فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 2285

190 # جرير بن عبد الله بن جابر، أبو عمرو، وأبو عبد الله البَجَلِيُّ، الصَّحابيُّ.

أسلم قبل وفاة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بأربعين يومًا. كذا قاله الزَّرْكَشِيُّ، وتوقَّف فيه المُنْذِريُّ؛ لأنَّ في الأصول المسموعة _ كالبخاريِّ _ [خ¦121] نقلًا عن جرير أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال له في حجَّة الوداع «اسْتَنْصِت النَّاسَ» . وعاش صلى الله عليه وسلم بعد الحجِّ أكثرَ من ثمانين يومًا.

وقد ذَكَر غيرُ واحد أنَّ جَريرًا أسلم في رمضان، سنة عشر من الهجرة، فيكون إسلامه قبل حجَّة الوداع (بأشهر) .

وكان حسنَ الصُّورة، قال عمر جرير يوسف هذه الأمَّة.

قال السُّهَيْلِيُّ [1] طُول نَعْلِ جَرير ذراع.

وهو سيِّد قومه، وأتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ذات يوم، وقد أخذ النَّاسُ مجالسَهم، فلم يجد موضعًا إلَّا العتبة، فرمى إليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم رداءه، وقال «إذا أتاكم كريمُ قومٍ فأكرموه» [2] .

وكان بطلًا شجاعًا مِقدامًا، وله في الحروب بالعراق والقادسيَّة وغيرها أثر عظيم.

وكانت بَجيلةُ مُفَرَّقَةً، فجمعهم عمر بن الخطَّاب، وجعل عليهم جَريرًا.

قال محمَّد بن إسحاق لمَّا بلغ عمرَ مصيبةُ أهل الجسر، وقدم عليه (فَلُّهمْ، قدم عليه) جرير بن عبد الله من اليمن في رَكْبٍ من بَجِيْلَةَ، وَعْرفَجة بنُ هَرْثَمَةَ، وكان عرفجةُ يومئذ سيِّدَ بَجِيْلَةَ، وكان حليفًا لهم من الأَزْد، فكلَّمهم، وقال قد علمتم ما كان من المصيبة في إخوانكم بالعراق، فسِيروا إليهم، وأنا أُخرج إليكم مَن كان عليكم في قتال العرب، وأجمعهم إليكم. قالوا نفعل يا أمير المؤمنين. فأَخرَج بطونًا من بَجِيْلَةَ، وأَمَّر عليهم عَرْفَجَةَ بنَ هَرْثَمَةَ، فغضب جرير، وقال لبَجِيْلَةَ كلِّموا أمير المؤمنين. فقالوا استعمَلتَ علينا رجلًا ليس منَّا. فأرسل إلى عَرفجة، فقال ما يقول هؤلاء؟ فقال صَدَقوا يا أمير المؤمنين! لستُ منهم، ولكنِّي من الأَزْد، وأَصَبنا في الجاهليَّة دمًا في قومنا، فلحقنا بِبَجِيْلَةَ، فبلَغْنا فيهم السُّؤْددَ. قال عمر فاثبُتْ على منزلتك، ودافعهم كما يدافعونك [3] . قال لست فاعلًا، ولا سائرًا معهم. فسار عَرْفَجَةُ إلى البصرة، وأمَّر عمر على بَجيلة جريرًا [4] ، فسار بهم مكانه إلى العراق.

وأقام جرير بالكوفة، ولمَّا أتى عليٌّ الكوفة [5] وسكنها، سار جرير عنها إلى قَرْقِيْسِياء.

قال جرير ما حَجَبني [6] رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمتُ، ولا رآني إلَّا ضحك [7] .

وأرسله

ج 1 ص 2

رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذي الخَلَصَةِ _ (بفتحات) ، ببيت [8] في خَثْعَم _ ليهدمها، فقال «أَلَا تُريحني من ذي الخَلَصَة؟» فقال إنِّي لا أثبت على الخيل. فصكَّ [9] رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره، وقال «اللَّهمَّ اجعَله هاديًا مَهْدِيًّا» . فخرج في مئة وخمسين راكبًا من قومه، فأحرقها، وقال والذي بعثَك بالحقِّ نبيًّا، ما أَتيتُك حتَّى تركتُها كأنَّها جملٌ أَجْرب. فدعا لخيل أَحْمَسَ ورجالها [10] .

قال جرير بن عبد الله خَرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلةَ البدر، فقال «إنَّكم سَتَرون ربَّكم يومَ القيامة، كَمَا تَرون هذا، لا تَضَامُّون في رُؤيته» [11] .

قلت وهذا من أصحِّ الأدلَّة على جواز الرُّؤية، خلافًا للمعتزلة _ قبَّحهم الله _، وذلك لرسوخ قياس الغائب على الشَّاهد في عقولهم، وأنَّه ما يُمكِن أن يَرى أحدٌ شيئًا إلَّا وأن يكونا في جهة ومقابَلة ومسافة معيَّنة، لا في غاية القُرب، كالجَفْن للعين، ولا في غاية البعد.

قلت كما يجوز أن يرانا بغير الحاسَّة، وليس هو في مكان ولا مسافة، يجوز أنَّ نراه بالحاسَّةِ على ما هو عليه.

قالوا لو جاز ذلك يومَ القيامة، لجاز اليوم، ولو جاز اليوم لرأيتَه، وإلَّا لجاز أن يكون بالقرب مِنَّا جبلٌ شاهق، يجوز أن يُرى ولا نَراه، وإنَّه سَفسطة [12] .

قلنا الرُّؤية يخلقها [13] الله ليس بالحاسَّة، فإذا خلق الله تلك القوَّةَ وأرادَ، رأيناه، وليس لنا دليل أنَّه أراد اليوم أنَّا نراه، بل لنا دليل أنَّه ما يريد ذلك؛ لأنَّه لو أراد لَمَا تخلَّف عن إرادته، لكن تخلَّف، فما أراد. ولنا دليل _ بل أدلَّة _ على أنَّه يُرى في الآخرة.

وأمَّا قوله تعالى {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} [الأنعام 103] ، فبعد تسليم أنَّه لعُمومِ السَّلْبِ، لا لسَلْبِ العموم، وتعميم الأحوال والأشخاص، فالمراد بالإدراك الإحاطة، وهو مسلَّم، وإلَّا يلزم التَّناهي، وهو على الله محال؛ لأنَّ التَّناهي عَرَضٌ، فيلْزَم قيامَه بذات الله تعالى، فيكون مَحَلًّا للحوادث، فيكون مُحْدَثًا، وإنَّه محال، فتأمَّل.

رَوَى عن جَريرٍ قيسُ بن أبي حازم، والشَّعْبيُّ، وزياد بن عِلَاقة، وهَمَّام، وأبو زُرْعَة بن عَمْرو.

روى عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مئة حديث، للبخاريِّ منها تسعة. قاله الكِرْمانيُّ [14] . قال ابن حجر [15] عشرة.

توفِّي بالسَّراة، في ولاية الضَّحَّاك بن قيس الأحنف على الكوفة، وكانت ولايتُه بعدَ زيادٍ بسنتين ونصف. قاله ابن سعد [16] .

وقال ابن الأثير [17] مات بقرقيسياء، وقيل بالسَّراة. سنة إحدى، أو أربع وخمسين.

قال وكان يخضب بالصُّفْرة.

[1] في (ن) تصحيفًا (السُّهيل) .

[2] أخرجه الطَّبرانيُّ في معجمه الأوسط 5/ 261 برقم (5261) ، وفي معجمه الصغير برقم (793) .

[3] في (ن) (يدافعوا بك) .

[4] في (ن) (وأمَّره عمر على بجيلة) والمثبت أوضح.

[5] في (ن) و (ه) (كوفة) والمثبت من (س) .

[6] في (ن) تصحيفًا (ما جئت) .

[7] البخاري (3822) ، ومسلم (2475) .

[8] في غير (ن) (بيت) .

[9] في (ن) تصحيفًا (فضحك) .

[10] المسند (19204، 19249) ، والبخاري (3020) ، ومسلم (2476) .

[11] البخاري (7436) ، ومسلم (633) . وجاء في (ن) (ترون) بدل (سترون) .

[12] السفسطة إنكار الحقائق والضروريات والشك فيها، والسفسطائيون هم الذين يقدحون في العقليات والسمعيات.

[13] في غير (ن) (بخلق) .

[14] شرح البخاريِّ 1/ 218.

[15] مقدمة الفتح 474.

[16] سقط من (س) مقدار سطر من (قاله الكرماني) إلى (قاله ابن سعد) وانظر الطبقات 6/ 22.

[17] أسد الغابة 1/ 410 و 411.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت