فأقول _وبالله التَّوفيق_
أخبرني بجميع صحيح البخاريِّ إجازةً الشَّيخُ الصَّالحُ الفقيهُ المحدِّثُ والدي داودُ بنُ محمَّد البَازِلِيُّ، والمُسْنِدُ المفسِّرُ مُظَفَّرُ الدِّينِ بِنُ عبدِ الله التَّبْرِيْزِيُّ، تغمَّدهما الله تعالى برحمته، وأسكنهما بُحْبَوُحَةَ جنَّته، وقراءةً قاضي القضاة قُطْبُ الدِّينِ محمَّدُ بنُ محمَّد بن عبدِ الله الخَيْضَرِيُّ، وشهابُ الدِّين عَلَمُ المحقِّقين أحمدُ بنُ أبي إسحاقَ إبراهيمَ الزَّرَعِيُّ، الدِّمَشْقِيَّانِ، بقراءتي عليهما من أوَّل الصَّحيح إلى كتاب الجمعة، وشملت الإجازةُ الباقي، بوَّأَهُما الله تعالى أعلى الجِنَان، وصبَّ عليهما شآبيبَ الرَّحمة والرِّضوان.
قال الخَيْضَرِيُّ حدَّثنا بجميع الصَّحيح _ خلا مواضعَ يَسِيْرةً شَكَكْتُ في سماعها، أظنُّها من أثناء النِّكاح، شمَلَتْها الإجازةُ _ الإمامُ العلَّامةُ شيخُ الإسلامِ قاضي القضاةِ شهابُ الدِّينِ أحمدُ بنُ عليِّ بنِ محمَّدِ بنِ محمَّدِ بنِ حَجَرٍ العَسْقَلانِيُّ المِصْريُّ.
كان إمامًا بارعًا في علومٍ عديدةٍ، خصوصًا في الحديث، فله فيه اليدُ البيضاءُ، وانتهت إليه الرِّحْلَةُ في هذا العلم، حتَّى فاق أهلَ زمانهِ، وخصوصًا في معرفة الرُّواة، حتَّى قيل في حقِّه كأنَّه تَرَبَّى مع هؤلاء طَبَقَةً طَبَقَةً.
وكفى دليلًا على فضله [1] كتبهُ المُصَنَّفَةُ في الفنِّ، لا سِيَّما فَتْح الباري في شرح البخاريِّ.
كان مستقيمَ الطَّبعِ، رائقَ النَّظمِ، حَسَنَ النَّثرِ كوالده، ومن نظم والده
~يا ربّ أعضاءُ الوُضُوءِ [2] اعْتَقْتَها بفضلِكَ الوافي وأنتَ الواقي [3]
~والعتق يَسْرِيْ في الفتى يا ذا الغِنَى فامنُنْ على الفاني بعتقِ الباقي
فَلِلَّهِ دَرُّهُ ما أحسنَه! لولا وصلُ همزةِ القَطْعِ [4] ، فإنَّه من الضَّرْبِ الثَّاني من الرَّجَزِ، واعلَمْ أنَّ الكِرْمانيَّ شارحَ البخاريِّ ذَكَر في كتاب العِتق أنَّ عَتَقَ يُستعمل مَقَام أَعْتَقَ. فَفُزْ بهذه الفائدة، يا لها من فائدة، وبهذا يندفع الاعتراضُ عن والد حافظ العصر حيث وَصَلَ الهمزة، على أنَّه يجوز وصلُ همزةِ القطعِ في الشِّعر وعكسه،
ج 1 ص 2
واستَشهَد على ذلك الحَرِيْرِيُّ بقوله
~أَلَا ابْلغ حاتِمًا وأبا عليِّ بأنَّ عَوَانَةَ الضُّبَعِيِّ فَرَّا
حيث وصل همزة أَبْلِغْ، والبيت من الوافر، فتأمَّل.
وله اليدُ الطُّولَى في التَّاريخ، وصَنَّفَ جُزْءًا ضخمًا على صحيح البخاريِّ، وسمَّاه مقدِّمة فتح الباري، وهو نافع في بابِه جدًا، وله غير ذلك.
ولد بمصر العتيقة، سنة ثلاث وسبعين وسبع مئة، في ثامن شهر ذي الحجَّة.
وتوفِّي سنة اثنتين وخمسين وثمان مئة.
قال حدَّثنا الإمامُ العالمُ العلَّامةُ عليُّ بنُ محمَّدِ بن أبي المَجْدِ الدِّمَشْقِيُّ، سِبْطُ القاضي نجمِ الدِّين الدِّمَشْقِيِّ، ويعرف بابن الصَّائغ، وبابن خَطيب عَين ثَرْمَا [5] ، ويقال له الجَوْزِيُّ؛ لأنَّ أباه تولَّى إمامة مسجد الجَوْزَةِ بدمشق.
ولد في ربيع الأوَّل، سنة سبع وسبع مئة.
وسمع من ابن تيمَيَّةَ [6] ، والقاسم ابن عساكر، ووزيرةَ، والحَجَّارِ، وغيرِهم، تفرَّد بالسَّماع منهم، وأجاز له [7] سنة ثلاثَ عشرةَ، وظَهَرَ سماعُه للصَّحيح من سِتِّ الوزراء بآخرَةٍ، فقُرئ عليه بدمشق، ثمَّ قَدِمَ القاهرةَ، فحدَّث به مرارًا.
قال ابنُ حجر [8] قرأتُ وسمعتُ عليه سُنَنَ ابنِ ماجه، ومُسْنَدَ الشَّافعيِّ، وتاريخَ أصبهان، وغيرَ ذلك من الكتب الكِبَار، والأجزاءِ الصِّغارِ، فأكثرتُ عنه، وكان صبورًا على التَّسميع، ثابتَ الذِّهْنِ، ذاكرًا، ينسخ بخطِّه، وقد جاوز التِّسعين، صحيحَ السَّمْعِ والبَصَرِ، وسمعتُ عليه الصَّحيحَ، ووصلتُ عليه بالإجازةِ شيئًا كثيرًا، وقد قرأتُ عليه أكثرَ مسموعَاتِه، ثمَّ رجع إلى بلدهِ، فأقام بمنزله، إلى أن مات في شهر ربيع الأوَّل سنةَ ثمان مئة.
قال حدَّثني الشَّيخُ الصَّالحُ المُعَمَّرُ المُسْنِدُ أبو العبَّاسِ شهابُ [9] الدِّينِ أحمدُ بنُ أبي طالب بنِ أبي النِّعَمِ نِعْمَة بن الحسنِ بن عليِّ بنِ بَيَانِ بنِ الشِّحْنَةِ الدِّمَشْقِيُّ الدَّيْرَمُقْرِيُّ [10] _ بفتح المهملة والرَّاء بعدَ التَّحتانيَّة المثنَّاة السَّاكنة، وضمِّ الميم، وإسكان القاف _ الحَجَّارُ الصَّالحيُّ البِقَاعيُّ الخَيَّاط الرُّحْلة.
ولد سنة بضع وعشرين وستِّ مئة.
وخدم حجَّارًا بقلعة دمشق سنة ثلاث وأربعين، وكان بها في حصار هُلَاكُو.
ولم يظهر للمحدِّثين إلى سنة ستِّ وسبع مئة، ثمَّ وُجِدَ سماعُه في أجزاء عليٍّ ابن المُنَجَّى التَّنُوخِيِّ، فسألوه، فقال كنَّا سمِعنا. وسمع منه جماعة، ثمَّ ظهر اسمُه في كرَّاس أسماء السَّامعين بجبل قاسيون لصحيح البخاريِّ على ابن الزَّبيديِّ سنة ثلاثين وستِّ مئة، فحدَّث بالجامع نيِّفًا وسبعين مرَّةً، بالبلدِ، وبالصَّالحيةِ، وبالقاهرةِ، وبحماةَ، وحمصَ، وبَعْلَبَكَّ، وكَفر بَطْنَا.
واشتهر اسمُه، وبَعُدَ صِيْتُه، وأَلحَقَ الصِّغَارَ بالكبارِ، ورأى العِزَّ والإكرامَ، وطَلَبَهُ أَرَغون الدَّوَادار النَّاصريُّ، فسمع منه، وسمع منه القاضي كريمُ الدِّين (الكَبيرُ) ، وتنكز نائبُ دمشقَ، والعلماءُ والقضاةُ.
وروى بإجازة ابن [11] روزبة، وابن بهروز، وابن القَطِيْعِيِّ، وياسَمِيِن بنت البَيْطَار، والكاشغريِّ، وجعفر الهمدانيِّ، وخلق كثير، ورُحِلَ إليه من البلاد، وسمع منه أمم لا يُحْصَون، وتزاحموا عليه من سنة
ج 1 ص 2
بضع عشرة وسبع مئة إلى أن توفِّي، ونزل النَّاسُ درجة.
وكان صحيحَ التَّركيب، أشقرَ، طويلًا، دَمَوِيَّ اللَّون، له هِمَّة، وفيه عقلٌ _ يُصْغِي _ جيدٌ.
قال الذَّهبيُّ [12] ما رأيتهُ نَعَسَ فيما أعلم، وثَقُلَ سمعُه، وسألته عن عمره، فقال لَحِقَ [13] حصارَ النَّاصرِ داودَ [14] دِمَشْقَ، وكان الحصارُ سنة ستٍّ وعشرين، وأبطأ عنه الشَّيب، وقُرِّر له بالقلعة المعلومُ، وعلى بيت المال، ولا يترك غِشْيَانَ النِّساء، وله نوادر منها أنَّه سأله شخص عن عاقِّ والديه، فقال يُقتَل. وسُئل عن صوم ستٍّ من شوَّال، فقال {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} [الأعراف142] . وسمع في سنة ثلاثين هو وإخوته الثَّلاثة [15] ، وحصَّل الخِلَعَ والذَّهبَ والدَّراهمَ، وقرَّر له الدَّوَادارُ معلومًا نحو خمسة وأربعين درهمًا، وكان فيه دِيْنٌ وملازمة للصَّلاة، ويحفظ ما يصلِّي به، وربَّما أخَّر الصَّلاة في السَّفر على مذهب العوامِّ، وصام _ وهو ابن مئة عام _ رمضانَ، وأتبعه بستَّة من شوَّال، وقيل إنَّه في هذا السِّنِّ اغتَسَل بالماء البارد.
وتوفِّي سنة ثلاثين وسبع مئة.
قال ابن أبي المَجْد وحدَّثتني أيضًا سَليلةُ العلماء، ستُّ الوزراء، الشَّيخةُ الصَّالحةُ المعمَّرةُ، مسندةُ الوقتِ، أمُّ عبد الله، وزيرةُ بنتُ القاضي شمس الدِّين عمرَ بنِ العلَّامةِ شيخِ الحنابلةِ وجيهِ الدِّينِ أسعدَ بنِ المُنَجَّى بن أبي البركات، التَّنُوخيَّة، الدِّمشقيَّةُ، الحنبليَّةُ.
ولدتْ أوَّل [16] سنة أربعٍ وعشرين وست مئة.
وتوفِّيتْ سنة سَبْعَ عشرةَ وسبع مئةٍ.
وسمعت الصَّحيحَ، ومسند الشَّافعيِّ من أبي عبد الله الزَّبِيديِّ، ومن والدها جُزأين.
وعمِّرتْ دهرًا، ورَوَت الكثير، وطُلِبَتْ إلى مصر، وحَجَّتْ مرَّتين، وتزوَّجتْ بأربعة، آخرهم نجمُ الدِّين عبد الرَّحمن الشِّيرازيُّ، وكانتْ لها ثلاثُ بناتٍ.
ورَوَت الصَّحيحَ مَرَّاتٍ بدمشق، ومصر، وقرأَ عليها الذهبيُّ مُسْنَد الشَّافعيِّ، وهي آخر من حَدَّث بلا كتاب [17] ، وكانت طويلة الرُّوح على طول المواعيد.
سمع منها الوانيُّ، وابنُ المُحِبِّ، وفخرُ الدِّين المِصْريُّ، وصلاح الدِّين العَلَائيُّ، وابنُ قاضي الزَّبَدانيِّ [18] ، وخلق كثير.
قالا [19] حدَّثنا الشَّيخُ أبو عبد الله الحسينُ بنُ المبارك بن محمَّد بن يحيى الرَّبَعِيُّ _ بفتح الرَّاء والموحَّدة، والمهملة [20] _ الزَّبِيْدِيُّ، بفتح الزَّاي، وكسر الموحَّدة والمهملة [21] ، البغداديُّ، البابصريُّ، الفَرَسِيُّ، [منسوب إلى ربيعة الفَرَس] _ بفتح الفاء والرَّاء _ الفقيهُ الحنبليُّ.
درَّس بمدرسة الوزير عونِ الدِّين، وفرح به الملكُ الأشرفُ لمَّا قدم، وأخذه إلى القلعة ولازمه، وسمع منه الصَّحيح في أيامٍ يسيرةٍ.
وكان ديِّنًا خيِّرًا، ثمَّ نزل إلى دار الحديث الأَشرفيَّة، فاجتمع النَّاسُ، وتزاحموا عليه، وقرؤوا عليه الصَّحيح، ثمَّ حدَّث بمسند الشَّافعيِّ بالجبلِ،
ج 1 ص 2
ثمَّ سافر إلى بلدهِ، فدخل مريضًا، وعاش دهرًا.
أَلْحق الأحفادَ بالأجداد [22] ، وحدَّث بالشَّام والعراق.
ولد سنة ستٍّ وأربعين وخمس مئة، وحدَّث من بيته [23] جماعة.
ومات ثالث عشر صفر، سنة إحدى وثلاثين وستِّ مئة.
قال أخبرنا أبو الوَقت عبدُ الأوَّل بنُ (عيسى بنِ) شُعيب بن إسحاق بن إبراهيم السِّجْزِيُّ، بكسر المهملة، والزَّاي بعد الجيم، الصُّوفيُّ، الهَرَويُّ، بفتح الهاء والرَّاء، المَالِينيُّ، قراءةً عليه، ونحن نسمع ببغداد.
سمع صحيح البخاريِّ، وكتابَ الدَّارِميِّ من جمال الإسلام، الآتي ذكرُه بعده متَّصلًا به.
وحدَّث بخراسان، وأصبهان، وكِرمان، وهَمَدَان، وبغداد، واشتهر اسمُه، وبَعُدَ صيتُه، وارتحل إليه الطَّلَبةُ.
رَوَى عنه ابنُ عساكر، وابنُ السَّمْعَانيِّ، وابنُ الجَوزيِّ، وجماعةٌ كثيرة.
كان صبورًا على القراءة، محبًّا للرِّواية، وأشياخُه كثيرون إلى الغاية.
وكان اسمُه محمَّدًا، فلما صَحِبَ شيخَ الإسلام أبا عبد الله الأنصاريَّ سمَّاه عبدَ الأوَّل، وكنَّاه أبا الوقت، وكان أبوه قد حمله على رقبته من هَرَاةَ [24] إلى بُوْشَنْجَ لسماع الحديث، فصار شيخًا صالحًا، أَلْحق الصِّغار بالكبار، وكان حاضرَ الذِّهن، مستقيمَ الرَّأي، وكان آخر كلامه عند موته {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} [يس26 - 27] .
ولد سنة ثمانٍ وخمسين وأربع مئة.
وتوفِّي سنة ثلاثٍ وخمسين وخمس مئة، ببغداد، ودفن بالشُّونِيزيَّة.
فائدة قال ابنُ السَّمْعانيِّ [25] السِّجْزِيُّ منسوب إلى سِجِسْتَانَ، بكسر المهملة، ثمَّ جيم، ثمَّ مهملة، إحدى البلاد المعروفة بكابُل، قال ابنُ ماكُولا هذه النِّسبة على غير القياس.
قلت كنسبة الرَّازيِّ إلى الرَّيِّ.
قال الحازميُّ منسوب إلى السِّجْز، وهو اسم لِسِجْستَانَ.
قال في جامع الأصول [26] وهو أشبه.
قال أخبرنا الإمام جمال الإسلام، أبو الحسن عبد الرَّحمن بن محمَّد بن المُظفَّر بن محمَّد بن داود الدَّاوُوديُّ، بواوين، البُوشَنْجِيُّ، بالباء والفاء [27] أيضًا، وبالمعجمة المفتوحة، آخرها جيم.
نسبة إلى بُوشَنج، تعريب بوشَنك، بلدة قديمة، كثيرة الخير، على سبعة فراسخ من هَرَاة بخراسان، خرَج منها جماعة كثيرة في كلِّ فنٍّ من العلوم، دخلها العبَّاس بن عبد المطَّلب في الجاهليَّة للتِّجارة، قال وكنتُ أَقِيل تحت شجرة صَنَوْبَر بها.
كان جمال الإسلام أحدَ الأعيان الشَّافعيَّة والأئمَّة، أثنوا عليه في علمه، وورعه، ورسوخ قدمه في التَّقوى، حُكي أنَّه تَرَك أكلَ اللَّحم وقت نهب التُّركمان، مكتفيًا بالسَّمك، فحُكِي له أنَّ بعضَ الأمراء أكل على حافَّة الموضع الذي يُصاد منه السَّمك، ونفض ما فَضَلَ من سُفْرَتِه في الماء، فما أكل السَّمك منه بعدَ ذلك.
ولد سنة أربع وسبعين وثلاث مئة.
وصار شيخَ خراسان، ومن أكبر الأئمَّة في معرفة المذهب، والخلاف، والأدب، مع علوِّ الإسناد، وله حظٌّ من النّظْم والنَّثر.
قرأ على القفَّال المَرْوَزيِّ، وأبي الطَّيِّب سهل الصُّعْلوكيِّ [28] ، وأبي طاهر محمَّد بن محمَّد الزِّياديِّ، وأبي حامد الإسفرايينيِّ.
قال السُّبكيُّ [29] ما أظنُّ شافعيًّا اجتمع له مثل
ج 1 ص 2
هؤلاء الشُّيوخ، وسمع السَّرَخْسِيَّ، وهو آخر الرُّواة عنه.
وصحب أبا عليٍّ الدقَّاق، وأبا عبد الرَّحمن السُّلَمِيَّ، وسمع أبا عبد الله الحاكم، وأبا عمر ابن مهديٍّ، وغيرَهما، ببُوشَنْجَ، وهراة، ونَيْسَابُورَ، وبغدادَ.
ثمَّ رَجَع إلى بُوشَنْجَ، وأخذ في التَّدريس، والفتوى، والتَّصنيف، وعقد مجالس التَّذكير ورواية الحديث.
روى عنه أبو الوقت، ومسافر بن محمَّد، وعائشة بنت عبد الله البُوشَنْجِيَّةَ، وأبو المحاسن أسعدُ بن زياد المالينيُّ [30] ، وغيرهم.
فكان شيخ عصره، وواحدَ دهرِه، فِقْهًا وزُهْدًا، وَوَرَعًا، قيل إنَّه كان يحمل ما كان يأكله وقتَ تفقُّهه ببغدادَ وغيرها من البلاد، من بلده بوشنج؛ احتياطًا، وكان يَعِظ النَّاس، ويكتب الرَّسائل الحسنة.
يُحكى أنَّه كان لا تسكن شفتاه عن ذكر الله، وأنَّ مزيِّنًا جاءه ليقصَّ شاربه، فقال له أيُّها الإمام يجب أن تسكن شفتيك. فقال قلْ للزَّمان حتَّى يسكن؛ لأسكن شفتيَّ.
قيل إنَّ نظامَ المُلك بجلالة قدره وعظمته دخل إليه، وتواضع له غاية التَّواضع، فلم يزده على أن قال أيُّها الرَّجل! إنَّ الله سَلَّطَكَ على عَبيده، فانظر كيف تجيبه.
كان حسنَ الصَّمت [31] ، بقيَّةَ المشايخ بخراسان، وأعلاهم إسنادًا.
وكان سماعُه للصَّحيح في صفر سنة إحدى وثمانين وثلاث مئة، وهو ابن ستِّ سنين.
رُوِي أنَّ أبا الحسن عبدَ الغافر الفارسيَّ كان قد سمع الصَّحيح من أبي سهل الحَفْصِيِّ، وله إجازة من الدَّاوديِّ، وكان يقول الإجازة من الدَّاووديِّ أحبُّ إليَّ من السَّماع عن الحَفْصِيِّ.
ومن شعره، من البحر الوافر، أنشده لشيخه الشَّيخ أبي إسحاق الإسفرايينيِّ [32]
~سلامٌ أيُّها الشَّيخ الإمامُ عليكَ وقلَّ من مِثْلي السَّلامُ
~سلامٌ مثل رائحة الغوالي إذا ما فُضَّ من مِسْكٍ خِتَامُ
~رحلتُ إليك من بُوشَنْجَ أرجو بك العِزَّ الذي لا يستضام [33]
ومن شعره، من البحر الخفيف [34]
~كان في الإِجتماع من قبلُ نورٌ فمضى النُّورُ وادلهمَّ الظَّلامُ
~فَسَدَ النَّاسُ والزَّمانُ جميعًا فعلى النَّاسِ والزَّمانِ السَّلامُ
ومن شعره، من البحر الرَّجَز المشطور
~إن شئتَ عيشًا طيِّبًا صَفْوًا بلا مُنازِعِ
~فاقْنَعْ بما أُوتيتَهُ فالعَيْشُ عَيْشُ القانِعِ
توفِّي ببُوشَنْجَ في شوَّال، سنة ستٍّ وسبعين [35] وأربع مئة.
قال أخبرنا الشَّيخُ أبو محمَّد عبدُ الله بن أحمد بن حَمُّويَة بن أحمد بن يوسف بن أَعْيَنَ السَّرَخْسِيُّ.
بفتح المهملة والرَّاء، وسكون (الخاء) المعجمة، وبالمهملة، وقد تسكَّن الرَّاء، وتُفتَح المعجمة، وحَمُّوية، بفتح المهملة، وَشَدَّةِ الميم المضمومة، وإسكان الواو، بالتَّحتانيَّة.
كان عالمًا، ثقةً، صاحبَ أصولٍ حِسَانٍ.
ولد سنة ثلاثٍ وتسعين ومئتين.
ومات سنة إحدى وثمانين وثلاث مئة.
قال أخبرنا الشَّيخُ الإمامُ أبو عبد الله محمَّد بن يوسف بن مَطَر بن صالح
ج 1 ص 2
بنِ بِشْر بن إبراهيم الفَرَبْرِيُّ.
بفتح الفاء وكسرها [36] ، وفتح الرَّاء الأُولى، وإسكان الموحَّدة، منسوب إلى قرية من قرى بخارى، على طرف نهر جَيْحُونَ.
هو حاملُ لواء البخاريِّ روايةً، ونِعْمَ الحامِلُ، ونِعْمَ المحمولُ، قال الفربريُّ أخذ البخاريُّ الحديثَ من ألف شيخ وثمانين شيخًا، كلُّهم يقول الإيمانُ قولٌ وعملٌ، ويَزيد ويَنقصُ. وأخذ من البخاريِّ تسعون ألفًا لم يَبقَ أحدٌ منهم غيري [37] . [فهو آخر من روى الحديث عن البخاريِّ] .
وقال الكِرْمانيُّ [38] نَقَلَ الحديثَ عن البخاريِّ مئةُ أَلفٍ، أو يزيدون، أو ينقُصون. كما سيجيء، وقال [39] غيره نَقَلَ عن البخاريِّ سبعون ألفًا، بتقديم المهملة ثمَّ الموحَّدة.
رحل إليه النَّاسُ، وسمعوا منه هذا الكتاب.
كان ثقةً، وَرِعًَا، سمع الصَّحيحَ من البخاريِّ مرَّتين، مرَّة بفربر، سنة ثمانٍ وأربعين (ومئتين) ، ومرَّةً ببخُارى، سنة اثنتين وخمسين ومئتين، وقيل ثلاثَ مرَّاتٍ.
قال الفربريُّ رأيتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في النَّوم، وهو واقفٌ معه الصَّحابةُ رضوان الله عليهم أجمعين، فقلت يا رسول الله! ما وقوفك ههنا؟ قال أنتظر محمَّد بن إسماعيل البخاريَّ. فأرَّخْتُ، فإذا به قد مات تلك السَّاعة. رحمه الله تعالى.
قال رأيتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، وهو خارجٌ من بلدٍ إلى بلدٍ، والبخاريُّ يتبعه، ويضع قَدَمَهُ موضعَ قَدَمِهِ، فأوَّلْتُ الحديث الذي أُوتي.
قال ورأيتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي أين تريد؟ فقلت أريد البخاريَّ. فقال أَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ.
ولد الفربريُّ سنة إحدى وثلاثين ومئتين.
وتوفِّي سنة عشرين وثلاثِ مئةٍ.
وحدَّث عنه أبو عليٍّ سعيدُ بنُ السَّكَنِ الحافظُ بمصر سنة ثلاثٍ وأربعين ومئتين، وهو أوَّل من حدَّث عن الفربريِّ، قاله الذَّهبيُّ [40] .
قال ابنُ السَّمْعَانيِّ [41] رحل إلى الفربريِّ النَّاسُ، وحملوا عنه صحيحَ البخاريِّ، وكان سمع عليَّ بنَ خَشْرَم المَرْوَزِيَّ. روى عنه من الأئمَّة المعروفين أبو زيد محمَّد بن أحمد الفَاشَانيُّ، والسَّرَخْسِيُّ، وأبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ محمَّد المُستمليُ، وأبو الهيثم محمَّدُ بنُ المكِّيِّ الكُشْمِيْهَنيُّ [42] ، وأوَّل مَن روى عنه أبو زيد، وآخرهم أبو عليٍّ إسماعيلُ بنُ محمَّد الكُشَانيُّ [43] .
وللفربريِّ [44] حفيدٌ يُسَمَّى أحمدُ بنُ عبد الله بن محمَّد، أبو محمَّد الفربريُّ الصَّغير، أخَذَ العلمَ عن أبي الخطَّاب، وأبي نصر، وكتبَ الإجازةَ لابن السَّمْعَانيِّ بجميع مسموعاته، توفِّي سنة خمسين وخمس مئة.
قال حدَّثنا إمام الأئمَّة، مقتدى الأمَّة، أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المُغيرة بن بَرْدِزْبَه، بفتح الموحَّدة، وإسكان الرَّاء، وكسر المهملة، وسكون الزَّاي، وبالموحَّدة، الجُعْفِيُّ، بضمِّ الجيم، وإسكان المهملة، وبالفاء، البخاريُّ.
وكنيةُ أبيه أبو الحسن، كان أبو الحسن [45] من خيار النَّاس، ومن أعلمهم، ذا ثروةٍ ودينٍ متينٍ، كان يقول لا أعلم في مالي درهمًا من شبهةٍ، فضلًا من حرام.
وهو يروي عن حَمَّادِ بنِ زيد، ومالكٍ، روى عنه العراقيُّون، وصحبَ ابنَ المبارك، ومات وابنه محمدٌ صغير، فنشأ في حجر أُمِّه، وحدَّث إسماعيل عن أبي معاوية، وجماعة، وروى عنه أحمدُ بنُ حَفْصٍ.
وأمَّا جدُّه إبراهيم، قال ابن حجر [46]
ج 1 ص 2
فلم نقف على شيء من أخباره.
وأمَّا المغيرة، فإنَّه أسلم على يد اليمان الجُعْفِيِّ والي بخارى، فنُسب إليه نسبةَ وَلاءٍ، على مذهب مَن يرى أنَّ مَن أسلم على يده شخصٌ، فإنَّ وَلاءَه له، (وليس البخاريُّ من الجُعْفِيِّيْنَ أنفسِهم) .
وأمَّا بَرْدِزْبَهْ، فهو الزَرَّاعُ بالفارسيَّة، كان مجوسيًّا.
وأمَّا أمُّه فمن خيار النَّاس، كانت مُجابةَ الدَّعوةِ.
قال اللَّالَكَائيُّ إنَّ محمَّدَ بنَ إسماعيلَ ذهبتْ عينُه في صغره، فوجدَتْ أمُّه عليه، وجعلت تضرع [47] إلى الله تعالى، فرأتْ إبراهيمَ الخليلَ في المنام، فقال لها يا هذه، قد ردَّ اللَّهُ على ابنك بَصَرَهُ بكثرة دعائك. فأصبح بصيرًا.
[1] في غير (ن) (فضل) .
[2] في (ن) (السجود) والمثبت موافق للمصادر.
[3] في (ن) (الباقي) والمثبت أصح.
[4] صورة وصل همزة القطع بتشديد الواو، ويمكن إثبات همزة القطع بتسهيل (الوُضُوْ) وحذف الهمزة منها، وفي كلا الحالين فالتفعيلات سالمة من أي حذف، إلا في الشطر الثاني، فقد أصابه الخبن (حذف الثاني الساكن) والضرب فيه أصبح (مفعولن) وهو المقطوع، والبيتان في الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر للسخاوي 1/ 108 وجاء البيت الثاني فيه تصحيف، فصحف الفتى بـ (الغنى) ، وكذا في أكثر المصادر إلا صاحب خلاصة الأثر المحبي، فقد رواهما على الصحة إلَّا أنَّه نسبهما لابن حجر، والصحيح أنهما لأبيه.
[5] في كل النسخ (شربا) وهو تصحيف، وهي قرية في غوطة دمشق والعامة تقول عين ترما (بالتاء) ، بدل (الثاء) .
[6] في (ن) تصحيفًا (سمية) .
[7] كذا في الأصول، وهو قطعٌ لكلام الحافظ ابن حجر مخلٌّ بالمعنى، وتمامه كما في إنياء الغمر 2/ 27 (وأجازَ له .. . التَّقيُّ سُليمانُ والمُطعِم والدَّشْتِيُّ وابنُ سَعْدِ وابنُ الشِّيرازيِّ) ، والمؤلِّف ينقل عنه، وما بين المعقَّفتين في كلام ابن حجر التَّالي نَقْلُه لَدى المؤلِّف مستدركٌ منه.
[8] إنباء الغمر بأبناء العمر في التاريخ لابن حجر 2/ 27.
[9] تحرفت في (ن) إلى (ابن شهاب) .
[10] هكذا في جميع النسخ، وهو موافق لضبط المصنف إلَّا أنه تصحيف، والصواب الدَّيْرَمُقَرِّني، نسبة إلى دير مقرن، كمحدِّث، قرية بوادي بردى من أعمال دمشق، وكذا نسبه ابن كثير في البداية والنهاية 14/ 172، والذَّهبيُّ في معجم شيوخه الكبير 1/ 118.
[11] سقط كلمة (ابن) من الأصول، واستدركناه من الوافي بالوفيات 8/ 142، وعنه ينقل المؤلِّف هنا دونَ عَزوٍ.
[12] نقله الصَّفدي في الوافي بالوفيات 8/ 142، وابن حجر في الدرر الكامنة 1/ 144.
[13] في (ن) تصحيفًا (أحق) .
[14] في (ن) تصحيفًا (لماورد) .
[15] سقطت (الثلاثة) من نسخة (س) ، وإخوته هم خَلِيفة وناصر ومحمَّد، انظر معجم شيوخ الذَّهبيِّ 1/ 119.
[16] سقطت كلمة (أول) من غير (ن) .
[17] في (ن) تصحيفًا (بالكتاب) .
[18] في (ن) تصحيفًا (الزيدان) .
[19] أي شهاب الدِّين ابن الشِّحْنة، وأمُّ عبد الله وزيرة.
[20] سقطت جملة الضبط (بفتح الراء والموحَّدة والمهملة) من (س) ، و (ف) .
[21] سقطت كلمة (والمهملة) من (ن) ، و (ف) .
[22] جاء في (ه) (ألحق الأجداد بالأجداد) .
[23] سقطت كلمة (بيته) من غير (ن) ، و (ف) .
[24] في (ن) (هران) وكذا رسمت في عدة مواضع تأتي بعده.
[25] الأنساب3/ 225، والإكمال في رفع الارتياب لابن ماكولا4/ 550.
[27] يعني (الفوشنجي) .
[28] في (ن) (الصعلوك) والمثبت من غيرها.
[29] طبقات الشَّافعيَّة الكبرى5/ 118.
[30] سقطت (الماليني) من غير (ن) ، و (ف) .
[31] كذا في الأصول، ولعلها تصحفت من (السمت) .
[32] الأبيات في معجم البلدان1/ 508، مع خلاف في رواية البيت الثاني، فهو فيه هكذا
~ سلامٌ مثل رائحة الخُزَامَى إذا ما صابها سَحَرًا غَمامُ
[33] في (ن) تصحيفًا (لا يستظام) والمثبت من غيرها.
[34] البيتان مع الترجمة في الوافي بالوفيات للصفدي 2/ 295 - 296، وكذا البيتان بعدهما، وفي طبقات السبكي 5/ 120، والنجوم الزاهرة5/ 99.
[35] في (ه) (ست وأربعين وأربع مئة) ، وهو سبق قلم، وجاءت على الصحَّة في (ن) و (ف) ، وعلى هذا فقد انقلب تاريخ وفاة الدَّاوُديِّ على المؤلِّف؛ لأنَّه توفِّي سنة سَبعٍ وسِتِّين، لا سنةَ ستٍّ وسَبعين، انظر لترجمته سير أعلام النبلاء 18/ 222، وطبقات الشَّافعيَّة الكبرى 5/ 117.
[36] حكى الوجهين القاضي عياض، وابن قرقول والحازمي، وقال الفتح أشهر، ذكر ذلك الذهبي في السير 15/ 12.
[37] سقطت من (ه) جملة (تسعون ألفًا لم يبق أحد منهم غيري) .
[38] شرح البخاريِّ1/ 11.
[39] في (ن) تصحيفًا (وصل) ، وجاء فيها (من البخاري) والمثبت من غيرها.
[40] سير أعلام النبلاء16/ 117، وعبارته (كان أوَّل مَن جَلَبَ الصَّحيح إلى مصر وحدَّث به) .
[41] الأنساب4/ 359.
[42] في (ن) (والكشميهني) وزيادة الواو خطأ.
[43] في غير (ن) كلها (الكتاني) وهو تصحيف.
[44] في (ن) تصحيفًا (المفردي) والمثبت من غيرها.
[45] سقطت (كان أبو الحسن) من (ه) .
[46] مقدمة الفتح ص 477.
[47] في غير (ن) (تتضرع) .