1079 # قَيْسُ بنُ سَعْد بن عُبَادة _ بضمِّ المهملة، وخفَّة الموحَّدة، بعد المهملة هاء _ أبو عبد الملك، السَّاعِدِيُّ، الأنصاريُّ، الخزرجيُّ، المدنيُّ، الصَّحابيُّ ابن الصَّحابيِّ، أخو سعيد بن سعد، ويكنَّى أبا الفضل [أيضًا] ، وأبا عبد الله، وأمُّه فُكيهة بنت عُبيد بن دُليم.
كان من فضلاء الصَّحابة، وأحد دهاة العرب وكرمائهم، وكان من ذوي الرَّأي الصَّائب، والمكيدة في الحرب، مع النَّجدة والشَّجاعة، وكان شريف قومه من غير مدافع، ومن بيت سيادتهم.
روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ستَّة عشر حديثًا، قال ابن حجر [1] للبخاريِّ منها حديثان.
وكان قيس من رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنزلة صاحب الشَّرطة من الأمير.
عن قيس أنَّ أباه دفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخدمه، قال فمرَّ بي النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وقد صلَّيت، قال فضربني برجله، وقال «ألا أدلُّك على باب من أبواب الجنَّة» ؟ قلت بلى. قال «لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله» .
قال ابن شهاب كان قيس يحمل راية الأنصار مع رسول الله.
قيل إنَّه كان في سريَّة فيها أبو بكر وعمر، وهي سريَّة العنبر، فكان يستدين ويطعم النَّاس، فقال أبو بكر، [وعمر] إن تركنا هذا الفتى أهلك مال أبيه. فمشيا [2] في النَّاس، فلمَّا سمع سعد قام خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال من يعذرني من ابن أبي قحافة وابن الخطَّاب يبخلان على ابني؟ وقصَّته أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة في سريَّة فيها المهاجرون والأنصار إلى ساحل البحر، وهم ثلاثمئة، إلى حيٍّ من جُهينة، فأصابهم جوع شديد، فقال قيس من يشتري تمرًا بِجُزُرٍ؟ يوفيني الجُزُرَ هاهنا، وأوفيه [3] التَّمر بالمدينة. فقال عمر واعجبًا لهذا الغلام! لا مال له، يديِّن، في مال غيره. فقال رجل من جهينة من أنت؟ قال قيس بن سعد بن عبادة. قال ما أعرفني بنسبك [4] ! فابتاع منه أحد عشر جزورًا، كلَّ جَزُورٍ بوَسْقٍ، شرط [5] البدويُّ عليه من تمر آل دليم، وأشهد عليه نفرًا، فقال عمر أنا ما أشهد، هذا يديِّن، ولا مال له، إنَّما المال لأبيه. قال الجهنيُّ والله ما كان سعد ليبخل على ابنه، وأرى وجهًا حسنًا، وفعالًا شريفة. وكان بين عمر وقيس كلام حتَّى أغلظ لقيس، فأخذ الجُزُرَ، ونحر لهم في مواطن ثلاث، كلَّ مرَّة ثلاثًا، فلمَّا كان اليوم الرَّابع أقبل أبو عبيدة ومعه عمر، فقال (أبو عبيدة) عزمت عليك أن لا تنحر، أتريد أن تخفر ذمَّتك؟ قال قيس يا أبا عبيدة، أترى سعدًا يقضي ديون النَّاس، ويحمل الكَلَّ، ويطعم في المجاعة، ولا يقضي من تمره [6] لقوم مجاهدين؟ فكاد أبو عبيدة يلين له، فقال عمر أعزم عليه [7] . فعزم، وأبى أن ينحر، وبقي جزوران، فقدم بهما [قيس إلى] المدينة يتعاقبون عليها، وبلغ سعدًا جوعُ القوم، فقال إن يكن قيس كما أعرف فنحر للقوم. فلمَّا قدم لقيه سعد، فقال ما صنعت في المجاعة؟ قال نحرت. قال أصبت. قال ثمَّ ماذا؟ قال [نحرت. قال أصبت. قال ثمَّ ماذا؟ قال نحرت. قال أصبت. قال ثمَ ماذا؟ قال] نهيت. قال من نهاك؟ قال أميري، وقلت له أبي يقضي عن الأباعد، فلا يتركني. قال لك أربع حوائط [8] أقلُّها يجدُّ خمسين وسقًا. وقدم البدويُّ، فأوفاه وكساه وحمله، فبلغ ذلك النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال «إنَّ الجود لمن شيمة ذلك البيت» .
قال ابن شهاب وكانوا يعدُّون دهاة العرب حين ثارت الفتنة خمسة، يقال لهم ذووا رأي العرب ومكيدتهم. معاوية، وعمرو بن العاص، وقيس بن سعد، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن بُديل بن وَرْقاء، وكان قيس وابن بُديل مع عليٍّ، وكان المغيرة معتزلًا في الطَّائف، وكان عمرو مع معاوية، وقال قيس لولا أنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «المكر والخديعة في النَّار» . لكنت من أمكر هذه الأمَّة.
وأمَّا جوده وسخاؤه فله فيه أخبار كثيرة، ثمَّ إنَّه صحب عليًّا لمَّا بويع بالخلافة، وشهد معه حروبه، واستعمله على مصر، فكايده معاوية، فلم يظفر منه بشيء، وكايد عليًّا وأظهر أنَّ قيسًا قد صار معه يطلب بدم عثمان، فلم يزل فيه محمَّد بن أبي بكر وغيره حتَّى عزله، واستعمل بعده الأشتر، فمات في الطَّريق، واستعمل محمَّد بن أبي بكر، فأُخذت مصر منه، وقتل، ولمَّا عزل قيس أتى المدينة، فأخافه مروان بن الحكم، فسار إلى عليٍّ بالكوفة، ولم يزل معه حتَّى قتل، فصار مع الحسن، وسار في مقدِّمته [9] إلى معاوية، ودخل قيس في بيعة معاوية، وعاد إلى المدينة، وهو القائل يوم صفِّين _ من البسيط _
~هذا اللِّواء الذي كنَّا نَحُفُّ به مع النَّبيِّ وجبريلُ لنا مَدَدُ
~ما ضَرَّ من كانت الأنصارُ عَيْبَتَه أن لا يكون له من غيرهم أَحَدُ
~قوم إذا حاربوا طالت أكفُّهُمُ بالمَشْرَفِيَّةِ حتَّى تفتحَ البلدُ [10]
قال ابن أبي نَجيح، عن أبيه، عن سعد بن قيس روايةً لو كان العلم متعلِّقًا بالثُّريَّا لناله ناس من بني فارس. وكان قيس كوسجًا، ليس في وجهه شعر، فكانت الأنصار تقول وددنا أن نشتري لقيس لحية بأموالنا. وكان مع ذلك جميلًا.
قال حجَّة الإسلام الغزاليُّ كان قيس كريمًا ذا مال، فمرض، فما عاده أحد، فقال ما لي لا أرى [لي] عُوَّادًا؟ فقيل له ليس بالمدينة أحد إلَّا ولك عليه دين، فهم يستحيون منك لذلك. فقال لا بارك الله في مال يمنع النَّاس من عيادتي، اشهدوا أنِّي قد أبرأت ذمَّتهم. فسمع النَّاس ذلك، فتوارد العُوَّاد عليه، حتَّى كسروا عتبة [باب] داره.
قال الطَّبريُّ أتت امرأة قيسًا، وقالت مشت جِرذان بيتي على العصا. فقال والله لأدعنَّها [11] تثب وثبة الأسود [12] . ثمَّ ملأ بيتها طعامًا ووَدَكًا وإدامًا [13] .
[وكان قيس إذا انصرف من صلاة المكتوبة قال اللهم ارزقني مالًا أستعين به على أفعال الخير، فإنَّه لا يصلح الفعال إلَّا بالمال. وكان أبوه يقول اللهم هب لي حمدًا ومجدًا، لا مجد إلَّا بفعال، ولا فعال إلَّا بمال، اللهم لا يصلح لي القليل، ولا أصلح له] .
قال الكلاباذيُّ [14] روى عنه عبد الرَّحمن بن أبي ليلى. وخارج الصَّحيح أبو عمَّار عَريب بن حُميد [15] الهمدانيُّ، والشَّعبيُّ، وعمرو بن شرحبيل، وغيرهم.
قال الهيثم توفِّي بالمدينة، في آخر خلافة معاوية، وكان آخر خلافة معاوية رجب، سنة ستِّين.
[1] مقدمة الفتح ص 476.
[2] في (ن) (فمشينا) .
[3] في (ن) (وأدفعه) .
[4] في (ن) تصحيفًا (ما أعرفتني نفسك) .
[5] في غير (ن) (فشرط) .
[6] في (ن) (من غيره) وفيها (فكان) بدل (فكاد) .
[7] في غير (ن) (عليك) .
[8] في (ن) تصحيفًا (ضوابط) .
[9] في (ن) (وصار في مقدمه) .
[10] الخبر مع الأبيات في أسد الغابة 4/ 404، جاء في (ن) تصحيفًا (أكفوهم) بدل (أكفهم) .
[11] في (ن) (لأدعها) .
[12] في غير (ن) (الأسد) .
[13] في (ن) (وأدما) .
[14] الهداية والإرشاد 2/ 613.
[15] في الأصول (غريب بن جميل) وهو تصحيف، وفي غير (ن) كنيته (أبو عامر) وهو تصحيف أيضًا، روى له النسائي وابن ماجه، وهو ثقة.