فهرس الكتاب

الصفحة 401 من 2285

363 # رَبيعة بن أبي عبد الرَّحمن _ واسمه فَرُّوخ، بفتح الفاء، وشدَّة الرَّاء، آخره معجمة _ أبو عثمان التَّيْمِيُّ، المدنيُّ، التَّابعيُّ، الشَّهير برَبيعة الرَّأي.

ثقة، فقيه، مشهور. قال ابن سعد كانوا يتَّقونَه لمكان الرَّأي.

قال ابن خَلِّكان [1] رَبيعة، هو مولى آل المنكَدِر.

كان قد أدرك بعضَ الصَّحابة والأكابرَ من التَّابعين، وكان صاحبَ الفتوى بالمدينة، وكان يَجلس إليه وجوهُ النَّاس بالمدينة، وكان يحضر مجلسه أربعون مُعْتَمًّا.

قال القاسم بن محمَّد لو كنتُ مُتمنِّيًا أحدًا تَلده أمِّي، لتمنَّيتُ ربيعة.

وكان كثيرَ الحديث، وعنه أخذ مالك بن أنس.

قال عبد الوهَّاب، عن مشيخة أهل المدينة إنَّ فَرُّوخًا أبا رَبيعة خرج إلى البُعوث إلى خُراسان أيَّام بني أُميَّة غازيًا، وربيعةُ حَمْلٌ في بطن أمِّه، وخلَّف عند زوجته أُمِّ ربيعة ثلاثين ألف دينار، فغاب في الغزوات، ثمَّ قدم بعد سبع وعشرين سنة، وهو راكب، في يده رمح، فنزل عن فرسه، ثمَّ دفع الباب برُمحه، فخرج ربيعة، فقال له ربيعة يا عدوَّ الله! أتَهجم عليَّ في منزلي؟! فقال فَرُّوخ يا عدوَّ الله! أنت رجل دخلتَ على زوجتي! فتواثبا، وتَلَبَّبَ كلُّ واحد منهما بصاحبه، حتَّى اجتمع الجيران، فبلَغَ مالكَ بن أنس والمشيخةَ، فأَتوا يُعِيْنُون ربيعة، فجعل ربيعةُ يقول والله لا فارقتُكَ إلَّا عند السُّلطان. وجعل فَرُّوخ يقول والله لا فارقتُكَ إلَّا عند السُّلطان، وأنت مع امرأتي. وكثُر الضَّجيج، فلمَّا أبصروا بمالك سكن النَّاس كلُّهم، فقال له مالك أيُّها الشَّيخ! لك سَعةٌ في غير هذه الدَّار. قال الشَّيخ هي داري، وأنا فَرُّوخ. فسمعت امرأتُه كلامَه، فخرجت، فقالت هذا زوجي، وهذا ابني الذي خلَّفته وأنا حامل. فاعتنقا جميعًا وبكيا، فدخل فَرُّوخ المنزل، وقال هذا ابني؟ قالت نعم. قال فأَخرِجي المال الذي عندك، وهذه أربعة آلاف دينار. فقالت المال قد دفنته، وأنا أُخرِجه بعد أيَّام. فخرج ربيعةُ إلى المسجد، فجلس في حَلْقَتهِ، وأتاه مالك بن أنس، والحسن بن زيد [2] ، وابنُ أبي عليٍّ اللَّهَبيُّ، وأشرافُ المدينة، كالمُسَاحِقِيِّ، وأَحْدَقَ النَّاس به، فقالت لفَرُّوخ امرأتُه اخرُجْ فصلِّ في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فخرج، فصلَّى، فنظر إلى حَلْقَةٍ وافرة، فأتاه فوقف عليه، ففرَّجوا له قليلًا، ونكَّس ربيعةُ رأسَه؛ يوهِمُه أنَّه لا يراه، فقال فَرُّوخ من هذا الرَّجل؟ قالوا هذا ربيعة بن أبي عبد الرَّحمن. فقال لقد رفع الله ابني. فرجع إلى منزله، وقال لوالدته قد رأيتُ ولدَك في حالةٍ ما رأيتُ أحدًا من أهل العلم

ج 1 ص 2

والفقه عليها. فقالت أيُّما أحبُّ إليك، ثلاثون ألف دينار، أم هذا الذي هو فيه من الحالة؟ قال لا والله، إلَّا هذه. قالت فإنِّي أنفقت المال كلَّه عليه. فقال واللهِ ما ضيَّعتِيه.

قال بَكْر بن عبد الله الصَّنْعانيُّ أَتينا مالكَ بن أنس، فجعل يحدِّثنا عن ربيعةَ الرَّأي، فكنَّا نستزيده من حديث ربيعة، فقال لنا ذات يوم ما تصنعون بربيعة؟! هو نائم في ذاك الطَّاق. فأتيناه فأنبهناه، فقلنا له أنت ربيعة؟ قال نعم. قلنا ربيعة الرَّأي؟ قال نعم. قلنا هذا الذي يحدِّث عنك مالك بن أنس؟ قال نعم. قلنا كيف حَظِيَ مالكٌ بك، ولم تَحْظَ أنت بنفسك؟ قال أمَا علمتم أنَّ مثقالًا من دولة خيرٌ من حِمْل عِلم؟!

وكان ربيعة يُكثِر الكلامَ، ويقول السَّاكت بينَ النَّائم والأخرس.

وكان يومًا في مجلسه، وهو يتكلَّم، فوقف عليه أعرابيٌّ دخل، من البادية، فأطال الوقوفَ والإنصاتَ إلى كلامه، فظنَّ ربيعةُ أنَّه قد أعجبه كلامه، فقال يا أعرابيُّ! ما البلاغة عندَكم؟ فقال الإيجازُ مع إصابة المعنى. فقال وما العِيُّ؟ قال ما أنتَ فيه منذ اليوم. فخجل ربيعة.

قال يحيى بن سَعيد ما رأيتُ أعقلَ من ربيعة.

وكان صاحبَ مُعْضِلاَتِ أهلِ المدينة، ورئيسَهم [3] في الفُتْيا. قال مالك ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة.

وقد دار بين ربيعة وبين الزُّهريِّ معاتبةٌ، فقال ربيعةُ للزُّهريِّ إنَّما أُخبِر النَّاسَ برأيي، إن شاؤوا أخذوا، وإن شاؤوا تركوا، وأنت إنَّما تُخبرهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانظر ما تُخبِرهم به.

يعني أنَّه [كان] يُقِلُّ رفعَ الأحاديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ مخافةَ أن يقع في الكذِب على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.

وكان يقول _ كما نقل عنه البخاريُّ [خ¦قبل 80] _ لا يَنبغي لأحدٍ عندَه شيءٌ من العلم أن يُضيِّعَ نفسَه.

واختَلف العلماء في معنى كلامه، فمنهم من قال معناه أن لا يفيد النَّاس، ولا يسعى في تعليم الغير.

وقال الزَّرْكَشِيُّ [4] معنى التَّضييع أن يأتي بعلمه أهلَ الدُّنيا، أو يتواضع لهم.

وقيل مَعناه مَنْ عنده ذَوق وفَهم، يجب عليه أن يَسعى في طلب العلم؛ حتَّى لا يرتفع العلم ويظهر الجهل، فيكون قد ضُيِّع.

قال أبو نَصْر الكَلاَباذيُّ [5] سمع ربيعةُ أنسَ بنَ مالك، والقاسمَ بن محمَّد، وحَنْظَلَةَ بنَ قَيْس، ويزيدَ مولى المُنْبَعِث.

روى عنه مالك بن أنس، وسُليمان بن بلال، وسعيد بن أبي هِلال [6] ، والثَّوريُّ.

نقل عنه البخاريُّ بالواسطة في مواضع، أوَّلها تعليقًا، في باب رَفع العلم، من كتاب العلم [خ¦قبل 80] .

مات سنة ستٍّ وثلاثين ومئة، بالهاشِميَّة، مدينة بناها السَّفَّاح بأرض الأَنْبَار، وكان يسكنها، ثمَّ انتقل إلى الأنبار.

[1] وفيات الأعيان 2/ 288.

[2] تصحَّف في الأصل إلى (زيادة) ، وفي (هـ) إلى (زائدة) ، والتصحيح من مصدر النقل، وهو الحسن بن زيد بن الحسن بن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه، ولي المدينة المنورة لأبي جعفر المنصور خمس سنين، انظر تهذيب الكمال 6/ 152. أمَّا اللَّهَبيُّ، فهو عَليُّ بن أبي عليٍّ، من ذرِّيَّة أبي لهب، انظر الأنساب 5/ 149. وأمَّا المُسَاحِقيُّ، فهو عبد الجبَّار بن سَعيد، وَلِي إمارةَ المدينة وقضاءَها، وكان على شرطة المدينة في ولاية الحسن بن زيد، انظر لسان الميزان 5/ 57، وتهذيب الكمال 6/ 153.

[3] في (ن) تصحيفًا (وئيسهم) .

[4] التَّنقيح لألفاظ الجامع الصَّحيح 1/ 64، وباقي الأقوال نقلها المؤلِّف عن شرح البخاريِّ للكِرمانيِّ 2/ 59.

[5] الهداية والإرشاد 1/ 248.

[6] في (ن) تصحيفًا (هلال) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت