فهرس الكتاب

الصفحة 1639 من 2285

1540 # سَوْدَةُ بنتُ زَمْعَةَ بنت قيس، القرشيَّة، الصَّحابيَّة، أمُّ المؤمنين، وأمُّها هي الشَّمُوس بنت قيس.

وكانت أوَّلًا تحت ابن عمٍّ لها يقال له السَّكران بن عمرو. أخو سهيل بن عمرو، أسلم معها، وهاجرا جميعًا إلى أرض الحبشة، فلمَّا قدما مكَّة مات زوجها، [وقيل مات بالحبشة] . ثمَّ تزوَّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكَّة بعد موت خديجة، قبل أن يتزوَّج بعائشة. قاله [1] قتادة، وأبو عبيدة، وغيرهما، وقال عبد الله بن محمَّد بن عقيل تزوَّجها بعد عائشة. وروي القولان عن الزُّهريِّ، وجمع بعض المحقِّقين بينهما، فقال عقد على عائشة أوَّلًا، ودخل على سودة قبل عائشة.

[قالت عائشة] لمَّا ماتت خديجة جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت يا رسول الله، ألا تتزوَّج؟ قال «بمن» ؟ قالت إن شئت بكرًا، وإن شئت ثيِّبًا. قال «من البكر، ومن الثَّيِّب» ؟ قالت أمَّا البكر فابنة أحبِّ الخلق إليك، بنت أبي بكر، وأمَّا الثَّيِّب فسودة بنت زمعة، قد آمنت بك، واتَّبعتك. قال «فاذكريهما عليَّ» . قالت فأتيت أمَّ رُومان. وستأتي قصَّتها في ترجمة عائشة، إن شاء الله تعالى. قالت خولة ثمَّ ذهبت إلى سودة بنت زمعة، فقلت ما أدخل الله تعالى عليكم من الخير والبركة؟ فقالت وما ذلك؟ قلت إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني إليك لأخطبك عليه [2] . قالت وددت ذلك، ولكن ادخلي على أبي، واذكري له ذلك. وكان أبوها شيخًا كبيرًا تخلَّف عن الحجِّ، فدخلت عليه، وحيَّيته بتحيَّة الجاهليَّة، فقلت أنعم صباحًا. فقال من أنت؟ قلت خولة بنت حكيم. فرحَّب بي، وقال ما شاء الله أن يقول، قالت فقلت إنَّ محمَّد بن عبد الله يذكر ابنتك سودة. فقال هو كريم، فما تقول صاحبتك؟ قلت تحبُّ ذاك. قال فقولي له فليأت. فجاء صلى الله عليه وسلم فملكها، وكان أخوها عبد بن زمعة غائبًا، فلمَّا رجع من الحجِّ وجد أخته قد تزوَّجت، فجعل يحثو التُّراب على رأسه، فلمَّا أسلم كان يقول إنِّي كنت سفيهًا يوم كنت أحثو التُّراب على رأسي.

ثمَّ لمَّا كبرت سودة وهبت نوبتها لعائشة، تبتغي بذلك مرضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومين، يومها ويوم سودة، وفي رواية أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هَمَّ بطلاق سودة لمَّا كبرت، فقالت يا رسول الله، لا تطلِّقني، فإنِّي أريد أن أحشر يوم القيامة في جملة نسائك، وما أريد ما تريد النِّساء، وقد جعلت نوبتي لعائشة.

قالت عائشة [3] ما رأيت امرأة أحبَّ إليَّ أن أكون في مِسْلاخها من سودة بنت زمعة، من امرأة فيها حدَّة. قال الطَّبريُّ تشير إلى هَدْيها وطريقها، كأنَّها تمنَّت أن تكون على مثله.

قالت عائشة [4] في قوله تعالى {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا} [النساء 128] هي المرأة تكون عند الرَّجل، لا يستكثر منها، فيريد طلاقها، ويتزوَّج غيرها، تقول أمسكني ولا تطلِّقني، ثمَّ تزوَّج غيري، وأنت في حلٍّ من النَّفقة عليَّ، والقسم لي. فأنزل الله تعالى {فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا} الآية [النساء 128] وقال أبو عمر [5] نزلت هذه الآية في سودة. والمشهور الأوَّل أنَّها مطلقة، لم تخصَّ أحدًا، وغلط من جعل سودة أسرع أزواج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لحوقًا به؛ لحديث «أسرعكنَّ بي أطولكنَّ يدًا» ؛ لأنَّها زينب، كما مرَّ.

قالت عائشة أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بحريرة طبختها له، فقلت لسودة _ ورسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبينها _ كلي. فأبت، فقلت لها كلي، وإلَّا لطَّخت وجهك. فأبت، فوضعت يدي في الحريرة، وطليت بها وجهها، فضحك النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، [ووضع فخذه لها عليَّ، وقال لسودة «الطخي وجهها» . فلطَّخت وجهي، فضحك النَّبيًّ صلى الله عليه وسلم] أيضًا.

قالت عائشة كانت سودة امرأة ثبطة ثقيلة، فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة أن تدفع قبله، وقبل حَطْمة النَّاس، فأذن لها، فخرجت قبل النَّاس، وحبسنا حتَّى أصبحنا، فدفعنا بدفعه. وقد مضى في ترجمة زينب أنَّها وسودة [6] لزمتا قعر بيتهما، وما سافرتا لحجٍّ، ولا لغيره بعد موته صلى الله عليه وسلم للحديث المذكور، ثمَّ قال زين العابدين جميع ما تزوَّج النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم خمس عشرة امرأة، منها سودة.

قالت سودة جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنَّ أبي شيخ كبير، لا يستطيع أن يحجَّ، أفأحجُّ عنه؟ قال «أرأيتك لو كان على أبيك دين فقضيته عنه قبل منك» ؟ قال نعم. قال «فالله أرحم، حجَّ عن أبيك» [7] .

روت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة أحاديث.

روى عنها ابن عبَّاس.

نقل عنها البخاريُّ بالواسطة، في كتاب الأيمان والنُّذور [خ¦6686] .

ماتت في أواخر [8] خلافة عمر بن الخطَّاب، وانتهت خلافته سنة ثلاث وعشرين. قاله الجمهور، وروي عن الواقدي أنَّها ماتت بالمدينة، في شوَّال سنة أربع وخمسين، في خلافة معاوية، وكان زواج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بها السَّنة العاشرة من النُّبوَّة، أو الثَّامنة قبل الهجرة، وقيل طلَّقها صلى الله عليه وسلم ثمَّ راجعها. والصَّحيح ما ذكرنا أوَّلًا أنَّه همَّ بطلاقها، وزوجها الأوَّل السَّكران، وإخوته سهل، وسهيل، وسليط، وحاطب أولاد عمرو، كلُّهم صحابة.

مسألة

استدلَّ الفقهاء بقضيَّة سودة أنَّه يجوز للضُّرَّة أن تهب نوبتها لضرَّة معيَّنة من ضرائرها، ويقسم الزَّوج لها يومها، كما كان للواهبة متَّصلًا أو مفترقًا، ولا يجوز له وصل المفترق، ولا العكس، لكن يشترط في صحَّتها رضى الزَّوج، وليس في الفقه هبة تتوقَّف على رضى غير الموهوب منه، ولا يعتبر رضاه سوى هذه، ولا تعكِّر [9] علينا الهبة من المحجور عليهم، فإنَّ الأولياء منزَّلون منزلة أنفسهم.

تنبيه

استنبط تقيُّ الدِّين الحصنيُّ من هذه المسألة تحريم أخذ المال على النُّزول عن الوظائف، كما جرت العادة بذلك، فإنَّ الفقهاء صرَّحوا بأنَّ الواهبة للضُّرَّة [10] نوبتها لو أرادت أن تأخذ مالًا على هذه الفعلة لم يصحَّ؛ لأنَّها مجرَّد حقٍّ. قال الحصنيُّ وكذلك النُّزول، فإنَّه مجرَّد حقِّ، كحقِّ الشُّفعة. قال وإن جرت لذلك عادة المتساهلين من الفقهاء، لكن استدلَّ السُّبكيُّ تقيُّ الدِّين بجواز أخذ المال على ذلك، أخذًا من خلع الأجنبي، وتصير الوظيفة شاغرة، ويتعلَّق الأمر بالنَّاظر يقرِّر فيه من شاء، نعم قال لو بذل المال على أن يستحقَّ الوظيفة حرم الأخذ.

[1] في (ن) (قال) .

[2] في غير (ن) (عليه) .

[3] الحديث في صحيح مسلم، برقم (1463) ، وقال الشارح المِسْلاخ الجِلْد، ومعناه أن أكون أناهي، وقال ابن حجر في الفتح 1/ 130 والمراد أن تكون نظيرتها في كل شيء، ويجوز في (زمعة) فتح الميم وإسكانها، كما في شرح مسلم للنووي 10/ 48.

[4] في غير (ن) (قالت يا عائشة) .

[5] الاستيعاب 4/ 1867.

[6] في غير (ن) (أنا وزينب) .

[7] مسند الإمام أحمد، برقم (27417) .

[8] في غير (ن) (في آخر) .

[9] في (ن) تصحيفًا (ولا يعكس) .

[10] في غير (ن) (للضرورة) وهو تصحيف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت