فهرس الكتاب

الصفحة 398 من 2285

360 # الرَّبِيْعُ بنُ خُثَيْم _ بفتح الرَّاء، وكسر الموحَّدة، آخره مهملة، وخُثَيْم بضمِّ المعجمة، ثمَّ فتح المثلَّثة، بعدها تحتانيَّة _ بن عائذ _ بالذَّال المعجمة _ الثَّوْرِيُّ _ بفتح المثلَّثة، وسكون الواو _ الكوفيُّ، تابعيٌّ كبير،

ج 1 ص 2

وقيل مخضرَم. أبو يزيد، الزَّاهد العابد.

أحد العُبَّاد السَّبعة، أخباره في الزُّهد والعبادة مشهورة، كان ملازمًا لعبد الله بن مسعود، وقال له عبد الله والله لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبَّك. وكان عبد الله كلَّما رآه قال {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} [الحج 34] . يعني أنَّ ربيعًا من المُخبِتين.

ولازم عبدَ الله عشرين سنة، فأقام مرَّةً على باب عبد الله؛ ينتظره، فأبطأ عليه، فدَقَّ البابَ، فخرجت جاريته، ثمَّ رجعت، فسألها عبدُ الله مَن الدَّاقُّ؟ قالت تلميذُك الأعمى. فقال ليس لي تلميذٌ أعمى! فخرج، فإذا هو الرَّبيع. وكان رضي الله عنه من شدَّة غَضِّه للبصر [1] يُظَنُّ أنَّه أعمى.

ومرَّ مرَّةً بالسُّوق، فرأى الشَّرر [2] يخرج من دكَّان حدَّادٍ فوقع مغشيًّا عليه يومًا وليلة، فلمَّا أفاق سُئل عن ذلك، قال تذكَّرت شَرر جهنَّم، التي هي كالجِبال.

وكان رضي الله عنه معتكفًا في قعر بيته، لا يخرج إلَّا لمُهِمٍّ عظيم، فخرج مرَّةً في الشِّتاء يتشمَّس، فإذا حَصَاةٌ [3] وَقعَت على رأسه فشجَّته، فقال قد وُعِظتَ. ودخل بيتَه، ولم يخرج حتَّى أُخرج جنازتُه.

[قال الغزاليُّ في إحيائه [4] إنَّ الرَّبيع بن خُثيم سُرِقَ فَرَسٌ له وكان ثمنه عشرين ألفًا وكان قائمًا يصلي، فلم يقطع صلاته، ولم ينزعج لطلبه، فجاءه قوم يُعَزُّونه، فقال أما إنِّي قد كنت رأيته وهو يحلُّه. قيل وما منعك أن تزجره؟! قال كنت فيما هو أحبُّ إليَّ من ذلك. _يعني الصَّلاة_ قال فجعلوا يدعون عليه، فقال لا تفعلوا، وقولوا خيرًا، فإنِّي قد جعلتها صدقة عليه].

وكان قليلَ الكلام _ رضي الله عنه _ فلم يكُ يتكلَّم بغِيبة، فلمَّا قُتل الحسين قالوا إنَّه [الآن] يتكلَّم. فأخبره شخص بذلك، فقال آه، أوقد [5] فَعَلوا ذلك؟! قَتَلوا مَن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُجلِسه في حِجره، ويضع فاه على فيه؟! ثمَّ قرأ {قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [الزمر 46] . ودخَل بيتَه، وكان بالكوفة، ثمَّ قال واللهِ لا أسكن بلدًا قُتل فيها ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وخرج مهاجِرًا إلى البصرة.

وذَكر في الرَّوض الفائق [6] أنَّ الرَّبيع بن خُثيم كان يُديم السَّهر، فقالت له ابنته يا أَبتِ، مَن أفضلُ خَلقِ الله تعالى؟ قال محمَّد صلى الله عليه وسلم. فقالت بحُرمة محمَّد صلى الله عليه وسلم نَمْ هذه اللَّيلة. ثمَّ قال يا ربُّ، أنت تعلم [7] أنَّ السَّهر أحبُّ إِليَّ من النَّوم، ولكنْ لأَجل ما أقسمَتْ عَليَّ ابنتي بسيِّد الخَلق أنام هذه اللَّيلة.

فنام، فرأى في المنام أنَّ في البصرة أَمَةً يقال لها ميمونة، تكون زوجتُك. فلمَّا أصبح خرج إلى البصرة، فتلقَّاه أهلها، فلمَّا دخل، قال هل عندكم امرأة تسمَّى ميمونة؟ قالوا وما تصنع بها؟ إنَّها مجنونة، ترعى الغنم بالنَّهار، وتشتري بأجرتها تمرًا، وتفرِّقه على الفقراء، وتصعد باللَّيل

ج 1 ص 2

على سطح لها، فلا تدع أحدًا ينام من كثرة البكاء والصِّياح. قال لهم فما تقول في صِياحها؟ قالوا تقول

~واعجبًا [8] للمُحِبِّ كيف ينامُ كلُّ نومٍ على المُحِبِّ حرامُ

فقال ما هذا قول المجانين، دُلُّوني عليها. فقالوا هي في البَراري ترعى الأغنام.

فخرج إليها، فوجدها قد اتَّخذت محرابًا، وهي تصلِّي فيه، والأغنام ترعى، والذِّئاب تحرسها، فتعجَّب من ذلك، فقال الرَّبيع فلمَّا فرَغَتْ من صلاتها، قلت السَّلام عليك يا ميمونة. قالت وعليك السَّلام يا ربيع. قلت كيف عرفتِني؟ قالت سبحانَ الله! عرَّفني اسمَك مَن أخبرك في المنام أنِّي زوجتُك، ولكنْ ليس الموعد ههنا، الموعد [بيننا] غدًا في الجنَّة. فقلت لها كيف اجتماع الذِّئاب بالغنم؟ فقالت لمَّا تعلَّق حبُّه بقلبي واحتكم، تركت الدُّنيا عن قلبي، فأصلح ما بين الذِّئاب والغنم. ثمَّ قالت يا ربيع! أَسْمِعْني شيئًا من كلام الله، فقد اشتقت إليه. قال الرَّبيع فقرأت {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [المزمل 1 - 2] ، وهي تسمع وتبكي، إلى أن وصلت إلى قوله عزَّ وجلَّ {إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا. وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا} [المزمل 12 - 13] ، فصرختْ صرخة، ووقعت ميتة، فتحيَّرتُ في أمرها، فجاءت جماعة من النِّساء، فقلن نحن نغسِّلها ونُجَهِّزها. فقال من أين عرفتُنَّ موتَها؟ فقلن كنَّا نسمع دعاءها، تقول اللَّهمَّ، لا تُمِتْني إلَّا بين يدَي الرَّبيع بن خُثَيم، فلمَّا سمعنا بحضورك واجتماعك بها، علِمنا أنَّها ماتت، وأنَّ الله قد قبل دعاءها.

فرضي الله عنهما.

ذكر حجَّة الإسلام الغزاليُّ في «الدُّرَّة الفاخرة» [9] أنَّ الرَّبيع بن خُثَيْم قد اضطَرَب في يد غاسله.

فسبحان مَن أكرم أولياءه.

وقال الغزاليُّ في «إحياء علوم الدِّين» [10] _ نقلًا عن أبي سعيد الخُدْريِّ، قال _ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إنَّ الميِّت يَعرِف مَن يُغسِّله ومن يَحمله ومَن يُدلِيه في قَبره» [11] .

وقال قال عَمْرو بن دينار ما من ميِّت يموت إلَّا وهو يعلم ما يكون في أهله بعده، وإنَّهم ليغسِّلونه ويكفِّنونه، وإنَّه لينظر إليهم.

وقال في «الدُّرَّة الفاخرة» [12] إذا رُدَّتْ النَّفس إلى الجسد، ووجدَتْه قد أُخذ في غسله، فتَقَدَّم عند رأسه حتَّى يغسَّل، فيَكشِف الله عن بصر مَن يشاء مِن الصَّالحين، فينظرها على صورتها الدُّنيويَّة.

قال وقد حدَّث إنسانٌ عن نفسه أنَّه غسَّل ابنًا له، فإذا هو بشخص قاعد عند رأسه، فأدركه الوهم، فترك النَّظر إلى تلك الجهة التي رأى فيها الشَّخص، وتحوَّل إلى الجهة الأُخرى، فلم يزل كذلك، حتَّى أدرجه في أكفانه،

ج 1 ص 2

فعاد ذلك الشَّخصُ، فشاهده على النَّعش.

قال بعض أهل العلم إنَّه عملُه الصَّالح في الدُّنيا.

وعن بعض الغَسَّالين أنَّه كان يغسِّل ميِّتًا، فعدَّل الإزارَ عن عورتِه. قال رأيتُه أصلح الإزارَ بيده، فتعجَّبتُ من ذلك، وأخذتني هيبة، فأردتُ أن أتكلَّم، فعَضَّ على أصبعِه، كأنَّه يسكِّتني.

قلت لا تَستعظِم هذه الأشياء، ولا أعظمَ من ذلك، فإنَّ القدرة صالحة، ومَن افتَكَر في مُلكه وملكوته وقدرته وجبروته، ثمَّ يستعظِمُ أمثالَ هذه الأشياء؟!

فقد نُقل عن صِلَةَ بنِ أَشْيَمَ أنَّه مات فرسُه في غزو الرُّوم، فقال اللَّهمَّ لا تجعل لمخلوق عَليَّ مِنَّةً. ودعا الله تعالى، فأحياه الله تعالى، عزَّ وجلَّ، فلمَّا وصل إلى بيته، قال لابنه خُذ السَّرجَ عن الفرس، فإنَّه عاريةٌ. فلمَّا أخذ السَّرجَ إذا بالفرس وقع مَيْتًا.

وحَكَى في «رَوض الأفكار» [13] أنَّه بينما رجلان يطوفان في بلاد الرُّوم، وإذا بعِلْجٍ من الكفَّار قد تعرَّض لهما، فتقدَّم إليه رفيقه، فقتله العلجُ، قال وتماسكتُ أنا والعِلْج، فصرَعني، وقصدَ قتلي، فنظرت، وإذا برفيقي قد قام، ورماه عن صدري، فتمكَّنتُ من العِلْج وقتلته، ونظرت إلى رفيقي، وإذا به ميِّت، كما كان.

قلت ولو أردت أن أفتح هذا الباب يَطُول الكتابُ، وفي هذا كفاية.

قال أبو نَصْر الكَلاَباذِيُّ [14] سمع الرَّبيعُ بنُ خُثَيْم عبدَ الله بن مسعود، وعَمْرو بن مَيْمون. روى عنه الشَّعبيُّ ومُنذر الثَّوريُّ _ روى عنه البخاريُّ بالواسطة _ في الدَّعوات [خ¦6404] ، والرِّقَاق [خ¦6417] .

قال الواقديُّ [15] توفِّي في ولاية عُبيد الله بن زياد. بعد قَتلِ الحُسين، سنة إحدى _ أو ثلاث _ وستِّين.

قيل لأبي وائل شَقِيق بن سَلَمَة أيُّكما أكبر، أنت أو الرَّبيع؟ قال أنا أكبر منه سِنًّا، وهو أكبر منِّي عقلًا. [16]

[1] في غير (ن) (البصر) .

[2] في (ن) تصحيفًا (فرأى إلى الشرر) .

[3] في غير (ن) (عصاة) .

[5] في غير (ن) (وقد) .

[6] الرَّوض الفائق في المواعظ والرَّقائق ص 191.

[7] في غير (ن) (أعلم) .

[8] في (ن) (عجبًا) .

[9] ص 33.

[11] المسند (10997) .

[12] ص 32.

[13] هو كتاب (رَوض الأفكار في غرر الحكايات والأخبار) لابن الرُّكن الشَّافعيِّ، المتوفَّى سنة 803 هـ، ما يزال مخطوطًا، انظر طبقات الشَّافعية الكبرى 4/ 51 - 52، وخزانة التُّراث (ضمن الشَّاملة) 52234.

[14] الهداية والإرشاد 1/ 245.

[15] كذا فيه، والذي في الهداية والإرشاد أنه كلام محمَّد بن سعد، كاتب الواقديِّ، وانظر الطَّبقات الكبير 6/ 193، وتهذيب الكمال 9/ 76، وليس فيهما تحديد السَّنة.

[16] فات المؤلِّفَ رحمه الله أن يذكر هنا

-الرَّبيعَ بنَ صَبيحٍ السَّعْديَّ مولاهم البصريَّ.

كان عابدًا، مجاهدًا، جَليلًا، صدوقًا، لكنَّه كان غير متقنٍ في الرَّواية، سيِّء الحِفظ، مات سنة ستِّين ومئة.

روى عن الحسن البصريِّ.

استشهد به البخاريُّ تعليقًا، في آخر كتاب كَفَّارات الأيمان، بعد الحديث رقم (6722) .

انظر تهذيب الكمال 9/ 89، ومقدمة الفتح ص 457.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت