ذكر ورَّاقُه محمَّدُ بنُ أبي حاتم أنَّ البخاريَّ ورث من أبيه مالًا جزيلًا، فكان يُعطيه مضاربةً، فقطع له غريم خمسةً وعشرين ألفًا، فقيل له استعِنْ بكتاب الوالي. فقال إن أخذتُ منهم كتابًا طمعوا، ولم أبع ديني بدنياي. ثمَّ بلغه أنَّه قدم آمُل، ونحن بِفِرَبْرَ، فقلنا له ينبغي أن [تعبُرَ وتأخذه بمالك، فقال ليس لنا أن نروِّعه، ثمَّ بلغ غريمه ذلك فخرج إلى خُوَارزْم، فقلنا له ينبغي أن] تكلِّم السُّلطان في ذلك. فأبى، حتَّى كلَّمناه من غير أمره، فكتب إلى والي خُوارزْمَ، فلمَّا بلغ البخاريَّ ذلك وَجَدَ وَجْدًَا شديدًا، وقال لا تكونوا أشفق مِنِّي على نفسي! وكتب كتابًا إلى بعض أصحابه أن لا يتعرَّضوا لغريمه، فرجع غريمه، وقصد مَرْوَ [1] ، فاجتمع التُّجَّار، وأخبروا السُّلطان بذلك، فأراد التَّشديد على الغريم، فكره البخاريُّ (ذلك) [2] ، وصالَحَ غريمَه على أن يعطيه كلَّ سنةٍ عشرة [3] دراهم، وكان المال خمسة وعشرين ألفًا _ وقال ابن حجر [4] صُولِح على أن يُعْطَى كلَّ شهر عشرة دراهم _ فذهب ذلك المال كلُّه [5] ، ولم يَصِلْ إلى درهم منه، ولا إلى أكثر.
قال ورَّاقه سمعته يقول ما تولَّيتُ شراءَ شيء قطُّ، ولا بيعَه، كنتُ آمر إنسانًا فيشتري لي. قيل له ولِمَ؟ قال لِمَا فيه من الزِّيادة والنُّقصان والتَّخليط. قال فمَن يتولَّى أمورَك في أسفارك؟ قال كنت أُكْفَى ذلك.
قال أبو سعيد بكر بن مُنِيرٍ حُمِلَ إلى البخاريِّ بضاعةٌ أنفذها إليه ابنه [6] أبو حفص، فاجتمع بعضُ التُّجَّار إليه بالعشيَّة، وطلبوها منه بربح خمسة آلاف درهم، فقال لهم انصرفوا اللَّيلة. فجاءه من الغد تجَّار آخرون، فطلبوها منه بربح عشرة آلاف، فردَّهم، وقال إنِّي نويت البارحةَ أن أدفع إلى الأَوَّلِيْنَ. فدفعها إليهم، وقال لا أُحبُّ أن أنقض نيَّتي.
وبالجملة كان في سعة من المال، ورثه من أبيه، وكان يتصدَّق به حتَّى نَفِد جميعُه، وكان يأتي عليه أيَّام لا يأكل شيئًا، وربَّما يأكل لوزتين،
ج 1 ص 2
أو ثلاثًا.
قال البخاريُّ خرجت إلى آدم بن أبي إياس، فتأخَّرتْ عنِّي نفقتي، حتَّى جعلتُ أتناول حشيش الأرض، فلمَّا كان في اليوم الثَّالث، ولم أُخبِرْ بذلك أحدًا، أتاني آتٍ لم أعرفه، وناولني صُرَّةَ دنانير، وقال أنفقها على نفسك.
قال البخاريُّ كنت أستغلُّ [7] كلَّ شهر خمس مئة درهم، فأنفقها في الطَّلَب، وما عند الله خير وأبقى.
قال عمر [8] بن حفص الأشقر كنَّا مع البخاريِّ بالبصرة نكتب الحديث، ففقدناه أيَّامًا، ثمَّ وجدناه في بيت، وهو عريان، وقد نَفِدَ ما عنده، فجمعنا له الدَّراهم، فكسوناه.
قال سُلَيم بن مجاهد ما رأيت بعيني منذ ستِّين سنةً أفقهَ، ولا أورعَ، ولا أزهدَ في الدُّنيا من محمَّد بن إسماعيل البخاريِّ.
قال البخاريُّ [9] ما ينبغي للمسلم [10] أن يكون بحالةٍ إذا دعا لم يُستَجَب له.
قلتُ لله درُّه ما أعلى همَّتَه، وما أصفى نيَّتَه! وهو عند ذاك حيًّا وميتًا، فإنَّ الدُّعاء عند قبره مقبول مجرَّب.
قال ورَّاقُه استلقى البخاريُّ يومًا، ونحن بِفِرَبْرَ، وكان يصنِّف التَّفسير، وكان أتعب نفسه ذلك اليوم في التَّخريج، فقلت له إنِّي سمعتك تقول ما أتيتُ شيئًا بغير علم منذ عقلتُ [11] ، فما الفائدة [في الاستلقاء] ؟ قال أتعبت نفسي اليوم، وهذا ثغر من الثُّغور، خشيت أن يَحْدُثَ من أمر العدوِّ، فأحببت أن أستريحَ، وآخذَ أُهْبَةً، فإن فاجأنا العدوُّ، كان بنا حَرَاك.
قال وكان يركب إلى الرَّمي كثيرًا، فلا أعلم أنِّي رأيت في طول ما صحبته أخطأ سهمُه الهدفَ إلَّا مرَّتين، بل كان يصيب في كلِّ ذلك، ولا يُسْبَقُ.
قال وركبنا يومًا إلى الرَّمي، ونحن بِفِرَبْرَ، فخرجنا إلى الدَّرب الذي يؤدِّي إلى العَرْصَةِ، فجعلنا نرمي، فأصاب سهمُ البخاريِّ إلى وتِدِ القنطرةِ التي على النَّهر، فانشقَّ الوَتِدُ، فلمَّا رأى ذلك نزل عن دابَّته، فأخرج السَّهم من الوَتِدِ، وترك الرَّمي، وقال لنا ارجعوا. فرجعنا، وقال لي يا أبا جعفر، لي إليك حاجة. وهو يتنفس الصُّعَداء [12] ، فقلت نعم. قال تذهب إلى صاحب القنطرة، فتُعلِمه أنَّا قد أخللنا الوَتِدَ، فإمَّا أن يأذن لنا في إقامته، أو يأخذ القيمة، أو يجعلنا في حِلٍّ من ذلك. وكان صاحب القنطرة حُمَيْد بن الأخضر، فأعلمتُه، فقال لي أبلغ (أبا) عبد الله السَّلامَ، وقل له أنت في حِلٍّ مما [13] فعلتَ، وإنَّ جميع ملكي لك الفداء. فأبلغته الرِّسالة، فتهلَّل وجهه، وقرأ ذلك اليوم للغرباء خمس مئة حديث، وتصدَّق بثلاث مئة درهم.
قال وسمعته يقول لأبي مَعْشَر الضَّرير اجعلني في حِلٍّ. قال من أيِّ شيء؟ قال رويتُ حديثًا يومًا، فنظرت إليك، وقد أُعجبتَ به، وأنت تحرِّك رأسَك ويديك، فتبسَّمتُ من ذلك. قال أنت في حلٍّ، رحمك الله.
قال دعوت ربِّي مرَّتين، فاستجاب لي _ يعني في الحال _ فلن أحبَّ أن أدعو بعد ذلك، لعلَّ أن ينقص من حسناتي.
قال لا يكون لي خصم في الآخرة، وأرجو أن ألقى الله ولم أغتب مسلمًا.
وقال ما اغتبت قطُّ منذ علمت
ج 1 ص 2
أنَّ الغِيْبَةَ حرام. فقيل له إنَّ بعض النَّاس يَنْقِمُون عليك التَّاريخ، يقولون فيه اغتياب النَّاس. فقال إنَّما رَوَينا ذلك رواية، ولم نَقُلْهُ من عند أنفسنا، وقد قال صلى الله عليه وسلم «بِئسَ أخو العَشِيرة» [14] .
قال الذَّهبيُّ [15] يشهد بصدق [16] مقالته كلامه في الجرح والتَّعديل، فإنَّ أبلغ ما يقول في الشَّخص متروك، أو ساقط، أو تركوه، أو فيه نظر، أو سكتوا عنه، ولا يكاد يقول فلان يضع الحديث.
قال ابن حجر [17] وقلَّ أن يقول كذَّاب، أو وضَّاع، وهذا توقٍّ زائدٌ، وتحرٍّ بليغ.
وأبلغ تضعيفه أن يقول في المجروح منكر الحديث.
قال البخاريُّ كلُّ من قلتُ فيه منكرُ الحديث، فلا تحلُّ الرِّواية عنه.
قال بكر بن مُنِير كان البخاريُّ يصلِّي، فلسعه الزُّنبور سبع عشرة [18] مرَّة، فلمَّا قضى صلاته، قال انظروا ما هذا الذي آذاني في صلاتي؟ فنظروا الزُّنبور قد وَرَّمه في سبعة عشر موضعًا، ولم يقطع صلاته.
قال ابن حجر [19] ورُوِّينا عن وَرَّاقِهِ، وقال في آخره كنت في آية، فأحببت أن أُتِمَّها.
ومن كراماته أنَّه كان يبني رباطًا ممَّا يلي بخارى، فاجتمع بَشَرٌ كثيرٌ يعينونه على ذلك، وكان ينقل اللَّبِنَ، فقيل له يا أبا عبد الله! أنت تُكْفَى ذلك. فقال هذا الذي ينفعني. وذبح لهم بقرة، فلمَّا أدركت القدورُ، دعا النَّاسَ إلى الطَّعام، وكان معه أكثر من مئة نفس، ولم يكن علم باجتماع هذا الجمع العظيم، وكان قد أخذ معه من فِرَبْرَ بثلاثة [20] دراهم خبزًا، فألقى بين أيديهم، وفضلتْ أرغفة صالحة.
وكان البخاريُّ قليلَ الأكل جدًّا، كثيرَ الإحسان إلى الطَّلبة جدًّا، حُكي أنَّه عُرض بوله على الأطبَّاء لمَّا مرض، فقالوا إنَّ هذا الماء يشبه بعض ماء أساقفة النَّصارى؛ فإنَّهم كانوا لا يأتدمون. فقال صدقوا، فإنِّي لم أئتدم منذ أربعين سنة. فسُئلوا عن علاجه، فقالوا الائتدام. فأبى، فألحَّ عليه بعض المشايخ وأهل العلم، فأجابهم إلى أن يأكل مع الخبز سُكَّرةً.
وكان إذا دخل أوَّلُ ليلة من رمضان، يجتمع إليه أصحابه، فيصلِّي بهم، ويقرأ في كلِّ ركعة عشرين آية، وهكذا إلى أن يختم القرآن، وكان يقرأ في المسجد [21] ما بين النِّصف إلى الثُّلث من القرآن، فيختم عند السَّحر في كلِّ ثلاث ليال، وكان له كلَّ يوم ختمة، وكان يختم عند الفطور، ويدعو، ويقول عند كلِّ ختمة دعوة مستجابة.
قال الفِرَبْرِيُّ [لمَّا] كنت عند البخاريِّ ليلةً، فأحصيت عليه أنَّه قام، وأشعل السِّراج ثماني عشرة [22] مرَّة في ليلة واحدة، يستذكر أشياء [23] فيعلِّقها.
وقال ورَّاقُه محمَّد بن أبي حاتم إذا كنتُ مع البخاريِّ في سفر، لا يجمعنا بيت واحد، إلَّا في القيظ أحيانًا، فكنت أراه يقوم في اللَّيلة الواحدة خمس عشرة مرَّة إلى عشرين مرَّة، في كلِّ ذلك يأخذ القدَّاحة، فيوري نارًا بيده، فيُسْرِجُ، ويخرِّج أحاديث، ويعلِّم عليها، ثمَّ يضع رأسه، فقلت له إنَّك [24] تحمل على نفسك كلَّ هذا، ولا توقظني!؟
ج 1 ص 2
قال أنت شابٌّ، ولا أحبُّ أن أفسد عليك النَّوم. وكان يصلِّي وقت السَّحر ثلاث عشرة ركعة، يوتر بواحدة.
وحُكي أنَّه سئل عن حديث، فقال يا أبا فلان! أتراني أُدلِّس؛ وقد تركتُ عشرة آلاف حديث لرجل لي فيه نظر، وتركتُ مثلَها أو أكثر منها لغيره، لي فيه نظر؟!
قال علي بن [25] محمَّد بن منصور قال أبي كنَّا في المسجد في مجلس البخاريِّ، فرفع إنسان [26] من لحيته قذاةً، فطرحها إلى الأرض، فرأيت البخاريَّ ينظر إليها وإلى النَّاس، فلمَّا غَفَلَ [27] النَّاس، رأيته قد مدَّ يده، فرفع القذاة من الأرض، وأدخلها في كُمِّهِ، فلمَّا خرج من المسجد [28] أخرجها من كُمِّهِ، ورماها.
فصان المسجد عمَّا تصان اللِّحية، فجزاه الله تعالى ألفَ ألفِ خير.
وأنشد أبو عبد الله الحاكم ابن البَيِّعِ من نظم البخاريِّ، من البحر الخفيف
~اغتَنِمْ في الفَرَاغ فَضل ركوعٍ فعسى أن يكون موتك بغتَهْ
~كم صحيحٍ رأيتَ من غير سُقْمٍ ذهبت نفسه الصَّحيحة فَلْتَهْ
ولما نُعِيَ إلى البخاريِّ عبدُ الله بنُ عبد الرَّحمنِ الحافظُ الدَّارِمِيُّ أنشد
~إن عشتَ تُفْجَع بالأحبَّةِ كلِّهم وبقاء نفسك لا أبا لَكَ أَفْجَعُ [29]
وهذا من البحر الكامل، وهو أحسن وأَجَمْعُ من قول من قال [30] _ من البحر السَّريع _
~ومن يُعَمَّر يَلْقَ في نفسه ما يتمنَّاه لأعدائهِ
ومن قول الطُّغَرَائيِّ [31] _ من البحر البسيط _
~هذا جَزَاءُ امرئٍ أقرانُه دَرَجُوا من قبله فتمنَّى فُسْحَةَ الأجلِ
[1] في (س) (جبرو) .
[2] وسقطت من نسخة (س) أيضًا.
[3] في غير (ن) (عشر) .
[4] مقدمة الفتح ص 479.
[5] سقطت (كله) من (س) .
[6] المعروف أنَّ الإمام البخاري رحمه الله لم يك من ذريته ذكر. انظر معرفة علوم الحديث للحاكم ص 52.
[7] في غير (س) (أشتغل) والتصحيح من (س) ، ومعنى أستغلُّ ما يأتيه من الغلال أي من الدخل، من كراء دار، وأجر غلام، وفائدة أرض.
[8] في غير (ن) (عمرو) .
[9] قوله (قال البخاريُّ) ، سقطت من (س) .
[10] في (س) (لمسلم) .
[11] في (ن) (علمت) والمثبت أولى.
[12] أي في حالة ضيق وكرب ومشقة، وتصعَّد النَفَسُ صعب مخرجه، وقيل هو النَفَسُ بتوجُّع. اللسان، مادة (صعد) .
[13] في (ن) تصحيفًا (منها) .
[14] أخرجه البخاريُّ برقم (6054) .
[15] في تاريخ الإسلام 5/ 18.
[16] في غير (ن) (لصدق) .
[17] مقدمة الفتح ص 480.
[18] في النسخ كلها (سبعة عشر مرة) ، وهو مخالف لقواعد العربية والوجه ما أثبته.
[19] مقدمة الفتح ص 481.
[20] في (ن) (بثلاث) .
[21] في (ن) (السحر) .
[22] في النسخ كلها (ثمانية عشر مرة) وهي كسابقتها.
[23] في (ه) (شيئًا) .
[24] في (س) (أنت) .
[25] (علي بن) سقط من النسخ جميعها والمثبت من مقدمة الفتح.
[26] في (ن) تصحيفًا (إسنان) .
[27] في غير (ن) و (س) (أغفل) .
[28] في غير (ن) (خرج الناس) .
[29] في (س) (أفجم) ، والشعر مع الخبر قبله في مقدمة الفتح لابن حجر ص 481.
[30] البيت مع بيت قبله في سير أعلام النبلاء 22/ 386 بدون نسبة، وفي وفيات الأعيان لابن خلكان 7/ 93 نسبهما للظهير أبي إسحاق إبراهيم بن نصر بن عسكر المعروف بقاضي السلامية.
[31] من قصيدته المشهورة لامية العجم، في ديوانه ص 55.