1467 # يَحْيَى بنُ مَعْيِن _بفتح الميم [1] ، وكسر المهملة _ بن عون بن زياد، المُرِّيُّ _ بضمِّ الميم، وشدَّة المهملة _ الغطفانيُّ _ بفتح المعجمة والمهملة، ثمَّ الفاء، آخره نون _ أبو بكر، البغداديُّ.
سمع محمَّدَ بنَ جعفر غُنْدَرًا، وإسماعيل بن مُجَالد، والحجَّاج بن محمَّد.
روى عنه البخاريُّ بلا واسطة، مقرونًا بصَدَقَةَ بنِ الفَضْل، في مناقب الحسن بن عليٍّ [خ¦3751] ، وبواسطة عبد الله بن محمَّد المُسْنَديِّ، في تفسير براءة [خ¦4665] ، وبواسطة عبد الله غير منسوب، في ذكر أيَّام الجاهليَّة [2] . قاله الكلاباذيُّ [3] ، لكن الذي في نسختنا [4] هكذا، حدَّثنا عبد الله بن حمَّاد. منسوبًا، وقال الكرمانيُّ [5] هو عبد الله بن محمَّد المسنديُّ، وقيل ابن حمَّاد الآمليُّ.
قال ابن السَّمعانيِّ [6] هو من أهل بغداد، كان إمامًا ربَّانيًّا عالمًا حافظًا ثبتًا متقنًا مرجوعًا إليه في الجرح والتَّعديل، ووالده معين كان على خراج الرَّيِّ، فمات، وخلَّف لابنه يحيى ألف ألف [درهم] ، وخمسين ألف درهم، فأنفقها كلَّها على الحديث؛ حتَّى لم يبق له نعل يلبسها، وسمع خارج الصَّحيح (من) عبد الله بن المبارك، وهشيم بن بشير [7] ، وعيسى بن يونس، وسفيان بن عيينة، وعبد الرَّحمن بن مهديٍّ، ووكيع بن الجرَّاح، وأبا معاوية الضَّرير، روى عنه من رفقائه أحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، ومحمَّد بن إسحاق الصَّنعانيُّ، ومحمَّد بن إسماعيل البخاريُّ، وأبو داود السِّجستانيُّ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وغيرهم، وانتهى علم العلماء إليه؛ حتَّى قال الإمام أحمد ههنا رجل خلقه الله لهذا الشَّأن، يظهر كذب الكذَّابين. يعني يحيى بن معين.
قال عليُّ بن المدينيِّ لا نعلم أحدًا من لدن آدم كتب من الحديث ما كتب يحيى بن معين.
قال أبو حاتم الرَّازيُّ إذا رأيت البغداديَّ يحبُّ الإمام أحمد فاعلم أنَّه صاحب سنَّة، وإذا رأيته يبغض يحيى بن معين فاعلم أنَّه كذَّاب، وكانت ولادته في خلافة أبي جعفر المنصور، سنة ثمان وخمسين [ومئة] ، في آخرها.
قال القاضي شمس الدِّين بن خلِّكان [8] سئل يحيى بن معين، كم كتبت من الحديث؟ قال كتبت بيدي هذه ستَّمئة ألف حديث. وقال راوي الخبر _ وهو أحمد بن عقبة _ وإنِّي أظنُّ أنَّ المحدِّثين قد كتبوا له بأيديهم ستَّمئة ألف حديث، وستَّمئة ألف، وخلَّف من الكتب مئة قِمَطْر، وثلاثين قِمَطْرًا، وأربعة حِبَاب شرابيَّة مملوءة كتبًا. وهو صاحب الجرح والتَّعديل، وكان بينه وبين الإمام (أحمد) صحبة أكيدة، وألفة شديدة، وكانا شريكين في علم الحديث، [ثمَّ هجره الإمام أحمد؛ لأنَّه قال أنا لا أطلب من أحد شيئًا، لو أعطاني السُّلطان شيئًا لأكلته. فاعتذر إليه يحيى، وقال كنت أمزح. فقال أحمد المزح بالدِّين! ألم تعلم أنَّ الأكل من الدِّين، وقدَّمه الله على العمل الصَّالح، قال الله تعالى {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [المؤمنون 51] وفي الخبر «من لم يبال من أين مطعمه لم يبال الله من أيِّ أبواب النَّار يدخله» . قاله في الإحياء [9] ].
قال ابن المدينيِّ انتهى العلم بالبصرة إلى يحيى بن كثير، وقتادة، وعلم الكوفة إلى أبي إسحاق السَّبيعيِّ، والأعمش، وانتهى علم الحجاز إلى ابن [10] شهاب، وعمرو بن دينار، وصار علم هؤلاء السِّتَّة بالبصرة إلى سعيد بن أبي عَروبة، وشعبة، ومعمر، وحمَّاد بن سلمة، وأبي عوانة، ومن أهل الكوفة إلى السُّفيانين، ومن أهل الحجاز إلى مالك بن أنس، ومن أهل الشَّام إلى الأوزاعيِّ، وانتهى علم هؤلاء إلى محمَّد بن إسحاق، وهشيم، ويحيى بن سعيد، وابن أبي زائدة، ووكيع، وابن المبارك _ وهو أوسع هؤلاء علمًا _ وابن مهديٍّ، ويحيى بن آدم، وصار علم هؤلاء جميعًا إلى يحيى بن معين.
قال الإمام أحمد كلُّ حديث لا يعرفه يحيى فهو عندنا ليس بحديث.
قال ابن الرُّوميِّ ما سمعت أحدًا قطُّ يقول الحقَّ في المشايخ غير يحيى بن معين، فإنَّ غيره يتحامل بالقول.
وقال يحيى ما رأيت على رجل قطُّ خطأ إلَّا سترته، وأحببت أن أزيِّن [11] أمره، وما استقبلت رجلًا في وجهه بأمر يكرهه، ولكن أبيِّن له خطأه فيما بيني وبينه، فإن قبل ذلك وإلَّا تركته. وكان يقول كتبنا عن الكذَّابين، وسجَّرنا به التَّنور، وأخرجنا به خبزًا نضيجًا. وكان ينشد [12] _ من البحر الكامل _
~المال يذهب حِلُّه وحرامه (طُرًّا) ويبقى في غد آثامُهُ
~ليس التَّقيُّ بمتَّقٍ لإلهه حتَّى يطيبَ شرابُه وطعامُهُ
~ويطيب ما يحوي ويكسبُ كفُّه ويكون في حسن الحديث كلامُهُ
~نطق النَّبيُّ لَنَا به عن ربِّه فعلى النَّبيِّ صلاتُهُ وسلامُهُ
وقد مضى في ترجمة الشَّافعي ذكر يحيى أيضًا، وكان يحجُّ، فيذهب إلى مكَّة على المدينة، ويرجع على المدينة، فلمَّا كان آخر حجَّة حجَّها رجع على المدينة، فأقام بها ثلاثة أيام، أو يومين، ثمَّ خرج حتَّى نزل [13] المنزل مع رفقائه، فباتوا، فرأى في النَّوم هاتفًا يهتف يا أبا زكريَّا، أترغب عن جِواري؟ فلمَّا أصبح قال لرفقائه امضوا، فإنِّي أرجع إلى المدينة. فمضوا، ورجع، فأقام بها ثلاثًا، ثمَّ مات، فغسِّل على الأعواد التي غسِّل عليها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، وحمل عليها، وصلَّى النَّاس عليه، وجعلوا يقولون هذا الذي كان يذبُّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الكذب.
وقال بعض المحدِّثين [14] _ في مرثيَّته، من البحر الكامل أيضًا _
~ذهب العليم بعيب كلِّ محدِّث وبكلِّ مختلف من الإسناد
~وبكلِّ وهم في الحديث ومشكل يعيى به علماء كلِّ بلاد
مات لسبع ليال بقين من ذي الحجَّة، سنة ثلاث وثلاثين ومئتين.
[1] في (ن) (بضم الميم) وهو وهم من الناسخ غريب.
[2] بل في إسلام أبي بكر، برقم (3857) ، وهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر لأن عبد الله بن حماد تلميذ البخاري، فإن كان عبد الله بن محمد المسندي، فهو من رواية الأقران.
[3] الهداية والإرشاد 2/ 799.
[4] في (ن) (في نسخنا) .
[5] شرح البخاري 15/ 81.
[6] الأنساب 5/ 270.
[7] في غير (ن) (هشيم بن بشر) وهو تصحيف.
[8] وفيات الأعيان 6/ 140.
[9] إحياء علوم الدين 2/ 91.
[10] في (ن) (لابن) .
[11] في غير (ن) (أن أرى) .
[12] الخبر مع الشعر في وفيات الأعيان 6/ 141، وكذا ترجمته.
[13] في غير (ن) (حتى أتى) .
[14] الشعر مع أخبار يحيى في تاريخ بغداد 14/ 186.