1372 # النَّضْرُ بنُ شُمَيْل _ بضمِّ المعجمة، وفتح الميم _ بن خَرَشة [1] _ بالفتحات في المعجمتين، بينهما الرَّاء _ أبو الحسن، المازنيُّ، البصريُّ، النَّحْويُّ، نزيل مَرْو، وكان يسكن قرية بمَرْوِ الرُّوذ، وكان له ابن يسمَّى حَسَنًا.
ثقة، ثبت، من كبار طبقته.
سمع ابن عَون، وهشام بن عروة، وهشام بن حسَّان، وشعبة، وإسرائيل.
روى عنه إسحاق بن راهويه، وإسحاق بن منصور، ومحمَّد بن مقاتل، ومحمود بن غيلان، وأحمد بن أبي رجاء.
نقل عنه البخاريُّ بالواسطة في مواضع، أوَّلها في باب حمل العَنَزَة من كتاب الوضوء [خ¦152] ، ثمَّ في الحجِّ [خ¦1688] ، والنِّكاح [خ¦5229] ، والأيمان والنُّذور [خ¦6675] ، والقدر [خ¦6619] ، وتفسير سورة المائدة [خ¦4614] ، والرِّقاق [خ¦6443] ، واللٌّقطة [خ¦2439] .
قال النَّضر خرج بي أبي من مرو الرُّوذ إلى البصرة، سنة ثمان وعشرين ومئة، وأنا ابن خمس، أو ستِّ سنين، وحين كانت الفتنة.
قال ابن خلِّكان [2] كان عالمًا بفنون من العلم، ثقة، صدوقًا، صاحب غريب، وفقه، وشعر، ومعرفة بأيَّام العرب، ورواية الحديث، وهو من أصحاب الخليل بن أحمد، [حكى القشيريُّ في أواخر الرِّسالة [3] إنَّ النَّضر بن شميل قال ابتعت إزارًا، فوجدته قصيرًا، فسألت ربِّي يمدَّني ذراعًا، ففعل، ولو استزدته لزادني. وهذه من كراماته،] ومن غريب حكاياته أنَّه ضاقت المعيشة على النَّضر بالبصرة، فخرج يريد خراسان، فشيَّعه من [أهل] البصرة نحو من ثلاثة آلاف رجل، ما فيهم إلَّا محدِّث أو نحويٌّ أو لغويٌّ أو عروضيٌّ أو أخباريٌّ، فلمَّا صار بالمربد جلس، فقال يا أهل البصرة، يعزُّ عليَّ فراقكم، والله لو وجدت كلَّ يوم كيلجة باقِلاَّء ما فارقتكم. فلم يكن فيهم أحد يتكلَّف له ذلك، وسار حتَّى وصل [4] خراسان، فأفاد [بها] مالًا عظيمًا، ومن جملة الأسباب المحصِّلة له المال ما اتَّفق مع الخليفة المأمون، وذلك أنَّ النَّضر كان يدخل على المأمون في سمره، قال فدخلت ذات ليلة وعليَّ ثوب مرقوع، فقال المأمون يا نضر [5] ، ما هذا التَّقشُّف حتَّى تدخل على أمير المؤمنين في هذه الخُلْقان؟ قلت يا أمير المؤمنين، أنا شيخ ضعيف، وحَرُّ مرو شديد، فأتبرَّد بهذه الخُلْقان. قال لا، ولكنَّك قَشِف. قال ثمَّ جرى بيننا الحديث، فذكر المأمون حديث النِّساء، فقال حدَّثنا هُشيم عن مُجالد عن الشَّعبيِّ عن ابن عبَّاس، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا تزوَّج الرَّجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد من عوز» . فقرأ بفتح السِّين المهملة، فقال قلت صدق يا أمير المؤمنين هُشيم. حدَّثنا عوف بن أبي جَميلة، عن الحسن بن عليِّ بن أبي طالب، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا تزوَّج الرَّجل امرأة لدينها وجمالها كان فيها سِداد من عوز» . وقرأ بكسر السِّين المهملة، فاستوى المأمون جالسًا، وكان متَّكئًا، وقال يا نضر، كيف كسرت السِّين؟ قلت لأنَّ الفتح ههنا [6] غلط، لحن. قال أو تلحِّنني؟ قلت إنَّما لَحَنَ هُشيم، وكان لحَّانة، فتبع أمير المؤمنين لفظَه. قال فما الفرق بينهما؟ قلت السَّداد بالفتح القصد في الدِّين، وبالكسر البُلْغة، وكلَّما سدَّدت به شيئًا فهو سِداد بالكسر. قال أو تعرف العرب ذلك؟ قلت نعم، وهذا العَرْجِي يقول
~أضاعوني وأيَّ فتى أضاعوا ليوم كريهة وسِداد ثَغْرِ
فقال المأمون قبَّح الله من لا أدب عنده [7] . وأطرق مليًّا، ثمَّ قال ما مالُك [8] يا نضر؟ قلت أُريضة لي بمرو. قال أفلا نفيدك [9] مالًا معها؟ قلت [10] إنِّي إلى ذلك لمحتاج. قال فأخذ القرطاس _ وأنا لا أدري ما يكتب _ فقال لكاتبه اذهب معه إلى الفضل بن سهل. قال فلمَّا قرأ الفضل الكتاب، قال يا نضر، إنَّ أمير المؤمنين أمر لك بخمسين ألف درهم، فما السَّبب؟ قال فأخبرته، قال فأمر لي بثلاثين ألفًا أيضًا من ماله، فأخذت ثمانين ألف درهم بحرف استفيد منِّي.
قال ابن السَّمعانيِّ [11] كتب النَّضر بالبصرة عن ابن عون، وعوف الأعرابيِّ، والبصريِّين، ثمَّ رجع إلى مرو وسكنها، وكتب بها الحديث، وتعلم الفقه، وأخذ الحظَّ الوافر من الأدب والمعرفة بأيَّام النَّاس، فسكن مرو على جهد جهيد، وورع شديد، وكان يقال له يا لك من درَّة ضائعة بين مَرْوَينِ. يعني مرو الرَّوذ، ومرو الشَّاهْجان [12] ، وكان من فصحاء النَّاس وعلمائهم بالأدب.
قال الكرمانيُّ [13] هو أوَّل من أظهر السُّنَّة بمرو وجميع خراسان، وكان أروى النَّاس عن شعبة. قال والمال الذي حصل له بسبب المحادثة مع الخليفة في"السِّداد"ثمانون ألف دينار، ولمَّا مات النَّضر كان البخاريُّ ابن تسع سنين، وكان يقول قول النَّاس للمريض [14] مسح الله ما بك. بالسِّين المهملة غلط، والصَّواب مصح [15] ، بالصَّاد. ويحكى أنَّ النَّضر مرض، فدخل عليه قوم يعودونه، فقال له رجل منهم _ يكنَّى أبا صالح _ [مسح الله] ما بك. فقال لا تقل مسح. قل مصح، أي أذهبه. فقال الرَّجل إنَّ السِّين قد تبدل من الصَّاد، كالسِّراط والصِّراط. فقال له أنت إذًا (أبا) سالح. قلت السَّالح هو الذي رقَّ بطنه، فيمشي، والنَّاقة السَّالحة التي سلحت، فتروِّث مريقًا من النَّبت الخضر.
ولد النَّضْر [16] بمدينة مرو، ومات بها، ونشأ بالبصرة؛ فلذلك نسب إليها. توفِّي سلخ ذي الحجَّة، عام أربع ومئتين، وقيل في أوَّلها. وقيل سنة ستٍّ ومئتين.
تتمَّة
العَرْجِيُّ المذكور، هو بفتح المهملة، وسكون الرَّاء، بعدها جيم نسبة إلى العَرْجِ موضع بمكَّة، أو بين مكَّة والمدينة، وبيته من البحر الوافر، وبعده (وهو) [17]
~أضاعوني وأيَّ فتى أضاعوا ليوم كريهةٍ وسِدَاد ثغرِ
~وصبر عند معترَك المنايا وقد شرعَتْ أسنَّتُها بنحْري
~أجرَّر في الجوامع كلَّ يوم فيالله مَظْلمتي وقَسْرِي
~كأنِّي لم أكن فيهم وسيطًا ولم تك نسبتي في آل عَمْرو
~عسى الملِكُ المُجيبُ لمن دعاه سينجيني [18] فيعلم كيف شُكْري
~فأجزي بالكرامة أهل ودِّي وأَجْزي بالضَّغائن أهل وِتْري
وكان سبب عمله هذه الأبيات أنَّ محمَّد بن هشام بن إسماعيل المخزوميَّ، خال هشام بن عبد الملك، لمَّا كان والي مكَّة حبس العرجيَّ؛ لأنَّه كان يتشبَّب بأمِّه جَيْداء، ولم يكن لمحبَّته إيَّاها، بل لفضح [19] ولدها محمَّدًا المذكور، فأطال حبسه تسع سنين، بعد أن ضربه بالسِّياط، وشهَّره في الأسواق، وآخر الأمر مات في السِّجن، فعمل الأبيات في السِّجن، وكان الوليد بن يزيد يبلغه أشياء عن [20] محمَّد بن هشام في حياة هشام بن عبد الملك، فلمَّا ولي الوليد الخلافة قبض عليه وعلى أخيه إبراهيم، وأُشخصا إليه إلى الشَّام، ثمَّ دعا بالسِّياط، فقال محمَّد أسألك بالقرابة. فقال وأيُّ قرابة بيني وبينك؟ هل أنت إلَّا من أشجع؟ قال فأسألك بصهر عبد الملك. قال لم تحفظه. فقال يا أمير المؤمنين، [قد] نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تضرب قريش بالسِّياط إلَّا في حدٍّ. فقال في حدٍّ أضربك وقود، أنت أوَّل من سنَّ ذلك على العرجيِّ، وهو ابن عمِّي، وابن عمِّ أمير المؤمنين عثمان، فإنَّه عبدالله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفَّان، فما رعيت حقَّ جدِّه، ولا نسبته بهشام، ولا ذكرت [حينئذ] هذا الخبر، وأنا وليُّ ثأره، اضرب يا غلام. فضربهما ضربًا مبرحًا، وأثقلا بالحديد، ووجَّه بهما إلى يوسف بن عمر بالكوفة، وأمر باستقصائهما [21] وتعذيبهما حتَّى يتلفا، وكتب إليه أن احبسهما مع ابن النَّصرانيَّة _يعني خالدًا القسريَّ_ ونفسك نفسك إن عاش أحد منهم. فعذَّهم عذابًا شديدًا، وأخذ منهم مالًا عظيمًا؛ حتَّى لم يبق فيهم موضع للضَّرب، وكان محمَّد بن هشام مطروحًا، فإذا أرادوا أن يقيموه أخذوا بلحيته فجذبوه بها، فسبحان مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممَّن يشاء، ويعزُّ من يشاء، ويذلُّ من يشاء، فيا من بيده الخير، قدِّر لنا الخير، وخذ بناصيتنا إليك، وحاصل الكلام لمَّا اشتدَّ الحال بهما تحامل إبراهيم لينظر في وجه محمَّد، فوقع عليه، وماتا جميعًا، وكذلك خالد في يوم واحد. قال إسحاق بن إبراهيم [الموصليُّ] أنشدت يومًا الرَّشيد [البيت] أضاعوني وأيَّ فتى أضاعوا.
فقال ما سبب العرجيِّ حتَّى قال هذه الأبيات؟ فأخبرته الخبر من أوَّله إلى آخره، فرأيته يتغيَّظ كلَّما مرَّ عليه شيء من حديثه، فأتبعته بحديث مقتل [22] ابن هشام، فجعل وجهه يسفر، وغيظه يسكت [23] ، فلمَّا انقضى الحديث قال يا إسحاق، والله لولا ما حدَّثتني من فعل الوليد لما تركت أحدًا من أماثل بني مخزوم إلَّا قتلته بالعرجيِّ. انتهى.
[1] في (ن) تصحيفًا (خرزثقة) .
[2] وفيات الأعيان 5/ 397، والخبر مع الشعر فيه.
[4] في غير (ن) (دخل) .
[5] في (ن) تصحيفًا (يا با نضر) .
[6] في غير (ن) (هنا) .
[7] في غير (ن) (لا أدب له) .
[8] في (ن) تصحيفًا (قال له مالك) .
[9] في (ن) تصحيفًا (نعيدك) .
[10] في (ن) (قال) .
[11] الأنساب 5/ 164، والكيلجة مكيال، والخبر مع الشعر في المزهر في علوم اللغة للسيوطي 2/ 255.
[12] في (ن) تصحيفًا (الشاميجان) .
[13] شرح البخاري 2/ 198.
[14] في غير (ن) (لمريض) .
[15] في (ن) تصحيفًا (يصح) .
[16] في غير (ن) (نضر) .
[17] الأبيات في ديوانه 34، والرواية في الديوان وخلوني لمعترك المنايا، والجوامع جمع جامعة، وهي الغُل والقيد، وانظر الوفيات لابن خلكان 5/ 400 فقد جاء اسم العرجي عنده هكذا عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان والشعر مع الخبر فيه، وقال الزبيدي في التاج (عرج) بعد أن ذكر العرجي ونسبه قال وفي بعض النسخ عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان، ولم يتابع عليه.
[18] في (ن) (ينجيني) .
[19] في غير (ن) (ليفضح) .
[20] في (ن) (عن) .
[21] كذا في غير (ن) (باستصفائهما) ، والمثبت موافق للوفيات 5/ 401 وفي الأغاني 1/ 402 كما في غير (ن) ، والخبر فيه مع الشعر، وجاء في هامش (هـ) ما نصه الله أعلم أن هنا بعض نقص؛ لأنه لم يذكر الثاني الذي هو رفيق محمد إلا في آخر القصة ذكر اسم إبراهيم كما ترى. انتهى، قلت وقد ذكر في بداية القصة أنه قبض عليه وعلى أخيه وأشخصا إلى الشام، فتأمل.
[22] في (ن) تصحيفًا (معقل) .
[23] في (ن) (وغيظه سكن) .