قال خَلَفُ بنُ تَمِيْم سمعت سفيان بمكَّة، وقد كثر النَّاس عليه يقول ضاعت الأمَّة
ج 1 ص 2
حتَّى احتيج إليَّ! وكان إذا لقي الشَّيخ سأله هل سمعت من العلم شيئًا؟ فإن قال لا. قال لا جزاك الله عن الإسلام خيرًا.
قال وينبغي للرَّجل أن يُكره ولده على طلب الحديث، فإنَّه مسؤول عنه، وإنَّ هذا الحديث عزٌّ، من أراد به الدُّنيا فدنيا، ومن أراد به الآخرة فآخرة، وليس شيء أنفع للنَّاس من الحديث، وما أخاف على شيء أن يدخلني النَّار إلَّا الحديث، وددت أنِّي حين قرأت القرآن وقفت عنده، فلم أتجاوز إلى غيره. قال ولو لم يأتني أصحاب الحديث لأتيتهم في بيوتهم، ولو أنِّي أعلم أنَّ أحدًا يطلب الحديث بنيَّة لأتيته في منزله حتَّى أحدِّثه.
ورُئي سفيان في المنام، فقيل أيُّ شيء وجدت أفضل؟ قال الحديث. قال عبد الرَّحمن بن مهديٍّ قال [1] يوسف بن أسباط رأيت الثَّوريَّ في المنام، فقلت أيُّ الأعمال [2] وجدت أفضل؟ فقال القرآن. فقلت الحديث؟ فحوَّل وجهه، ولوى عنقه.
ورئي في المنام أنَّه في الجنَّة يطير من شجرة إلى شجرة، فقيل له في ذلك، فقال {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ} [الصافات 61] ولمَّا قدم سفيان الرَّملة، أو بيت المقدس أرسل إليه إبراهيم بن أدهم تعال [3] حدِّثنا. فقيل له يا أبا إسحاق، تبعث إليه بمثل هذا؟ قال إنَّما أردت كيف تواضعه [4] ؟ فجاء فحدَّثهم.
قال سفيان طلبت العلم، ولم يكن لي نيَّة، ثمَّ رزقني الله تعالى النيَّة. قال أبو عبيدة ابن أبي السَّفر سمعت سفيان يقول ما أحدِّث من كلِّ عشرة بواحد. وقد كتبنا عنه عشرين ألفًا، وأخبرني الأشجعيُّ أنَّه كتب عنه ثلاثين ألفًا.
قال الثَّوريُّ إذا رأيت الرَّجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه، وأنت ترى غيره، فلا تنهه.
قال سفيان ما استودعت أذني شيئًا إلَّا حفظته؛ حتَّى إنِّي أمرُّ بكذا [5] _ قال كلمة [6] _ فأسدُّ أذني (مخافة أن أحفظ ما يقول، وأمرُّ بالحايك يغني، فأسدُّ أذني) ، وما استودعت قلبي شيئًا فخانني.
وقال لرجل من العرب اطلبوا العلم ويحكم، فإنِّي أخاف أن يخرج منكم فيصير في غيركم، اطلبوه ويحكم، فإنَّه عزٌّ وشرف في الدُّنيا والآخرة. وقال مثل العالم مثل الطَّبيب، لا يضع الدَّواء إلَّا على موضع الدَّاء.
وقال يعجبني أن يكون صاحب الحديث مكفيًّا، فإنَّ الآفات إليهم أسرع، والألسنة إليهم أسرع. وكان سفيان لا يحدِّث النَّبط وسَفِلَةَ النَّاس، وكان إذا رآى مثل ذلك ساءه، وقال إنَّا نعلم إنَّما نأخذ عن العرب، فإذا صار إلى النَّبط وسفل النَّاس قلبوا العلم.
قال وما نعدُّ
ج 1 ص 2
اليوم طلب العلم فضلًا؛ لأنَّ الأشياء (تنقص) وهو يزيد، وأخشى أن لا يكون طلب الحديث من أعمال البرِّ؛ لأنِّي أرى كلَّ شيء من أعمال البرِّ في نقصان، وذا في زيادة. وربَّما كان سفيان يحدِّث، فيقول انفجرت العين، انفجرت العين. يتعجَّب من نفسه، وربَّما حدَّث الرَّجل الحديث، فيقول هذا خير لك من ولايتك عسقلان وصور. وربَّما قال من ولاية الرَّي. وليس طلب العلم فلان عن فلان، إنَّما طلب العلم الخشية لله. وقال رجل لسفيان حدِّثنا كما سمعت، فقال لا والله! ما إليه سبيل، وما هو إلَّا المعاني [7] ، ولو قلت لكم إني أحدِّثكم كما سمعت، فلا تصدِّقوني.
قال إنِّي لأظنَّ لو أنَّ رجلًا هَمَّ بالكذب عرف ذلك في وجهه. وقال لمَّا أردت أن أطلب العلم قلت يا ربُّ! لا بدَّ لي من معيشة، ورأيت العلم يدرس، قال فقلت أفرِّغ نفسي لطلبه، وسألت ربِّي الكفاية والتَّشاغل بطلب العلم، فما رأيت إلَّا ما أحبُّ إلى يومي هذا.
قال عبد الرَّحمن بن مهديٍّ كنَّا نكون عند سفيان، فكأنَّه قد وقف للحساب، فلا نجترئ أن نكلِّمه، فيتعرَّض بذكر الحديث، فيذهب ذاك الخشوع، فإنَّما هو حدَّثَنا [8] حدَّثَنا.
ولمَّا نظر حمَّاد بن زيد سفيان مُسَجًّى على السَّرير، فقال يا سفيان، لست أغبطك اليوم بكثرة الحديث، إنَّما أغبطك بعمل صالح قدَّمت. قال ابن مهديٍّ لمَّا مات سفيان أخرجناه باللَّيل من أجل السُّلطان، فحملناه، فما أنكرنا اللَّيل من النَّهار. قال وسمعته يقول في علَّته _ وكان به البطن _ ذهب التَّستُّر، ذهب التَّستُّر.
قال يحيى بن سعيد رأيت الثَّوريَّ فيما يرى النَّائم، فنظرت إلى صدره، فإذا في صدره مكتوب في موضعين {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ} [البقرة 137] .
وقال عبد الرَّحمن بن مهديٍّ لمَّا أن غسَّلت الثَّوريَّ وجدتُ في جسده مكتوبًا {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ} [البقرة 137] . قال أبو داود مات سفيان بالبصرة، فدفن ليلًا، ولم نشهد الصَّلاة عليه، وغدونا على قبره، ومعنا جرير بن حازم، وسَلاَم بن مِسْكين، وحَمَّاد بن زيد، فتقدَّم جرير، وصلَّى على القبر، وبكى، وقال _ من البحر البسيط _
~إذا بكيتَ على مَيْتٍ لِمَكْرُمَةٍ فابكِ الغَدَاةَ على الثَّوْرِيِّ سُفْيَانَا
وقال عبد الله بن الصَبَّاح منه
~أبكي عليه وقد وَلَّى وسُؤْددهُ وفَضْلُه ناضِرٌ كالغُصْنِ رَيَّانَا
وكان الثَّوريُّ يتمثَّل بهذه الأبيات _ من الكامل _
~أَظَرِيْفُ إنَّ العَيْشَ كَدَّرَ صَفْوَهُ ذِكْرُ المَنِيَّةِ والقُبُورِ الهُوَّلِ
~دُنْيَا تَدَاولَها العِبَادُ ذَمِيْمَة شِيْبَتْ بَأكْرَة [9] من نَقيْعِ الحَنْظَلِ
~وبنات دَهْرٍ لا تزال مُلِمَّةً ولها فَجَائِعُ مثل وَقْعِ الجَنْدَلِ
ج 1 ص 2
وكذلك كان يتمثَّل بهذه الأبيات _ من البحر الطويل _
~إذا أنتَ لم ترحَلْ بزادٍ من التُّقَى ولا قَيْتَ بعد الموتِ مَنْ قد تَزَوَّدَا
~نَدِمْتَ على أن لا تكونَ كمثلِه وأنَّكَ لم تُرْصِدْ كما كان أَرْصَدَا
وكذلك كان يتمثَّل بهذا البيت [10] _ من الطَّويل _
~يَسُرُّ الفَتَى ما كان قَدَّم من تُقَى إذا عَرَفَ الدَّاءَ الذي هو قاتِلُهْ
وكذلك كان يتمثَّل بهذه الأبيات _ من الطَّويل [11] _
~سيكفيكَ ممَّا أُغْلِقَ البابُ دونَهُ وضَنَّ به الأقوامُ مِلْحٌ وجَرْدَقُ
~وتشرب من ماءِ الفُرَاتِ وتغتدي تُعَارِضُ أصحابَ الثَّريْدِ المُلَبَّقِ
~تجشأ إذا ما هم تَجَشَّوْا كأنَّما ظَلِلْتَ بألوان الخَبِيْصِ تَفَتَّقُ
وسبب التَّمثيل بهذه الأبيات الأخيرة، كما قال سفيان بن عيينة إنَّ سفيان الثَّوريَّ جاع جوعًا شديدًا، مكث ثلاثة أيام لا يأكل شيئًا، فمرَّ بدار فيها عرس، فدعته نفسه إلى أن يدخل [12] ، فعصمه الله تعالى، ومضى إلى منزل ابنته [13] ، فأتته بقُرْصٍ، وشرب ماء فتجشَّى، فأنشد الأبيات، وجعل يتمثَّل بها، وكان أيضًا ينشد أبيات ابن حِطَّانَ [14] _ من البحر الطَّويل _
~أَرى أشقياءَ النَّاسِ لا يَسْأَمُونَها على أَنَّهُمْ فيها عُرَاةٌ وجُوَّعُ
~أَراها وإن كانت قليلًا كأنَّها سَحَابَةُ صَيْفٍ عن قريبٍ تَقَشَّعُ
قال رجل لسفيان يا أبا عبد الله، إنَّ فيك لعجبًا! قال يا ابن أخي، ما الذي بان لك منِّي حتَّى عجبت؟ قال تنقُّلك من بلد إلى بلد، إنَّ للنَّاس مأوى، وللسَّبع مأوى، ومالَكَ مأوى. قال حدَّثني المُغيرةُ بنُ مِقْسَم، عن النَّخَعِيِّ، عن عَلْقَمَةَ، عن ابن مسعود قال اقتحم على أهل الجنَّة نور في قِبَابِهم كاد أن يَخْطَفَ أبصارهم، فنظروا، فإذا نورُ سِنِّ حَوْراءَ ضحكت في وجه زوج لها. ما كنت أدع [15] هذا الخبر أبدًا لقولك، وأنشأ يقول _ من البحر البسيط _
~ما ضَرَّ من كانت الفردوسُ مَسْكَنَهُ ما مَسَّهُ قَبْلُ مِنْ بُؤْسٍ وإِقْتَارِ
~تَراهْ يمشي كئيبًا خائفًا وَجِلًا إلى المساجِدِ يمشي بين أَطْمَارِ
ثمَّ أقبل على نفسه، فقال
~يا نفسُ مالَكِ من صَبْرٍ على النَّارِ قَدْ حانَ أن تُقْبِلِي مِنْ بعدِ إِدْبَارِ
وكان سفيان معجبًا بالسَّرِيِّ بن حَيَّانَ بقوله هذه الأبيات _ من البحر الطَّويل _
~أَجَاعَتْهُمُ الدنيا فجاعوا ولم يَزَلْ كذلك ذو التَّقوى على العيش مُلْجَمَا
~أَخُو طَيٍّ داودُ منهمُ ومِسْعَرٌ ومنهمْ وُهَيْبٌ والغَرِيْبُ ابنُ أَدْهَمَا
~وحَسْبُكَ منهمْ بالفُضَيْلِ وبِابْنِهِ ويوسف إذْ لم يَأْلُ أن يَتَسَلَّمَا
~وفي ابنِ سَعِيْدٍ قُدْوة لذوي النُّهَى وفي وارث الفاروق صدقًا ومَقْدَما [16]
~أولئك أصحابي وأهل مَوَدَّتي فصلَّى عليهم ذو الجلال وسَلَّما
ج 1 ص 2
~وما ضَرَّ ذا التَّقوى فضائلُ نِسْبَةٍ [17] وما زال ذو التَّقوى أعزَّ وأَكْرَمَا
~وما زالتِ التَّقوى تزيدُ على الغِنَى إذا مَحَّضَ التَّقوى من العِزِّ مَبْسَمَا
قال غياث بن واقد الاصْطَخْري [18] طاف سفيان ذات ليلة، فأكثرَ الطَّواف، ثمَّ صلى، فأطال الصَّلاة، ثمَّ اضطجع، فقلت هذه ضجعتُه حتَّى يصبح. فما كان إلَّا قليلًا حتَّى هَبَّ من نومه، ثمَّ أخذ نحو الجبل الذي كان يأوي فيه، فأصاب إبهامَ قدمه [19] حجر، فدميت، فاضطجع، ثمَّ قال أُفٍّ لها ما أكثر كدرها! عجبًا لمن يحبِّها. وكان يتمثَّل بهذه الأبيات _ من البسيط [20] _
~أرى رجالًا بدون الدِّين قد قنعوا وليس في عَيْشهِم يرضَون بالدُّونِ
~فاستغنِ [21] بالدِّين عن دنيا الملوكِ كما استغنى الملوكُ بدُنياهُمْ عن الدِّين
وكان يتمثَّل بهذه الأبيات _من الكامل_
~إنِّي وجدتُ فلا تظنُّوا غيرَه أنَّ التَّنَسُّكَ عند هذا الدِّرْهَمِ [22]
(وأيضًا كان يتمثَّل)
~أُبْلُ الرِّجالَ إذا أردتَ إخاءهم وتَوَسَّمَنَّ أُمُورَهُمْ وتَفَقَّدِ
~فإذا وجدتَ أخا الأمانةِ والتُّقَى فيه الصَّلاة قَرِيْرَ عينٍ فاشْدُدِ
~ودعِ التَّخَشُّعَ والتَّذَلُّلَ تبتغي قُرْبَ امرئٍ إن تَدْنُ منهُ يَبْعُدِ
وكتب سفيان إلى عبَّاد بن عبَّاد أمَّا بعد، فإنَّك في زمان كان أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يتعوَّذون أن يدركوه، ولهم من العلم ما ليس لنا، [ومن القدم ما ليس لنا،] فكيف بنا حين أدركناه على قلَّة العلم، وقلَّة الصَّبر، وقلَّة الأعوان على الخير، وفساد من النَّاس، وكدرٍ من الدُّنيا؟! فعليك بالأمر الأوَّل والتمسُّك به، وعليك بالخمول، فإنَّ هذا زمان خمول، وعليك بالعزلة، وقلَّة مخالطة النَّاس، فقد كان النَّاس إذا التقوا ينتفع بعضهم ببعض، فأمَّا اليوم، فقد ذهب ذاك، والنَّجاة في تركهم فيما نرى، وإيَّاك والأمراءَ أن تدنو منهم، أو تخالطهم في شيء من الأشياء، وإيَّاك أن تُخدع، ويقال لك [تَشْفَع] ، وتدرأ عن مظلوم، أو تردُّ مظلمة، فإنَّ ذلك خديعة إبليس، وانَّما اتَّخذها فُجَّار القرَّاء سلَّمًا، وكان يقول اتَّقوا فتنة العابد الجاهل، والعالم الفاجر، فإنَّ فتنتهما (فتنة) لكلِّ مفتون، وما كُفيت [23] من الفتيا، فاغتنم ذلك، ولا تنافسهم (فيه) ، وإيَّاك أن تكون كمن يحبُّ أن يُعمل بقوله، أو يُنشر قوله، أو يُسمع من قوله، وإيَّاك وحبَّ الرِّئاسة، فإنَّ الرَّجل تكون الرِّئاسة أحبَّ إليه من الذَّهب والفضَّة، وهو باب غامض لا يُبْصِره إلَّا البصير من العلماء السَّماسرة [24] ، فتفقَّد نفسك،
ج 1 ص 2
واعمل بنيَّة، واعلم أنَّه قد دنا من النَّاس أمور يشتهي الرَّجل أن يموت، والسَّلام.
وكان _ رضي الله عنه _ شديدًا على السَّلاطين، روي أنَّه اجتمع بالمهديِّ الخليفة لما ورد مكَّة، وسفيان بها، فدعا سفيان، فقال سفيان احذر هذا الكاتب _كان بجنبه_ وقال اتَّق الله! كم أنفقت في حجَّتك؟ قال لا أدري. قال إنَّ عمر بن الخطَّاب أنفق في حجَّته بضعة [25] عشر دينارًا واستكثرها. وحدَّثه بحديث أيمن بن نابل، فقال حدَّثني أبو عِمْران، ولم يذكر أيمن، [فقيل كيف لا تذكر أيمن؟!] قال لعلَّه يدعوه فيفزع الرَّجل. والمراد بحديث أيمن ما روي أنَّه [26] صلى الله عليه وسلم حجَّ على رَحْلٍ رَثٍّ، لا طَرْدَ، ولا ضَرْبَ، ولا إليكَ إليكَ. قال سفيان فغضب المهديُّ، وقال تريد أن أكون في مثل الذي أنت فيه؟ قال قلت فإن لم يكن في مثل الذي أنا فيه، ففي دون ما أنت فيه. فقال لي يا أبا عبد الله، قد جاءتنا كتبك فأنفذتها. قال (قلت) ما كتبت إليك شيئًا قطُّ. وفي رواية أنَّه قال يا أبا عبد الله، اصحبني حتَّى أسير فيكم سيرة العُمَرَين. قال قلت أمَّا [27] وهؤلاء جلساؤك فلا. قال فإنَّك تكتب إلينا في حوائجك فنقضيها. قال (قلت) والله ما كتبت إليك كتابًا قطُّ، وإن اقتصرتَ على خُبْزِك لم يستعبدك هؤلاء.
حُكي أنَّ هارون الرَّشيد قال لزُبيدة أتزوَّج عليك؟ قالت زبيدة لا يحلُّ لك. قال بلى. قالت بيني وبينك من شئت. قال ترضين بسفيان الثَّوريِّ؟ قالت نعم. [قال] فوجَّه إلى سفيان، فقال إنَّ زُبيدة تزعم أنَّه لا يحلُّ لي أن أتزوَّج عليها، وقد قال الله تعالى {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} [النساء 3] ثمَّ سكت، فقال سفيان تمِّم الآية. يريد أن يقرأ {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً} وأنت لا تعدل. قال فأمر لسفيان بعشرة آلاف درهم، فأبى أن يقبلها.
قال سفيان أئمَّة العدل خمسة أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليٌّ، وعمر بن عبد العزيز، من قال غير ذلك فقد اعتدى.
قال عليُّ بن ثابت رأيت الثَّوريَّ في طريق مكَّة، فقوَّمت كلَّ شيء له [28] حتَّى نعليه، درهمًا وأربعة دوانق. وقال محمَّد بن علي ما رأيت الثَّوريَّ [29] في صدر مجلس قطُّ، إنَّما كان يقعد إلى جنب الحائط، ويجمع بين ركبتيه.
قال ضَمْرة [30] قلت لسفيان أيَّ شيء أقول إذا سمعت صوت النَّاقوس؟ قال أيَّ شيء تقول إذا ضرط الحمار؟! وقال رجل ذهب النَّاس، وبقينا على حُمُر دَبِرة يا أبا عبد الله. فقال ما أحسنَ حالَها إن كانت على الطَّريق!
وقال لا يأمر السُّلطانَ بالمعروف إلَّا رجل عالمٌ بما يأمر، عالمٌ بما ينهى، رفيقٌ بما يأمر، رفيقٌ بما ينهى [31] ، عدلٌ فيما يأمر، عدلٌ فيما ينهى.
قال وكيع
ج 1 ص 2
سمعت سفيان، وسئل عن البناء الذي بنوه حول مكَّة، فقال لا تنظروا إليه، فإنَّهم إنَّما بنوه لتنظروا [32] إليه، ولو لم يُنظر إليه، لما بنوه.
وقال لا تجيبوا دعوةً إلَّا دعوةَ من ترون أنَّ قلوبكم تصلح على طعامه.
ومرَّ بسفيان شيخ كان كاتبًا، فقال له يا شيخ، ولي فلان، فكتبتَ [33] له، ثمَّ عُزل، وولي فلان، فكتبتَ له، ثمَّ عُزل، وولي فلان، فكتبتَ له، وأنت [مظلوم] يوم القيامة أسوأهم حالًا، يُدعى بالأوَّل فيُسأل، ويُدعى بك معه، فتُسأل معه، ثمَّ يَذهب، وتُوقف أنت، حتَّى يُدعى بالآخر، [فيُسأل، وتُسأل أنت عمَّا جرى لك على يديك له، ثمَّ يذهب وتوقف أنت، حتَّى يُدعى بالآخر،] فأنت يوم القيامة أسوأهم حالًا. فقال الشَّيخ فكيف أصنع يا أبا عبد الله بعيالي؟ فقال سفيان اسمعوا هذا يقول إذا عصا الله رزق عياله، وإذا أطاع الله ضيَّع عياله. ثمَّ قال سفيان لا تقتدوا [34] بصاحب عيال، فما عُذْرُ من عُوتب إلَّا قال عيالي.
قال بِشْرُ بنُ السَّرِيِّ اجتمعت أنا وسفيان، ويحيى بن سُلَيم في الحِجْر والحَطِيم، فحدَّث سفيان عن محمَّد بن المُنْكَدِر يرويه، قال لو أنَّ عبدًا جاء يوم القيامة قد أدَّى [35] جميع ما افترض [36] الله عليه إلَّا أنَّه محبٌّ للدُّنيا إلَّا أمر الله مناديًا ينادي به على رؤوس أهل الجَمْع ألا إنَّ هذا فلانُ بن فلان قد أحبَّ ما أبغض الله.
وقال عامَّة مَنْ داخَلَ هؤلاء إنَّما دفعهم إلى ذلك العيال. وكانت له بضاعة مع بعض إخوانه، وكان يقول ما كانت العُدَّةُ في زمان أصلح منها في هذا الزَّمان.
قال عيسى بن يونس لقيت سفيان، فقال لي لا تغترَّ بصاحب عيال، فقلَّ صاحب عيال إلَّا خلَّط. فقلت يا أبا عبد الله، بلغني أنَّ لك بضاعة مئتي دينار، ويُعمل لك بها، (قال) فخرجت إلى الثَّغر فقدمت، فأتيته، فقال أشعرت أنَّ قرَّة عيني مات؟ فاسترحت. وكان له ابن _يقال له سعيد_ مات، وقال (الزُّبيريُّ [37] سمعت سفيان الثَّوريَّ يقول) لا تعبأنَّ بأبي العيال، ولا تغترَّنَّ به.
قال لأن أخلِّف عشرة آلاف درهم فأحاسب عليها أحبُّ إليَّ من أن أحتاج إلى النَّاس، وإنَّ المال كان فيما مضى يُكره، وأمَّا اليوم فهو ترس المؤمن. وقيل له يا أبا عبد الله تمسك هذا الدِّنانير [38] ؟ فقال اسكت، فلولا هذه الدنانير [39] لتَمَنْدَل بنا هؤلاء الملوك، ومن كان في يده من هذه شيء فليصلحه، فإنَّه زمان إن احتاج كان أوَّل من يبذل [40] دينه.
وأتاه رجل، فقال يا أبا عبد الله، إنِّي أريد الحجَّ. فقال
ج 1 ص 2
لا تصحب من يكرم عليك، فإن ساويته في النَّفقة أضرَّ بك، وإن تفضَّل عليك استذلك [41] .
[1] في غير (ن) (وقال له) .
[2] في (ن) (أي شي الأعمال) .
[3] في غير (ن) (فقال) .
[4] في (ن) تصحيفًا (توضعه) .
[5] في (ن) تصحيفًا (بيذى) .
[6] في غير (ن) (كلمة قالها) .
[7] في غير (ن) (وإنما هو المعاني) .
[8] في (ن) تصحيفًا (حديث) .
[9] في (ن) تصحيفًا (بأمرَّ) .
[10] في (ن) (بهذه الأبيات) .
[11] الأبيات السابقة واللاحقة مع أخبارها في الحلية 3/ 135، والبيت الأول له رواية أخرى عنده
من كان يبكي على حيٍّ لمنزلةٍ بكى الغداةَ على الثوريِّ سفيانا.
[12] في (ن) تصحيفًا (فدعته نفسه ألا يدخل) .
[13] في غير (ن) (بنته) .
[14] الحلية 3/ 136 والرواية فيه (سحابة صيف عن قليل تقشع) ، والأبيات مع خبرها فيه، وفي تهذيب الكمال 22/ 325.
[15] في غير (ن) (لأدع) وفي غيرها أيضًا (هذا الخير) .
[16] في غير (ن) (صدِّيقا مقدما) .
[17] في (ن) تصحيفًا (مشبه) .
[18] في (ن) تصحيفًا (الأصولي) .
[19] في غير (ن) (رجليه) .
[20] الأبيات مع الخبر في الحلية 3/ 137 ورواية الحلية (فَبِه اليدين قرير عين فاشدد) .
[21] في (ن) تصحيفًا (فاستغنى) .
[22] في (ن) (المسجد) .
[23] في (ن) تصحيفًا (كتبت) .
[24] في (ن) تصحيفًا (السماء سره) .
[25] في (ن) (بضع) وجاء في غير (ن) (واستكثرهما) بدل (واستكثرها) .
[26] في غير (ن) (أن النبي) .
[27] في (ن) تصحيفًا (أنا) .
[28] في غير (ن) (عليه) .
[29] في (ن) (مثل الثوري) وهو خطأ.
[30] في (ن) تصحيفًا (حمزة) .
[31] في (ن) (نهى) وكذا الموضع قبله.
[32] في غير (ن) (لينظر) .
[33] في (ن) تصحيفًا (فكتب) .
[34] في (ن) تصحيفًا (لا تعتدوا) .
[35] في (ن) (فأدى) .
[36] في (ن) تصحيفًا (افرض) .
[37] في (ه) (وقال عيسى) والتصحيح من حلية الأولياء 3/ 140 والمؤلف ينقل عنه الترجمة كاملة سوى حروف يسيرة.
[38] في غير (ن) (هذه الدنيا) .
[39] في غير (ن) (هذا الدينار) .
[40] في غير (ن) (يبدل) .
[41] في (ن) تصحيفًا (استدرك) .