فهرس الكتاب

الصفحة 209 من 2285

181 # جابر بن عبد الله بن عَمْرو بن حَرَام، أبو عبد الله السَّلَمِيُّ، الأنصاريُّ، المدنيُّ، الصَّحابيُّ ابن الصَّحابيِّ.

ذهب بصرُه أخيرًا.

وأمُّه أُنيسة بنت عَنَمَةَ [1] بن عَدِيٍّ.

شهد العَقَبة الثَّانية مع أبيه، وهو صبيٌّ، وقيل شهد بدرًا، وقيل لا. وكذلك أُحُدًا.

وقال أبو الزُّبير قال جابر غزوتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعَ عشرةَ غزوةً. قال جابر لم أشهَد بدرًا، ولا أُحُدًا؛ منَعني أبي، فلمَّا قُتل يومَ أُحُد لم أتخلَّف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة قطُّ.

وقيل شهد ثمان عشرة، منها أُحُد.

وشهد صِفِّيْنَ مع عليٍّ، وكان يَحُفُّ شاربَه، ويخضب بالصُّفْرة [2] .

وهو آخِر مَن مات بالمدينة (ممَّن) شهد العَقَبة.

قال ابن الأثير [3] أورَد ابن مَنْدَه في اسم جابر هذا أنَّ نفرًا من الأنصار حضروا الموسمَ، فيهم أَسْعَدُ بن زُرَارة، وجابر بن عبد الله السَّلَميُّ، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلام. فظنَّ أنَّ جابرًا هو جابر هذا، وليس كذلك، وإنَّما هو جابر بن عبد الله بن رِئَاب [4] ، وكان جابرٌ هذا أصغرَ مَن شهد العقبةَ الثَّانية [5] ، ولم يشهد العقبةَ الأُولى.

وكان من المُكثِرين للحديث، الحافظين للسُّنن، الرَّاوِين، روى ألف حديث وخمس مئة وأربعين حديثًا.

روى البخاريُّ في صحيحه من ذلك _ كما قال ابن حجر [6] _ تسعين حديثًا.

وروى عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ، وعن أبي بُردةَ هانئ بن نِيَار [7] .

روى عنه أبو سَلَمة بن عبد الرَّحمن،

ج 1 ص 2

وعَمْرو بن دينار، ومحمَّد بن المُنْكَدِر، ومحمَّد بن مُسْلِم بن تَدْرُس أبو الزُّبَيْر المكِّيُّ، وعطاء، ومجاهد.

روى عنه البخاريُّ بالواسطة في مواضع، أوَّلها في الوضوء [8] .

روى أبو سُفيان، عن جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «اهتزَّ عرشُ الرَّحمن لموت سعد بن معاذ» . فقيل لجابر إنَّ البَرَاءَ يقول «اهتزَّ السَّرير» !؟ فقال كان بين هذين الحَيَّيْن _ الأَوس والخَزْرَج _ [ضَغَائن] ، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «اهتزَّ عرشُ الرَّحمن لموت سعد» [9] .

قال ابن الأثير [10] وجابر أيضًا من الخَزْرج، حَمَله دِينُه على قول الحقِّ، والإنكار على مَن كتمه.

قال وقال جابر استغفَرَ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلةَ البَعِيْر خمسًا وعشرين مرَّةً [11] . يعني بقوله (ليلةَ البعير) إنَّه باع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرًا، واشترط ظهرَه إلى المدينة، وكان في غزوةٍ لهم.

توفِّي سنة أربع _ أو سبع، أو ثمان، أو تسع _ وسبعين، عن أربع وتسعين سنة.

[قيل إنَّه آخر من مات من الصَّحابة بالمدينة. وقيل سهل بن سعد. والأكثر أنَّه محمود بن الرَّبيع] .

مسألة لطيفة

أخذ بعضُهم من شَرْطِ جابرٍ ظَهْرَ البعيرِ إلى المدينة جوازَ البيع بشرط استثناء المنفعة مُدَّةً معلومة، كأبي ثَوْر، ومحمَّد بن نَصْر المَرْوَزِيِّ، وابن المنذر، وابن خُزَيمة، وأهل الحديث، لكنَّ المذهبَ البُطْلانُ.

قال كمال الدِّين الدَّمِيْرِيُّ [12] والجواب عنه صعب.

قال عبد الوارث بن سَعيد [13] قدمت مكَّة، فوجدتُ بها أبا حنيفة، وابنَ أبي ليلى، وابن شُبْرُمة، فسألت أبا حنيفة عن رجل باع بيعًا، وشرط شرطًا، فقال البيع باطل، والشَّرط باطل. ثمَّ أتيت ابن أبي ليلى، فسألته، فقال البيع جائز، والشَّرط باطل. ثمَّ أتيت ابن شُبْرُمَةَ، فسألته، فقال البيع جائز، والشَّرط جائز. فقلت سبحان الله! ثلاثة من فقهاء العراق اختلفوا في مسألة واحدة! فأتيت أبا حنيفة، فأخبرته، فقال لا أدري ما قالا، حدَّثني عَمْرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بَيْعٍ وشَرْطٍ. البيعُ باطل، والشَّرط باطل. فأتيتُ ابنَ أبي ليلى، فأخبرته، فقال لا أدري ما قالا، حدَّثني هشام بن عُروة، عن أبيه، عن خالته عائشة رضي الله عنها قالت أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أشتريَ بَرِيْرَةَ وأُعتقَها، وأشترطَ لهم الولاء. البيع جائز، والشَّرط باطل. ثمَّ أتيت ابنَ شُبْرُمَةَ، فأخبرته، فقال لا أدري ما قالا، حدَّثني مِسْعَر بن كِدَام، عن مُحارب بن دِثَار، عن جابر بن عبد الله، قال بِعْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم جَمَلًا، وشرَط لي حمْلاني [14]

ج 1 ص 2

إلى المدينة. فالبيع جائز، والشَّرط جائز [15] .

تتمَّة

لمَّا كان والد جابر من أكابر الصَّحابة، ولم يكن من رجال البخاريِّ، أحببتُ أن أذكرَه هنا؛ تتميمًا للفائدة، وتعميمًا للخير، فأقول

هو عبد الله بن عَمْرو بن حَرَام الخَزْرجيُّ، الأنصاريُّ، الصَّحابيُّ، العَقَبِيُّ، الذي كلَّمه الله تعالى كِفَاحًا.

كان نقيب بني سَلِمَةَ، هو والبَرَاء بن مَعْرُور، يوم البيعة [16] .

قال جابر قُتل أبي يوم أُحُد، فجئت إليه، وقد مُثِّل به، وهو مغطَّى الوجه، فجعلت أبكي، وجعل القوم ينهَونني، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهاني. قال فجعلتْ عمَّتي فاطمةُ بنتُ عَمْرو تبكي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تَبكِيه، أو لا تبكيه، ما زالت الملائكة تُظِلُّه بأجنحتها حتَّى رفعتموه» [17] .

قال جابر نَظَر إليَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال «ما لي أراكَ منكَسِرًا [18] مهمومًا؟» قلت يا رسول الله! قُتل أبي، وترك دَينًا وعِيالًا. فقال «أَلَا أُخبرك؟ ما كلَّم الله أحدًا قطُّ إلَّا من وراء حجاب، وإنَّ الله كلَّم أباك كِفاحًا، فقال عَبدي، تَمَنَّ عَلَيَّ ما شئتَ. فقال أسألك أن تردَّني إلى الدُّنيا، فأُقتل فيك ثانيةً. قال إنَّه قد سَبَق مِنِّي أنَّهم لا يُرَدُّون إليها، ولا يُرجَعون. قال يا ربِّ! أَبلغْ مَنْ ورائي. فأنزل الله تعالى {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا} الآية» . [آل عمران 169] [19] .

قال ابن الأثير [20] ، والسَّمَرْقَنْدِيُّ في تفسيره ولمَّا أراد أن يَخرج إلى أُحُد دعا جابرًا، فقال يا بُنيَّ، إنِّي لا أُراني إلَّا مقتولًا في أوَّل مَن يُقتَل، وإنِّي لا أدع بعدي أحدًا أعزَّ عليَّ منك، غيرَ نفسِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنَّ عليَّ دينًا، فاقضِ عَنِّي، واستَوصِ بأَخَواتك خيرًا. قال جابر فأَصبحنا، فكان أوَّلَ قتيل قُتل، وجَدعوا [21] أنفه وأذنيه.

ودُفن هو وعَمْرو بن الجَمُوح في قبر واحد، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم «ادفنوهما في قبر واحد؛ فإنَّهما كانا مُتصافِيَين في الدُّنيا» [22] .

وكان عبد الله متزوِّجًا بأخت عمرو، وعمرو أيضًا زَوْجُ أختِ عبد الله هند.

وكان عَمْرو لمَّا أراد الخُروجَ إلى أُحُد مَنَعه أولادُه؛ لأنَّه كان أعرجَ، فأَبى، وقال ما عليكم أنْ أَطَأَ بعَرْجَتي الجنَّة؟! وشكاهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبيَّن له أنَّ الأعرج ليس عليه حرج إن لم يخرج، فأجاب كما أجاب أولاده [23] ، فلمَّا دُفن قال صلى الله عليه وسلم «والله الذي نفسي بيده، إنِّي لرَأيته في الجنَّة، يطأ بعرجته الجنَّة» .

قال ابن الأثير [24]

ج 1 ص 2

إن عمرو بن الجَمُوح، وعبد الله بن عمرو السَّلَمِييَّنْ، كانا قد حَفَر السَّيلُ عن قبرهما، وكان قبرهما ممَّا يَلِي السَّيل، وكانا في قبر واحد، فحُفِر عنهما ليُغيَّرا من مكانهما، فوُجدا لم يتغيَّرا، كأنَّما ماتا بالأمس، وكان أحدُهما قد وضع يده على جرحه، فدُفن وهو كذلك، فأُميطت يده عن جرحه، ثمَّ أُرسلت، فرجعت كما كانت، وكان بين دفنهما، ويومَ الحفر عنهما ستٌّ وأربعون [25] سنة، فرَضي الله عنهما.

قصَّة البيعة التي حضرها الوالد والولد، أعني جابرًا وعبد الله.

على ما ذكر مُحيي السُّنَّة في تفسيره [26] أنَّ الأَوْسَ والخَزْرج كانا أخوَين شقِيقَين، فوقعت بينهما عداوةٌ بسبب قتيل، فتطاولت العداوة مئة وعشرين سنة، إلى أن أطفأ الله تعالى بالإسلام ذلك، وألَّف بين قلوبهم برسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنَّ سُويد بن الصَّامِت سيِّد قومه قدم مكَّة حاجًّا أو معتمرًا، وكان صلى الله عليه وسلم قد بُعث، فتصدَّى له حين سمع به، ودعاه إلى الإسلام، فقال سُويد فلعلَّ الذي معك مثل الذي معي. يعني مجلَّة لُقْمان وحكمته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اعرضْها عَليَّ» . فعرضَها، فقال «إنَّ هذا الكلام لحَسَنٌ، وإنَّ الذي معي أفضل منه، كلام الله» [27] . فتلا عليه القرآن، ودعاه، فلم يَبْعُد، وقال إنَّ هذا القولَ أَحسنُ. ثمَّ انصرف إلى المدينة، فلم يلبث أن قَتله الخزرجُ يوم بُعَاث، وقومه يقولون قُتِل مسلمًا.

ثمَّ قدم أنس بن رافع في فئة، وفيهم من بني الأَشْهَل إِيَاسُ بنُ مُعاذ، يلتمسون الحِلْفَ من قُريش على قومهم من الخزرج، فلمَّا سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم، فقال «هل أدلُّكم إلى خيرٍ من ذلك؟ بعثني الله إلى العِباد، على أن لا يُشرِكوا بالله شيئًا» . فقرأ عليهم القرآن، ودعاهم، فقال إياس _ وكان حَدَثًا _ أَيْ قوم! والله هذا خير ممَّا جئتم له. فضَرَب أنس حَفْنَةً من البطحاء وجهَه، وقال دَعْنا، لقد جئنا لغير هذا. فسكت إياس، وانصرف عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوجَّهوا إلى المدينة، وكان وقعةُ بُعَاثٍ بين الأوس والخزرج، ولم يلبث إياس، ومات.

فلمَّا أراد الله تعالى إظهارَ دينه، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم، يَعْرِض نفسه على القبائل، فلقي رَهْطًا من الخزرج أراد الله بهم خيرًا، وهم

ج 1 ص 2

ستَّة أَسْعَدُ بن زُرَارَةَ، وعَوْفُ بن الحارث، وهو ابن العَفْراء، ورافع [28] بن مالك بن العَجْلان، وقُطْبَةُ بن عامر بنِ حَدِيْدَة، وعُقْبَةُ بنُ عامر، وجابر بن عبد الله بن رِئاب [29] _ (على ما) قال ابن الأثير [30] ، خلاف ما توهَّم ابنُ مَنْدَه، كما مرَّ _ فقال «مَن أنتم؟» قالوا [31] نفرٌ من الخزرج من موالي اليهود. فقال «أَلَا تَجلِسون حتَّى أكلِّمكم؟» قالوا بلى. فجلسوا، فعرض عليهم الإسلام، وكان ممَّا صنع الله بهم أنَّه كلَّما كان بينهم وبين [بعض] اليهود شيء، قالوا إنَّ نبيًّا الآن يُبعث، قد أَظلَّ زمانُه، نتَّبعه، ونقتلكم قَتْلَ عادٍ وإِرَم [32] . وكان اليهود أهل عِلْم، فقال بعضهم لبعض إنَّ هذا هو الذي يذكره اليهود، فلا يَسْبِقُنَّكُم إليه. فأَسلَموا، وقالوا قد تركنا قومنا [33] بينهم العدواة، وعسى الله أن يجمعهم على أَمْرِك، وسنقدم عليهم، وندعوهم إلى أمرك، فإنْ جَمَعهم الله عليك، فلا رجلَ أعزُّ منك.

فلمَّا قدموا المدينة ذكروا ذلك، ودعَوهم إلى الإسلام، حتَّى لم يَبقَ من دُور الأنصار إلَّا وفيه ذكرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلمَّا كان العام المقبل، وافى الموسمَ اثنا عشر من الأنصار، مَنْ كانوا بالعام المقبل _سوى جابر_ ومعاذُ بن عَفْراءَ، وذَكْوانُ [34] بن عبدِ القَيْسِ، وعُبَادةُ بن الصَّامِت، ويزيدُ (بن ثَعْلَبة) ، وعبَّاسُ بنُ عُبَادةَ، الخَزرجيُّون، وأبو الهيثمِ بن التَّيِّهان، وعُوَيْمُ بن ساعدة، الأَوْسِيُّون، ولقوه بالعقبة، وهي العقبة الأُولى، فبايعوه بيعة النِّساء على أن لا يشركوا بالله شيئًا، ولا يزنُوا، كما في الآية، قال «إنْ وَفَيتم فلكم الجنَّة، وإن غَشَشْتُم شيئًا من ذلك، فأُخذتم بحَدِّه في الدُّنيا، كان كَفَّارةً، وإن سُتِر عليكم، فأمْركم إلى الله، إن شاء عذَّبكم، وإن شاء عفا عنكم» . وذلك قبل أن يفرض عليهم الحرب.

فلمَّا انصرفوا بعث معهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مُصْعَبَ بن عُمَيْر، يعلِّمهم القرآن، وكان مصعب يسمَّى بالمدينة المُقرئ. واستشهد يوم أُحُد، وقد ذكرنا قصَّة إسلام الأنصار على يده، في ترجمة أُسَيْدِ بن حُضَيْر، فراجعها.

ثمَّ إنَّ مُصْعَبًا رجع إلى مكَّة، ومعه من مُسلِمي الأنصار سبعون رجلًا، مع حُجَّاجِ قومهم، فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيَّام التَّشريق، وهي بيعة العقبة الثَّانية.

