فهرس الكتاب

الصفحة 1797 من 2285

-الجُمَحِيُّ _ بضمِّ الجيم، وفتح الميم، ثمَّ مهملة _ منسوب إلى قبيلة بني جُمَحَ، والمنسوب إليه أَوْسُ، أو سلمة، وعبد الرَّحمن.

تنبيه ذكر [محمَّد] بن السَّمعانيِّ [1] أنَّ محمَّد بن سلام الجُمَحِيَّ لمَّا قدم بغداد، سنة ثنتين وعشرين ومئتين اعتلَّ علَّة شديدة، فما تخلَّف عنه أحد، وأتاه أجلَّة الأطباء، وكان ابن ماسويه ممَّن أتاه، فما جَسَّه [2] ، ولكن نظر إليه، قال ما أرى من العلَّة كما أرى من الجزع. فقال والله ما ذلك بحرص على الدُّنيا بعد اثنتين [3] وثمانين سنة، ولكنَّ الإنسان على غفلة حتَّى يوقظ [بعلَّة] ، ولو وقفت بعرفات وقفة، وزرت قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم زورة، وقضيت أشياء في نفسي لرأيت ما اشتدَّ عليَّ من هذا قد سهل. فقال له ابن ماسويه لا تجزع، فقد رأيت في عروقك من الحرارة الغريزية والقوَّة، ما إن سلَّمك الله من العوارض بلَّغك عشر سنين بعد ذلك. وكان كذلك، فإنَّه عوفي من ذلك الوجع، وعاش عشر سنين أخرى [4] ، وتوفِّي سنة اثنتين وثلاثين ومئتين.

تتمَّة

قول الجمحيِّ الإنسان [5] على غفلة حتَّى يوقظ بعلَّة. حَقيق، فإنَّه لا يُعرف الصِّحَّةُ وفضلُها وأمرُ الآخرة إلَّا بالمرض، كما لا يعرف فضيلة الفرج إلَّا بالهمِّ، قال الفضل بن سهل وزير المأمون لمَّا مرض بخراسان، وأشفى على التَّلف، فحضره النَّاس، ودعَوا له، فعوفي، فدخل عليه أولو الفضل وهنَّوه، فأقبل عليهم، وقال إَّن في العلل لنعمًا لا ينبغي للعقلاء أن يجهلوها تمحيص الذُّنوب، والتَّعرض لثواب الصَّبر [6] ، والإيقاظ من الغفلة، والإذكار بالنِّعمة في حال الصِّحَّة، واستدعاء التَّوبة، والحضَّ على الصَّدقة.

تكملة

كان الفضل بن سهل من أعلم النَّاس بالنُّجوم، وله في ذلك الأمور العجيبة، من ذلك أنَّه كتب كتابًا مضمونه [هذا] بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، هذا ما قضى الفضل بن سهل على نفسه أنَّه يعيش ثمانيًا وأربعين سنة، ثمَّ يقتل بين ماء ونار. فعاش هذه المدَّة، وقتل في حمَّام، بسرخس، وذلك أنَّه ثقل أمره على المأمون جدًّا، فدسَّ عليه خاله غالبًا، فدخل (عليه) الحمَّام، ومعه جماعة، فقتلوه.

ومن أحكامه التَّنجيميَّة ما وقع للمأمون، قال المأمون كان لي بخراسان يوم عجيب، فأولى الله تعالى بإحسانه جميلًا. وذلك لمَّا توجَّه طاهر بن الحسين من قبل المأمون في جند ضعيف إلى عليِّ بن عيسى بن ماهان من قبل الأمين [7] ، ومعه عسكر عظيم، فوقع في نفوس عسكري جميعًا أنَّ طاهرًا هالك، قال ولحق جندي المتأخِّر عندي [8] ضائقة شديدة، ونفذ ما كان معي، وكان الفضل بن سهل عقد اللِّواء لطاهر، وقال لقد عقدت لك لواء لا يُحَلُّ خمسًا وستِّين سنة. وكان كذلك، قال المأمون وأفضى حالي إلى الهرب، ولكن لا أدري أين أهرب، وبقيت حائرًا متفكِّرًا، ولا أملك غير ستَّة عشر غلامًا، فبينما أنا نازل من درج داري وأبوابها حديد، وإذا بالجند والأمراء قد أشرفوا عليَّ، وطلبوا أرزاقهم وجوامكهم، وكلُّهم يشتموني، ويتكلَّمون بكلام [9] قبيح، وكان الفضل بن سهل بين يديَّ، فأمر بإغلاق الأبواب، وقال لي قم واصعد إلى المجلس الذي يشرف فيه إلى الطُّرقات؛ خوفًا من سرعة أخذهم إيَّاي، فقلت ويحك! ماذا ينفع الصُّعود؟! والقوم يدخلون السَّاعة ويأخذوني، فموضعي هذا أصلح. فقال يا سيِّدي، اصعد، فوالله ما تنزل إلَّا خليفة. فجعلت أهزأ منه، وأحسب أنَّه يقول ذلك ليشجِّعني، فطلبت الهرب من بعض الأبواب، فلم أجد سبيلًا؛ لإحاطة الجند بكلِّها، فألحَّ عليَّ بالصُّعود، فصعدت وأنا وَجِل، وأرى العسكر [10] ، فلمَّا علموا بصعودي اشتدَّ تكالبهم، وشتموني وضجُّوا، ونادوا بكلِّ وعيد، فغلَّظت على الفضل، وقلت أنت جاهل، عزَّرتني، [ولم تدعني] أعمل برأي، وليس العجب منك، ولكنَّ العجب ممن قبل منك [11] . وهو مع ذلك مصمِّم، يحلف أنِّي لا أنزل إلَّا وأنا خليفة، فزاد غيظي وعجبي من حمقه، ومواصلة الأيمان الصَّعبة، مع مشاهدة الحالة الشَّنيعة البشعة، والذي أقاسي منه أشدُّ عليَّ ممَّا أقاسي من الجند، ثمَّ أشعلوا النَّار في الشَّوك، وأدنوها من الدَّار، ونقبوا سورها في مواضع، فذهبت أرمي نفسي جزعًا، وعلمت أنَّ النَّار تحرقني قبل أن يقتلوني، ومع هذا هممت أن ألقي نفسي إليهم، وظننت أنَّهم إن رأوني استحيوا منِّي وأقصروا، وجعل الفضل يقبِّل يدي ورجلي، ويناشدني الله لا أفعل، فإنِّي لا أنزل إلَّا وأنا خليفة، وفي يده اصْطُرْلاب ينظر فيه الوقت بعد الوقت، فلمَّا اشتدَّ الأمر واستحكم، قال لي يا سيِّدي، والله قد أتاك الفرج، أرى شيئًا في الصَّحراء قد أقبل، ومعه الفرج. فازددت غيظًا، وأمرت غلماني أن يتأمَّلوا في الصَّحراء، فقالوا لم نجد شيئًا. وجدَّ القوم في الحريق والهدم حتَّى هممت أن أرمي إليهم بالفضل، فقال الغلمان مهلًا، فإنَّا نجد شبحًا في الصَّحراء. وجعل يقرب، وإذا رجل على بغل، وقرب من العسكر، فقويت قلوبنا، ولمَّا رأوا الجند ذلك توقَّفوا عمَّا هم فيه، فلمَّا وصل وإذا به يقول هذا رأس عليِّ بن عيسى بن ماهان معي في المخلاة. فلمَّا تحقَّقوا ذلك سكتوا، وأقبلوا في الدُّعاء والسُّرور بالظَّفر والفتح، فقال الفضل يا سيِّدي، أتأذن في إدخال بعض الأمراء؟ فأذنت له، فشرط عليهم ألَّا يدخل إلَّا من يريد، فأجابوا، فسمَّى أمراء، فدخلوا، فأوَّل من دخل عليُّ بن عبد الله الخُزاعيُّ، فقبَّل يدي، وسلم عليَّ بالخلافة، وفعل الباقون مثله، وأطفأ الله النَّار [12] ، ووهب السَّلامة، وجاءتني الخلافة، وظفرت من أموال عليِّ بن عيسى ما أصلحت به حال الجند.

قلت إيَّاك وإيَّاك أن تظنَّ أنَّ هذا [13] وأمثاله يعلم الغيب، بل هذا من الأمور التي تؤخذ بالقرائن، كما إذا رأينا غيمًا طريًّا جزمنا بالغيث، ورأينا خضرة حكمنا بالماء، إلى غير ذلك، ولله عزَّ وجلَّ علامات خفيَّة لأشياء غابت عنَّا، يظهر بعض عباده على تلك العلامات، فيتكلَّم بتلك الأشياء اعتمادًا على العلامة، كالقائف وغير ذلك، على أن قد يحصل المقصود بغتة مصادفة لقضاء الله تعالى وقدره، كما حكى ابن خلِّكان في تاريخه [14] في ترجمة عماد الدَّولة عليٍّ من عجيب ما وقع له، وكان سببًا لثبات ملكه أنَّه لمَّا ملك شيراز في أوَّل ملكه اجتمع أصحابه وجنده، وطالبوه بالأموال والإنفاق عليهم، فلم يكن معه ما يرضيهم، وأشرف أمره على الانحلال، فاغتمَّ لذلك، فبينا هو مفتكر، وقد استلقى على ظهره في مجلس قد خلا فيه للتَّدبير، إذ رأى حيَّة قد خرجت، ودخلت في سقف ذلك المجلس، ثمَّ خرجت ودخلت في موضع آخر، فخاف أن تسقط عليه، فدعا الفرَّاشين، وأمرهم بإحضار سلَّم وإخراج الحيَّة، فصعدوا وفتَّشوا عن الحيَّة، فوجدوا السَّقف يفضي إلى غرفة بين سقفين، فأعلموه بذلك، فأمرهم بفتحها، فوجدوا فيها عشرة صناديق من المال والمصاغات، قدر خمسمئة ألف دينار، فحمل إليه، فسرَّ بذلك، وأنفق على عسكره، وتيسَّر أمره وانصلح بعد أن آل إلى الانخرام، ثمَّ إنَّه قطع ثيابًا لنفسه، وسأل عن خيَّاط حاذق، فوصف له خيَّاط كان لصاحب البلد قبله، فأمر بإحضاره، وكان الخيَّاط أصمَّ، فوقع في نفسه أنَّه سعى به ليأخذ منه ودائع صاحب البلد، فلمَّا خاطبه حلف له أنَّه ليس عنده إلَّا اثنا عشر صندوقًا، لا يدري ما فيها، فتعجَّب [15] عماد الدَّولة من جوابه، وكتم مراده، وبعث معه من يحملها، فوجد فيها أموالًا جزيلة، وثيابًا فاخرة. انتهى كلام ابن خلِّكان، وبالجملة يجيء في الصِّدق ما لا يأتي في الرَّصَد، فيجب الإيمان بأن لا يعلم الغيب إلَّا الله سبحانه وتعالى.

[1] الأنساب 3/ 327.

[2] في (ن) تصحيفًا (فأجلسه) .

[3] في (ن) (بعد اثنين) .

[4] في غير (ن) (وعاش عشر سنين بعد ذلك) .

[5] في (ن) (الناس) .

[6] في غير (ن) (لثواب الآخرة) .

[7] في غير (ن) (من قبل الأمير) .

[8] في غير (ن) (عن) .

[9] في غير (ن) (بكل قبيح) .

[10] في غير (ن) (ورأى) .

[11] في غير (ن) (ممن يقبل) .

[12] في غير (ن) (الثائرة) .

[13] في غير (ن) (بهذا) .

[14] وفيات الأعيان 3/ 400.

[15] في غير (ن) (فعجب) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت