فهرس الكتاب

الصفحة 445 من 2285

404 # زَيْدُ بُن أَرْقَمَ بنِ زيد بن قيس الأنصاريُّ، الخَزْرَجيُّ، الحارثيُّ، الصَّحابيُّ، أبو عَمْرو، وأبو عامر، وأبو سَعْد، وأبو سَعيد، وأبو أُنيس، وأبو أُنيسة، وأبو حَمْزة.

عن طاووسٍ قال قدم زيدُ بن أرقم، فقال له ابن عبَّاس _ يستذكره _ كيف أخبرتَني

ج 1 ص 2

عن لحمٍ أُهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مُحرِمٌ؟ قال نعم، أَهدى [له] رجلٌ عضوًا من لحمِ صيدٍ، فردَّه، وقال « [إنَّا] لا نأكُلُه؛ إنَّا حُرُم» [1] .

وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع عشرة غزوةً، واستُصغر يوم أحد، وكان يتيمًا في حجر عبد الله بن رَوَاحة، وسار معه إلى مُؤْتَةَ، بضمِّ الميم، ثمَّ همزة ساكنة، غزوة ذكرناها في جعفر بن أبي طالب.

أوَّل مشاهده الخندق.

وقيل أوَّلها المُرَيْسِيْعُ؛ قال زيد بن أرقم كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المُصْطَلقِ.

وسببُها أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بلَغه أنَّ بني المُصطَلِق اجتمعوا لحَربه، قائدُهم الحارثُ بنُ أبي ضِرَار، أبو جُويريةَ أُمِّ المؤمنين، فلقيهم صلى الله عليه وسلم على ماء لهم [2] ، يقال له المُرَيْسِيْعُ، فتزاحف النَّاس، واقتتلوا، فهزم الله بني المُصطَلِق، وقُتِل مَن قُتِل منهم.

وكانت سنة ستٍّ، في شعبان، أو ذي القعدة، وأَمَّر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على المدينة [3] زيد بن حارثة، وقيل أبا ذرٍّ. وقيل نُميلة بن عبد الله.

وقَتَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عينَ الكفَّار وجاسوسَهم، ففزعوا فزعًا شديدًا، وتفرَّق عن الحارث مَن كان معه من العرب، وصفَّ للقتال على المُرَيسِيع، وأعطى رايةَ المهاجرين لأبي بكر، ورايةَ [4] الأنصار لسعد بن عُبادة، فترَامَوا بالنَّبل ساعةً، ثمَّ أمر أصحابَه فحملوا حملةَ رجلٍ واحد، فما أفلت من الكفَّار إنسان، وقتل عشرة منهم، وأسر الباقين، وسبى النِّساء والذُّرِّيَّة والمال، فكَتَّف الأسارى، وأَمَّر عليهم بُريدة بن الحُصَيْب، وعلى الغنائم مولاه شُقْرَان، فكانت الإبل ألفي بعير، والشِّياه خمسة آلاف، والسَّبي مئتي بنت.

وغاب ثمانية وعشرين ليلة، وكانت في السَّبْي بَرَّة، فسمَّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم جُويرِية، واتَّخذها لنفسه، وأسلم بنو المُصطَلِق.

فلمَّا رجعوا نزلوا على ماء، فورد أجيرٌ لعُمر اسمه جَهْجَاه، يقود فرس عُمر، وأجيرٌ لعبد الله بن أُبيٍّ ابن سَلُول، اسمه سِنَان، فاقتتلا، وأعان جَهْجَاهًا رجلٌ من المهاجرين [5] من فقرائهم، يسمَّى جُعالًا، فنادى يا مَعاشرَ الأنصار. ونادى جَهْجاهٌ يا معاشرَ المهاجرين. فغضب ابنُ سَلُول لذلك، وعنده زيدُ بنُ أَرْقَم، فقال ابن أُبَيٍّ أوقَد فعلوها؟! نافَرونا وكاثَرونا في بِلادنا؟! واللهِ ما مَثَلنا ومَثَلهم إلَّا كما قال القائل سَمِّنْ كلبَك يأكُلْك، أمَا واللهِ {لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [المنافقون 8] . يعني بالأعزِّ نفسَه، وبالأذلِّ سيَّدَ الخَلق، ثمَّ أقبل على مَن حضر من قومه، فقال هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادَكم، وقاسمتموهم أموالَكم، أمَّا واللهِ، لو أمسكتم عن جُعالٍ وذويه فَضلَ الطَّعام لم يركَبوا

ج 1 ص 2

(رقابَكم) [6] ، ولَتَحوَّلوا إلى (غير) بلادِكم، فلا تنفقوا عليهم حتَّى ينفضُّوا من حول محمَّد. فقال زيد بن أرقم أنت واللهِ الذَّليلُ القليل، المبغَض في قومك، ومحمَّدٌ في عزٍّ من الرَّحمن، ومودَّةٍ من المسلمين. فقال له (عبد الله) اسكُتْ، إنَّما كنتُ ألعب.

فمشى زيدُ بنُ أَرْقَم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك بعد فراغه من العدوِّ، وأخبره بالخبر، وعنده عمر بن الخطَّاب، فقال دعني أضرب عنقَه يا رسول الله. فقال «كيف يا عمر! إذًا يتحدَّث النَّاس أنَّ محمَّدًا يَقتل أصحابَه» . قال يا رسول الله! [إن] لَمْ تأذنْ لي لأنَّي من المهاجرين، فائذَنْ لأحدٍ من الأنصار فليضرب [7] عنقه، فإنَّه منافق. فقال «إذَنْ ترجف بها آنُفٌ كثيرة» _ أيْ يفزع [8] النَّاس _ «ولكنْ آذِنْ بالرَّحيل» [9] .

فبلغ الخبرُ ابنَ سَلُول، فلمَّا أتاه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنتَ صاحبُ هذا الكلام؟» فقال والذي أنزل عليك الكتابَ، ما قلت شيئًا من ذلك، وإنَّ زيدًا لكاذب [10] . وكان معظَّمًا في قومه، فقال مَن حضر من الأنصار يا رسول الله! لعلَّ الغلامَ أَوهَمَ في حديثه. فعذره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفشَت الملامةُ لزيد في الأنصار، وكذَّبوه، فقال له عمُّه ما أردتَ بهذا؟! إلَّا أن كذَّبك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم والنَّاس!

وكان زيد يُساير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستحيا بعد ذلك أن يدنو من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلمَّا ارتحل القوم لقيه أُسَيْدُ بنُ حُضَيْر، فحيَّاه بتحيَّة النُّبوَّة، فقال له «أوَمَا بلغَك ما قال صاحبُكم؟» قال وما قال؟ قال «زَعَم إنْ رجع إلى المدينة ليُخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ» . قال أُسَيدٌ أنتَ يا رسول الله، _واللهِ_ تُخرجه إن شئتَ، أنتَ العزيز، وهو _ واللهِ_ الذَّليلُ. ثمَّ قال ارفُقْ به يا رسول الله! فوالله قد جاء الله بك، وإنَّ قومه لَينظمون الخَرَز ليتوِّجوه، وإنَّه ليرى أنَّك استَلبته ذلك.

وبلغ عبدَ الله [11] بنَ عبدِ الله بن أُبَيٍّ، وكان صحابيًّا صالحًا، بخلاف أبيه، فإنَّه [كان] من أكابر المنافقين، فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وقال بلغني أنَّك تريد قَتلَ ابنِ أُبَيٍّ لِمَا بلغك، فإن كنتَ فاعلًا، فمُرني آتيك برأسِه، فوالله لقد علِمت الخَزرجُ ما كان بها رجلٌ أَبَرَّ بوالدَيه مِنِّي، وإنِّي أخشى أن تأمر غيري فيقتلَه، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل أبي يَمشي في النَّاس، فأقتله، فأَقتُلُ بكافرٍ (مسلمًا) ، فأدخل النَّار. فقال صلى الله عليه وسلم «بل نَرفُق به، ونُحسن صحبتَه، ما بقي فينا» [12] .

قال زيد بن أرقم لمَّا وافى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، جلست في البيت؛ لِمَا بي من الهمِّ، فأنزل الله سورةَ المنافقين في تصديق زيد، وتكذيب ابن أُبَيٍّ. قال فلمَّا نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأُذُني، فقال «يا زيد، إنَّ الله قد صَدَّقك» [13] .

ج 1 ص 2

ولمَّا أراد ابنُ أُبيٍّ أن يدخل المدينة أناخ ابنُه على مَجمع طريق المدينة، وقال وراءَك. قال ما لَكَ؟! ويلك! قال والله لا تدخلها أبدًا، إلَّا بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولتَعلمَنَّ اليومَ مَن الأَعَزُّ ومَن الأَذَلُّ! فشكى ابنُ أُبيٍّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع ابنُه، فأرسل إليه أن خَلِّ سبيلَه، فقال أمَّا إذا جاء أمرُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فنعم.

ثمَّ لم يلبث ابن أُبيٍّ أن مات، فأَتى عبدُ الله، وطلب قميصَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكفِّن فيه أباه، فأعطاه إيَّاه؛ تطييبًا لخاطر عبد الله وقومِه، وإمَّا لأنَّه كَسَا عبَّاسًا يوم بدر، وإمَّا لأنَّه قطُّ ما قال لا. إذا سُئِل عمَّا يجد، فعليه الصَّلاة والسَّلام ما أحلمه! حتَّى إنَّه ذهب يصلِّي عليه، فقال عمر رضي الله عنه أتصلِّي على ابن أُبيٍّ، وقد قال يومَ كذا كذا وكذا؟! فما اكترث، ومشى ما شاء الله، فتعرَّض له عمر بمثل ذلك، فمشى ما شاء الله، فتعرَّض له عمر ثالثًا، فقال «يا عمر، إنَّ الله تعالى قد خيَّرني [14] في ذلك، فقال {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ} » [التوبة 80] . ثمَّ أنزل الله تصديق عمر، فقال {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ} [التوبة 84] [15] .

قال ابن الأثير [16] سكن زيد بن أرقم الكوفةَ، وابتنى فيها دارًا، في كِنْدةَ، وشهد مع عليٍّ صِفِّينَ، وهو معدود في خاصَّة أصحابه.

روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين حديثًا، قال ابن حجر [17] للبخاريِّ منها ستَّة أحاديث.

قال الكلاباذيُّ [18] روى عنه أبو إسحاق السَّبِيْعيُّ _ بفتح المهملة _ وأبو عَمْرو الشَّيبانيُّ، ومحمَّد بن كَعْب، وأبو حَمْزة طلحةُ بن يزيد _ نقل عنه البخاريُّ بالواسطة _ في المغازي [خ¦3949] ، وغيرها.

توفِّي بالكوفة، سنة ثمان _ أو ستٍّ _ وستِّين، زمن المُختار، وقيل بعد قتل الحُسين بقليل.

[1] المسند (19271) ، ومسلم (1195) .

[2] في (ن) تصحيفًا (له) .

[3] سقطت (على المدينة) من (ه) .

[4] في (ن) تصحيفًا (وأعطى الراية ... ورامة) .

[5] في (س) (الأنصار) وهو سبق نظر، وسهو من الناسخ.

[6] في (س) (أقاربكم) .

[7] في غير (ن) (أن يضرب) .

[8] في غير (ن) (تفرح) .

[9] البخاري مختصرًا من حديث جابر بن عبد الله (4905) .

[10] في غير (ن) (لكذاب) .

[11] في (ن) تصحيفًا (عبيد الله) .

[12] الحديث والخبر في تاريخ الطبري 2/ 608.

[13] البخاري مختصرًا (4900) .

[14] في (ن) تصحيفًا (أخبرني) .

[15] البخاري من حديث عمر بن الخطاب (1366) .

[16] أسد الغابة 2/ 329.

[17] مقدمة الفتح ص 474.

[18] الهداية والإرشاد 1/ 258.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت