فهرس الكتاب

الصفحة 2015 من 2285

1577 # وأبو عُبيدة بن الجَرَّاح، هو عامر بن عبد الله بن الجرَّاح بن هلال القرشيُّ، الصَّحابيُّ.

أحد العشرة المبشَّرة، هاجر الهجرتين، وصلَّى إلى القبلتين، وأحد الثَّمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد السِّتَّة صاحب شورى [1] عمر بن الخطَّاب.

اشتهر بكنيته ونسبته إلى جدِّه الجرَّاح، شهد بدرًا وأُحُدًا، والمشاهد كلَّها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، هاجر إلى الحبشة، وإلى المدينة، وكان يدعى القويَّ الأمين؛ لأنَّ أهل نجران شكوا المتولِّي عليهم، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث عليهم أمينًا، فقال «سأبعث عليكم القويَّ الأمين» . وفي رواية «سأبعث عليكم أمينًا حقَّ أمين» . فاستشرف الصَّحابة لذلك، فأخذ بيد أبي عُبيدة وقال «هذا أمين هذه الأمِّة» . وفي رواية «لكلِّ أمَّة أمين، وأميننا أيَّتها الأمَّة أبو عبيدة ابن الجرَّاح» .

قال عمر بن الخطَّاب ما تمنَّيت الإمارة قطُّ إلَّا يومئ؛ ذ رجاء أن أكون أمينًا.

وقال صلى الله عليه وسلم «ما من أصحابي أحد إلَّا لو شئت لوجدت عليه إلَّا أبا عبيدة بن الجرَّاح» . وكان أهتم، وسبب ذلك أنَّه نزع الحلقتين اللَّتين دخلتا في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم من المغفر يوم أحد، فانتزعت ثنيتاه [2] ، فما رؤي أهتم قطُّ أحسن منه.

وقال له أبو بكر يوم السَّقيفة قد رضيت لكم أحد هذين الرَّجلين، عمر بن الخطَّاب، وأبا عبيدة بن الجرَّاح.

وكان أحد الأمراء المسيَّرين إلى الشَّام، والذين فتحوا دمشق، ولمَّا ولِّي عمر بن الخطَّاب الخلافة عزل خالد بن الوليد، واستعمل أبا عبيدة، فقال خالد ولِّي عليكم أمين هذه الأمَّة. وقال أبو عبيدة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إنَّ خالدًا لسيف من سيوف الله تعالى» .

ولمَّا كان أبو عبيدة ببدر يوم الوقعة جعل أبوه يتصدَّى له، وجعل أبو عبيدة يَحِيْدُ عنه، فلمَّا أكثر أبوه قصده أبو عبيدة، فقتله، فأنزل الله تعالى {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ} [المجادلة 22] الآية. قال ابن الأثير [3] وكان الواقديُّ ينكر هذا القول، ويقول توفِّي عبد الله والد أبي عبيدة قبل الإسلام. لكن ردَّ بعض أهل العلم قول الواقديِّ.

قال أبو عبيدة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إنَّه لم يكن نبيٌّ بعد نوح إلَّا [قد] أنذر قومه الدَّجَّال، وإنِّي أنذركموه» . فوصفه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال «لعلَّه يدركه بعض من رآني وسمع كلامي» . قالوا يا رسول الله، فكيف قلوبنا يومئذ؟ قال «مثلها اليوم أو خيرًا» .

قال صلى الله عليه وسلم «لكلِّ أمَّة أمين، وأميننا هذه الأمَّة أبو عبيدة بن الجرَّاح» .

ولمَّا هاجر أبو عبيدة إلى المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي طلحة الأنصاريِّ.

قال عروة بن الزُّبير لمَّا قدم عمر بن الخطَّاب الشَّام فتلقَّاه أمراء الأجناد، وعظماء أهل الأرض، فقال عمر أين أخي؟ قالوا من أخوك؟ قال أخي أبو عبيدة. قالوا يأتيك الآن. قال فجاء على ناقة مخطومة بحبل، فسلَّم عليه، وسأله، ثمَّ قال للنَّاس انصرفوا عنَّا. فسار معه حتَّى أتى منزله، فلم ير في بيته إلَّا سيفَه وتُرْسَه ورَحْلَه، فقال عمر لو اتَّخذت متاعًا؟ قال أبو عبيدة إن [4] سيبلغنا المَقِيْل.

قال قتادة قال أبو عبيدة لوددت أنِّي كنت كبشًا يذبحني أهلي، فيأكلون لحمي، ويَحْتَسُونَ [5] مرقي. قال وقال عِمْرانُ بنُ حصين لوددت أنِّي كنت رمادًا تسفُّني الرِّيح في يوم عاصف حثيث.

قال عروة بن الزُّبير لمَّا نزل طاعون عَمْواسَ كان أبو عبيدة معافى منه وأهله، فقال نصيبك نصيبك في آل أبي عبيدة. قال فخرجت بأبي عبيدة في خنصره بَثْرة، فجعل ينظر إليها، فقيل إنَّها ليست بشيء. فقال إنِّي لأرجو أن يبارك الله فيها، فإنَّه إذا بارك في القليل كان كثيرًا.

قال عروة بن رُويم انطلق أبو عبيدة إلى الصَّلاة ببيت المقدس، فأدركه أجله بعجل، وتوفِّي بها.

قال ابن حزم روى أبو عبيدة أربعة عشر حديثًا.

قال ابن إسحاق لمَّا دخل عمر بن الخطَّاب الشَّام، ورأى عيش أبي عبيدة، وما هو عليه من شدَّة العيش، قال له كلُّنا غيَّرته الدُّنيا غيرَك يا أبا عبيدة.

وكان أبو عبيدة طويلًا، نحيفًا، خفيف اللِّحية، أثرم الثَّنيَّتين، وكانت له عَقيصتان أي ضفيرتان، وكان نقش خاتمه الحمد لله.

قال أنس قدم أهل اليمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا ابعث معنا رجلًا يعلمنا السُّنَّة والإسلام. فأخذ بيد أبي عبيدة، فقال «هذا أمين هذه الأمَّة» .

وقال حذيفة جاء أهل نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا ابعث علينا أمينًا. فقال «لأبعثنَّ عليكم أمينًا حقَّ أمين» ثلاثًا، فاستشرف النَّاس لها، ثمَّ قال «قم يا أبا عبيدة» . وبعثه عليهم.

قال عمر بن الخطَّاب ما تعرَّضت للإمارة قطُّ، ولا أحببتها لبشر غير أنَّ أهل نجران لمَّا طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يولِّي عليهم أمينًا، فقال «لأبعثنَّ عليكم أمينًا حقَّ أمين» . قال عمر فكنت أتطاول، لعلَّه يبعثني، فبعث أبا عبيدة.

وروي أنَّ أبا بكر قال لأبي عبيدة هلمَّ أبايعك، فإنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إنَّك أمين هذه الأمَّة» . فقال أبو عبيدة ما كنت لأفعل [6] ، أصلِّي بين يدي رجل أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمَّنا حتَّى قبض.

ومات أبو عبيدة في طاعون عَمَواس، سنة ثمان عشرة، وصلَّى عليه معاذ بن جبل، وعمره ثمان وخمسون سنة، وكان يخضب رأسه بالحنَّاء والكتم، وبين عمواس والرَّملة أربعة فراسخ ممَّا يلي بيت المقدس، وانقرضت [7] ذرِّيَّة أبي عبيدة، ولمَّا مات استخلف معاذ بن جبل على النَّاس، وقيل إنَّ قبره ببيسان. وقيل قبره بالأردن. قال سعيد بن عبد الرَّحمن مات في طاعون عَمَواسَ خمسة وعشرون ألفًا. قيل مات من آل صخر عشرون فتى، ومن آل المغيرة عشرون فتى.

[1] جاء في حاشية (د) ما نصه الذي ذكره ابن حجر أن أصحاب الشورى الستة هم علي، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن، وأما أبو عبيدة فقد توفي قبل الشورى، كما هو معلوم.

[2] في غير (ن) (ثناياه) .

[3] أسد الغابة 3/ 125.

[4] في غير (ن) (إنا) .

[5] في (ن) تصحيفًا (يحسون) .

[6] في غير (ن) (ما كنت أفعل) .

[7] في (ن) (وانقرض) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت