولا غيره، ولا استحالة في قدم [79] الممكن إذا كان قديمًا بذات القديم واجبًا له غير منفصل عنه، فليس كلُّ قديم إلهًا حتَّى يلزم من تعدُّد القدماء تعدُّد الإلهية، لكن ينبغي أن يقال إنَّ الله تعالى قديم بصفاته، ولا يطلق القول بالقدماء؛ لئلَّا يذهب الوهم إلى أنَّ كلًّا منه [80] ا قائم بذاته، موصوف بوصف الإلهيَّة، ولصُّعوبة هذا المقام ذهب المعتزلة والفلاسفة إلى نفي الصِّفات، والكَرَّاميَّة إلى نفي قدمها، والأشاعرة إلى [نفي] عينيَّتها وغيريَّتها [81] ، فإن قيل هذا النَّفي في الظَّاهر نفي للنَّقيضين، وفي الحقيقة جمع بينهما؛ لأنَّ المفهوم من الشَّيء إذا لم يكن هو المفهوم من الآخر، فهو غيره وإلَّا فعينه [82] ، ولا يتصوَّر بينهما واسطة [83] . ألا ترى أنَّ نفي الغيريَّة صريحًا إثبات للعينيَّة ضمنًا وبالعكس؟ وإثبات الغيريَّة صريحًا نفي العينيَّة ضمنًا وبالعكس؟ فالجواب أنَّهم فسَّروا الغيريَّة بكون الموجودَين، بحيث يقدَّر ويتصوَّر وجود أحدهما مع عدم الآخر، أي يمكن الانفكاك بينهما، والعينيَّة باتِّحاد المفهوم بلا تفاوت أصلًا، فلا يكونان نقيضين، بل يتصوَّر بينهما واسطة، بأن يكون الشَّيء بحيث لا يكون مفهومه مفهوم الآخر، ولا يوجد بدونه كالجزء مع الكلِّ، والصِّفة مع الذَّات.
المسألة الحادية عشرة [84] أنَّ الوجود هل هو عين الذَّات أو زائد عليه؟ والبحث في ذلك يطول جدًّا، والحاصل أنَّ منهم من قال إنَّ وجود الشَّيء في الخارج واجب كائن وهو الله تعالى، أو ممكن وهو المخلوقات عينه [85] ، (يعني) ليس زائدًا عليه. وهو المرجَّح عند السُّبكيِّ، وقال كثير من المتكلِّمين وجود الشَّيء في الخارج زائد عليه؛ لأنَّه يمكن تصوُّره من غير خطور [86] الذَّات بالبال. ومنهم من قال _ وهو قول الحكماء _ وجود الواجب عينه لئلَّا يلزم [87] التَّركيب. ومن الممكن غيره لِما ذكرنا. وحقَّق بعض الأفاضل أحسن تدقيق، وقال ليس الخلاف معنويًّا؛ لأنَّه [88] [إن كان] المراد بالغيريَّة أن يمكن تصوُّر أحدهما بدون الآخر وبالعينية أن لا يمكن [89] ، فلا شكَّ أنَّهما غيران؛ لأنَّ تصوُّر أحدهما بدون الآخر قطعًا، وإن كان المراد أنَّ الشَّيء إذا وجد فليس هناك شيء زائد يشار إليه إشارة حسيَّة [90] ، بل الذَّات والوجود موجودان (متَّحدان) معًا، مفقودان معًا، فلا شكَّ في الاتِّحاد، وأمَّا الواجب فهما متَّحدان، فتأمَّل فإنَّه لطيف.
المسألة الثَّانية عشرة [91] هل الاسم عين المسمَّى أو غيره؟ واعلم أنَّ هذه المسألة أيضًا ممَّا طال البحث عنها، وهي ممَّا لا يضرُّ جهلها وينفع معرفتها، فقال بعضهم إنَّ الاسم هو المسمَّى، وهو المنقول عن الأشعريِّ في اسم الله تعالى، بأنَّ مدلوله الذَّات من حيث هي بخلاف غيره من أسمائه تعالى كالعالم والرَّحيم مثلًا، فمدلوله الذَّات باعتبار الصِّفة. قال لأنَّه لا يفهم من اسم الله سواه، بخلاف غيره من الصِّفات، فإنَّه يفهم منها زيادة على الذَّات من علم ورحمة وغيرهما. وقال بعضهم الاسم غير المسمَّى، وإلَّا لزم أن يحترق لسان من قال نار. ويجد طعم الحلاوة من قال عسل. وليس كذلك. وقال الشَّافعيُّ الاسم المسمَّى، ولهذا يجوز الحلف، وينعقد بأسماء الله تعالى، ومن قال الاسم غير المسمَّى. فقد تزندق. واستدلَّ القائلون بالاتِّحاد أيضًا بقوله تعالى {بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى} [مريم 7] ثمَّ نادى الاسم، فقال {يَا يَحْيَى} [مريم 12] وبأنَّه لو يكن الاسم المسمَّى لكان يكفر من قال عبدت الله؛ لأنَّ الاسم غير المسمَّى على هذا، لكنَّه توحيد صحيح، وقال تعالى {إِنَّنِي أَنَا اللهُ} [طه 14] وتوقَّف بعضهم عن القول بالعينيَّة والغيريَّة. قال ثعلب [92] سئل أحمد بن يحيى عن الاسم هو المسمَّى أم غيره؟ فقال قال أبو عُبيد الاسم هو المسمَّى. وقال سيبويه الاسم غير المسمَّى. فقيل له ما قولك؟ قال ليس لي (فيه) قول. وقال الإمام في تفسيره إن كان المراد بالاسم هو اللَّفظ الذي هو أصوات المسمِّي [93] تلك الذَّات فهو غيرها، وإن كان المراد بالاسم ذات المسمَّى وبالمسمَّى [94] تلك الذَّات، فهما واحد. قال ابن الحاجب لا خلاف أنَّه يطلق الاسم على المسمَّى وهو التَّسمية، وإنَّما الخلاف هل هو في التَّسمية مجاز وفي المسمَّى حقيقة أو بالعكس، والأوَّل مذهب الأشعريِّ، والثَّاني مذهب المعتزلة؛ وهذا خلاف لفظيٌّ، (لا) يتعلَّق باعتقاد، وفي القرآن ظواهر للمذهب.
قال الزَّركشيُّ وللخلاف فائدة، وهي أنَّ المعتزلة لمَّا قالوا بخلق القرآن، ومنه أسماء الله تعالى. قالوا الاسم غير المسمَّى تعريضًا بأنَّه قديم، والأسماء محدثة، وموَّهوا على الضَّعفة بأنَّ الاسم من جنس الألفاظ، والمسمَّى ليس لفظًا، فليس لله في الأزل اسم ولا صفة، فلزمهم نفي الإلهيَّة، تعالى الله عن ذلك، ولمَّا رأى أهل الحقِّ هذه الدَّسيسة أنكروها، ونفروا عنها، ولم يقصدوا أنَّ نفس اللَّفظ هو حقيقة الذَّات؛ لأنَّه بديهيُّ الفساد، وإنَّما قصدوا دفع تمويههم، وأنَّ الاسم حيث يذكر بوصف أو خبر فإنَّما يراد [به] المسمَّى [95] ، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال، وعنده تحقيق كلِّ مقال [96] .
[1] في غير (ن) (كان أبا الحسن) .
[3] في (ن) (مفكرًا) .
[4] في (ن) (فقال له) .
[5] في غير (ن) (للجبائي) و (على الخصومة) .
[6] طبقات الشافعية الكبرى 3/ 350، 402.
[7] في (ن) (حسن) .
[8] في (ن) (وأبا الحسن) وهو لحن.
[9] طبقات الشافعية الكبرى 3/ 351.
[10] في (ن) (من صحب) .
[11] في (ن) تصحيفًا (تشييع) .
[12] في (ن) (بين الثلاثين والعشرين) .
[13] في (ن) تصحيفًا (ولزيته) .
[14] في غير (ن) (في) .
[15] طبقات الشافعية الكبرى 3/ 358.
[16] في غير (ن) (قدوتنا) .
[17] في غير (ن) (تصانيف الإمام) .
[18] في (ن) تصحيفًا (ابن) .
[19] في (ن) (مقالات) .
[20] في غير (ن) (والجواب) .
[21] في (ن) (ابن الراوند) .
[22] أخرجه البخاري، برقم (4388) ، ومسلم، برقم (191) ، وحديث أبي موسى بعده، في مسند أحمد، برقم (12872) ، وإسناده صحيح.
[23] طبقات الشافعية الكبرى 3/ 362.
[24] برقم (7418) .
[25] في (ن) تصحيفًا (قوم من بني سعال) .
[26] في (ن) تصحيفًا (الخضيري) .
[27] الخبر مع الشعر مفرَّقًا في طبقات الشافعية الكبرة 3/ 366، 378 - 384، والقصيدة عنده أوفى مما عندنا.
[28] في (ن) تصحيفًا (بوزن) .
[29] في (ن) تصحيفًا (تصحفت) .
[30] في (ن) (ثلاثة عشر) .
[31] في (ن) (الخبير بذاك) .
[32] في (ن) (يختلفان) .
[33] في غير (ن) (والرضى) .
[34] في (ن) (ما لم) .
[35] في (ن) (ومقال) .
[36] في (ن) (هذا مقالة) .
[37] في (ن) (متنزل) .
[38] في (ن) (في الاختلاف) .
[39] في (ن) (عدت مسائل) .
[40] في (ن) (ما وضح الدجى) .
[41] إحياء علوم الدين 1/ 237.
[42] في غير (ن) (أصل) .
[43] في (ن) (شكًا) .
[44] سنن الترمذي برقم (2141) ، وقال حديث حسن غريب صحيح.
[45] منهم الطبري في جامع البيان 16/ 480، والبغوي في معالم التنزيل 4/ 326.
[46] طبقات الشافعية الكبرى 3/ 384.
[47] في (ن) (قيل أحياء) .
[48] سقطت (أهل) من الصول واستدركت من الطبقات.
[49] حياة الأنبياء للبيهقي 1/ 75، ولم يجزم بصحته.
[50] النجم الوهاج 3/ 58.
[51] في غير (ن) (أو ثنتان) .
[52] طبقات الشافعية الكبرى 3/ 385، وقول النووي مع المسائل كل