فهرس الكتاب

الصفحة 1207 من 2285

وكان قوله حجَّة في اللُّغة، كقول امرئ القيس ولبيد ونحوهما، وهو نهاية في العلم بأنساب العرب وأيَّامها وأحوالها، ذا شعر غريب، طلب _رحمه الله_ من محمَّد بن الحسن إعارة كتب لمَّا ورد بغداد، فمنعها، وكان الشَّافعيُّ يعظِّمه ويثني عليه كثيرًا، فبعث الشَّافعيُّ إليه رقعة فيها هذا الشِّعر [1] _من البحر الرَّجز _

~قولا لمن لم تَرَ عَيْـ ـنَاْ مَنْ رآهُ مثِلَهُ

~ومَنْ كأنَّ من رآ هُ قد رأى مَنْ قبلَهُ

~العلم ينهَى أهلَهُ أن يمنعوه أهلَهُ

~لعلَّهُ بفضلِهِ يَبْذلُه لعلَّهُ

فأنفذ الكتب من وقته، ومن نظمه _ من البحر الوافر _

~ولولا الشِّعْرُ بالعلماء يُزْرِي لكنتُ اليومَ أَشْعَرَ من لَبيدِ

~وأشجعَ في الوغَى من كلِّ [2] ليثٍ وآلِ مهلَّبٍ وأبي يَزيدِ

~ولولا خشيةُ الرَّحمنِ عندي جعلتُ النَّاسَ كلَّهم عَبيدِي

وأيضًا من نظمه _ من (البحر) الكامل _

~ما حكَّ جلدَكَ مثلُ ظِفْرِكْ فتولَّ أنتَ جميعَ أَمْرِكْ

~وإذا قصدتَ لحاجةٍ فاقصِدْ لمعترفٍ بقَدْرِكْ

وأيضًا له _ من [البحر] الوافر [3] _

~أَمَتُّ مطامعي فأرحتُ نفسي فإنَّ النَّفسَ ما طَمِعَتْ تَهُونُ

~وأحييتُ القُنُوعَ وكان مَيْتًَا ففي إحيائه عِرْضٌ مَصُونُ

~إذا طَمَعٌ يَحِلُّ بقلب عبدٍ عَلَته مَهَانَةٌ وعَلاَهُ هُوْنُ

[وقال غير الشَّافعيِّ [4] _ من البسيط _

~إن كنت تقنع بالكفاية لم يكن بالدَّهر أَرْفَه منك عَيْشًا فيهِ

~أو كنت فيما فوق ذلك طامعً لم تَكْفِك الدُّنيا بما تحويهِ]

وله أيضًا [5] _ من الطَّويل _

~إذا ما خلوتَ الدَّهرَ يومًا فلا تَقُل خلوتُ ولكنْ قُلْ عليَّ رقيبُ

~ولا تحسبنَّ الله يَغْفُل ساعة ولا أنَّ ما تُخْفِي عليه يَغيبُ

~غَفَلْنا لَعَمْرُ الله حتَّى تراكمت علينا ذنوبٌ بعدَهن ذنوبُ

~فيا ليتَ أنَّ الله يغفر ما مضَ ويأذنُ في توباتِنا فنتوبُ

قاله الأسنويُّ في المهمَّات، وذكر ابن خلِّكان [6] في تاريخه نقلًا عن خطِّ الحافظ السِّلَفيِّ، من نظم الشَّافعيِّ _ من البحر الكامل _

~إنَّ الذي رُزِق اليسارَ ولم يُصِب حمدًا ولا أجرًا لَغيرُ موفَّقِ

~الجَدُّ يُدْني [7] كلَّ أمرٍ شاسعٍ والجَدُّ يَفْتَحُ كلَّ بابٍ مُغْلَقِ

~وإذا سمعتَ بأنَّ مَجْدُودًا حَوَ عُودًا فأَثْمَرَ في يديه فصدِّقِ

~وإذا سمعتَ بأنَّ محرومًا أت ماءً ليشربَهُ فغاضَ فحقِّقِ

~لو كان بالحِيَلِ الغِنَى لوجدتَن بنجومِ أقطار السَّماء تعلُّقِي [8]

~لكنَّ مَنْ رُزق الحِجَا حُرِمَ الغِنَ ضِدَّانِ مفترقانِ أيَّ تَفَرُّقِ

~وأَحَقُّ خلقِ الله بالهمِّ امرؤ ذو هِمَّةٍ يُبْلَى بعيشٍ ضيِّقِ

~ومن الدَّليلِ على القضاء وكونِ بُؤْسُ اللَّبيبِ وطِيْبُ عَيْشِ الأحمقِ

وأيضًا منسوب إليه [9] _ من البحر الكامل_

~ماذا يخبِّر ضيفُ بيتِكَ أهلَه إن سِيْلَ كيف مَعَادُهُ ومَعَاجُهُ

~أيقول جاوزتُ الفراتَ ولم أَنَل رِيًَّا لديه وقد طَغَتْ أمواجُهُ

~ورقيت في دَرَجِ العُلا فتضايقت عمَّا أريدُ شِعَابُهُ وفِجَاجُهُ

~ولتخبرنَّ خَصَاصتي بتملُّقِ والماءُ يخبِرُ عن قَذَاهُ زُجَاجُهُ

~عندي يَوَاقيتُ القَريضِ ودرُّه وعليَّ إِكْليلُ الكلامِ وتاجُهُ

~تُرْبِي على روض الرُّبا أزهارُه ويَرِفُّ في نادي النَّدَى ديباجُهُ

~والشَّاعر المِنْطِيقُ أسودُ سَالِخ والشِّعر منه لعابُهُ ومُجَاجُهُ

~وعداوةُ الشُّعراءِ داءٌ معضَل ولقد يَهُونُ على الكريمِ علاجُهُ [10]

و (أيضًا) له _ من البحر البسيط _

~ومتعب العِيْسِ مرتاح إلى بلد والموت يطلبه في ذلك البلدِ

~وضاحكٌ والمنايا فوق هامت لو كان يعلم غيبًا مات من كمدِ

~من كان لم يؤتَ علمًا في بقاءِ غد ماذا يفكِّر في ترزيق بعد غدِ

قاله ابن خلِّكان [11] ، وبالجملة، فالأحاديث النَّبويَّة، والآثار المصطفويَّة أصدق شاهد على أنَّه العالم المقتدى (به) ، والذي يملأ الأرض علمًا شرقًا وغربًا.

قال السُّبكيُّ في طبقاته الكبرى [12] _ نقلًا عن ابن بيان الأصبهانيِّ _ قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، فقلت يا رسول الله، محمَّد بن إدريس الشَّافعيُّ ابن عمِّك، هل خصصته بشيء، أو هل نفعته بشيء؟ قال نعم، سألت الله تعالى أن لا يحاسبه. فقلت يا رسول الله، بم؟ قال لأنَّه كان يصلِّي عليَّ صلاة لم يصلِّ عليَّ أحد مثلها. قلت فما تلك الصَّلاة؟ قال كان يقول اللهم صلِّ على محمَّد كلَّما ذكره الذاكرون، وصلِّ على محمَّد كلَّما غفل عن ذكره الغافلون.

قال صلى الله عليه وسلم «النَّاس تبع لقريش في هذا الشَّأن، مسلمهم لمسلمهم، وكافرهم لكافرهم» . [13] وفي حديث ابن عبَّاس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللهم أذقت أوَّل قريش نكالًا، اللهم فأذق آخرها نوالًا» . [14] وفي حديث جبير [15] بن مطعم «إنَّ للقرشيِّ قوَّة الرَّجلين من غير قريش» . قيل للزُّهريِّ ما عنى بذلك؟ قال نبل الرَّأي. وقال صلى الله عليه وسلم «هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلَّا كَّبه الله على وجهه، ما أقاموا الدِّين» . وفي حديث آخر «من أراد إهانة قريش أهانه الله» . وفي حديث آخر «ألا من آذى قرابتي فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله تعالى» . وفي حديث آخر «إذا اجتمعت جماعات في بعضها قريش، فالحقُّ مع قريش، وهي مع الحقِّ» . وصحَّ قوله صلى الله عليه وسلم «كلُّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلَّا سببي ونسبي» . [16] وصحَّ قوله صلى الله عليه وسلم «نحن وبنو المطَّلب هكذا» . وشبَّك بين أصابعه، و «إنَّما نحن وبنو هاشم شيء واحد» . وفي حديث آخر «أمان أهل الأرض من الاختلاف الموالاة لقريش» . وقال صلى الله عليه وسلم «الأئمَّة من قريش» . وفي الصَّحيحين «لا يزال الأمر في قريش ما بقي في النَّاس اثنان» . [17] فهذه الأحاديث وأمثالها كلُّها للإمام الشَّافعيِّ المطَّلبيِّ أبي عبد الله أنَّه الإمام الحقُّ، وأنَّ مذهبه أصحُّ المذاهب وأعدلها.

واعلم أنَّ السُّبكيَّ [18] ذكر نسب أمِّ الشَّافعيِّ، فقال هي فاطمة بنت عبيد الله بن الحسن بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب، فهو ينتسب إلى سيِّد الخلق من جهة الأمِّ، وإلى جدِّه صلهم من جهة الأب، كما ذكرنا، وكان يونس بن عبد الأعلى يقول لا أعلم هاشميًّا (ولدته هاشميَّة) إلَّا عليَّ بن أبي طالب، والشَّافعيَّ رضي الله تعالى عنهما.

واعلم أنَّه مضى أنَّ أمَّه أزديَّة، وكان الشَّافعيُّ نفسه يقول أمِّي كانت من الأزد. وروى التِّرمذيُّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الأزد أزد الله في أرضه، يريد النَّاس أن يضعوهم، ويأبى الله إلَّا أن يرفعهم» . وذكر السَّاجيُّ، والبيهقيُّ، والخطيب، وغيرهم أنَّ أمَّه أزديَّة، لكن لم يذكروا لها اسمًا، وقيل أسديَّة. والأَسْد والأَزْد شيء واحد، واحتجَّ بأنَّ الشَّافعيَّ لمَّا قدم مصر سأله بعضهم أن ينزل عندهم، فأبى، وقال أريد أن أنزل على أخوالي الأَسْديِّين. فنزل عليهم، قال السُّبكيُّ [19] لا دلالة في هذا على أنَّها أسديَّة؛ لجواز أن تكون الأسديَّة أمَّ أبيه، أو أمَّ جدِّه، (ويكون) اقتدى قولًا وفعلًا برسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا نزل المدينة، فنزل على أخوال عبد المطَّلب إكرامًا لهم، فإن قلت قد ضعَّف البيهقيُّ القول بأنَّ أمَّه من ولد عليِّ بن أبي طالب، وقد يستدلُّ بما قال الحارث بن سُريج النَّقَّال [20] سمعت إبراهيم بن عبد الله الحَجَبيَّ يقول للشَّافعيِّ ما رأيت هاشميًّا (قطُّ) ، قدَّم أبا بكر وعمر على عليٍّ _ رضي الله عنهم _ غيرك. فقال الشَّافعيُّ عليٌّ ابن عمِّي، وأنا رجل من عبد مناف، وأنت رجل من (بني) عبد الدَّار، فلو كانت هذه مكرمة كنت أولى بها منك، ولكن ليس الأمر على ما تحسب [21] . وجه الاستدلال أنَّه قال عليٌّ ابن عمِّي. ولم يقل جدِّي. في رواية عليٌّ ابن عمِّي، وابن خالتي. ولو كان من ذرِّيَّة عليٍّ لقال جدِّي؛ لأنَّ الجدودة أولى من العمومة والخؤولة. قلت قد أجاب السُّبكيُّ عن ذلك بأنَّه إنَّما ذكر العمومة؛ لأنَّ القرابة بينهما من جهة الأب، وأمَّا جدودته فإنَّها من جهة الأمِّ، والقرابة الأمِّيَّة لا تذكر غالبًا، خصوصًا العرب، ألا ترى قول الشَّاعر _ من البحر الطَّويل _ كيف يرشد إلى التَّرْك

~بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرِّجال الأباعدِ

نعم، تصريح الشَّافعيُّ بأنَّ أمَّه أزديَّة يوجب التَّوقُّف بأنَّها علويَّة، إلَّا أن يحمل على أنَّها أزديَّة علويَّة من جهتين، ولله درُّها من أيِّ قبيلة كانت، فلقد أنجبت أيَّ نجيب، ولقد صدقت فيه الأحاديث المذكورة، ودخل في عمومها، وليس المراد بالأئمَّة من قريش _ كما قال السُّبكيُّ _ إمامة الخلافة، بل إمامة العلم والدِّين، أو أعمُّ من ذلك، وبكلِّ تقدير إمامة العلم والدِّين مقصودة؛ إمَّا كلَّ المقصود أو بعضه، وبالجملة فما أحد بعد انصرام الصَّحابة _ رضي الله عنهم _ اتَّفق النَّاس على أنَّه خير [22] مقدَّم في العلم والدِّين، وأنَّه من قريش سوى الشَّافعيِّ، وأنشد بعضهم في مدح الشَّافعيِّ _ من البحر الكامل _

~الشَّافعيُّ إمام كلِّ أئمَّة تَرْبُو فضائلُه على الآلافِ [23]

~ختم النُّبوَّة والإمامة في الهُدَ بمحمَّدَين هُما لعبدِ منافِ

وأمَّا كونه ابن خالة [24] عليٍّ _ رضي الله عنه _ فلأنَّ أمَّ السَّائب بن عُبيد جدِّ الشَّافعيِّ هي الشِّفاء بنت الأرقم بن هاشم بن عبد مناف، [وأمُّ عليٍّ رضي الله عنه فاطمة بنت أسد بن عبد مناف] فهو ابن خالة [25] أمِّ جدِّه، وأيضًا إنَّما ذكر الخؤولة دون الجدودة، فإنَّها خؤولة من جهة الأجداد، فإن [26] قلت أليس عليٌّ وابن عبَّاس _ رضي الله عنهم _ من علماء قريش، [الذين] ملؤوا الدُّنيا علمًا؟ فهلَّا نزَّلت الحديث على هؤلاء وأمثاله. فأقول قال السُّبكيُّ _ نقلًا عن أبي نعيم _ [لا شكَّ] أنَّ هؤلاء في العلم والدِّين بالمنزلة التي تفوق [الشَّافعيِّ] ، إلَّا أنَّ التَّصانيف، والشُّهرة، وكثرة الأتباع مخصوصة بالشَّافعيِّ. ثمَّ قال السُّبكيُّ وإن كان أمر من ذكرت كذلك فالشَّافعيُّ أيضًا من علماء قريش، وليس في الحديث ما يدلُّ على انحصار الأمر [27] في شخص [28] واحد، أو أشخاص معدودة، بل دالٌّ على أنَّ عالم قريش حيث وجد يملأ الأرض علمًا، والشَّافعيُّ عالم قريش قولًا واحدًا، سواء هو ذلك العالم فقط، أو هو وغيره، ثمَّ لا يعرف لأحد من علماء قريش مذهب يعرف ويتَّبع سواه، فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، وأتونا بمذهب قرشيٍّ [29] حتَّى ننقاد إليه. قال أبو هريرة قال صلى الله عليه وسلم «يبعث الله لهذه الأمَّة على رأس كلِّ مئة سنة من يجدِّد لها دينها» . وفي لفظ آخر «في رأس كلِّ مئة سنة رجلًا من أهلي، يبيِّن [30] لهم أمر دينهم» . ذكره الإمام أحمد [31] ، وقال نظرت في سنة مئة، فإذا رجل من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن عبد العزيز، ونظرت في رأس المئة الثَّانية، فإذا رجل من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم محمَّد الشَّافعيُّ. فهذا قول إمام المتَّقين، سقى الله تعالى عهده، ومن كلام الإمام أحمد إذا سئلتُ عن مسألة لا أعلم فيها خبرًا قلت فيها بقول الشَّافعيِّ؛ لأنَّه عالم قريش. فذكر الحديث، وتأوَّله عليه. قال السُّبكيُّ _ رحمه الله تعالى _ ولأجل ما في الرِّواية الثَّانية من الزِّيادة لا أستطيع أن أتكلَّم في المئين بعد الثَّانية، فإنَّه ليس فيها أحد من أهل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. قال _ رحمه الله _ لكن ههنا دقيقة أنبِّهك عليها، فنقول لمَّا لم نجد بعد المئة الثَّانية من أهل البيت من هو بهذه المثابة، ووجدنا جميع من قيل إنَّه المبعوث في رأس كلِّ مئة سنة ممَّن تمذهب للشَّافعيِّ، وانقاد لقوله علمنا أنَّه الإمام المبعوث، الذي استقرَّ أمر النَّاس عليه، وبعث بعده في رأس كلِّ مئة من يقرِّر مذهبه. قال السُّبكيُّ وبهذا تعيَّن عندي تقديم ابن سريج [32] في الثَّالثة على أبي الحسن الأشعريِّ، فإنَّ الأشعريَّ [أيضًا] وإن كان شافعيَّ المذهب إلَّا أنَّه رجل متكلِّم، يذبُّ عن العقائد دون فروعها [33] ، وابن سريج يذبُّ عن فروع هذا المذهب، لا سيَّما ووفاة الأشعريِّ تأخَّرت عن رأس القرن إلى بعد العشرين، وقد صحَّ أنَّ هذا الحديث ذكر في مجلس ابن سريج، فقام شيخ من أهل العلم، فقال أبشر أيُّها القاضي، إنَّ الله بعث على رأس المئة الأولى عمر بن عبد العزيز، وفي الثَّانية الشَّافعيَّ، وبعثك على رأس الثَّالثة. وأنشأ ثلاثة أبيات، وزاد شخص عليها ثلاثة أبيات، وزاد [34] سهلًا الصُّعلوكيَّ، وزاد السُّبكيُّ أبياتًا إلى السَّبعمئة، وقال إنَّه ابن دقيق العيد. وأجاد في الأبيات، ونقل الاختلاف، وهذه هي الأبيات _ من البحر الكامل _