قال كعب

ج 1 ص 2

بن مالك لمَّا كانت اللَّيلة الموعودة، ومعنا عبد الله بن عمرو [35] أبو جابر، أَخْبَرْناه، وكنَّا نكتم ممَّن معنا، وقلنا له إنَّك سيِّد من ساداتنا، وإنَّما نرغب بك خوفًا أن تكون حطبًا للنَّار. فأسلَم، وأَخبرْناه بالميعاد، فشهد العقبة، وكان نقيبًا فينا تلك اللَّيلة، فلمَّا مضى ثلثُ اللَّيل خرجنا للميعاد، نَتَسَلَّلُ تسلُّل القَطَا مُستَخفِين، حتَّى اجتمعنا عند العقبة، ونحن سبعون، معنا نُسَيبةُ بنت كَعْب، إحدى نساء بني النَّجَّار، وأسماء بنت عَمْرو، إحدى نساء بني سَلِمةَ، وإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عمُّه العبَّاس على دين قومه، أَحبَّ أن يوثِّق أمرَ ابن أخيه، فكان أوَّل من تكلَّم العبَّاسُ، وقال يا معشر الأوس والخزرج! إنَّ محمَّدًا منَّا، وقد علمتم أنَّه في عِزٍّ من قومه [36] ، وقد أبى إلَّا الانقطاعَ إليكم، فإنْ أنتم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانِعُوه ممَّن خالفه، فأنتم وما تحمَّلتم، وإن أنتم خاذلوه [37] بعد الخروج إليكم، فمِن الآن فدَعَوه، فإنَّه في مَنَعةٍ من قومه. قالوا قد سمعنا ما قلتَ، فخُذْ يا رسول الله لك ولربِّك ما شئتَ. فتلا عليهم القرآن، ثمَّ قال «أُبايعكم أن تمنعوني ما تمنعون نساءَكم وأبناءَكم» . فأخذ البَرَاءُ بن مَعْرُور بيده، وقال والذي بعثك بالحقِّ نبيًّا، لنَمنعنَّ عنك ما نمنع عن أُزُرنا، فبايِعْنا يا رسول الله، فنحن أهلُ الحرب والحَلَقة [38] ، وَرِثناها كابرًا عن كابر. فقالوا يا رسول الله! إنَّ بيننا وبين اليهود حِبَالًا [39] ، وإنَّا قاطِعُوها، فهل عَسَيت إنْ فَعلنا ذلك، ثمَّ أظهرك الله [40] ، أنْ تَرجع إلى قومِكَ وتَدَعنا؟ فتبسَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمَّ قال «الدَّمَ الدَّمَ، والهَدْمَ الهَدْمَ، أنتم مِنِّي، وأنا منكم، أُحارب مَن حاربتم، وأُسالِم مَن سالمتم، أَخرِجوا إِليَّ اثني عشر نقيبًا» . تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس [41] .

قال عاصم بن عمر ولمَّا اجتمع القوم للبيعة، قال العبَّاسُ بن نَضْلَةَ [42] الأنصاريُّ يا معشر الخزرج! هل تَدرون عَلامَ تُبايِعون هذا الرَّجل؟ تبايعونه على حرب الأحمر والأسود، فإنْ كنتم تَرون أنَّكم إذا استُهلكت [43] أموالُكم، وقُتِلت أشرافُكم، أَسلَمتموه، فمِن الآن فدَعُوه، فهو والله خِزْي الدُّنيا والآخرة، وإن كنتم تَرون أنَّكم وافون له

ج 1 ص 2

بما دعوتموه إليه، على تهلُّكِ [44] الأموال، وقَتْلِ الأشراف، فخُذوه، فهو والله خيرٌ في الدُّنيا والآخرة. قالوا إنَّا قد أخذنا على تهلُّك الأموال، وقَتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إنْ وَفَّينا [45] ؟ قال «الجنَّة» . قالوا ابسُطْ يدك. فبسَطَ يده، فبايعوه، وأوَّل مَن ضرب على يده البَرَاءُ بنُ مَعْرُور، ثمَّ تتابع القوم، فصَرَخ الشَّيطان من وراء العَقَبة يا أهل الجَبَاجِب! هل لكم في مُذَمَّم، والصُّبَاةُ [46] معه؟ قد اجتمعوا على حربكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «هذا أَزَبُّ العَقَبة، اسمَعْ يا عدوَّ الله! أَمَا والله لأَفرُغَنَّ لك» . ثمَّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ارْفَضُّوا إلى رِحالكم» . فقال له العبَّاسُ بنُ نَضْلَة والذي بَعَثك [بالحقِّ] [47] إن شئتَ لَنَمِيْلَنَّ غدًا على أهل مِنىً بأسيافنا. فقال صلى الله عليه وسلم «لم نُؤمَر بهذا، ولكن ارجِعوا إلى رحالكم» . فرجعوا إلى أن أَصبحوا، فلمَّا أصبحوا غدت طائفةٌ من قريش، فقالوا يا معشر الخزرج! بَلَغنا أنَّكم جئتم صاحبَنا، وتستخرجونه وتبايعونه [48] على حربنا. فحلف له بعض مُشرِكي أهل المدينة ما كان من هذا شيء. قال الرَّاوي وصَدَقوا؛ إذْ لم يحيطوا بذلك علمًا. [انتهى]

تنبيه

السلميُّ بفتح السِّين المهملة، واللَّام السَّاكنة، وبفتحهما، وفتح الأُولى، وكسر الثَّانية، وضمِّ الأُولى، وفتح الثَّانية.

أمَّا الأوَّل، فمنسوب إلى الجَدِّ، منهم أبو إسحاق إبراهيم بن سَلْم السَّلْمِيُّ، وأبو خَلَف محمَّد بن عبد الملك السَّلْمِيُّ الطَّبريُّ، صاحب الكِفاية في المذهب، كان إمامًا، فاضلًا، شافعيًّا، توفِّي في حدود سبعين وأربع مئة.

وأمَّا الثَّاني [49] ، فمنسوب إلى بني سَلِمَة _ بكسر اللَّام _ حيٌّ من الأنصار، وهذه النِّسبة على خلاف القياس، كالنَّمَريِّ بالفتح، في نَمِرة بالكسر، هذا عند النَّحويِّين، وأصحابُ الحديث يكسِرون اللَّام.

قال ابن الصَّلاح [50] وهو لحن.

وابن باطِيش اقتَصَر على كسر اللَّام، وجعل المفتوح نسبةً إلى سَلَمِيَّة، بلدة من عَمَل حِمْصَ، قريب من حماة.

فمِن المنسوب إلى بني سَلِمَة أبو قَتَادةَ الحارث بن رِبْعِيٍّ، وعبد الله بن عَمْرو بن حَرَام، وابنه جابر، وبنوه، وكَعْبُ بن مالك، شاعرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحد الثَّلاثة الذين نزلت فيهم {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ} الآية [التوبة 118] .

ومن المنسوب إلى مدينة سَلَمِيَّة أيُّوبُ [بن] [51] سُليمان القرشيُّ،

ج 1 ص 2

إمامُ مسجدها، وأبو ثَوْر هاشِم بن ناجِيةَ.

وأمَّا الثَّالث، فنسبة إلى قبيلة مشهورة من العرب، يقال لها سُلَيم بن مَنْصور، تفرَّقت منها جماعة كثيرة، منهم بحمص مُجَاشِع بن مَسْعود وأخوه، وذِكرُهما في فتوح الشَّام، ومَعْنُ بن يَزيد، وأبو الأَعْور عَمْرو بن سُفيان، أحد الأمراء بالشَّام زمن عُمَر، و [كانَ مع معاويةَ] [52] بصفِّين، والعِرْباض بن ساريَة الصَّحابيُّ، أحد من نزل فيهم {وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} الآية [التوبة 92] ، والعبَّاس بن مِرْدَاس الصَّحابيُّ (الحِيْريُّ) [53] ، أحد الشُّجعان، وعَمْرو بن عَنْبَسة [54] ، وغيرهم، كأبي عَمْرو إسماعيل بن نُجَيْد، أحد المشايخ من مُرِيدي [55] أبي عثمان الحِيْريِّ، سمع أبا عبد الله البُوشَنْجِيَّ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وغيرهما.

قال ابن السَّمعانيِّ [56] أبو عَمْرو شيخ عصره في التَّصوُّف والمعاملة، وأسنَدُ مَن بقي في [57] خراسان في الرِّواية، قد كان وَرِث من آبائه مالًا جزيلًا، حَبَسَ لنفسه الذي يتعيَّش به، وأنفق سائرها على مشايخ الزُّهد والعلماء، حتَّى لقد بلغني أنَّه أجلس بعض المشايخ في البادية في كُثْبةٍ [58] ، ومشى راجلًا، واتَّفق أنَّ أبا عثمان الحِيْرِيَّ [59] شيخَه طلب شيئًا لبعض المجاهدين، فتأخَّر ذلك، فضاق به ذَرْعًا، وبكى على رؤوس [60] النَّاس، فجاءه أبو عَمْرو بعد العَتَمَة، ومعه ألفا درهم، فقال اجعَلْ هذا في الوجه الذي تأخَّر اليوم. ففرح أبو عثمان، ودعا له، فلمَّا جلس أبو عثمان للمجلس قال أيُّها النَّاس! لقد رجوت لأبي عَمْرو خيرًا بما فعل؛ فإنَّه ناب عن الجماعة في ذلك الأمر، وحمل كذا وكذا، فجزاه الله خيرًا. فقام أبو عَمْرو على رؤوس النَّاس، وقال إنَّما حملتُ ذلك من مال أمِّي، وهي غير راضية، فلا بدَّ أن تردَّها إلى [61] أمِّي. فردَّ أبو عثمان المال إليه، فلمَّا جَنَّ عليه اللَّيل جاءه، وقال يمكن أن تجعل هذا في ذلك الوجه من حيث لا يعلم أحد غيري وغيرك؟! فبكى أبو عثمان، وكان بعد ذلك، يقول أنا أخشى من هِمَّة أبي عمرو. توفِّي سنة خمس وستِّين وثلاث مئة. فرَحِمه الله ما أَخلَصه لله!

فائدة

جابر بن عبد الله بن عَمْرو [62] بن حَرَام، هو بفتح المهملة، وخفَّة الرَّاء المهملة، وكلَّما وقع هذا اللَّفظ في الأنصار، فهو كذلك.

وفي قريش، بكسر المهملة، وفتح الزَّاي المعجمة [63] .

وأمَّا في غير القبيلتَين، فوقع بالكسر والزَّاي، في خُزَاعة، وابن [64] عامر بن صَعْصَعَة،

ج 1 ص 2

وغيرهما. وبالفتح والرَّاء [65] ، في خَثْعَم، وجُذَام، [وخُزَاعة] أيضًا، وغيرهم.

[1] في الأصول تصحيفًا (غنمة) والمثبت من مصادر الترجمة.

[2] في (ن) (يحفي) و (بالصَّفراء) .

[3] أسد الغابة 1/ 378.

[4] في (ن) تصحيفًا (بن رباب) .

[5] في (ن) هنا زيادة (مع أبيه) ويأباها السِّياق.

[6] مقدمة الفتح ص 474.

[7] في الأصول تصحيفًا (هان) والمثبت من مصادر الترجمة.

[8] كذا قال المؤلِّف رحمه الله، والصَّواب أنَّ أوَّل موضع للرِّواية عنه في بَدء الوحي، برقم (4) ، على أنَّ الحديث المشار إليه قد أخرجه البخاريُّ في أوَّل كتاب الغسل، برقم (252) .

[9] أخرجه البخاري برقم (3803) .

[10] أسد الغابة 1/ 378.

[11] أخرجه التِّرمذيُّ برقم (3852) ، والنَّسائيُّ في سننه الكبرى برقم (8248) .

[12] النَّجم الوهَّاج 4/ 84.

[13] في (ن) تصحيفًا (سعد) .

[14] في (ن) (حملان) والمثبت موافق لما في المصادر.

[15] انظر النَّجم الوهَّاج 1/ 81، والمعجم الأوسط للطَّبرانيِّ 4/ 335 برقم (4361) ، والمحلَّى 8/ 415.

[16] في (ن) (ويوم البيعة) وهو خطأ.

[17] أخرجه البخاريُّ (1244) ، ومسلم (2471) .

[18] في (ن) تصحيفًا (منكرًا) .

[19] أخرجه التِّرمذي (3010) ، وابن ماجه (190، 2800) ، قال التِّرمذيُّ حديث حسن غريب.

[20] انظر أسد الغابة 3/ 354، والقصَّة في صحيح البخاريِّ (1351) .

[21] في (ن) تصحيفًا (جذعوا) .

[22] أخرجه ابن أبي شيبة في مصنَّفه 7/ 367.

[23] في غير (ن) (لأولاده) .

[24] أسد الغابة 3/ 355.

[25] في (ن) (ستة وأربعون) .

[26] تفسير البغويِّ 2/ 79.

[27] اضطربت العبارة في (ن) (وإنَّ الذي معي ليس أفضل من كلام الله) .

[28] في (ه) (السمع) وهو تصحيف.

[29] في الأصول تصحيفًا (رباب) والمثبت من مصادر الترجمة.

[30] أسد الغابة 1/ 378.

[31] في غير (ن) (قال) .

[32] سقط حرف العطف من (ن) لتصبح العبارة (عاد إرم) .

[33] في غير (ن) (قومًا) .

[34] في (ن) تصحيفًا (وذكران) .

[35] اضطرب النَّص في الخبر السابق في كل النسخ الأصول، فتصحَّفت في جميعها عباس بن عبادة إلى (عياش بن عباد) ، ويزيد بن ثعلبة إلى (زيد) ، وعُويم إلى (عُويمر) والأوسيون إلى (الأويسيون) وفي غير (ن) تصحَّفت عبد الله بن عمر وأبو جابر إلى (عبيد الله بن عمرو أبو جابر) . وفي (ن) وحدها العقبة الثانية إلى (العقبة الثالثة) فأقمت ما انآد على الجادَّة والحمد لله.

[36] في غير (ن) (إنَّ محمَّدًا منَّا من قد علمتم، وهو في عزٍّ من قومه) .

[37] في (ن) (خاذليه) وهو لحن.

[38] في (ن) تصحيفًا (الحلفة) .

[39] في (ن) تصحيفًا (حالًا) .

[40] في غير (ن) (وأظهرك الله) .

[41] الخبر بطوله في مسند الإمام أحمد برقم (15798) ، وفي عيون الأثر 1/ 176.

[42] في (ن) تصحيفًا (فضلة) .

[43] في غير (ن) (انتهكت) .

[44] في غير (ن) (نَهْك) وكذلك الموضع الذي يليه.

[45] في (ن) (إذ وفَّينا) .

[46] في (ن) تصحيفًا (الصِّبيان) .

[47] سقطت من الأصول، واستدركناه من مصدر النقل، تفسير البغويِّ 2/ 83.

[48] في (ن) (وتخرجوه وتبايعوه) .

[49] في غير (ن) (قومًا) .

[50] مقدمته ص 357.

[51] سقطت من الأصول، والمستدرك من مصادر الترجمة.

[52] سقط من الأصول، واستدركناه من الأنساب للسَّمعانيِّ 3/ 278.

[53] سقطت من (ن) وجاء في غيرها كلِّها (الجيزي) ، وكذلك في (ن) في الموضع الذي بعده، والتصحيح من الأنساب.

[54] في (ن) (وعمرو بن عيينة) وجاء في هامش (ه) في نسخة (ابن عيينة) وهو خطأ.

[55] في (ن) تصحيفًا (مرتدِّي) وكذلك البوشنجي تصحفت إلى (التوشنجي) .

[56] الأنساب 3/ 279، نقلًا عن الحاكم النَّيسابوريِّ.

[57] في (ن) (من) .

[58] في (ن) تصحيفًا (كسبة) وجاء في غيرها (كنيسة) ، والتصحيح من الأنساب.

[59] في (ن) (أن أبا عمر عثمان الجيزي) وهو خطأ.

[60] في (ن) (رأس) وفيها أيضًا (أبو عمر) بدل (أبو عمرو) .

[61] في غير (ن) (على) .

[62] في (ن) تكررت (عبد الله) بدل عمرو.

[63] أي حِزَام.

[64] في غير (ن) (وبني) .

[65] في (ن) تصحيفًا (الزاي) وتصحَّفت فيها (جذام) إلى (حرام) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت