335 # خَبَّابُ بنُ الأَرَتِّ _ بفتح المعجمة، وشدَّة الموحَّدة الأُولى، وفي الوالد بفتح الألف والرَّاء، وشدَّة المثنَّاة الفوقيَّة _ أبو عبد الله، الصَّحابيُّ.
اختُلف في نَسَبِه، فقيل خُزَاعيٌّ. وقيل تميميٌّ. وهو الأكثر. قاله ابن الأثير [1] .
وقيل كنيته أبو محمَّد. وقيل أبو يحيى. وهو عربيٌّ، لحِقَهُ سَبْيٌ، فبيع بمكَّة، وقيل هو حليف بني زُهرة. وقيل حليف عُتبة بن غَزْوَانَ. وقيل مولى أمِّ أَنْمَار بنت سِبَاع الخُزَاعيَّة.
قال ابن الأثير هو تميميُّ النَّسب، خزاعيُّ الولاء، زُهْرِيُّ الحِلْف؛ لأنَّ أمَّ أَنْمار مولاته من حُلَفاء عَوْف بن عَبْدِ عَوْف، والدُ عبدِ الرَّحمن بن عَوْف.
وهو من السَّابقين الأوَّلين إلى الإسلام، المعذَّبين في الله، كان سادسَ ستَّةٍ في الإسلام، وكان على يده إسلامُ عمرَ بن الخطَّاب، كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله.
قال مجاهد أوَّل من أظهر إسلامَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وخَبَّابٌ، وصُهيب، وبلال، وعمَّار، وسُميَّة [أمُّ عمَّار] ، فأمَّا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمَنعه الله تعالى بعمِّه أبي طالب، وأمَّا أبو بكر، فمنعه قومه، وأمَّا الآخَرون، فأَلبَسوهم أدراعَ الحديد، ثمَّ صَهَرُوهم في الشَّمس، فبلغ منهم الجهدُ ما شاء الله أن يبلغ من حرِّ الحديد والشَّمس.
ج 1 ص 2
قال الشَّعْبِيُّ إنَّ خبَّابًا صبر، ولم يُعطِ الكفَّار ما سألوه، فجعلوا يلزقون [ظهرَه] بالرَّضْفِ، حتَّى [ذهب] لحمُ مَتْنِه [2] .
عن خَبَّاب قال شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسِّد بِبُرْدٍ له في ظلِّ الكعبة، فقلنا أَلَا تستنصر لنا؟ فجلس مُحْمَرًَّا وجهه، فقال «قد كان مَنْ قبلَكم يؤخذ الرَّجلُ، فيُحفَر له في الأرض، ثمَّ يُجاء بالمِنشار، فيُجعَل فوقَ رأسه، ما يصرفه عن دينه، ويُمشَط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم وعصَب، ما يصرفه عن دينه، ولَيُتِمَنَّ الله هذا الأمرَ، حتَّى يسيرَ الرَّاكب من صَنْعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ، لا يخشى إلَّا الله عزَّ وجلَّ والذِّئبَ على غنمه، ولكنَّكم تَعجَلون» [3] .
قال أبو صالح كان خَبَّاب قَينًْا يصنع [4] السُّيوف، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يألفه ويأتيه، فأُخْبِرَتْ مولاتُه بذلك، فكانت تأخذ الحديدةَ المحماة، فتضعها على رأسه، فشكى ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال «اللَّهمَّ انصُرْ خَبَّابًا» . فاشتكت مولاته أُمُّ أَنْمار رأسَهَا، فكانت تَعوي مثلَ الكلاب، فقيل لها اكتَوِي. فكان خَبَّابٌ يأخذ الحديدة المحماة، (فيكوي بها) رأسَها.
وشهد بدرًا، وحُنينًا، والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الشَّعبيُّ سأل عمرُ بن الخطَّاب خَبَّابًا عمَّا لَقي من المشركين، فقال يا أميرَ المؤمنين! انظُرْ إلى ظهري. فنظر، فقال ما نظرتُ كاليومِ ظَهْرَ رجل! قال خبَّاب لقد أُوقِدتْ نارٌ وسُحبتُ عليها، فما أطفأها إلَّا وَدَكُ ظهري [5] .
ولمَّا هاجر آخَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين تَميم مولى خِرَاشِ بن الصِّمَّة، وقيل جَبْر بن عَتِيك.
روى عبد الله بن خَبَّاب، عن أبيه، قال صلَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صلاةً فأَطالها [6] فقالوا يا رسول الله! صلَّيتَ صلاةً لم تكن تصلِّيها!؟ قال «أَجَلْ، إنَّها صلاةُ رَغْبَةٍ ورَهبة، فإنِّي سألت الله فيها ثلاثًا، فأعطاني اثنتين [7] ، ومنعني واحدةً، سألت ربِّي [8] لا يُهلك أمَّتي بسَنةٍ، فأعطانيها، وسألته أن لا يسلِّط عليهم عدوًّا من غيرهم، فأعطانيها، وسألته أن لا يُذيق بعضَهم بأسَ بعضٍ، فمنعنيها» [9] .
عن أبي خالدٍ _ شيخٍ من أصحاب عبد الله _ قال بينما نحن جلوسٌ [10] في المسجد، إذ جاء خَبَّابُ بنُ الأَرَتِّ، فجلس، فسكت، فقال له القوم إنَّ أصحابَك قد اجتَمعوا إليك لتحدِّثَهم، أو لتأمُرَهم. فقال بمَ آمرُهُم؟! (ولعَلِّي آمرُهم) بما لستُ فاعلًا.
وعاد خبَّابًا [11] نفرٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا أَبشِرْ أبا عبد الله! تَرِدُ على إخوانك الحوضَ. فقال إنَّكم ذكرتم لنا [12] إخوانًا مَضَوا، ولم يَنَالوا من
ج 1 ص 2
أجورهم شيئًا، وإنَّا بقينا [13] بعدَهم حتَّى نِلنا من الدُّنيا، ونخاف [14] يكون ثوابًا لتلك الأعمال.
ومرض خَبَّابٌ مرضًا شديدًا طويلًا.
عن قيس بن أبي حازم قال دخلنا [15] على خَبَّاب، وقد اكتَوى سبع كَيَّات، فقال لولا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نَهانا أن ندعوَ بالموت، لدعوتُ به [16] .
ونزل الكوفة، ومات بها، وهو أوَّل مَن دُفن بظَهر الكوفة من الصَّحابة، وكان موته سنة سبع وثلاثين.
قال زيد بن وَهْب سِرنا [مع عليٍّ] حينَ رجع [17] من صِفِّين، حتَّى إذا كنَّا عند باب الكوفة، إذا نحن بقبور سبعة عن أيماننا، فقال ما هذه القبور؟ قالوا يا أمير المؤمنين! إنَّ خَبَّابَ بنَ الأَرَتِّ توفِّي بعدَ مَخرَجك إلى صِفِّين، فأوصى أن يُدفَن في ظاهر [18] الكوفة. وكان النَّاس إنَّما يَدفِنون موتاهم في أفنيتهم، وعلى أبواب دُورهم، فلمَّا رأوا خَبَّابًا أوصى أن يُدفن بالظَّهْر دَفن النَّاس، فقال عليٌّ رحم الله خَبَّابًا، أَسلَم راغبًا، وهاجر طائعًا، وعاش مجاهدًا، وابتُلي في جسمه، ولن يضيع الله أجرَ مَن أحسَنَ عملًا. ثمَّ دنا من قبورهم، فقال السَّلام عليكم يا أهلَ الدِّيار من المؤمنين والمسلمين، أنتم لنا سَلَف فارط، ونحن لكم تَبَعٌ، عمَّا قليلٍ لاحِقٌ، اللَّهمَّ اغفِرْ لنا ولهم، وتجاوز بعفوك، عنَّا وعنهم [19] ، طوبى لمَن ذكر المَعَاد، وعمل للحساب، وقنع بالكفاف، وأرضى الله عزَّ وجلَّ.
وقال أبو عُمر [20] مات سنة سبع وثلاثين [21] بعدما رجع مع عليٍّ من صِفِّينَ والنَّهْرَوانِ، وصلَّى عليه عليٌّ. وكان عمره إذ مات ثلاثًا وسبعين [22] سنة.
قال وقيل مات سنة تسع عشرة، وصلَّى عليه عُمر رضي الله عنه.
قال ابن الأثير [23] والصَّحيح الأوَّل، وأنَّه لم يَشهد صِفِّين، فإنَّ طولَ مرضِه قد منعه عن [24] شهودها، وأمَّا الخَبَّابُ الذي مات سنة تسعَ عشرةَ، هو مولى عُتْبَةَ بنِ غَزْوَانَ.
وقد ذكر ابن مَنْدَه، وأبو نُعيم أنَّ خَبَّابَ بنَ الأَرَتِّ مولى عُتبة بن غزوان.
قال ابن الأثير (وليس) كذلك؛ إنَّما خَبَّاب مولى عُتبة بن غَزوان آخَر، قد ذُكر في تسمية من شهد بدرًا، من بني نَوْفل، من بني عبد مَنَاف، من حُلَفائهم عُتْبَةُ بنُ غَزْوانَ، وخبَّاب مولى عُتبة، قال أبو نُعيم [إنَّه] لم يُعْقِبْ، ولا تُعرف له رواية.
قال ابن الأثير فكفى بهذا دليلًا على أنَّهما اثنان، لأنَّ ابنَ الأَرَتِّ قد أعقب عِدَّةَ أولاد، منهم عبد الله، وقتلَته الخوارجُ أيَّام عليٍّ رضي الله عنه، وله روايةٌ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
قال ابن حَزْم روى عنه اثنين وثلاثين حديثًا.
قال ابن الأثير ثمَّ إنَّ بني زُهرة غيرُ بني نوفل، [وممَّن] ذكروا ممَّن شهد بدرًا من بني زهرة من حلفائهم خَبَّابَ بن الأَرَتِّ،
ج 1 ص 2
[وذكروا أيضًا من حلفاء بني نوفل خبَّابًا مولى عُتبة بن غَزْوان، قال فظهر لي أنَّ مولى عُتبة غيرُ خبَّاب بن الأَرَتِّ] .
وقال بعض العلماء إنَّ خَبَّابَ بنَ الأَرَتِّ لم يكن قَيْنًا، وإنَّما القَيْنُ خَبَّاب مولى عُتبة بن غَزوان. انتهى كلام ابن الأثير.
قلت وقد ورد صريحًا في صحيح البخاريِّ ومسلم أنَّ خَبَّابَ بن الأَرَتِّ كان قَيْنًا في الجاهليَّة، فإنَّه عمل سيفًا للعاصي بن وائل ... الحديث [25] ، فكلام بعض العلماء ليس بصحيح.
روى عن خَبَّاب قيسُ بن أبي حازم، وأبو وائل، ومَسْروق، وأبو مَعْمَر، في الصَّلاة [خ¦760] ، والجنائز [خ¦1276] ، وغيرهما.
وذكرنا أنَّه مات سنة سبع وثلاثين، بعد صِفِّيْن.
[1] في غير (ن) (قال) والكلام السابق واللاحق من أسد الغابة 2/ 141.
[2] تصحَّفت العبارة في الأصول كلِّها إلى (يمزقون بالرضف حتى لحم سنه) ، والتصحيح وما بين الحاصرتين من أسد الغابة.
[3] البخاري (3612) ، والمسند (21057) .
[4] في غير (ن) (يطبع) وتصحفت (قينًا) في (ن) إلى (فينًا) .
[5] ابن ماجه (153) ، بمعناه.
[6] في الأصل (فطالها) والمثبت من (س) .
[7] في (ن) و (س) (اثنين) .
[8] في (س) (الله ربي) .
[9] المسند (21053) ، والتِّرمذي (2175) _ واللفظ له _ والنَّسائي (1638) .
[10] سقطت (جلوس) من (ن) و (ه) ، والمثبت من (س) ، والمراد بعبد الله عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
[11] في (س) (خباب) .
[12] في غير (ن) (لي) .
[13] في (ن) (وأنا بقيت) .
[14] في غير (ن) (ما نخاف) .
[15] في غير (ن) (دخلت) .
[16] البخاري (6349) ، ومسلم (2681) واللفظ له.
[17] في غير (ن) (رجعنا) .
[18] في غير (ن) (بظاهر) .
[19] في غير (ن) (اغفر لنا ولهم وتجاوز عنا وعنهم) .
[20] الاستيعاب 2/ 438.
[21] في (ن) تصحيفًا (سبع وعشرين) وفي من غير (ن) (سنة سبع) والمثبت من أسد الغابة.
[22] في (ن) (ثلاث وسبعون) والمثبت هو الوجه في اللغة.
[23] أسد الغابة 2/ 144.
[24] في غير (ن) (من) .
[25] في البخاري برقم (2091) ، ومسلم برقم (2795) .