~إِثنان قد مضيا فبُوركَ فيهما عُمَرُ الخليفةُ ثمَّ حِلْف السُّؤددِ

~الشَّافعيُّ الألمعيُّ محمَّدٌ إرث النُّبوَّة وابن عمِّ محمَّدِ

~أرجو أبا العبَّاس أنَّك ثالث من بعدهم سقيًا لتربة أحمدِ

~ويقال إنَّ الأشعريَّ الثَّالثُ الـ مبعوثُ للدِّين القويمِ الأَيِّدِ

~والحقُّ ليس بمنكِرٍ هذا ول هذا وعلَّهما امرآن فعدِّدِ [35]

~هذا لنصرةِ أصلِ دينِ محمَّد كنظير ذلك في فروع محمَّدِ

~وضرورةُ الإسلام داعيةٌ إل هذا وذاك ليهتدي من يهتدي

~والرَّابع المشهور سهلُ محمَّدٌ أضحى عظيمًا عند كلِّ موحِّدِ

~يأوي إليه المسلمون بأَسْره في العلم إن جاؤوا بخطب مُؤْبِدِ

~لا زال فيما بيننا خير الورى للمذهب المختار خيرُ مجدِّدِ

~وقضى أُناسٌ أنَّ أحمد الاسْفِر يينيَّ رابعُهُمْ فلا تستبعدِ

~فكلاهما فردُ الورى المعدودُ م حزب الإمام الشَّافعيِّ محمَّدِ

~والخامسُ الحبرُ الإمامُ محمَّد هو حجَّةُ الإسلامِ دون تردُّدِ

~وابنُ الخطيبِ السَّادسُ المبعوثُ إذْ هو للشَّريعةِ كان أَيَّ مؤيِّدِ

~والرَّافعيُّ كمثلِه لولا تأخُّ ـرُ موتِه كالأشعريِّ وأحمدِ

~والسَّابعُ ابنُ دقيقِ عيدٍ فاستمع فالقولُ بين محمَّدٍ أو أحمدِ

~إن تَنْفِ عن عبد الكريم والاشعريّ وسهلٍ المأثور في ذا المسندِ

~وانظر لحُكْمِ الله أنَّ الكلَّ مِنْ أصحابنا فافهم وأَنصف تَرْشُدِ

~هذا علَى أنَّ المصيبَ إمامُن أجلَى دليلٍ واضحٍ للمهتدي

~يا أيُّها الرَّجل المريدُ نَجَابةً [36] دع ذا التَّعصبَ والمِراءَ وقلِّدِ

~هذا ابن عمِّ المصطفى وسميُّ والعالِم المبعوثُ خيرُ مجدِّدِ

~وضح الهدى بكلامه وبهدي يا أيُّها المسكين لِمْ لا تهتدي

قال السُّبكيُّ لمَّا أنشد الأبيات الثَّلاث الأول بين يدي ابن سُريج صاح وبكى، وقال لقد نعى إليَّ نفسي. وقيل مات في تلك السَّنة.

ويدلُّ أيضًا على أنَّ الشَّافعيَّ هو الإمام الحقُّ قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم «لا تسبُّوا قريشًا؛ فإنَّ عالمها يملأ الأرض علمًا» . وقال صلى الله عليه وسلم «لا تؤمُّوا قريشًا، وائتمُّوا بها، ولا تقدَّموا على قريش وقدِّموها، ولا تعلِّموا قريشًا وتعلَّموا منها، فإنَّ إمامة الأمِّيِّين من قريش، وإنَّ [علم] عالم قريش يسع طباق الأرض» . وأيضًا يدلُّ للشَّافعيِّ أنَّ المبعوث على رأس كلِّ مئة لتجديد الدِّين على مذهبه منذ خروجه إلى زمننا _ كما ذكرنا في البيت _ ففي الثَّالثة كان ابن سريج، والرَّابعة الأستاذ سهل الصُّعلوكيُّ، والخامسة الغزاليُّ، والسَّادسة الإمام فخر الدِّين الرَّازيُّ، والسَّابعة الشَّيخ تقيُّ الدِّين بن دقيق العيد، هكذا قال السُّبكيُّ [37] رحمه الله تعالى، وقال الكرمانيُّ رحمه الله تعالى، في شرح البخاريِّ، أوَّل كتاب الإيمان [38] هذا أمر ظنِّيٌّ، لا مطمع لليقين فيه، فللحنفيَّة أن يقولوا هو الحسن بن زياد في الثَّانية، والطَّحاويُّ في الثَّالثة. وللمالكيَّة أنَّه أشهب في الثَّانية، وللحنابلة أنَّه الخلاَّل في الثَّالثة، والزَّغْوانيُّ [39] في الخامسة، وللمحدِّثين أنَّه يحيى بن معين في الثَّانية، والنَّسائيُّ في الثَّالثة، وللزُّهَّاد أنَّه معروف الكرخيُّ في الثَّانية، والشِّبليُّ في الثَّالثة، ولأولي الأمر أنَّه المأمون، والمقتدر، والقادر، فإنَّ تصحيح الدِّين متناول لجميع أنواعه، مع أنَّ لفظة «من» تحتمل التَّعدُّد في المصحِّح، وقد كان قبل كلِّ مئة من يصحِّح ويقوم بأمر الدِّين، وإنَّما المراد من انقضت وهو حيٌّ عالم مشار إليه، انتهى.

قال أحمد بن سنان رأيت الشَّافعيَّ أحمر الرَّأس واللِّحية. يعني أنَّه استعمل الخضاب اتِّباعًا للسُّنَّة.

قال بعضهم مات سفيان الثَّوريُّ، فمات الورع، ومات الشَّافعيُّ، ومات السُّنن، ويموت أحمد بن حنبل، وتظهر البدع.

وقد ذكرنا في ترجمة الإمام أحمد قصَّة إرسال [40] الشَّافعيِّ ربيعًا إلى الإمام أحمد إلى بغداد، فراجعها، وكذلك المناظرة التي جرت بينهما، وكذلك ذكرت في ترجمة إسحاق بن راهويه مناظرتهما، فمن أراد الاطلاع عليها فليراجعها.

وذكر السُّبكيُّ في ترجمة أحمد بن الوزير _ نقلًا عنه _ أنَّ الشَّافعيَّ ما شرب من كوز مرَّتين، ولا عاد في جماع جارية مرَّتين، وقال ما تخلَّل الإنسان بخلال من بين أسنانه فليقذفه، وما أخرجه بأصابعه فليأكله. وفيه أثر كلوا الوَغْمَ، واطرحوا الفَغْمَ. والوَغَمُ ما تساقط من الطَّعام، والفَغْمُ ما تعلَّق بين الأسنان، أي كلوا فتات الطَّعام، وارموا ما يُخرجه الخِلال. قاله السُّبكيُّ [41] ، وقد ذكرنا في ترجمة أحمد بن [أبي] سريج، قال محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم سمعت الشَّافعيَّ يقول _ لمَّا سئل عن العدل _ ليس أحد يطيع الله حتَّى لا يعصيه، ولا أحد يعصي الله تعالى حتَّى لا يطيعه، ولكن إذا كان أكثر أمر الرَّجل الطَّاعة (لله) ، ولم يقدم على كبيرة فهو عدل. قال السُّبكيُّ هذه الرِّواية مقيَّدة بالقدوم [42] على الكبيرة، وجاء في روايات أخر مطلقًا، والمطلق محمول على المقيَّد. قال ابن عبد الحكم قال الشَّافعيُّ ذكرت لمحمَّد بن الحسن الدُّعاء في الصَّلاة، فقال لا يجوز أن يُدعى في الصَّلاة إلَّا بما في القرآن وما أشبهه. قلت له فإن قال رجل اللهم ارزقني قثَّاء وفومًا وعدسًا وبصلًا. أو أطعمني ذلك، أو أخرجه لي من الأرض، أيجوز ذلك؟ قال لا. قلت فهذا في القرآن، فإن كنت إنَّما تجيز ما في القرآن خاصَّة فهذا فيه، وإن (كنت) تجيز غير ذلك فلم حظرت شيئًا وأبحت شيئًا؟ قال فما تقول أنت؟ قلت كلُّ ما جاز [43] للمرء أن يدعو الله في غير صلاة، فجائز أن يدعو به في الصَّلاة، بل استحبَّ ذلك؛ لأنَّه موضع يرجى سرعة الإجابة فيه [44] ، والنَّهي عن الكلام في الصَّلاة، هو النَّهي عن كلام الآدميِّين بعضهم لبعض في غير أمر الصَّلاة. قال السُّبكيُّ وفي المناظرة ردٌّ على دعوى الشَّيخ أبي محمَّد في منع الدُّعاء في الصَّلاة بجارية حسناء.

قال ثلاثة أشياء ليس لطبيب فيها حيلة الحماقة، والهرم، والطَّاعون. قال السُّبكيُّ قال عبد الأعلى قال لي الشَّافعيُّ لم أر شيئًا أنفع للوباء من البنفسج، يدهن (به) ويشرب. قال السُّبكيُّ والوباء غير الطَّاعون، فلا منافاة بين الأمرين، انتهى. قلت المذكور في كتب الفقه [45] أنَّ الطَّاعون الوباء وبالعكس، نعم، قال في القاموس الوباء الطَّاعون، أو كلُّ مرض عامٍّ، فتأمَّل.

قال أبو ثور سألت الشَّافعيَّ عن رجل اشترى بيضة من رجل، وبيضة من آخر، ووضعهما في كمِّه، وانكسرت إحداهما، فخرجت مَذِرة، فعلى من تردُّ البيضة، وقد أنكر ذلك؟ قال آمره حتَّى يدَّعي. قال يقول لا أدري. قال أقول له انصرف، فإنَّا مُفْتون لا مُعَلِّمون.

قال الشَّافعيُّ حضرت مجلسًا بالرَّقَّة، فيه محمَّد بن الحسن وجماعة من بني هاشم، ممَّن ينظر في العلم، فقال محمَّد بن الحسن قد وضعت كتابًا لو علمت أنَّ أحدًا يردُّ عليَّ منه شيئًا تبلغنيه الإبل لأتيته. قال قلت نظرت في كتابك، وبعد البسملة خطأ. قال وما ذاك؟ قلت [46] قولك قال أهل المدينة كذا. فإن أردت كلَّهم فخطأ، فإنَّهم كلَّهم لم يتَّفقوا على ما قلت، وإن أردت مالكًا وحده فأظهر في الخطأ، فليس هو كلُّ أهل المدينة، وقد كان من علماء المدينة [في زمنه] من يشتدُّ نكيره عليه، فأيُّ الأمرين قصدت فقد أخطأت.

قال الشَّافعيُّ قال لي الفضل بن الرَّبيع أحبُّ أن أسمع مناظرتك للحسن بن زياد اللُّؤلؤيِّ. قال الشَّافعيُّ ليس اللُّؤلؤيُّ في هذا الحدِّ، ولكن أحضر بعض أصحابي يكلِّمه بحضرتك. فقال أو ذاك. فحضر الشَّافعيُّ، وأحضر من أصحابه شخصًا كوفيًّا، (قد) كان ينتحل مذهب أبي حنيفة، فصار شافعيًّا، فلمَّا حضر اللُّؤلؤيُّ، أقبل الكوفيُّ عليه، والشَّافعيُّ والفضل حاضران، فقال إنَّ أهل المدينة منكرون على أصحابنا شيئًا أريد أن أسأله [47] . قال اللُّؤلؤيُّ سل. فقال ما تقول في رجل قذف محصنة وهو في الصَّلاة؟ قال فسدت صلاته. قال فما حال طهارته؟ قال هي بحالها. قال فما تقول إن ضحك في صلاته؟ قال يعيد الصَّلاة والطَّهارة. فقال فقذف المحصنات في الصَّلاة أيسر من الضَّحك فيها [48] ؟! قال له وقفنا [49] في هذا. ثمَّ وثب فمضى.

قال الرَّبيع سئل الشَّافعيُّ عن قوله تعالى عزَّ وجلَّ {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [المطففين 15] فأجاب لمَّا حجب قومًا بالسُّخط دلَّ على أنَّ قومًا يرونه بالرِّضا. قلت أو تدين بهذا يا سيِّدي؟ فقال والله لو لم يوقن محمَّد بن إدريس بأنَّه يرى ربَّه في المعاد لما عبده في الدُّنيا.

قال الرَّبيع قال ابن هرم للشَّافعيِّ يا أبا عبد الله، تملي علينا السُّنن التي صحَّت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال السُّنن الصَّحيحة قليلة، هذا أبو بكر لا يصحُّ له تسعة أحاديث، (وعمر لا يصحُّ له خمسون حديثًا، وعثمان أقلُّ، وعليٌّ مع ما كان يحضُّ النَّاس على الأخذ عنه، لا يصحُّ له حديث) كثير، والصَّحيح عند أهل المعرفة قليل.

قال المزنيُّ سئل الشَّافعيُّ عن قوله تعالى {لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح 2] قال معناه من ذنب أبيك آدم وهبته لك، وما تأخَّر من ذنوب أمَّتك، أدخلهم الجنَّة بشفاعتك. قال البيهقيُّ هذا قول مستظرف، لكن الذي وضعه الشَّافعيُّ في تفسير الآية في تصنيفه، وصحَّ الرِّواية عنه ما تقدَّم قبل الوحي، و (ما) تأخَّر أن يعصمه فلا يذنب، فعلم ما يفعل به من رضاه عنه، وأنَّه أوَّل شافع، وأوَّل مشفَّع يوم القيامة، وسيِّد الخلائق.

قال الشَّافعيُّ دخل ابن عبَّاس على عمرو بن العاص _ وهو مريض _ فقال كيف أصبحت؟ قال أصبحت وقد أفسدت من دنياي كثيرًا، وأصلحت من آخرتي قليلًا، فلو كان ما أصلحت هو ما أفسدت لفزت، ولو كان ينفعني إذا طلبت طلبت، أو كان ينجيني إذا هربت [50] هربت، فعظني بموعظة [51] أنتفع بها يا ابن أخي. قال هيهات، هيهات يا أبا عبد الله! فقال اللهم إنَّ ابن عبَّاس يقنِّطني من رحمتك، فخذ منِّي حتَّى ترضى.

قال المزنيُّ كنت يومًا عند الشَّافعيِّ أسأله عن مسائل أهل الكلام، فجعل يسمع منِّي وينظر إليَّ، ثمَّ يجيبني عنها بأحضر جواب، فلمَّا اكتفيت قال يا بنيَّ، أدلُّك على ما هو خير لك من هذا؟ قلت نعم. قال يا بنيَّ، هذا علم إن أصبت فيه لم تؤجر، وإن أخطأت فيه كفرت، فهل لك في علم إن أصبت فيه أجرت، وإن أخطأت فيه لم تأثم؟ قلت وما هو؟ قال الفقه. فلزمته، وتعلَّمت منه الفقه. قال وكنت عنده يومًا، فدخل حفص الفرد، فسأله عن سؤالات كثيرة، فبينما الكلام يجري بينهما _ وقد دقَّ حتَّى لا أفهمه _ إذ [52] التفت إليَّ الشَّافعيُّ مشرفًا، فقال تدري ما قال حفص؟ قلت لا. قال خير لك أن لا تدري.

اعلم أنَّ السُّبكيَّ [53] ضبط أحضر بالمهملة، ثمَّ المعجمة، نقلًا عن والده.

قال المزنيُّ قال الشَّافعيُّ من تكلَّم في القرآن عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبل قدره، ومن كتب الحديث قويت حجَّته، ومن نظر في اللُّغة رقَّ طبعه، ومن نظر في الحساب جزل رأيه، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه [54] علمه.

وسئل الشَّافعيُّ عن نعامة ابتلعت جوهرة لرجل؟ فقال لست آمره بشيء، ولكن إن كان صاحب الجوهرة كيِّسًا غدا على النَّعامة، ذبحها واستخرج جوهرته، ثمَّ ضمن لصاحب النَّعامة ما بين قيمتها حيَّة ومذبوحة.

قال الشَّافعيُّ رأيت بالمدينة أربع عجائب، رأيت جدَّة بنت إحدى وعشرين سنة، ورأيت رجلًا فلَّسه القاضي في مدَّي نوى، ورأيت شيخًا أتى عليه تسعون سنة، يدور نهاره أجمع راجلًا حافيًا على المغنِّيات، يعلمهنَّ الغناء، فإذا أتى الصَّلاة صلَّى قاعدًا. قال المزنيُّ ونسيت الرَّابعة.

قال الشَّافعيُّ القدريَّة الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «هم مجوس هذه الأمَّة» الذين يقولون إنَّ الله لا يعلم بالمعاصي حتَّى تكون.

قال الشَّافعيُّ أقمت أربعين سنة (أسأل) الذين تزوَّجوا، فما منهم أحد قال إنَّه رأى خيرًا.

قال الشَّافعيُّ لا يحلُّ لأحد سمع [حديث] رسول الله صلى الله عليه وسلم في رفع اليدين في افتتاح الصَّلاة، وعند الرُّكوع، والرَّفع منه أن يترك الاقتداء بفعله صلى الله عليه وسلم. قال السُّبكيُّ فهذا صريح في أنَّه يوجب ذلك.

قال الشَّافعيُّ بعث إليَّ هارون الرَّشيد ليلًا الرَّبيع، فهجم عليَّ من غير إذن، فقال لي أجب أمير المؤمنين. فقلت له في مثل هذا الوقت، وبغير إذن؟! قال بذلك أمرت. فخرجت معه، فلمَّا حضرت باب الدَّار، قال لي اجلس، فلعلَّه قد نام، أو قد سكنت [55] سورة غضبه. فدخل، (فرأى) الرَّشيد منتصبًا، فقال ما فعل محمَّد بن إدريس؟ قال [قد] أحضرته. فخرجت، فأشخصته، قال الشَّافعيُّ فتأمَّلني، ثمَّ قال يا محمَّد، أرعناك [56] ، فانصرف راشدًا، يا ربيع، احمل معه بدرة ودراهم. قال فقلت لا حاجة لي فيها. قال أقسمت عليك إلَّا ما أخذته.، فحملت بين يديَّ، فلمَّا خرجت قال لي الرَّبيع بالذي سكَّن غضب هذا الرَّجل وسخَّره لك، ما الذي قلت؟ فإنِّي أحضرتك، وأنا أرى موضع السَّيف من قفاك. فقلت سمعت مالك بن أنس يقول سمعت نافعًا يقول سمعت عبد الله بن عمر يقول دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الدُّعاء، فكفى «اللهم إنِّي أعوذ بنور قدسك، وبركة طهارتك، وعظمة جلالك من كلِّ آفة وعاهة، ومن طوارق اللَّيل والنَّهار، ومن طوارق الإنس والجنِّ إلَّا طارقًا يطرق بخير، اللهم أنت غياثي فبك أغوث، وأنت عياذي فبك أعوذ، وأنت ملاذي فبك ألوذ، يا من ذلَّت له رقاب الجبابرة، وخضعت له مقاليد الفراعنة، أعوذ بجلال وجهك، وكرم جلالك، من خزيك، وكشف سترك، ونسيان ذكرك، والإضراب عن شكرك، أنا في كنفك في ليلي ونهاري، ونومي وقراري، وظعني وإقامتي، ذكرك شعاري، وثناؤك دثاري، لا إله إلَّا أنت تنزيهًا لاسمك، وتكريمًا لسبحات وجهك، أجرني من خزيك، واصرف عنِّي شرَّ عبادك، واجعلني في حفظ عنايتك، وأعذني من فجأة نقمتك، وأغثني بخير من عندك، يا أرحم الرَّاحمين، فإنَّك على كلِّ شيء قدير، وأنت حسبي ونعم الوكيل» .

وكان الشَّافعيُّ _ رضي الله عنه _ حسن الصَّوت بقراءة [57] القرآن، قال السُّبكيُّ [58] _ نقلًا عن يحيى بن نصر المصريِّ _ قال كنَّا إذا أردنا أن نبكي قال بعضنا لبعض قوموا بنا إلى هذا الفتى المطَّلبيِّ _ يعني الشَّافعيَّ _ يقرأ القرآن. فإذا أتيناه استفتح القرآن، فنبكي حتَّى نتساقط بين يديه، ويكثر عجيجنا بالبكاء، فإذا رأى ذلك أمسك عن القراءة؛ من حسن صوته، وقد ذكرنا [59] في ترجمة الحسن الزَّعفرانيِّ فوائد لطيفة عن الشَّافعيِّ، فراجعها.

قال الحسين الكرابيسيُّ سمعت الشَّافعيَّ يقول يكره للرَّجل أن يقول قال الرَّسول. ولكن يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليكون معظِّمًا.

وقال الشَّافعيُّ اضطر النَّاس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يجدوا تحت أديم السَّماء خيرًا من أبي بكر، فلذلك استعملوه على رقاب النَّاس. قال العباديُّ وهذا قول منه بأنَّ إمامة المفضول لا تجوز.

قال الكرابيسيُّ سمعت الشَّافعيَّ يقول كنت أقرأ كتب الشُّعراء، فآتي البوادي، فأسمع منهم، قال فقدمت مكَّة، فخرجت وأنا أتمثَّل بشعر للبيد [60] ، فضربني رجل من ورائي من الحَجَبة، وقال رجل من قريش، ثمَّ من بني المطَّلب رضي من دينه ودنياه أن يكون [معلِّمًا، ما الشِّعر؟ هل الشِّعر إذا استحكمت فيه] إلَّا صرت معلِّمًا، تفقَّه يعلِّمك [61] الله. قال الشَّافعيُّ فنفعني الله بكلام ذلك الحجبيِّ، فرجعت إلى مكَّة، فكتبت عن ابن عيينة ما شاء الله أن أكتب، ثمَّ كنت أجالس مسلم بن خالد الزِّنجيَّ [62] ، ثمَّ قدمت على مالك بن أنس، فكتبت موطَّأه، فقلت له يا أبا عبد الله، أقرأ عليك؟ قال يا ابن [63] أخي، تأتي برجل يقرأه عليَّ، فتسمع. فقلت أقرأ عليك، فتسمع كلامي. فقال لي اقرأه. فقرأت عليه حتَّى بلغت كتاب السِّير، فقال لي اطوه يا ابن أخي، تفقَّه تعلُ. قال جئت إلى مصعب بن عبد الله، فكلَّمته أن يكلِّم بعض أهلي فيعطيني شيئًا من الدُّنيا، فإنَّه كان لي من الفقر والفاقة ما الله به عليم، فقال لي مصعب أتيت فلانًا فكلَّمته، فقال لي أتكلِّمني في رجل كان منَّا فخالفنا؟ فأعطاني مئة دينار، فقال لي مصعب إنَّ هارون الرَّشيد قد كتب إليَّ أن أصير إلى اليمن قاضيًا، فتخرج معنا [64] ، لعلَّ الله أن يعوِّضك ما كان هذا الرَّجل يعوِّضك. قال فخرجت معه، فلمَّا جالسنا النَّاس باليمن كتب مُطَرِّف بن مازن إلى هارون الرَّشيد إن أردت اليمن [65] لا يفسد عليك، [ولا يخرج من بين يديك] فأخرج منه محمَّد بن إدريس. وذكر أقوامًا من الطَّالبيِّين، فبعث إلى حمَّاد البربريِّ، فأُوثقتُ بالحديد، حتَّى قدمنا إلى هارون الرَّشيد بالرَّقَّة، قال فأدخلت إلى هارون معي خمسون دينارًا، ومحمَّد بن الحسن يومئذ بالرَّقَّة، فأنفقت الخمسين على كتبهم، فوجدت مَثَلَهم ومَثَلَ كتبهم مثل رجل كان عندنا يقال له فروخ [66] ، وكان يحمل الدُّهن في زِقٍّ له، وكان إذا يقال له عندك دهن زنبق؟ قال نعم. وإن قيل [له عندك دهن] خِيْرِيٌّ [67] ؟ قال نعم. وإن قيل له عندك دهن كذا؟ قال نعم. وبالجملة فلا يسأل عن دهن إلَّا قال نعم. فإذا قيل له أرني _ وللِزِّقِّ رؤوس كثيرة _ فيخرج له من تلك الرُّؤوس، وإنَّما هو دهن واحد، وكذلك وجدت كتاب أبي حنيفة، إنَّما يقولون كتاب الله، وسنَّة رسوله. وإنَّما هم مخالفون له. قال وسمعت ما لا أحصيه محمَّد بن الحسن يقول إن بايعكم [68] الشَّافعيُّ، فما عليكم من حجازيٍّ كلفة بعده. فجئت إليه يومًا _ وأنا من أشدِّ النَّاس همًّا وغمًّا من سخط أمير المؤمنين _ وزادي قد نفد، فلمَّا أن جلست إليه أقبل محمَّد بن الحسن يطعن على أهل دار الهجرة، (فقلت) على من تطعن؟ على البلد أو على أهله؟ والله لئن طعنت على أهله؛ إنَّما تطعن على أبي بكر وعمر والمهاجرين والأنصار، وإن طعنت على البلد فإنَّما بلدتهم التي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبارك لهم في صاعهم ومدَّهم، وحرَّمه كما حرَّم إبراهيم مكَّة، فعلى أيِّهم تطعن؟ فقال معاذ الله أن أطعن على أحد منهم، أو على بلدتهم، وإنَّما أطعن على حكم من أحكامه. فقلت وما هو؟ قال اليمين مع الشَّاهد. فقلت ولم طعنت؟ قال لأنَّه مخالف لكتاب الله تعالى. فقلت وكلُّ خبر يأتيك مخالف لكتاب الله أيسقط؟ قال كذا يجب [69] . فقلت ما تقول في الوصيَّة للوالدين؟ فتفكَّر ساعة، فقلت له أجب. فقال لا تجوز. فقلت هذا مخالف لكتاب الله. لم قلت إنَّها لا تجوز؟ فقال لأنَّ رسول الله قال لا وصيَّة للوالدين. قال فقلت أخبرني عن شاهدين، حتم من الله؟ قال فما تريد من ذا؟ فقلت [له] لأنَّك [70] زعمت أنَّ الشَّاهدين حتم من الله، لا غيره كاف، وينبغي لك أن تقول إذا زنى زان، فشهد عليه شاهدان، إن كان محصنًا رجمته، وإن كان غير محصن جلدته. قال قلت لك ليس هو حتمًا من الله. قال قلت إذا لم يكن حتمًا من الله، فينزَّل كلٌّ (من) الأحكام منازله، في الزِّنا أربعًا، وفي غيره شاهدين، وفي غيره رجلًا وامرأتين، وإنَّما أعني في القتل، لا يجوز إلَّا الشَّاهدين [71] ، فلمَّا رأيت قتلًا وقتلًا، أعني بشهادة الزِّنا، وبشهادة القتل، فكان هذا قتلًا، وذا قتلًا، غير أنَّ أحكامهما مختلفة، فكذلك كلُّ حكم بدون هذا تنزِّله حيث أنزله الله، منها بأربع، ومنها بشاهدين، ومنها برجل وامرأتين، ومنها بشاهد ويمين، فرأيتك تحكم بدون هذا. قال وما أحكم بدون هذا؟! قال قلت له ما تقول في الرَّجل والمرأة إذا اختلفا في متاع البيت؟ قال أصحابي يقولون ما كان للرِّجال فهو للرَّجل [72] ، وما كان للنِّساء فهو للمرأة. فقلت أبكتاب الله هذا أم بسنَّة رسول الله؟ قال فقلت له ما تقول في الرَّجلين إذا اختلفا في الحائط؟ فقال في قول أصحابنا إذا لم يكن لهم بيِّنة ينظر إلى العقد من أين هو؟ فأحكم لصاحبه. قال قلت أبكتاب الله هذا أم بسنَّة رسول الله؟ قلت ما تقول في رجلين بينهما خُصٌّ فيختلفان [73] ، لمن تحكم إذا لم يكن بيِّنة؟ قال أنظر إلى معاقده من أيِّ وجه هو؟ فأحكم له. قلت أبكتاب الله أم بسنَّة رسول الله؟ قال فقلت فما تقول في ولادة المرأة إذا لم يحضرها إلَّا امرأة واحدة، وهي القابلة؟ فقال الشَّهادة جائزة بشهادة القابلة وحدها نقبلها. قال فقلت أهذا من كتاب الله أم من سنَّة رسول الله؟ قال ثمَّ قلت له من كانت هذه أحكامه أيطعن على غيره؟ قال ثمَّ قلت له أتعجب من حكم حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحكم به أبو بكر وعمر وعليٌّ بالعراق، وقضى [74] به شريح؟ قال الشَّافعيُّ ورجل من ورائي يكتب ألفاظي، وأنا لا أعلم، فأُدخلَ على هارون، وقرأ عليه، قال فقال هَرْثمة بن أعين _ وكان متَّكئًا، فاستوى جالسًا _ قال اقرأه عليَّ ثانيًا، فأنشأ هارون يقول صدق الله، وصدق رسوله، [قال صلى الله عليه وسلم] «تعلَّموا من قريش، ولا تعلِّموها، وقدِّموا قريشًا، ولا تؤخِّروها» ما أنكر أن يكون محمَّد بن إدريس أعلم من محمَّد بن الحسن. قال الشَّافعيُّ فرضي هارون عنِّي، وأمر لي بخمسمئة دينار، فخرج هرثمة، وقال لي بالسَّوط هكذا. فتبعته [75] ، فحدَّثني بالقصَّة، وقال لي قد أمر لك بخمسمئة دينار، وقد أضفنا إليه مثله. فوالله ما ملكت قبلها ألف دينار.

قال حرملة قال الشَّافعيُّ إذا رأيت كوسجًا فاحذره، وما رأيت من أزرق خيرًا قطُّ، وما تقرِّب إلى الله تعالى بعد أداء الفريضة بأفضل من طلب العلم. وقال في حديث «اشترطي لهم الولاء» . معناه عليهم، قال الله تعالى {أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ} [الرعد 25] يعني عليهم.

قال السُّبكيُّ [76] ولكن قد روي عن الشَّافعيِّ أيضًا تضعيف هذا التَّأويل، بل [77] قال غيره اشترطي عليهم، أي رغمًا عليهم، فإنَّ الولاء لا يحصل لهم شرطت أم لم تشرطي.

قال الشَّافعيُّ في قوله صلى الله عليه وسلم «بيد أنِّي من قريش» أي من أجل أنِّي [78] منهم، وقال لا يقول أحد «ما شاء الله وشئت؛ إذ قد جعل فاعلين بل ما شاء الله ثمَّ شئت» .

قال حرملة كان الشَّافعيُّ رضي الله عنه _ وهو حدث _ ينظر في النُّجوم، وكان له صديق وعنده جارية قد حبلت، فقال إنَّها تلد إلى سبعة وعشرين يومًا، بولد، في فخذه الأيسر خال أسود، يعيش أربعة وعشرين يومًا ثمَّ يموت. فجاء الأمر كما قال ووصف، فحرَّق تلك الكتب، وما عاد إلى النَّظر في شيء منها.

قال السُّبكيُّ _ في ترجمة المزنيِّ _ اعلم أنَّه قد يعترض على نظر هذا الإمام في النُّجوم، ويجاب بأنَّ ذلك كان في حداثة سنِّه، وهذا غير مرضيٍّ، والخطب في مسألة النَّظر في النُّجوم جليل عسير، وإجماع [79] القوم فيه أنَّ النَّظر فيه لمن يحبُّ إحاطة بما عليه أهله غير منكر، أمَّا اعتقاد تأثيره وما يقوله أهله فهذا هو المنكر، ولم يقل أحد بحلِّه، لا الشَّافعيُّ، ولا غيره. وقال برهان الدِّين بن الفِرْكَاح _ لمَّا وقعت المسألة في زمانه _ إن كان المنجِّم يقول ويعتقد أنَّه لا مؤثِّر إلَّا الله، ولكن أجرى الله تعالى العادة بأنَّه يقع كذا عند كذا، والمؤثِّر هو الله، فهذا عندي لا بأس به، وحيث جاء الذَّمُّ، فينبغي أن يحمل على معتقد تأثير النُّجوم وغيرها من المخلوقات، وأفتى كمال الدِّين الزَّملكانيُّ بالتَّحريم مطلقًا، وأطال فيه. قال السُّبكيُّ وليس ما ذكره بالبيِّن، والظَّنُّ أنَّه لو استحضر صنع الشَّافعيِّ لما أطلق لسانه هذا الإطلاق، وأفتى ابن الصَّلاح بتحريم الضَّرب بالرَّمل وبالحصى ونحو ذلك. انتهى.

قال حرملة كان الشَّافعيُّ يخرج لسانه فيصل إلى أنفه. قال حرملة سمعت سفيان بن عيينة يقول في قوله عليه السَّلام «ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن» . أي يستغني به. قال الشَّافعيُّ(ليس هو كذلك، لو كان هكذا لقال يَتَغَاْنَى. إنَّما هو يتحزَّن، ويترنَّم، ويقرؤه تحزينًا.

قال الشَّافعيُّ)إذا أهدى مشرك إلى الإمام أو الأمير _ والحرب قائمة _ فالهديَّة غنيمة، بخلاف ما إذا أهدى قبل أن يرتحلوا عن دار الإسلام. [وعن أبي حنيفة إنَّها للمهديِّ إليه بكلِّ حال، قال النَّوويُّ [80] إذا أهدى قبل أن يرتحلوا عن دار الإسلام] فإنَّها للمهدَى إليه. قال السُّبكيُّ [81] [الذي] ينبغي أن تكون فيئًا [82] على قياس هدايا العمَّال، لكن في البحر ما يوافق النَّوويَّ، قال وهو غير مسلَّم.

قال الشَّافعيُّ من زعم من أهل العدالة أنَّه يرى الجنَّ أبطلت شهادته؛ لقوله عزَّ وجلَّ {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف 27] إلَّا أن يكون نبيًّا.

قال حرملة إذا وجد ماء طاهرًا وماء نجسًا، واحتاج إلى الطَّهارة توضَّأ بالطَّاهر، وشرب النَّجس. وتبعه الزُّجاجيُّ والماورديُّ وغيرهما [83] ، لكن أنكره الشَّاشيُّ، واختار أنَّه يشرب الطَّاهر ويتيمَّم، وصحَّحه النَّوويُّ، قال السُّبكيُّ لكن أظنُّه ما اطَّلع على ما في حرملة، فلعلَّه لو اطَّلع توقَّف عن تصحيح شرب الطَّاهر، على أنَّ ما صحَّحه هو الذي يظهر إن كان النَّجس ممَّا يعاف استعماله.

قال الرَّبيع الجِيْزيُّ _ نقلًا عن الشَّافعيِّ _ قراءة القرآن بالألحان مكروهة، وإنَّ الشَّعر بعد الممات يتبع الذَّات قياسًا على حال الحياة. يعني أنَّه يطهر، انتهى. قلت لكنَّ الأصحَّ المنصوص أنَّه لم يطهر؛ لأنَّ الشَّعر لا يتأثَّر بالدِّباغ، نعم يعفى عن القليل النَّاتئ عن الجلد [84] ، لكن صحَّح أبو إسحاق الإسفرايينيُّ والرُّويانيُّ [85] ، وابن أبي عصرون، والتَّقيُّ السُّبكيُّ طهارة الشَّعر بالدِّباغ؛ لأنَّ الصَّحابة زمن عمر قسموا المغنومة [86] من الفرس، وهي ذبائح مجوس، وفي صحيح مسلم [خ¦106] ، عن أبي الخير، قال رأيت على ابن وَعْلَةَ السَّبَئِيِّ فروًا فمسِسْته، فقال مالك تمسُّه؟ قد سألت ابن عبَّاس، فقلت له إنَّا نكون بالمغرب [87] ومعنا البربر والمجوس، نؤتى بالكبش قد ذبحوه، ونحن لا نأكل ذبائحهم، ويأتونا بالسِّقاء، يجعلون فيه الودك. فقال ابن عبَّاس سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال «دباغه طَهوره» . قال التَّقيُّ السُّبكيُّ فهذا نصٌّ [88] في المسألة، وهو الذي أختاره وأفُتي به، والذي صحَّحه الجمهور خلاف الحديث. قاله كمال الدِّين الدَّميريُّ [89] ، وأقول ليس الحديث ظاهر الدَّلالة على المقصود، فإنَّ السِّقاء يمكن أن يكون نقيًّا عن الشَّعر، ومن أين كان [90] عليه شعر؟! وقوله «دباغه طهوره» نحن نقول به، ولكن أراد الجلد لا الشَّعر، فما الدَّليل؟ وبالجملة نقول بموجبه، والنِّزاع باق، [فتأمَّل] .

قال الرَّبيع المراديُّ _ وكان الشَّافعيُّ يحبُّه _ وقال يومًا يا ربيع، ما أحبَّك إليَّ! وما خدمني أحد قطُّ ما خدمني الرَّبيع المراديُّ. وقال له لو أمكنني أن أطعمك العلم لأطعمتك. وكان الرَّبيع بطيء الفهم. قال القفَّال فكرَّر الشَّافعيُّ عليه مسألة واحدة أربعين (مرَّة) فلم يفهم، فقام من المجلس حياء، فدعاه الشَّافعيُّ في خلوة، وكرَّر عليه حتَّى فهم.

قال الرَّبيع قال الشَّافعيُّ في الأكل أربعة أشياء فرض، وأربعة سنَّة، وأربعة أدب؛ أمَّا الفرض، فغسل اليدين والقصعة والسِّكِّين والمغرفة؛ وأمَّا السُّنَّة، فالجلوس على الرِّجل اليسرى، وتصغير اللُّقمة، والمضغ الشَّديد، ولعق الأصابع؛ وأمَّا الأدب، فهو أن لا تمدَّ يدك حتَّى يمدَّ من هو أكبر منك، وتأكل ممَّا يليك، وتقلَّ النَّظر في وجوه النَّاس، وتقلَّ الكلام.

قال الرَّبيع دخلت على الشَّافعيِّ وهو مريض، فقلت قوَّى الله ضعفك. فقال لو قوَّى ضعفي قتلني. قلت والله ما أردت إلَّا خيرًا [91] . قال أعلم أنَّك لو شتمتني لم ترد إلَّا الخير. وفي رواية قل قوَّى الله قوَّتك، وضعَّف ضعفك. قلت في قوله وضعَّف ضعفك أيضًا تأمُّل؛ فإنَّه إذا كان [92] من التَّضعيف يكون قاتلًا، وإن كان من الضَّعف يكون ناجيًا، وبالجملة فقوله قوَّى الله ضعفك. وقول الشَّافعيِّ قل ضعَّف ضعفك. من باب التَّوجيه الذي ذكره علماء البديع؛ لأنَّه يحتمل الخير والشَّرَّ، كقولك لعمرو الأعور الخيَّاط [93]

~خاطَ لي عمروٌ قَبَاءْ ليت عينيه سَواءْ

يمكن أن تكون العين العوراء صحيحة، فهو دعاء له، وبالعكس، فهو دعاء عليه، واعلم أنَّ حمل الشَّافعيِّ قول الرَّبيع على غير ما أراده يسمَّى عند علماء البديع القول بالموجب. فإنَّه أحد نوعيه، كقوله _ من البحر الخفيف _

~قلتُ ثقَّلْتُ إذ أتيتُ مِرارًا قال ثقَّلْتَ كاهِلي بالأيادي [94]

فلفظ"ثقَّلت"وقع في كلام الشَّاعر في المصراع الأوَّل بمعنى حمَّلتك المؤنة، فحمله في المصراع الثَّاني على الإحسان، وكذلك قوَّى الله ضعفك، قصد المراديُّ أن يبدل الضَّعف قوَّة، وحمل الشَّافعي على ازدياد الضَّعف، ولك أن تجعل قول الشَّافعيِّ ضعَّف الله ضعفك أيضًا. من ذلك، لكن ما أراد الشَّافعيُّ إلَّا تقليل الضَّعف، وإرادة الشَّافعيِّ ذلك لا تأبى التَّصرُّف [95] ، بل الشَّرط أن يكون تصرُّف المتصرِّف غير الذي أراد المتكلِّم، فتأمَّل، فإنَّها فائدة بديعة بديعيَّة.

قال الرَّبيع [كان الشَّافعيُّ لا يرى الإجازة في الحديث، قال الربيع] وأنا أخالف الشَّافعيَّ في هذا. هكذا ذكره السُّبكيُّ [96] في ترجمة الرَّبيع، مع أنَّه ذكر في ترجمة الكرابيسيِّ أنَّه أتى الشَّافعيَّ، فقال أتأذن لي أن أقرأ عليك الكتب؟ فأبى، وقال خذ كتب الزَّعفرانيِّ فقد أجزتها لك. فأخذها إجازة. هذا كلام السُّبكيِّ بحروفه، وفيه تناقض صريح، ولم ينبِّه عليه السُّبكيُّ، فلعلَّ الشَّافعيَّ كان يرى الإجازة أوَّلًا، ثمَّ رجع؛ فإنَّ الكرابيسيَّ والزَّعفرانيَّ من أصحاب القول القديم، والرَّبيع من أصحاب الجديد، فتأمَّل.

قال الرَّبيع سمعت الشَّافعيَّ يقول من استُغضب فلم يغضب فهو حمار، ومن استُرضي فلم يرض فهو لئيم. وفي لفظ شيطان، ومن ذكِّر [97] فلم ينزجر فهو محروم، ومن تعرَّض لما لا يعنيه فهو الملوم.

قال الشَّافعيُّ والله الذي لا إله إلَّا هو لو علمت أنَّ شرب الماء البارد ينقص مروءتي ما شربته.

قال الشَّافعيُّ أنفع الذَّخائر التَّقوى، وأضرُّها العدوان، ولا خير لك في صحبة من تحتاج إلى مداراته.

قال الشَّافعيُّ {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة 36] لم يختلف أهل العلم أنَّ (السُّدى) الذي لا يأمر ولا

ينهَى. وسئل الشَّافعيُّ عن الرُّقية؟ فقال لا بأس بكتاب الله، أو ذكر الله، جلَّ ثناؤه. قال الرَّبيع فقلت أيرقي أهلُ الكتاب المسلمين؟ فقال نعم، إذا رقوا بما يعلم من ذكر الله أو كتاب الله. فقلت وما الحجَّة في ذلك؟ قال غير حجَّة، وذلك ما روي أنَّ أبا بكر دخل على عائشة وهي تشتكي، ويهوديَّة ترقيها، فقال أبو بكر بكتاب الله. فقلت للشَّافعيِّ أما تكره رقية أهل الكتاب؟ قال ولم؟ وأنتم تروون هذا عن أبي بكر، ولا أعلمكم تروون عن غيره من أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم خلافه، وقد أحلَّ الله تعالى طعام أهل الكتاب ونساءهم، وأحسب [98] الرُّقية إذا رقوا بكتاب الله مثل هذا وأقلَّ. قال السُّبكيُّ [99] تضمَّن هذا أنَّ قول الصَّحابيِّ إذا لم يعرف له مخالف حجَّة عند من لا يراه حجَّة إذا خالفه غيره.

قال الشَّافعيُّ قلت لمحمَّد بن الحسن لم زعمت أنَّه إذا أدخل يده في الإناء بنيَّة الوضوء ينجس [100] الماء؟ وأحسب أنَّه لو قال غيركم هذا لقلتم إنَّه مجنون. فقال لقد سمعت أبا يوسف يقول قول الحجازيِّين في الماء أحسن من قولنا، وقولنا فيه خطأ. قلت فأقام عليه؟ قال لا، قد رجع إلى قولكم نحوًا من شهرين، ثمَّ رجع. قلت ما زاده [101] رجوعه إلى قولنا قوَّة، ولا وهَّنه رجوعه عنه.

قال وسأله رجل عن مسألة يرونها [102] عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا عبد الله، أتقول بهذا؟ فارتعد الشَّافعيُّ واصفرَّ لونه، قال ويحك! أيُّ أرض تقلُّني، وأيُّ سماء تظلُّني إذا رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أقل به؟ نعم على الرَّأس والعين. وفي لفظ متى رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا ولم آخذ به فأشهدكم أنَّ عقلي قد ذهب. وفي لفظ آخر أتراني في بيعة؟ أتراني في كنيسة؟ أترى عليَّ زيَّ الكفَّار؟ أما تراني في مسجد المسلمين، على زيِّ المسلمين مستقبل قبلتهم، أروي حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ لا أقول به؟ …وقال إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي.

وقال إذا ضاقت الأشياء اتَّسعت، وإذا اتَّسعت ضاقت.

وقال من صدق في أخوَّة أخيه قَبِلَ علله، وسدَّ خلله، وعفا زلَلَه، والكيِّس العاقل هو الفطن المتغافل.

وقال أكره أن تقول أعظم الله أجرك. (يعني) في المصائب؛ لأنَّ معناه أكثر الله مصائبك ليعظم أجرك. قلت وفي هذا ما في قوله قوَّى الله ضعفك.

وكان الشَّافعيُّ إ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت