فأوَّلُهم مشايخُه، نظر إليه سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ يومًا، فقال هذا يكون له صِيْتٌ.
وهكذا قال أحمدُ بنُ حَفْصٍ.
وكان إسماعيلُ بنُ أبي أُويس إذا انتخَبَ البخاريُّ من كتابه شيئًا نَسَخَ تلك الأحاديثَ لنفسه، وقال هذه الأحاديثُ انتخبَها البخاريُّ لنفسه من حديثي، فاتَّخذتُها لنفسي.
وكان مُحَبَّبًا عند مشايخه.
قال البخاريُّ اجتمع أصحابُ الحديثِ، فسألوني أن أكلِّمَ لهم إسماعيلَ بنَ أبي أُويس؛ ليزيدهم في القراءة، ففعلتُ، فدعا الجاريةَ فأمرها أن تُخرج صُرَّةَ دنانير، وقال يا أبا عبد الله، فَرِّقْها عليهم. قلت إنَّما أرادوا الحديث. قال قد أجبتُك إلى ما طلبوا من الزِّيادة، غير أنِّي أحبُّ أن يُضَمَّ هذا إلى ذلك.
قال وقال لي ابنُ أبي أُويس [1] انظر في كتبي، وجميعُ ما أَمْلِكُ لك.
وقال أبو مُصْعَب أحمدُ بنُ أبي بكر الزُّهْرِيُّ محمَّد بن إسماعيل أفقهُ عندنا وأَبْصَرُ بالحديث من أحمدَ بنِ حَنْبل. فقيل له جاوزتَ. فقال له لو أدركتَ مالكًا، ونظرتَ إلى وجهه، ووجهِ البخاريِّ لقلتَ كلاهما واحدٌ في الحديث والفقه.
وقال ابنُ حجر [2] المراد بالنَّظر إلى الوجه التبصُّر في المعارف.
وقال عَبْدانُ ما رأيتُ شابًَّا أبصرَ من هذا. وأشار إلى البخاريِّ.
قال محمَّدُ بنُ قُتيبةَ البخاريُّ رأيتُ عند أبي عاصمٍ النَّبيلِ غلامًا، فقلت له من أين أنت؟ قال من بخارىَ. قلت ابن مَن؟ قال ابن إسماعيل. قلت أنت قرابتي. فقال لي رجل بِحَضْرَةِ أبي عاصم هذا الغلام يناطحُ الكِبَاشَ. (يعني) يُقاوم الشُّيوخَ، فأقرَّه أبو عاصم، ولم ينكر [3] .
وقال قتيبةُ بنُ سعيد جالستُ الفقهاءَ، والزُّهَّادَ، والعُبَّادَ، فما رأيت منذ عقلتُ [4] مثلَ محمَّد البخاريِّ، وهو في زمنه، كعُمَرَ في الصَّحابة، ولو كان البخاريُّ في الصَّحابة لكان آيةً [5] .
وسئل قتيبةُ عن طلاق السَّكْرانِ، [فدخل البخاريُّ] ، فقال هذا أحمدُ بنُ حنبل،
ج 1 ص 2
وإسحاقُ بنُ راهويه، وعليُّ ابنْ المَدِيْنِيِّ قد ساقهم الله إليك، فَسَلْهُ. وأشار إلى البخاريِّ.
قال أبو عمرو الكِرْمَانِيُّ حَكَيْتُ لرجل بالبصرة أنَّ قُتيبةَ بنَ سعيدٍ قال لقد رُحِل إليَّ من شَرْقِ الأرض وغربِها، فما رَحَلَ إليَّ مثلُ محمَّدِ بنِ إسماعيلَ. قال صدق قُتَيبةُ، أنا رأيتهُ مع يحيى بنِ مَعينٍ، وهما جميعًا يختلفان إلى البخاريِّ، فرأيتُ يحيى ينقاد له في المعرفة.
وقال إبراهيمُ بنُ محمَّد بن سَلَام كان الرُّتُوت _ بضمِّ المهملة، والمثنَّاة الفوقانيَّة، وآخرها مثلها _ يعني الرُّؤساء من أصحاب الحديث، مثل سَعيد ابن أبي مريم، وحَجَّاج بن مِنْهال، وإسماعيل بن أبي أُويس، والحُمَيْدِيِّ، ونُعيم بن حَمَّاد، ومحمَّد بن يحيى، والحسين بن عليٍّ الحلوانيِّ الخَلَّال، ومحمَّد بن مَيْمُون الخَيَّاط، وإبراهيم بن المُنذر، وأَبي كُرَيب محمَّد بن العَلَاء، وأبي سعيد عبد الله بن سعيد الأَشَجِّ، وإبراهيم بن موسى الفَرَّاء، وأمثالهم، يفضِّلون [6] محمَّدَ بنَ إسماعيلَ على أنفسهم في النَّظر والمعرفة.
وقال الإمامُ أحمدُ بنُ حنبل ما أخرجتْ خراسانُ مثلَ البخاريِّ.
ولمَّا سأل عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبل أباه عن الحُفَّاظ فقال شَبَابٌ [7] من خُراسان، فعدَّهم، وبدأ بالبخاريِّ.
وقال يعقوبُ بنُ إبراهيمَ الدَّوْرَقِيُّ [8] ، ونُعيم بن حَمَّاد الخُزَاعِيُّ محمَّدُ بنُ إسماعيلَ فقيهُ هذه الأمَّةِ.
وقال محمَّدُ بنُ بشَّار البخاريُّ أفقهُ خلقِ الله في زماننا.
وقال ابن بشَّار _ لما قَدِمَ البخاريُّ البصرةَ _ دخل اليومَ سيِّدُ الفقهاء.
وقال ما قَدِمَ علينا مثلُ محمَّدِ بنِ إسماعيل، وأنا أفتخر به منذ سنين.
وقال كان علماءُ مكَّةَ يقولون [9] هو إمامنا، وفقيهنا، وفقيه خراسان.
وسأله شيخهُ عبدُ الله بنُ يوسف التِّنِّيْسِيُّ أن ينظر في كتبه، ويخبره بالسَّقط، فقال نعم.
ولمَّا دخل على الحُمَيْدِيِّ سنةَ حَجِّه، وهو ابن ثماني [10] عَشرَة سنةً، وبينه وبين آخرَ خصومةٌ في حديث، فلمَّا رأى البخاريَّ قال جاء من يَفْصِل بيننا. فَعَرَضَا الخصومة عليه [11] ، قال البخاريُّ فقضيتُ للحُمَيديِّ، وكان الحقُّ معه.
وقال محمَّد بن سَلَام البِيْكَنْديُّ انظُرْ في كتبي، فما وجدتَ من خطأ فاضربْ عليه. فقال له بعض أصحابه مَن هذا الفتى؟ فقال هذا الذي ليس له مثل.
وكان البِيْكَنْدِيُّ يقول كلَّما دخل عليَّ البخاريُّ تحيَّرت، ولا أزال خائفًا منه حتَّى يخرج.
يعني يخاف أن يُخطئ بحضرته.
وقال سُلَيم بنُ مجاهد كنت عند البِيْكَنْدِيِّ، فقال لو جئتَ قبلُ لرأيتَ صبيًّا يحفظ سبعين ألف حديث. قال فخرجتُ في طلبه، فلقيتُه، فقلتُ أنت الذي تقول أحفظ سبعين ألف حديث؟ قال نعم، وأكثر، ولا أجيئُك بحديث عن الصَّحابة أو التَّابعين إلَّا عرفتُ مولدَ أكثرهم، ووفاتهم، ومساكنَهم، ولست أروي حديثًا من حديث الصَّحابة، أو التَّابعين _يعني من الموقوفاتِ_ إلَّا ولي في ذلك أصلٌ أحفظه
ج 1 ص 2
حفظًا عن كتاب الله، وسنَّة رسوله.
قال عليُّ بنُ حُسَين بن عاصم قَدِمَ علينا محمَّدُ بنُ إسماعيل، فاجتمعنا عنده، فقال بعضُنا سمعتُ إسحاقَ بنَ راهَوَيه يقول كأنِّي أنظر إلى سبعين ألف حديث من كتابي. قال البخاريُّ أوتعجبُ من هذا؟! لعلَّ في هذا الزَّمان مَنْ ينظر إلى مئتي ألف حديث من كتابه. وإنَّما عَنَى نفسَه.
وقال محمَّدُ بنُ حَمدويه سمعتُ البخاريَّ يقول أحفظ مئة ألف حديثٍ صحيحٍ، وأحفظ مئتي ألف حديثٍ غير صحيحٍ.
وقال حاشدُ [12] بن إسماعيلَ رأيتُ إسحاقَ بنَ راهَوَيه على المنبر، والبخاريُّ جالس معه، وإسحاقُ يُحَدِّث، فمرَّ حديثٌ، فأنكره البخاريُّ، فرجع إسحاقُ إلى قوله، ثمَّ قال يا معشر أصحاب الحديث، انظروا إلى هذا الشَّابِّ، واكتبوا عنه، فإنَّه لو كان في زمن الحسن البصريِّ لاحتاجَ إليه؛ لمعرفته بالحديث، وفقهه.
وقال أبو بكر المَدِيْنِيُّ كنَّا يومًا عند ابن راهَوَيه، والبخاريُّ حاضر، فمرَّ إسحاقُ بحديث عن عطاء الكَيْخَارانِيِّ، فقال يا أبا عبد الله! أيُّ شيء كَيْخَارانُ؟ قال قرية باليمن، بَعَثَ معاويةُ هذا الصَّحابيَّ إلى اليمن، فسمع منه عَطَاءٌ هذا حديثين. فقال له إسحاقُ كأنَّك يا أبا عبد الله شهدتَ القوم.
فائدة
ذكر ابنُ السَّمْعانيِّ [13] في الأنساب هذه الحكاية بعينها بسندها، وضبط كَيْخَارانَ، فقال بفتح الكاف، وسكون الياء المثنَّاة التَّحتانيَّة، وفتح المعجمة، وراء بين أَلِفَيْنِ، آخرُها نون، قرية من قرى اليمن، والمشهور بهذه النِّسبة عطاء بن يعقوب، من أهل اليمن، مولى بني سِبَاع. ثمَّ قال وَهِمَ مَنْ قال كَيْخَارانُ قريةٌ من قرى رُسْتَاقِ مَرْو، لأنَّ أهل مَرْوٍ ليست عندهم هذه القرية، ولا يعرفونها. [انتهى] ، فتأمَّل.
قال البخاريُّ كنت عند ابن راهَوَيه، فسئل عَمَّنْ طلَّق ناسيًا، فسكت طويلًا متفكِّرًا، فقلت أنا قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم «إنَّ الله تَجَاوز عن أمَّتي ما حدَّثَتْ به أنفُسَها ما لم تَعمل به، أو تتكلَّم» [14] ، وإنَّما يُراد مباشرة هذه الثَّلاث العمل والقلب، أو الكلام والقلب، وهذا لم يَعْتقِدْ بقلبه. فقال لي إسحاق قَوَّيتني قَوَّاك الله. وأفتى به.
وقال فَتْح بن نوح النَّيسابوريُّ أتيتُ عليَّ بنَ المَدِيْنِيِّ، فرأيت عنده البخاريَّ جالسًا عن يمينه، وكان إذا حَدَّثَ التفت إليه مهابةً له.
قال البخاريُّ ما استصغرتُ نفسي عند أحد إلَّا عند عليِّ بن المَدِيْنِيِّ، وربَّما كنت أُغربُ عليه. قال حامدُ بنُ أحمد فذكرتُ هذا الكلامَ لابن المَدِيْنِيِّ، فقال لي دَعْ قَوْلَه، هو ما رأى مثلَ نفسه.
قال البخاريُّ كان ابنُ المَدِيْنِيِّ يَسألني عن مشايخ خُراسانَ، فكنت أذكرهم له، فذكرت محمَّدَ بنَ سَلَامٍ، فلم يعرفه، فقال لي يومًا يا أبا عبد الله! مَنْ أثنيتَ عليه، فهو عندنا رِضًى.
قال البخاريُّ [15] ذاكرني أصحابُ عَمْرو بنِ عليٍّ [16] الفَلَّاسِ بحديث، فقلت لا أعرفه. فَسُرُّوا بذلك، وصاروا إلى عمرو، فقالوا
ج 1 ص 2
له ذاكَرْنا [17] محمَّد بن إسماعيلَ بحديث، فلم يعرفه. فقال عَمْرو حديثٌ لا يعرفه البخاريُّ ليس بحديث.
قال أبو عمرو الكِرْمَانِيُّ سمعت عَمْرو [بن عليِّ] بن الفَلَّاس يقول صديقي أبو عبد الله البخاريُّ، ليس بخراسان مثلُه.
وقال رجاءُ بن مُرَجَّى [18] فضلُ محمَّد بن إسماعيل على العلماء كفضل الرِّجال على النِّساء، وهو آيةٌ من الآيات تمشي على ظهر الأرض.
وقال الحسينُ بنُ حُرَيْثٍ لَا أعلم أنِّي رأيت مثلَ البخاريِّ، كأنَّه لم يُخلق إلَّا للحديث.
وهكذا قال أبو بكر بنُ أبي شيبة، ومحمَّدُ بنُ عبد الله بن نُمير [19] ، وكان ابنُ أبي شيبةَ يسمِّيه البازل. أي الكامل.
وقال أبو عيسى التِّرْمِذيُّ كان البخاريُّ عند عبد الله بن مُنِير جالسًا، فلمَّا قام، قال يا أبا عبد الله! جعلك الله زَيْنَ هذه الأمَّة. قال التِّرمذيُّ فاستجاب الله تعالى له فيه.
وقال الفِرَبْرِيُّ رأيت عبد الله بن مُنير يكتب عن البخاريِّ، وسمعته يقول أنا مِن تلامذته.
قلت وابن مُنِير من شيوخه، روى عنه في الصَّحيح، كما سيأتي ترجمته إن شاء الله، ومات هو وأحمدُ بنُ حنبل في سنةٍ واحدة، سنة إحدى وأربعين ومئتين.
وقال يحيى بن جعفر البِيْكَنْدِيُّ لو قَدَرْتُ أن أزيد من عمري في عُمُرِ البخاريِّ لفعلتُ؛ فإنَّ موتي موتُ رجل واحد، وموتُ البخاريِّ فيه ذهابُ العلم.
وقال له مرَّة لولا أنت أيُّها البخاريُّ ما استَطْيَبْتُ [20] العيشَ ببخارى.
وقال عبد الله بن محمَّد المُسْنَدِيُّ محمَّد بن إسماعيل إمامٌ، فمن لم يجعله إمامًا، فاتَّهمْه.
وقال عليُّ بنُ حُجْر أخرجتْ خراسانُ ثلاثةً البخاريَّ. فبدأ به، وقال هو أبصرُهم، وأعلمُهم بالحديث، وأفقهُهم، ولا أعلم أحدًا مثلَه.
وقال أحمدُ بنُ إسحاقَ مَن أراد أن ينظر إلى فقيه بحقِّه، فلينظر إلى محمَّد بن إسماعيل.
وقال حاشِدُ بنُ إسماعيلَ رأيت عَمْرو بن زُرَارةَ، ومحمَّدَ بنَ رافعٍ عند البخاريِّ، وهما يسألانِه عن عِلَلِ الحديث، فلمَّا قاما، قالا لمن حضر المجلس لا تَغْفُلوا عن أبي عبد الله؛ فإنَّه أفقه منَّا وأعلم [21] وأبصر.
وقال كنَّا عند ابن رَاهَوَيْه، وعَمْرو بن زُرَارَةَ، وأصحابُ الحديث يكتبون عنه، وإسحاقُ يقول هو أبصرُ مِنِّي. وكان البخاريُّ إذ ذاك شابًّا.
وقال عبد الله بن محمَّد حضرت مجلس أحمدَ بنِ إِشْكَابٍ، فجاء رجل من الحفَّاظ، فقال ما لنا بمحمَّد [22] بن إسماعيل طاقةٌ. فقام ابنُ إِشكاب، وترك المجلسَ غضبًا من المتكلِّم في البخاريِّ.
ولمَّا مات أحمدُ بن حَرْب النَّيسابوريُّ، ركبَ ابنُ راهويه والبخاريُّ يُشَيِّعانِ جنازته، جعل أهل المعرفة ينظرون، ويقولون محمَّد أفقهُ من إسحاق.
ذِكْرُ طرفٍ من ثناء أقرانه عليه وأتباعه
قال أبو حاتم الرَّازيُّ لم تُخْرج خراسانُ قطُّ أفضلَ
ج 1 ص 2
من البخاريِّ ولا أحفظَ، ولا قَدِمَ منها إلى العراق أعلم منه.
وقال الحسينُ بن محمَّد ما رأيتُ مثل محمَّد بن إسماعيل، ومسلمٌ حافظٌ لكنَّه لم يبلغ مبلغ البخاريِّ. قال ورأيتُ أبا زُرْعَةَ وأبا حاتِم يستمعان إليه، وكان أمَّةً من الأُمم، دَيِّنًا، فاضلًا، يحسن كلَّ شيء، وكان أعلمَ من محمَّدِ بنِ يحيى الذُّهْلِيِّ بكذا وكذا.
وقال عبد الله بنُ عبدِ الرَّحمن الدَّارِميُّ رأيتُ العلماء بالحَرَمين، والحجازِ، والشَّامِ، والعراقِ، فما رأيتُ فيهم أجمعَ من البخاريِّ. وقال أيضًا هو أعلمُنا، وأفقهُنا، وأكثرُنا طلبًا.
وسئل الدَّارِمِيُّ عن حديث، وقيل له إنَّ البخاريَّ صحَّحه. فقال البخاريُّ أبصرُ مِنِّي، وهو أَكيَسُ خلقِ الله، عَقَلَ عن الله ما أَمَر به ونَهَى عنه في كتابه على لسان نبيِّه، إذا قرأ البخاريُّ القرآن شَغَلَ قلبَه، وبصرَه، وسمعَه، وتفكَّر في أمثاله، وَعَرَفَ حرامَه من حلالِه.
وقال أبو الطَّيِّب حاتم بن منصور كان البخاريُّ آية من آيات الله في بَصَرِهِ ونفاذِه في العلم.
وقال أبو سهل [23] دخلتُ البَصْرَةَ والشَّامَ، والحجازَ والكوفةَ، ورأيت علماءَها، فكلَّما جرى [24] ذِكْرُ البخاريِّ فضَّلُوه على أنفسهم. وقال سمعتُ أكثر من ثلاثين عالمًا من علماء مصر يقولون حاجتُنا في الدُّنيا النَّظرُ إلى محمَّد بن إسماعيل [25] .
وقال صالحُ بنُ محمَّد (المشهورُ) بِجَزَرَة ما رأيت خراسانيًّا أفهمَ من البخاريِّ، وكان أحفظهَم للحديث، وكنت أستملي له ببغداد، فبلغَ من حضر المجلس عشرين ألفًا.
وسُئل أبو العبَّاس الفَضْلُ بنُ العبَّاس الشهيرُ بفَضْلَكَ الرَّازيُّ أيُّهما أحفظُ محمَّدُ بنُ إسماعيلَ أو أبو زُرْعَةَ؟ قال لقيتُ البخاريَّ بين حُلْوانَ وبغدادَ، فرجعتُ معه مَرْحَلةً، وجَهِدْتُ كلَّ الجَهْدِ أن أجيء [26] بحديث لا يعرفه، فما أمكنَ، وها أنا أُغْرِبُ على أبي زُرْعَةَ عددَ شعرِ رأسه.
وقال محمَّدُ بنُ عبد الرَّحمن الدَّغُولِيُّ كتب أهلُ بغدادَ إلى البخاريِّ كتابًا فيه
~المسلمون بخير ما بقيتَ لهم وليس بعدك خيرٌ حين تُفْتَقَدُ
قال إمام الأئمَّة محمَّدُ بنُ إسحاقَ بنِ خُزَيْمَةَ ما تحت أديم السَّماء أعلم بالحديث من(محمَّد بن إسماعيل.
وقال أبو عيسى التِّرْمِذِيُّ لم أَرَ أعلمَ بالعِلل والأسانيدِ من)البخاريِّ.
وقال له مسلم أشهد أنَّه ليس في الدُّنيا مثلُك.
وجاء مُسْلم إلى البخاريِّ، فقبَّل بين عينيه، وقال دعني (حتَّى) أُقَبِّلَ رِجْلَيك، يا أُستاذَ الأُسْتاذِين، وسيِّدَ المحدِّثين، ويا طبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال أبو عَمْرو الخَفَّافُ حدَّثنا التَّقيُّ النَّقيُّ العالمُ، الذي لم أَرَ مثلَه، محمَّدُ بنُ إسماعيلَ. قال [27] وهو أعرف بالحديث من أحمدَ، وإسحاقَ، وغيرِهما بعشرين درجة، ومن قال فيه
ج 1 ص 2
شيئًا، فعليه مِنِّي ألف لعنة. وقال لو دخل عليَّ من هذا الباب، وأنا أحدِّث، لَمُلِئْتُ منه رُعبًا.
وقال عبد الله بن حمَّاد [28] الآمُليُّ لوددتُ أنِّي كنت شعرةً في جسد البخاريِّ.
وقال سُليم بن مُجاهد ما رأيت منذ ستِّين سنة [29] أحدًا أفقه، ولا أورعَ من البخاريِّ.
وقال موسى بن هارون الحَمَّال الحافظ البغداديُّ عندي لو أنَّ أهل الإسلام أجمعوا [30] على أن يُنَصِّبُوا مثلَ محمَّد بن إسماعيل ما قَدَروا عليه.
وقال عبد الله بن محمَّد سمعتُ العلماء بالبصرة يقولون ما في الدُّنيا مثل البخاريِّ في المعرفة، والصَّلاح. قال وأنا أقول قولهم.
وقال الحافظ أبو العبَّاس أحمد بن محمَّد لو أنَّ رجلًا كتب ثلاثين ألف حديث لمَا استغنى عن تاريخ البخاريِّ.
وقال الحاكم أبو أحمد كان البخاريُّ أحدَ الأئمَّة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إنِّي لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يشبه تصنيفَه في الحُسن والمبالغة، لرجوتُ أن أكون صادقًا.
قلتُ لو فتحتُ باب ثناء الأئمَّة عليه ممَّن تأخَّر عن عصره لفني القرطاسُ، ونفِدت الأنفاسُ، فذاك بحر لا ساحل له، وموج لا آخر له، وبعد ما تقدَّم من ثناء مشايخه، وأهل عصره ممَّن خالطه، وعالجه، وباحثه، لا يحتاج إلى ثناء مَنْ بعدَهم؛ لأنَّهم أثنوا بما عاينوا، وحقَّقوا، وحاشاهم أن يتكلَّموا بما هو ليس بواقع، على أنَّ العادة جرت (على) أنَّ الأقران قَلَّ أن يَخْلوا من منافسة ما، إلَّا من عصمهم [31] الله تعالى، فهذا أدلُّ دليل على عِظَم شأن البخاريِّ؛ حيث أثنى عليه مشايخهُ وأصحابهُ في الاشتغال وتلامذتهُ، وناهيك في هذا شاهدًا على أنَّ الخبر ليس كالمعاينة.
[1] في (ن) تحريفًا (ابن أبي شيبة أويس) .
[2] في مقدمة الفتح ص 482.
[3] في (ن) تصحيفًا (يذكر) .
[4] في (ن) تصحيفًا (علقت) .
[5] في (ن) (أمة) .
[6] في (ن) تصحيفًا (يعضون لمحمد) . وفي (ف) (يقضون لمحمد) ، والمثبت من (ه) وهو موافق لابن حجر في مقدمة الفتح.
[7] في (ن) تصحيفًا (شابٌّ) .
[8] في (ن) تصحيفًا (الدروقي) .
[9] في (ف) تقول.
[10] في النسخ كلها (ثمانية عشر سنة) والمثبت هو الوجه.
[11] في غير (ن) (فعرضنا للخصومة) .
[12] في (ن) تصحيفًا (حامد) .
[13] الأنساب 5/ 122.
[14] أخرجه البخاريُّ برقم (5269) ، ومسلم برقم (127) .
[15] في (ن) تصحيفًا (للبخاري) .
[16] سقطت (عليِّ) من (س) .
[17] في غير (ن) و (س) (ذكرنا) .
[18] في غير (ن) (مرجان) وهو تصحيف.
[19] في (س) (منير) وهو تصحيف.
[20] في غير (ن) (استطبت) .
[21] في غير (ن) و (س) (وأعلم منا) .
[22] في (ن) (لمحمد) والمثبت أولى.
[23] تصحَّف في غير (ن) إلى (سهيل) .
[24] في غير (ن) (جيء) .
[25] كذا العبارة هنا ومثله ما في تغليق التعليق 5/ 410، وهدى الساري ص 485، والذي في السِّير 12/ 426، وهداية الساري ص 95 (النظر إلى تاريخ محمد بن إسماعيل) أي امتلاكهم نسخة منه يُمَكِّنُهم النَّظر فيها من استيعاب منهجه وطريقته فيه.
[26] في غير (ن) (آتي) .
[27] في (س) (قال) مكررة.
[28] في النسخ كلها (أحمد) والمثبت من المصادر.
[29] في غير (ن) (سنين) بدل (ستين سنة) .
[30] في غير (ن) (اجتمعوا) .
[31] في (س) (عصمه) .