579 # طَلْحَةُ بنُ عُبيد الله، بن عثمان، أبو محمَّد، التَّيْمِيُّ، القرشيُّ، المدنيُّ، الصَّحابيُّ.
أحد العشرة المبشَّرة، وأحد الثَّمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر، وأحد السِّتَّة أصحاب الشُّورى على لسان عمر. شهد بدرًا أَجْرًا وأجرة، لا بَدَنًا وحَضْرة، لأنَّه كان بالشَّام، إمَّا تاجرًا، وإمَّا جاسوسًا. بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه سعيد بن زيد إلى طريق الشَّام، يتجسسَّان الأخبار، وهذا هو الأصحُّ، كما قاله ابن الأثير [1] . قال ولولا ذلك لم يطلب سهمه وأجره، لكنَّه سألهما، فقال صلى الله عليه وسلم «لك سهمك وأجرك» .
روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية وثلاثين حديثًا. ذكر البخاريُّ منها أربعة، وأمُّه الصَّعْبَةُ بنت عبد الله بن مالك الحَضْرَمِيَّةُ، أخت العلاء الحضرميِّ، أسلمت، وأمُّها عاتكة بنت وَهْبٍ.
يُعرف بطلحة الخير، سمَّاه يوم أُحُدٍ بذلك، وطلحة الجُود، سمَّاه يوم حُنين بذلك، وطلحة الفَيَّاض، سماه يوم العُسْرَةِ بذلك، وسمِّي [2] طلحة الطَّلحات أيضًا. قاله الكرمانيُّ، قال وليس هذا طلحة الطَّلحات الذي (قيل) فيه
~رحم الله أعظمًا دفنوها بسِجِسْتَانَ طَلْحَةَ الطَّلَحاتِ [3]
لأنَّ هذا خُزَاعِيٌّ مدفون بسجستان. دعاه أبو بكر الصِّديق إلى الإسلام، فأطاعه، فأخذه ودخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا أسلم هو وأبو بكر أخذهما نوفل بن خويلد، فشَدَّهما في حبل واحد، ولم يمنعهما تيم [4] ، وكان نوفل أشدَّ قريش؛ فلذلك أبو بكر وطلحة يسمَّيان بالقرينين. وقيل إنَّ الذي قرنهما عثمان بن عبيد الله أخو طلحة، فشدَّهما ليمنعهما عن الصَّلاة وعن دينهما، فلم يجيباه، فلم يرعهما إلَّا وهما مطلقان يصلَّيان، ولمَّا أسلم طلحة والزُّبير آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما بمكَّة، فلمَّا هاجر المسلمون إلى المدينة،
ج 1 ص 2
(آخى بين طلحة وأبي أيُّوب الأنصاريِّ،) ومن الغريب أنَّ طلحة والزُّبير ولدا في عام واحد، وأسلما معًا، واستشهدا معًا، وتواخيا معًا، وهما جارا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنَّة.
شهد أُحُدًا وما بعدها من المشاهد، وبايع بيعة الرِّضوان، وأبلى يوم أُحُد بلاء عظيمًا، ووَقَى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، وأبعدَ عنه النَّبل بيده، حتَّى شَلَّتْ أصبعه، وضُرب ضربة على رأسه، (وجُرح يومئذ أربعًا وعشرين جراحة. وقيل خمس وستُّون، بين طعنة، وجراحة، ورمية، وضربة،) وحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى صعد الصَّخرة، وكان يومئذ على رسول الله صلى الله عليه وسلم درعان، فنهض إلى الصَّخرة، فلم يستطع، فقعد تحته طلحة [5] ، فصعد حتَّى استوى على الصَّخرة، فقال صلى الله عليه وسلم «أوجب طلحة» . يعني الجنَّة، كما رواه الثَّعلبيُّ، وقال صلى الله عليه وسلم «طلحة والزُّبير جاراي في الجنَّة» . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من سرَّه [6] أن ينظر إلى شهيد يمشي على رجليه، فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله» .
وعن طلحة أنَّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لأعرابيٍّ جاء يسأله [7] عمَّن قضى نحبه، من هو؟ قال فسأله الأعرابيُّ، فأعرض عنه، ثمَّ سأله فأعرض عنه، ثمَّ إنِّي طلعت من باب المسجد، وعليَّ ثياب خضر، فلمَّا رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أين السَّائل عمَّن قضى نحبه؟ قال الأعرابي أنا يا رسول الله. قال «هذا ممَّن قضى نحبه» . وقتل يوم الجمل، وكان شهده [8] محاربًا لعليٍّ، فزعم بعضهم أنَّ عليًّا دعاه، فذكره أشياء من سوابقه، على ما قاله للزُّبير، فرجع عن قتاله، واعتزل في بعض الصُّفوف، فرمي بسهم في رجله، وقيل إنَّ السَّهم أصاب ثُغْرَةَ نحرِه. رماه مروان بن الحكم. قال يحيى بن سعيد قال طلحة يوم الجمل منشدًا _ من البحر الوافر_
~ندمتُ نَدامَةَ الكُسَعِيِّ لَمَّا شَرَيْتُ رضى بني جَرْمٍ بِرغْمِي [9]
اللهمَّ خذ لعثمان منِّي حتَّى ترضى، وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّه كان شديدًا على عثمان، ولمَّا بلغ عليًّا مسيرُ طلحة والزُّبير وعائشة ويَعْلَى بنِ أُميَّة، قال بليت بأربعة أدهى النَّاس وأسخاهم طلحة، وأشجع النَّاس الزُّبير، وأطوع النَّاس [في النَّاس] عائشة، وأكثر النَّاس غنًى يعلى بن أميَّة، والله ما أنكروا عليَّ شيئًا منكرًا، ولا استأثرت بمالي، ولا مِلْتُ بهوًى، وإنَّهم يطلبون حقًّا تركوه، ودمًا سفكوه، ولقد وَلَّوهُ دوني، وإن كنت شريكهم في الإنكار لما
ج 1 ص 2
أنكروه، وما تبعة عثمان إلَّا عندهم، وبايعوني ونكثوا بيعتي، وما استأْنَوني حتَّى يعرفوا جَوْري من عدلي، وإنِّي لراض بحجَّة الله عليهم، وعلمه فيهم، وإنِّي مع هذا داعيهم، ومُعْذِر إليهم، فإن قبلوه فالتَّوبة مقبولة، والحقُّ أولى ما انصرف إليه، وإن أبَوْا أعطيتهم حدَّ السَّيف، وكفى به شافيًا وناصرًا من باطل. قال علي وإنِّي لأرجو أن أكون أنا، وطلحة، وعثمان، والزُّبير ممَّن قال الله فيهم {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} [الحجر 47] .
وكان سبب قتل طلحة أنَّ مروان بن الحكم رماه بسهم في ركبته، فقطع من رجله عِرْق النَّسَا، فجعلوا إذا أمسكوا فم الجرح انتفخت رجله، وإذا تركوه جرى، فقال دعوه، فإنَّما هو سهم أرسله الله. فمات منه. وقال مروان لا أطلب بثأري بعد اليوم. والتفت إلى أَبَان بن عثمان، فقال قد كفيتك بعض قتلة أبيك. ودفن إلى جانب الخلاء.
وكان آدم حسن الوجه، كثير الشَّعر، ليس بالجَعْد القَطَطِ ولا بالسَّبط، وكان لا يغيِّر شيبه [10] . وقيل كان أبيض يضرب إلى الحمرة، مربوعًا إلى القصر أقرب، رحب الصَّدر، عريض المنكبين، إذا التفت التفت جميعًا، ضخم القدمين. وسمع عليٌّ رجلًا ينشد [11] _ من البحر الطَّويل _
~فَتَىً كان يُدنيه الغِنَى من صديقِه إذا ما هو استغنىَ ويُبْعِدُه الفَقْرُ
~كأنَّ الثُّرَيَّا عُلِّقَتْ في جَبينِه وفي خَدِّهِ الشِّعْرَى وفي الآخَرِ البَدْرُ
فقال ذلك [12] طلحة بن عبيد الله.
وقال في روض الأفكار وقف عليٌّ على طلحة مقتولًا، فأنشد الأبيات في حقِّه. قال الشَّعبيُّ لمَّا قتل طلحة ورآه عليٌّ مقتولًا جعل يمسح التراب عن وجهه، وقال يَعِزُّ عليَّ أبا محمَّد أن أراك مجندلًا [13] تحت نجوم السَّماء. ثمَّ قال إلى الله أشكو عُجَرِيْ [وبُجَرِيْ] . وترحَّم عليه، وقال ليتني متُّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة. وبكى هو وأصحابه.
قال سفيان بن عيينة كانت غلَّة [14] طلحة كلَّ يوم ألفًا وافيًا. قال الواقديُّ وزنُه وزنُ الدِّينار، وزنُ دراهم فارس التي تعرف بالبَغْلِيَّةِ.
وروى حمَّاد بن سَلَمَةَ أنَّ رجلًا رأى في منامه أن طلحة قال حوِّلوني عن قبري، فقد آذاني الماء. ثمَّ رآه أيضًا؛ حتَّى رآه ثلاث مرَّات في ثلاث ليالٍ، فأتى ابن عبَّاس فأخبره، فنظروا؛ فإذا شقُّه الذي يلي الأرض قد اخضرَّ من نَزِّ الماء، فحوَّلوه، فكأنِّي انظر إلى الكافور في عينيه لم يتغيَّر إلَّا عقيصته، فإنَّها مالت عن موضعها، فاشتروا له دارًا من دور أبي بَكْرَةَ بعشرة آلاف درهم، فدفنوه فيها.
وروى بعضهم أنَّ الشَّيخ أبا محمَّد القاسم بن عبد البصريَّ خرج يومًا إلى ظاهر
ج 1 ص 2
البصرة وأنا معه، فأتى إلى تربة طلحة بن عبيد الله، فلمَّا رأى القبر، رجع القهقهرى، ثمَّ عاد، فأتى القبر، [وزاره] وهو مطرق متأدِّب، فلمَّا خرج [15] سألته عن ذلك، فقال لمَّا أقبلت على قبره رأيته جالسًا، عليه حلَّة خضراء، وتاج مكلَّل بالدُّرِّ والجوهر [16] ، عن يمينه حوراء، وعن يساره حوراء من حور الجنَّة، فاستحييت، فرجعت لوجهي، فأقسم عليَّ بالنَّبيِّ [17] صلى الله عليه وسلم أن أرجع، فرجعت إليه.
وروى البخاريُّ عن(قيس بن أبي حازم، قال رأيت يد طلحة التي وقى بها النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم شَلاَّءَ. [18]
وروى البخاريُّ عن) عمر أنَّه قال توفِّي النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وهو عنه راض، يعني عن طلحة [19] .
وروى البخاريُّ عن أبي عثمان، قال لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض تلك الأيَّام التي قاتل فيهنَّ غير طلحة وسعد [20] .
وعن موسى بن طلحة قال أصيب أصبع طلحة فقال حَسِّ [21] . فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم «لو قلت بسم الله لرأيت بنيانًا يبنى لك في الجنَّة» .
وعن أبي بكر الصِّديق قال كنت أوَّل من فاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وإذا طلحة قد غلبه النَّزف، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أشدُّ [22] بلاء منه، فقال عليكم بصاحبكم. فتركناه وأقبلنا على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وإذا مِغْفَرُهُ قد علق بوجنتيه، وبيني وبين المشرق رجل أنا أقرب إليه منه، فإذا هو أبو عبيدة بن الجرَّاح، فذهبت لأنزع حلقة المغفر عن وجهه [23] ، فقال أبو عبيدة أنشدك الله يا أبا بكر إلَّا تركتني، فتركته فانتزعها [24] ، فانتزعت ثنيَّة [25] أبي عبيدة، (فذهبت لأنزعه من جانب آخر، فقال لي مثل ذلك، فانتزعها، فانتزعت ثنيَّة أبي عبيدة) الأخرى، فقال رسول الله «أما إنَّ صاحبكم قد استوجب وأوجب» . يعني طلحة الجنَّة [26] .
وروى الثَّعلبيُّ عن عبد الله بن أبي نَجيح أنَّ طلحة بن عبيد الله _ يوم أحد _ كان محتضنًا للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقد بُهِرَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقال فجاء سهم متوجِّه إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فاتَّقاه طلحة بيده، فأصاب خنصره، فقال حَسِّ. ثمَّ قال بسم الله. فقال صلى الله عليه وسلم «لو أنَّ بها بدأت لتخطفنَّك الملائكة حتَّى تدخلك الجنَّة» . وفي رواية «لرفعتك الملائكة والنَّاس ينظرون إليك، حتَّى تلج بك في جوِّ السَّماء» . [27]
قال في _ روض الأفكار_ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سعيد بن زيد، قبل خروجه إلى بدر يتجسَّسان خبر العِيْر، فمرَّت بهما، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرها، فخرج، ورجعا يريدان [28] المدينة، ولم يعلما بخروج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقدما في اليوم الذي لاقى
ج 1 ص 2
فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين، فخرجا يعترضان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقياه من منصرفه من بدر، فضرب لهما بسهميهما وأَجْرَيْهمِا [29] _ كما مرَّ _ فكانا كمن شهد بدرًا، وفي توثيق عُرى الإيمان، كان صلى الله عليه وسلم إذا حضر وطلحة غائب، يقول «ما لي لا أرى الصَّبيح المليح الفصيح» ؟
وكان أبو بكر إذا ذُكر له يوم أحد قال ذلك يوم لطلحة كلُّه، أتيناه وهو في بعض الخباب [30] به بضع وسبعون جراحًا، ما بين ضربة وطعنة ورمية؛ حتَّى قطع نَسَاؤه وشَلَّت أصبعه.
واجتمع مرَّة عنده أربع مئة ألف درهم، فأنفقها في يومه على فقراء المهاجرين والأنصار.
وقال طلحة عقرت يوم أُحُد في جميع جسدي حتَّى في ذَكَرِي.
وذكر الواقديُّ عن طلحة بن عبيد الله قال حضرت سوق بُصرى؛ فإذا راهب في صومعته، يقول سلوا أهل الموقف، أفيهم أحد من أهل الحرم؟ قال طلحة فقلت نعم، أنا. فقال هل ظهر أحمد؟ قلت ومن أحمد؟ قال ابن عبد المطَّلب، هذا شهره الذي يخرج فيه [31] ، وهو أخر الأنبياء، ومخرجه من الحرم، ومهاجره إلى نخل ذات حَرَّةٍ وسِبَاخٍ، فإيِّاك أن تُسبق إليه. فقال طلحة فوقع في قلبي ما قال، فخرجت سريعًا حتَّى قدمت مكَّة، فقلت هل كان من حدَث؟ قالوا نعم، محمَّد الأمين قد تنبَّأ [32] ، وتبعه ابن أبي قحافة. فخرجت حتَّى دخلت على أبي بكر؟ فقلت اتَّبعت هذا الرَّجل؟ فقال نعم، فانطلقْ إليه فاتَّبعه، فإنَّه يدعو إلى الحقِّ. فأخبره طلحة بما قال الرَّاهب، فخرج أبو بكر بطلحة، فدخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم طلحة، وأخبره خبر الرَّاهب، فسُرَّ بذلك.
وعن الحسن أنَّ طلحة باع أرضًا من عثمان بسبعمئة ألف، فبات _ وذلك المال عنده _ أَرِقًَا مغمومًا، فقيل له مالك مغمومًا؟ قال المال الذي عندي كربة. فلمَّا أصبح فَرَّقهُ حتَّى ما بقي منه درهم. وفي رواية فلمَّا جاء بسبعمئة ألف، قال إنَّ رجلًا يبيت [33] ، وهذا (عنده) في بيته، لا يدري ما يطرقه من الله لغَرِيْر بالله. فبات ورسله تختلف بها [34] في سكك المدينة؛ حتَّى أسحر [35] وما عنده منها درهم.
[وقال في الإحياء [36] قالت سُعدى بنت عوف دخلت على طلحة، فرأيت منه ثقلًا، فقلت ما لك؟ قال اجتمع عندي مال غمَّني. فقلت وما يغمُّك، ادع قومك ففرِّقه فيهم. فقال يا غلام عليَّ بقومي. فقسمه فيهم، فسألت الخادم كم كان؟ فقال أربعمئة ألف].
قال قَبِيْصَةُ بن جابر صحبت طلحة، فما رأيت أعطى لجزيل مال من غير مسألة (منه) .
وعن النُّعمان بن بشير قال كنَّا مع عليِّ بن أبي طالب في رَحْبَةِ الكوفة، فخضنا في عثمان، وطلحة، والزُّبير، فاجْتَنَح بشِقِّه وقال فيم خضتم؟ فقالوا في عثمان، وطلحة، والزُّبير، وحسبناك نائمًا، فقال {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء 101] ذلك عثمان، وطلحة، والزُّبير {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} [الحجر 47] ذاك عثمان، وطلحة [37] ، والزُّبير.
وذكر في الأربعين المحكيُّ [38] عن عكرمة أنَّه قال سئل ابن عبَّاس عن قوله تعالى
ج 1 ص 2
{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} الآية، [الحجر 47] قال إذا كان يوم القيامة، يؤتى بسرير من ياقوتة حمراء، عشرين [39] ميلًا في عشرين ميلًا، ليس فيه صدع، ولا وصل، معلَّق بقدرة الجبَّار، فيجلس عليه أبو بكر الصِّديق، ثمَّ يؤتى بسرير من ياقوتة صفراء على صفة السَّرير الأوَّل، فيجلس عليه عمر بن الخطَّاب، ثمَّ يؤتى بسرير من ياقوتة خضراء على صفة الأوَّل، فيجلس عليه عثمان، ثمَّ يؤتى بسرير من ياقوتة بيضاء على صفة الأوَّل، فيجلس عليه عليٌّ رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، ثمَّ يأمر الله تعالى الأسرَّة أن تتطاير بهم، فتتطاير إلى تحت العرش، ثمَّ ينصب عليهم خيمة من الدُّرِّ الرَّطب، لو جُمعت السَّماوات السَّبع، والأرضون، وجميع المخلوقات لكانت في زاوية من زوايا تلك الخيمة، ثمَّ يدفع إليهم أربع كاسات، لكلٍّ منهم كأسًا، فيسقون، فيتهذَّبون، [يقال] فذلك قوله تعالى {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} ثمَّ يأمر الله تعالى جهنم أن تمخَّض بأمواجها، وتقذف بالرَّوافض على وجهها، فيكشف الله عن أبصارهم، فينظرون إلى منازل محمَّد وأمَّته في الجنَّة، فيقولون هؤلاء الذين سعد بهم النَّاس، وشقينا نحن. ثمَّ يردُّون إلى جهنَّم.
وفي روض الأفكار، عن الطَّبرانيِّ أنَّ عُبيد بن السَّبَّاق، وهو [40] شيخ (من أهل المدينة قال أقبلنا إلى عليٍّ حين فرغ من قتال الجمل، ومعنا شيخ) من أهل العراق من الشِّيعة، فلمَّا انتهينا إلى بابه، جاء عِمْرانُ بنُ طَلْحَةَ، فاستأذن، فأذن له قبلنا، فغضب الشَّيخ، فلمَّا أذن لنا دخلنا، فقال الشَّيخ يا أمير المؤمنين، ليس ما ظننت، إن كنت ترى أن الله تعالى جاعلك وعثمان وطلحة والزُّبير في الجنَّة، وقد قتل بعضكم بعضًا؛ أما حين جئناك، فحبستنا على بابك، وحين جاء ابن طلحة أذنت له قبلنا. فقال عليٌّ بفيك الحجر، أرجو أن نكون من الذين قال الله تعالى في حقِّهم {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} .
وفي أسد الغابة لابن الأثير [41] عن سعيد بن المسيَّب أنَّ رجلًا كان يقع في عليٍّ وطلحة والزُّبير، فجعل سعد بن أبي وقَّاص ينهاه، ويقول لا تقع في إخواني. فأبى، فقام سعد، فصلَّى ركعتين، فقال اللهم إن كان سخطًا لك فيما أقول، فأرني فيه آفة، واجعله للنَّاس آية. فخرج الرَّجل، فإذا هو بجمل بُخْتِيٍّ يشقُّ النَّاس، فأخذه بالبَلاَط، فوضعه بين كِرْكِرَتِه والبَلاَط، فسحقه حتَّى قتله، فأنا رأيت النَّاس يتبعون سعدًا، ويقولون هنيئًا لك أبا إسحاق، أجيبت دعوتك.
ج 1 ص 2
قال الكلاباذيُّ [42] روى عنه مالك بن عامر. نقل عنه البخاريُّ بالواسطة، في كتاب الإيمان، في باب الزَّكاة من الإسلام [خ¦46] .
قال الكرمانيُّ [43] إنَّه قتل يوم الجمل، سنة ستٍّ وثلاثين، ودفن بقنطرة قرَّة، ثمَّ رأت بنته بعد موته بثلاثين سنة في المنام أنَّه يشكو إليها النَّداوة، فأمرت به فاستخرج طريًّا، ودفن بدار الهجرتين بالبصرة.
وقال في الرَّوض الفائق إنَّه دفن على شطِّ الكراء [44] ، فرآه بعض أهله بعد حَوْل، فقال أخرجوني فقد غرقت. فاستُخرج من قبره، وهو مثل الرَّوضة، واشتُريت له دار من آل أبي بكرة. وفي رواية كأنَّه بقلة [45] لم يذهب منه إلَّا شُعيرات من جانب لحيته.
قال ابن أبي عاصم قد رأيت من أهل العلم والفضل إذا هَمَّ أحدهم بأمر قصد إلى قبره، فسلَّم عليه، ودعا بحضرته، فيكاد يعرف الإجابة، وكان من قبله يفعله.
[1] في أسد الغابة 3/ 84 دار إحياء التراث - بيروت، ط 1.
[2] في غير (ن) (يسمى) .
[3] الشعر لعبيد الله بن قيس الرقيات، كما في اللسان (طلح) وفي وفيات الأعيان 3/ 88، والبيت في ديوانه ص 20، وفي سبل الهدى والرشاد مع الخبر 11/ 309، وهو عند الكرماني في شرح البخاري 1/ 180، عند شرحه لحديث رقم (44) ، في باب الزكاة من الإسلام، والرواية عنده نضر الله أعظمًا.
[4] في (ن) تصحيفًا (بفم) .
[5] في (ن) (فلم يستطع يقعد تحت طلحة) .
[6] في (ن) تصحيفًا (من سر) .
[7] في (ن) (سأله) والمثبت أولى. وجاء في (هـ) (من سرَّه أن ينظر إلى سيِّد) وهو تصحيف في (سيد) .
[8] في (ن) (شهد) والمثبت أولى.
[9] البيت مع الخبر في أسد الغابة 3/ 85، وجاء في (ن) (بني جرم بن عمي) .
[10] في غير (ن) (شيبته) .
[11] الشعر مع أخبار طلحة في تاريخ دمشق لابن عساكر، وقال الكرماني في شرح البخاري 1/ 180 ودفن بدار الهجرة بالبصرة، وقبره مشهور.
[12] في غير (ن) (ذاك) .
[13] في (ن) تصحيفًا (مجدلًا) .
[14] في (ن) تصحيفًا (عملة) .
[15] في غير (ن) (خر) .
[16] في غير (ن) (الجواهر) .
[17] في غير (ن) (النبيُّ) .
[18] برقم (3724)
[19] برقم (1392) .
[20] برقم (3722) .
[21] حَسِّ كلمة توجع. والخبر في الإصابة لابن حجر 3/ 532، وتفرد به هشيم.
[22] في (ن) تصحيفًا (ابتل) وفيها (وتركنا) بدل (تركناه) ، و (حلق) بدل (حلقة) .
[23] في غير (ن) (وجنته) .
[24] في غير (ن) (فنزعها) .
[25] في (ن) (ثنية) بدون نقط.
[26] المستدرك للحاكم (5610) .
[27] أخرجه النسائي من حديث جابر برقم (4342) .
[28] في (ن) (ورجعنا نريد) .
[29] في (ن) (وأجرهما) .
[30] في غير (ن) (الحفر) و (جرحًا) .
[31] في غير (ن) (منه) و (أحد الأنبياء) .
[32] في (ن) (نبِّئ) .
[33] في غير (ن) (لبيت) .
[34] في غير (ن) (ورسوله يختلف فيها) .
[35] في غير (ن) (أسحروا) .
[37] في غير (ن) (طلحة وعثمان) .
[38] في (ن) تصحيفًا (المحلى) .
[39] في (ن) (عشرون) .
[40] سقطت (هو) من سائر النسخ إلا من (د) .
[42] الهداية والإرشاد 1/ 371.
[43] شرح البخاري 1/ 180.
[44] في (ن) تصحيفًا (الكداء) وفيها (فرأى) بدل (فرآه) . وكتاب الروض الفائق في المواعظ والرقائق لشعيب بن عبد الله أبي مدين المعروف بالحريفيش، مطبوع، وفاته 810 هـ.
[45] في (ن) تصحيفًا (منقلة) .