فهرس الكتاب

الصفحة 642 من 2285

588 # ظَالِمُ بنُ عَمْرو بن سفيان، أبو الأسود الدِّيْلِيُّ، بكسر المهملة، وسكون التَّحتيَّة المثنَّاة، وقال الكرمانيُّ [1] بضمِّ المهملة، بعدها همزة مفتوحة، نسبة إلى الدُّئل [2] ، بضمِّ الدَّال، وكسر الهمزة. دابَّة أكبر من ابن عِرْسٍ، وأصغر من الثَّعلب، وفتح الهمزة من تغييرات النَّسب؛ للخِفَّة، وفي اسمه ونسبه اختلافات كثيرة، فيقال فيه عمرو بن ظالم أيضًا. ويقال بالتَّصغير فيهما. ويقال عمرو بن عثمان، وعثمان بن عمرو، وسارق بن ظالم، [وظالم] بن سارق، قاله الكلاباذيُّ [3] ، إلى غير ذلك.

من سادات التَّابعين، معدود في البصريِّين، ثقة، فاضل، مخضرم.

حدَّث عن عمر بن الخطَّاب، وأبي ذرٍّ.

روى عنه يحيى بنُ يَعْمَرَ، وعبد الله بن بُريدة.

نقل عنه البخاريُّ بالواسطة، في الجنائز [خ¦1368] ، وذكر بني إسرائيل [4] .

صحب عليَّ بن أبي طالب، وشهد وقعة صِفِّين، وكان من أكمل الرِّجال رأيًا، وأَسَدِّهم عقلًا، وهو أوَّل من وضع النَّحو، وقد استوفينا بحثه في ترجمة شيبان النَّحويِّ، فراجعه.

قيل إنَّ عليَّ بن أبي طالب وضع له النَّحو، فقال الكلام كلُّه ثلاثة أضرب اسم، وفعل، وحرف. ثمَّ دفعه إليه، وقال له تمِّم على هذا. وقال أبو عمرو بن العلاء كتب معاوية إلى زياد يطلب عبيد الله، فلمَّا قدم كلَّمه، فوجده يلحن، فردَّه إلى أبيه، وكتب إليه كتابًا يلومه، فبعث أبوه إلى أبي الأسود، فقال يا أبا الأسود، [إنَّ] هذه الحميراء قد كثرت، وأفسدت من ألسن العرب،

ج 1 ص 2

فلو وضعت شيئًا يصلح به كلامهم، ويعرفون به كتاب الله. فأبى أبو الأسود، فوجَّه زياد رجلًا، فقعد في طريق أبي الأسود، وقرأ متعمِّدًا {أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} [التوبة 3] بجرِّ رسوله، ورفعَ صوتَه، فاستعظم ذلك أبو الأسود، وقال عزَّ وجهُ اللَّهِ أن يبرأ من رسوله. ثمَّ رجع من فوره إلى زياد، فقال قد أجبتك إلى ما سألت، ورأيت أن نبدأ بإعراب القرآن، فابعث إليَّ ثلاثين رجلًا. فأحضرهم زياد، فاختار منهم أبو الأسود عشرة، ثمَّ لم يزل يختار منهم؛ حتَّى اختار رجلًا من عبد القيس، فقال خذ المصحف وصِبْغًا يخالف لون المداد، فإذا فتحت شفتي فانقط واحدة فوق الحرف، وإن ضممتها فإلى جانب الحرف، وإذا كسرتها ففي أسفله، فإن أتبعت شيئًا من هذه الحروف غنَّة فانقطه نقطتين. فابتدأ بالمصحف حتَّى أتى على آخره، ثمَّ وضع المختصر المنسوب إليه.

وقيل [إنَّ] أوَّل من نقَّط المصاحف [5] يحيى بن يَعْمَر. وقيل نصر بن عاصم اللَّيثيُّ. وهكذا كان الأمر إلى زمن الحجَّاج بن يوسف، فأثبت في المصحف اسم [6] السُّور والأعشار، فهذا من ابتداعه.

قال أبو أحمد العسكريُّ في آخر كتاب التَّصحيف [7] كان النَّاس يقرؤون في مصحف عثمان بن عفَّان نيِّفًا وأربعين سنة، إلى أيَّام عبد الملك بن مروان (بن الحكم) ، ثمَّ كثر التَّصحيف، وانتشر بالعراق، ففزع الحجَّاج بن يوسف إلى كُتَّابِه، وسألهم أن يضعوا لهذه [الحروف] المشبهة [8] علامات، فيقال إن نصر بن عاصم قام بذلك، فوضع النُّقط أفرادًا وأزواجًا، وخالف بين أماكنها، فبقي النَّاس زمانًا لا يكتبون إلَّا منقوطًا، فكان مع استعمالهم النُّقط أيضًا يقع التَّصحيف، وأحدثوا الإعجام [9] ، وكانوا يُتبعون النُّقط الإعجام، فإذا أُغفل الاستقصاء عن الكلمة، فلم يوف حقوقها اعترى التَّصحيف؛ فالتمسوا حيلة، فلم يقدروا فيها إلَّا على الأخذ من أفواه الرِّجال بالتَّلقين.

قيل إنَّ أبا الأسود قالت له بنته يومًا ما أحسنُ السَّماء؟ فقال لها نجومُها. فقالت إنِّي ما أردت هذا، وإنَّما تعجَّبت من حسنها. فقال لها إذن فقولي ما أحسنَ السَّماءَ! فحينئذ وضع النَّحو، وقال ولده أبو حرب أوَّل باب رسمه أبي باب التَّعجُّب.

قال ابنُ خلِّكان [10] كان أبو الأسود ينزل البصرة، في بني قُشَيْر، وكانوا يرجمونه باللَّيل لمحبَّته عليًّا وأهل بيته، فإذا ذكر رجمهم له قالوا إنَّ الله يرجمك. فيقول لهم كذبتم، لو رجمني الله لأصابني، ولكنَّكم ترجمون، ولا تصيبوني [11] . وباع داره، فقيل له بعت دارك؟ قال بل بعت

ج 1 ص 2

جاري. فأرسلها مثلًا بين النَّاس، وهذا بالعكس ممَّا جرى لأبي جَهْمٍ العَدَوِيِّ، فإنَّه باع داره بمئة ألف، ثمَّ قال فبكم تشترون جوار [12] سعيد بن العاص؟ قالوا وهل يُشترى جوار قطُّ؟ قال ردُّوا عليَّ داري، خذوا مالكم، لا أدع جوار رجل إن فُقدت [13] سأل عنِّي، وإن رآني رحَّب بي، وإن غبت عنه حفظني، وإن شهدت قرَّبني، وإن سألته قضى حاجتي، وإن لم أسأله بدأني، وإن نابتْني جائحة فرَّج عنِّي. فبلغ ذلك سعيدًا، فبعث إليه بمئة ألف درهم، انتهى.

ورأى المنذر بن الجارود على أبي الأسود مقطَّعة يطيل لبسها، فقال له في ذلك، فقال ربَّ مملول لا يستطاع فراقه. فصارت مثلًا، فأهدى له المنذر ثيابًا، فقال أبو الأسود _ من البحر الطَّويل _

~كَسَاني ولم أَسْتَكْسُهُ فَحَمِدْتُه أَخٌ لك يُعطيكَ الجَزيلَ وناصِرُ

~وإنَّ أحقَّ النَّاسِ إن كنتَ شاكرًا بشكرِك مَنْ يُعطيك والعِرْضُ وافِرُ

وقيل وقعت هذه القصَّة له مع عبيد الله بن زياد [14] . وحكى أبو غفر الدؤلي [قال وكنت عند عبد الملك بن مروان إذ دخل عليه أبو الأسود الدُّؤَلي] وكان أحول، دميمًا، قبيح المنظر، فقال له عبد الملك يمازحه يا أبا الأسود، لو علَّقت عليك عَوْذةً تدفع عنك العين. فقال إنَّ لك جوابًا يا أمير المؤمنين، فأنشد _ من البحر البسيط_

~أَفْنَى الشَّبابَ الذي أفنيتُ جِدَّتَهُ كرُّ الجَديدين من آتٍ ومُنْطَلِق

~لم يَتْرُكَا ليَ في طُولِ اخْتلافِهما شيئًا أخاف عليه لَذعَةَ الحدَقِ

أما والله لئن أبلتني السُّنون، وأسرعت إليَّ المنون لما أَبْلَتْ ذلك إلَّا في موضعه، ولرَّب يوم كنت فيه إلى الآنسات البيض أشهى منك إليهنَّ، وإنِّي اليوم كما [15] قال امرؤ القيس _ من البحر الطَّويل _

~أراهُنَّ لا يُحْبِبْنَ مَنْ قَلَّ مالُه ولا مَنْ رَأَيْنَ الشَّيْبَ فيه وَقَوَّسَا

ولقد كنت كما قال أيضًا

~يَرُعْنَ إلى صوتي إذا ما سَمِعْنَهُ كما يَرْعَوِيْ عِيْطٌ إلى صوتِ أَعْيَسَا [16]

فقال عبد الملك قاتلك [17] الله من شيخ، ما أعظم همتك! وكان لأبي الأسود من معاوية مقامٌ حسن، فوعده وعدًا، وأبطأ عليه، فقال _ من البحر الرَّمل_

~لا يَكُنْ بَرْقُكَ بَرْقًَا خُلَّبَا إنَّ خَيْرَ البَرْقِ ما الغيثُ مَعَهْ

~لا تُهِنِّي بعدَ إكرامِك لي فَشَدِيْدٌ عادةٌ [18] مُنْتَزَعَهْ

والخُلَّبُ _ بضمَّ المعجمة، وشدَّة اللام، آخره موحَّدة _ برق لا غيث فيه، كأنَّه خادع، ومنه قيل للذي يَعِدُ ولا يُنْجِزُ إنَّما أنتَ كَبَرْقٍ خُلَّبٍ.

وله أيضًا _ من البحر الوافر _ يخاطب ولده لمَّا لزم بيته، وترك طلب المعيشة [19]

~وما طَلَبُ المعيشةِ بالتَّمَنِّي ولكنْ أَلْقِ دَلْوَكَ في الدِّلاَءِ

~تَجِيُء بِمِلْئِها طَوْرًَا وطَوْرًَا تَجِيءُ بِحَمْأَةٍ وقَليلِ ماءِ

ومن شعره أيضًا، من البحر الكامل

~صَبَغَتْ أُمَيَّةُ بالدِّماءِ أَكُفَّنَا وَطَوَتْ أُمَيَّةُ دُونَنَا دُنْيَاهَا

ويحكى أنَّه أصابه الفالج، فكان يخرج إلى السُّوق يجرُّ رجله، وكان موسرًا ذا عبيد وإماء،

ج 1 ص 2

فقيل له قد أغناك الله تعالى عن السَّعي في حاجتك، فلو جلست في بيتك. فقال لا، ولكنِّي أخرج وأدخل، فيقول الخادم قد جاء. ويقول الصَّبيُّ قد جاء. ولو جلست في البيت لبالت علي الشَّاة، ولم يمنعها أحد عنِّي.

وحكى الطَّبريُّ [20] أنَّ أبا الأسود كان قد كبر وأسنَّ، وكان ركب إلى المسجد والأسواق، ويزور أصدقاءه، فقيل له قد كبرت، فلو لزمت بيتك كان أودع. فقال الرُّكوب يشدُّ أعضائي، وأسمع أخبار النَّاس، وأتنسَّم الرِّيح، وألقى إخواني، ولو جلست في البيت لاغتمَّ أهلي، وأنس بي الصَّبيُّ، وكلَّمني من يخاف كلامي، واجترأ عليَّ الخادم؛ لإلفهم لي، وجلوسهم عندي؛ حتَّى لعلَّ العنز تبول [21] عليَّ، فلا يقال لها هس.

وحكى خليفة بن خيَّاط أنَّ عبد الله بن عبَّاس كان عاملًا لعليٍّ على البصرة، فلمَّا شخص إلى الحجاز استخلف أبا الأسود عليها، فلم يزل كذلك؛ حتَّى قُتل عليٌّ.

توفِّي أبو الأسود سنة تسع وستِّين في طاعون الجَارِف، عن خمس وثمانين سنة، وقيل قبل الطَّاعون بعلَّة الفالج. وقيل توفِّي في خلافة عمر بن عبد العزيز. وسيأتي _ إن شاء الله تعالى _ أنَّ عمر توفِّي في رجب، بدَيْرِ سَمْعَانَ، سنة إحدى ومئة، وتولَّى الخلافة في صفر سنة تسع وتسعين، رضي الله عنه.

قال ابن الأثير [22] أبو الأسود كِنَانيٌّ، وذكره ابن شاهين في الصَّحابة، فروى بإسناده عن أبي الأسود قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة، فأتاه نفر من أهل نجد، فقالوا يا رسول الله، كيف الحجُّ؟ فأمر رجلًا فنادى «الحجُّ يوم عرفة، فمن جاء قبل صلاة الصُّبح ليلة جمع فقد تمَّ حجُّه» . هكذا أورده، وهو خطأ، فإنَّه رواه شُعبة عن بُكير عن عبد الرَّحمن بن يَعْمَر الدِّيليِّ، ورواه غير واحد عن سفيان كذلك، وهو الصَّواب، ولا مدخل لأبي الأسود فيه، فاشتبه [23] عليه [بسبب] النِّسبة.

وروى عبد الرَّزَّاق، عن ابن جُريج، عن عبد الله بن عثمان بن خُثيم [24] ، أنَّ محمَّد بن خلف أخبره، أنَّ أبا الأسود أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو يبايع النَّاس يوم الفتح. وهذا أيضًا خطأ، فإنَّه روى أبو عاصم عن ابن جُريج، عن ابن خثيم، عن محمَّد بن الأسود (بن خَلَف أنَّ أباه الأسود [25] أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم. قال وليس لأبي الأسود) الدِّيليِّ صحبة؛ إنَّما هو تابعيٌّ مشهور، من أصحاب عليٍّ، استعمله على البصرة، وله شعر حسن، وجواب حاضر، وكلامه كثير الحكم والأمثال. انتهى كلام ابن الأثير [26] .

[1] شرح البخاري 7/ 143.

[2] ما جاء على وزن (فُعِل) قليل جدًا منها هذا، وإلى هذا نسب أبو الأسود، اللسان (دأل) .

[3] الهداية والإرشاد 1/ 380.

[4] برقم (3508) في المناقب.

[5] في غير (ن) (المصحف) .

[6] في غير (ن) (أسماء) .

[7] قول أبي أحمد العسكري في أول كتابه شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف من المطبوع ص 14، وما بين حاصرتين منه.

[8] في (ن) (المشبهة) .

[9] في (ن) (للإعجام) .

[10] وفيات الأعيان لابن خلكان 2/ 535، والخبر مع الشعر فيه، الأول والثاني.

[11] في غير (ن) (ولا تصيبون) .

[12] في (ن) تصحيفًا (دار) .

[13] في (ن) تصحيفًا (قعدت) و (بدأ بي) بدل (بدأني) .

[14] كذا في الأصول، وفي وفيات الأعيان (عبيد الله بن أبي بكرة) وكذا في تاريخ دمشق 38/ 139، وهو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أحد السمحاء، وما بين معقوفين من الوفيات.

[15] في غير (ن) (لكما) .

[16] في (ن) تصحيفًا (أعيا) ، جاء في هامش (ه) ما نصه العِيط بكسر المهملة، آخرها أيضًا مهملة جمع عائط، وهي الناقة التي لم تحبل سنين، وأُنزي عليها ولم تحمل. قلت وفي اللسان فريد بيان، والبيت فيه.

[17] في (ن) (قاتل) .

[18] في (ن) تصحيفًا (عارة) .

[19] وفيات الأعيان 2/ 538 والشعر فيه، وكذا ما بعده، وما قبله.

[20] حكاية الطبري في الأغاني 12/ 301، ولكنها ليست عن الطبري، وبقية الأخبار في وفيات الأعيان 2/ 538.

[21] في (ن) تصحيفًا (تقل العبرة يقول) .

[22] أسد الغابة 3/ 101.

[23] في غير (ن) (فاشتبهت) .

[24] في (ن) تصحيفًا (خيثم) .

[25] تتمة ذلك في أسد الغابة 3/ 100 فسقط على الراوي الهاء في الكتابة من (أباه) فجعله أبا الأسود.

[26] أسد الغابة 3/ 101.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت