فهرس الكتاب

الصفحة 1464 من 2285

1376 # نُعْمَانُ بنُ ثابِت بن زُوْطى _ بضمِّ الزَّاي، وسكون الواو، وبالمهملة، بعدها ألف مقصورة _ الفقيه، الكوفيُّ، الإمام الأعظم، صاحب المذهب المتبوع، حشرنا الله تعالى في زمرته، وأماتنا على محبَّته بمحمَّد وعترته، هو من موالي تيم الله بن ثعلبة، ومن رهط حمزة الزَّيَّات القارئ، وأمَّا جدُّه زوطى فقيل هو من أهل كابل. وقيل (بابل. وقيل) من الأنبار. وقيل (من نَسَا. وقيل) من ترمذ. وهو الذي مسَّه الرِّقُّ فأعتق، وولد ثابت على الإسلام.

وقال سبط أبي حنيفة أنا إسماعيل بن حمَّاد بن النُّعمان [1] بن ثابت بن [النُّعمان بن] المرزبان، من أبناء فارس من الأحرار، لم يقع علينا رقٌّ قطُّ، ولد جدِّي أبو حنيفة سنة ثمانين، ورأى ثابت عليَّ بن أبي طالب وهو صغير، فدعا له بالبركة فيه وفي ذرِّيَّته، ونحن نرجو أن يكون الله قد [2] استجاب لعليٍّ فينا. ونعمان بن المرزبان [3] جدُّ أبي حنيفة _ في رواية سبطه _ هو الذي أهدى لعليِّ بن أبي طالب الفالوذج في يوم مهرجان، فقال مهرجوا. وفي يوم نروز، فقال نيرزوا [4] . فأكل منه.

وأدرك أبو حنيفة أربعة من الصَّحابة، وهم أنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد السَّاعديَّ بالمدينة، وأبو الطُّفيل عامر بن واثلة بمكَّة، لكن لم يلق أحدًا منهم، ولا أخذ عنهم، لكنَّ أصحابه يقولون إنَّه لقي جماعة من الصَّحابة، وروى عنهم. ولم يثبت عند أهل النَّقل ذلك، لكن ذكر الخطيب البغداديُّ أنَّه رأى أنس بن مالك.

وأخذ الفقه عن حمَّاد بن أبي سليمان، وسمع عطاء بن أبي رباح، وأبا إسحاق السَّبيعيَّ، ومحارب بن دثار، والهيثم بن حبيب الصَّرَّاف، ومحمَّد بن المنكدر، ونافعًا مولى عبد الله بن عمر، وهشام بن عروة، وسماك بن حرب.

وروى عنه عبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجرَّاح، وأبو يوسف، ومحمَّد بن الحسن، وغيرهم.

وكان عالمًا عاملًا، زاهدًا ورعًا تقيًّا، كثير الخشوع، دائم التَّضرُّع إلى الله تعالى، ونقله أبو جعفر المنصور من الكوفة [5] إلى بغداد، فأراده على تولية القضاء فأبى، فحلف عليه ليفعلنَّ، فحلف أبو حنيفة لا يفعل، فأعاد، فأعاد، وهكذا مرارًا، فقال الرَّبيع بن يونس الحاجب ألا تبرَّ أمير المؤمنين [6] ؟ فقال أمير المؤمنين على كفَّارة يمينه أقدر منِّي _ [أي لأتحنَّثه] _ على كفَّارة يميني [7] . وأبى أن يلي، فأمر به إلى الحبس، قال (الربيع) رأيت المنصور ينازل أبا حنيفة في أمر القضاء، وهو يقول لا تدع [8] أمانتك إلَّا من يتَّقي الله ويخافه، والله ما أنا مأمون الرِّضا، فكيف أكون مأمون الغضب؟ ولو اتَّجه الحكم عليك، ثمَّ هدَّدتني على أن تغرقني بالفرات، أو إلى الحكم لاخترت أن أغرق، ولك حاشية يحتاجون إلى من يكرمهم لك، ولا أصلح لذلك. فقال المنصور كذبت، أنت تصلح له. فقال قد حكمت على نفسك، كيف يحلُّ لك أن تولِّي قاضيًا على أمانتك وهو كذَّاب؟ ولمَّا بنى المنصور مدينته ونزلها، ونزل المهديُّ الجانب الشَّرقيَّ، وبنى مسجد الرُّصافة، أرسل إلى أبي حنيفة، فجيء به، فعرض عليه قضاء الرُّصافة فأبى، فقال إن لم تفعل ضربتك بالسِّياط. قال أتفعل [9] ؟ قال نعم. فقعد في القضاء يومين، فلم يأته أحد، فلمَّا كان اليوم الثَّالث أتاه [10] صَفَّار ومعه آخر، فقال الصَّفَّار لي على هذا أربعة دوانيق ودرهمان ثمن تور [11] صُفْر [12] . قال أبو حنيفة اتَّق الله، وانظر فيما يقول الصَّفَّار. قال ليس له عليَّ شيء. فقال للصَّفَّار ما تقول؟ قال استحلفه لي. فقال أبو حنيفة للرَّجل قل والله الذي لا إله إلَّا هو. فلمَّا رآه عازمًا على أن يقول ويحلف، قطع عليه، وضرب يده إلى كمه، وأخرج درهمين ثقيلين، وقال للصَّفَّار هذان الدِّرهمان عوض ثمن باقي تورك. فقال نعم. وأخذ الدِّرهمين، فلمَّا كان بعد يومين اشتكى أبو حنيفة، فمرض ستَّة أيَّام، ثمَّ مات، وكان يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاريُّ أمير العراقين أيَّام مروان، آخر دولة بني أميَّة أراد أن يلي أبو حنيفة القضاء بالكوفة، فأبى عليه، فضربه عشرة أيَّام مئة سوط وعشرة سياط، وهو على الامتناع، فلمَّا رأى ذلك خلَّى سبيله.

قال إسماعيل بن حمَّاد بن أبي حنيفة مرَّ أبي بالكُناسة اسم موضع بالكوفة، فبكى، فقلت يا أبت [13] ، ما يبكيك؟ قال في هذا الموضع ضرب ابن هبيرة أبي على أن يلي القضاء فأبى. وكان الإمام أحمد بن حنبل إذا ذكر ذلك بكى، وترحَّم على أبي حنيفة، وذلك بعد أن ضرب الإمام أحمد على القول بخلق القرآن، فأبى واستعصم بعصم الله، وسئل يحيى بن معين عن أبي حنيفة، فقال ثقة ثقة، كان والله أورع من أن يكذب، وأجلَّ قدرًا من ذلك، كان لا يحدِّث بالحديث إلَّا بما حفظ، ولا يحدِّث بما لا يحفظ، وهو عندنا من أهل الصِّدق، ولم يتَّهم بالكذب.

وقال الحافظ المزِّيُّ في التَّهذيب [14] _ نقلًا عن بعضهم _ النَّاس في أبي حنيفة حاسد وجاهل، وأحسنهم عندي حالًا الجاهل [15] . قال بعضهم إذا تأمَّلت هذا ظهر لك أنَّ الحقَّ خلاف ما قاله الحاسد والجاهل، ولا يخلو جسد عن حسد، ولقد صدق القائل (حيث يقول) _ من الوافر _

~ومن حَسَدٍ يَجُور عليَّ قومي وأيُّ الدَّهرِ ذو لم يحسُدوني

ولله درُّ القائل _ من البسيط _

~إنَّ العَرَانين تَلْقَاها محسَّدة ولن ترى لِلَئامِ النَّاسِ حُسَّادا

وما أحسن قوله _ من الطَّويل _

~أَعِدْ ذكرَ نَعْمانٍ لنا إنَّ ذِكْرَه هو المسكُ ما كرَّرتَه يتضوَّعُ

واللهِ، لقد كان صدوقًا صدِّيقًا، يعامل الله في السِّرِّ ما يعامله في العلن، فإنَّه لمَّا منع الفتيا، سألته بنته عن مسألة في الحيض، فقال سلي أخاك حمَّادًا، فإنَّ أباك ممنوع من الفتيا. فرضي (الله) عنه وأرضاه، وسببه على ما ذكر كمال الدِّين الدَّميريُّ [16] _ في آخر كتاب حدِّ القذف _ أنَّ ابن أبي ليلى مرَّ على امرأة يضربها شابٌّ، وهي تقول يا ابن الزَّانيين. فأخذها فأدخلها المسجد، وضربها حدَّين في مجلس واحد، بغير حضور الأبوين، فقال أبو حنيفة أخطأ في خمسة أحكام كونه عدل إلى مجلسه في غير وقته، وأقام الحدَّ في المسجد، ووالى الحدَّين، واستوفى بغير طلب صاحبهما، وضربها قائمة. فشكا ابن أبي ليلى أبا حنيفة إلى أمير المؤمنين، فمنع أبا حنيفة من الفتيا، فامتنع، ثمَّ اتَّفق أن سألته ابنته عن مسألة في الحيض، فلم يجبها، وقال سلي أخاك حمَّادًا، فإنِّي ممنوع من الفتيا.

قال الفضل بن غانم كان أبو يوسف مريضًا، فعاده أبو حنيفة مرارًا، فلمَّا رآه آخر مرَّة ثقيلًا استرجع، وقال لقد كنت أُؤمِّلِكَ [17] بعدي للمسلمين، ولئن أصيب النَّاس بك ليموتنَّ معك علم كثير. ثمَّ رزق العافية، وخرج، فأخبر أبو يوسف بقول أبي حنيفة، فارتفعت نفسه، وانصرفت وجوه النَّاس إليه، فعقد لنفسه مجلسًا في الفقه، وقصَّر عن لزوم مجلس أبي حنيفة، فسأل عنه، فأخبر أنَّه عقد لنفسه مجلسًا، وأنَّه بلغه كلامك فيه. فدعا رجلًا كان له عنده قدر، فقال صر إلى مجلس يعقوب، فقل له ما تقول في رجل دفع إلى قصَّار ثوبًا ليقصرِّه بدرهم، فصار [18] إليه بعد أيَّام في طلب الثَّوب، فقال له القصَّار ما له عندي شيء. وأنكره، ثمَّ إنَّ ربَّ الثَّوب رجع إليه، فدفع إليه الثَّوب مقصورًا، هل له [19] أجرة؟ فإن قال له أجرة. فقل أخطأت. وإن قال لا أجرة له. فقل أخطأت. فصار إليه وسأله، فقال أبو يوسف له الأجرة. فقال أخطأت. فنظر ساعة، ثمَّ قال لا أجرة له. فقال أخطأت. فقام أبو يوسف من ساعته، وأتى أبا حنيفة، فقال ما جاء بك إلَّا مسألة القصَّار. قال أجل. [قال] سبحان الله! من قعد يفتي النَّاس، وعقد مجلسًا يتكلَّم في دين الله، وهذا قدره، لا يحسن أن يجيب في مسألة من الإجارات. فقال يا أبا حنيفة، علِّمني. فقال إن كان قصَّره بعدما غصبه _ [أي أنكره] _ فلا أجرة له؛ لأنَّه قصَّره [20] لنفسه، وإن كان قصَّره قبل ما غصبه فله [21] الأجرة؛ لأنَّه قصَّره لصاحبه. ثمَّ قال من ظنَّ أنه [22] يستغني عن التَّعلُّم فليبك على نفسه [23] .

وكان أبو حنيفة حسن الوجه، حسن الخلق، حسن المواساة لإخوانه، شديد الكرم، وكان ربعة من الرِّجال، وقيل كان طوالًا، يعلوه سمرة، أحسن النَّاس [منطقًا،] وأجلاهم نعمة [24] .

وذكر الخطيب _ في تاريخه [25] _ أنَّ أبا حنيفة رأى في منامه كأنَّه ينبش قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث من يسأل محمَّد بن سيرين، فقال صاحب هذه الرُّؤيا يثور علمًا، لم يسبقه إليه أحد قبله.

وقال الشَّافعيُّ قيل لمالك هل رأيت أبا حنيفة؟ قال نعم، رأيت رجلًا لو كلَّمك في هذه السَّارية أن يجعلها ذهبًا لقام بحجَّة.

وروى حرملة بن يحيى عن الشَّافعيِّ أنَّه قال النَّاس عيال على هؤلاء الخمسة، من أراد أن يتبحَّر في (الفقه فهو عيال على أبي حنيفة، كان أبو حنيفة ممَّن وفِّق له الفقه، ومن أراد أن يتبحَّر) في الشِّعر فهو عيال على زهير بن أبي سُلمى، ومن أراد أن يتبحَّر في المغازي فهو عيال على محمَّد بن إسحاق، ومن أراد أن يتبحَّر في النَّحو [26] والتَّفسير فهو عيال على مقاتل بن سليمان.

وقال يحيى بن معين القراءة عندي قراءة حمزة، والفقه فقه أبي حنيفة، على هذا أدركت النَّاس.

وقال جعفر بن ربيع أقمت على أبي حنيفة خمس سنين، فما رأيت أطول صمتًا منه، فإذا سئل عن الفقه تفتَّح وسال كالوادي، وسمعت له دويًا وجهارة بالكلام.

وكان إمامًا في القياس، قال عليُّ بن عاصم دخلت على أبي حنيفة وعنده حجَّام، فأخذ من شعره، فقال للحجَّام تتبَّع مواضع البياض. فقال الحجَّام لا. فقال لم؟ قال لأنَّه يكثر. قال فتتبَّع مواضع السَّواد لعلَّه يكثر. وحكيت لشريك هذه الحكاية فضحك، وقال لو ترك أبو حنيفة قياسه لتركه مع الحجَّام.

وقال عبد الله بن رجاء كان لأبي حنيفة جار بالكوفة إسكاف، يعمل نهاره أجمع، حتَّى إذا جنَّه اللَّيل رجع إلى منزله، وقد حمل لحمًا فطبخه أو سمكة فيشويها، ثمَّ لا يزال يشرب، حتَّى إذا دبَّ الشَّراب فيه غرَّد بصوت، وهو يقول _ من البحر الوافر _

~أضاعوني وأيَّ فتى أضاعوا ليوم كريهة وسِداد ثغر

فلا يزال يشرب ويردِّد هذا البيت حتَّى يأخذه النَّوم، وكان أبو حنيفة يسمع جلبته كلَّ ليلة، وأبو حنيفة كان يصلِّي اللَّيل كلَّه، ففقد صوته ذات ليلة، فسأل عنه، فقيل (له) أخذه العسس منذ ليال، وهو محبوس. فصلَّى الفجر من غده [27] ، وركب بغلته، واستأذن على الأمير، فأذن له، وقال أقبلوا به راكبًا، ولا تدعوه ينزل حتَّى يطأ البساط. ففعل، ولم يزل الأمير يوسع له من مجلسه، وقال ما حاجتك؟ قال لي جار إسكاف، أخذه العسس منذ ليال، يأمر الأمير بتخليته. فقال نعم، وكلُّ من أخذ في تلك اللَّيلة إلى يومنا هذا. فأطلقوا [28] ، وركب أبو حنيفة، والإسكاف يمشي وراءه، فلمَّا نزل أبو حنيفة مضى إليه، وقال يا فتى أضعناك؟ قال بل حفظت ورعيت، جزاك الله خيرًا عن حرمة الجوار ورعاية الحقِّ. وتاب الرَّجل، ولم يعد إلى ما كان عليه.

قال ابن المبارك رأيت أبا حنيفة في طريق مكَّة، وشُوي لهم فصيل سمين، فاشتهوا أن يأكلوه بخلٍّ، فلم يجدوا شيئًا يصبُّون الخلَّ فيه، فتحيَّروا، فرأيت أبا حنيفة قد حفر الرَّمل، وبسط عليه السُّفرة، وسكب الخلَّ على موضع الحفر، فأكلوا الشِّواء بالخلِّ، فقالوا تحسن كلَّ شيء. فقال عليكم بالشُّكر، فإنَّ هذا شيء ألهمته لكم، فضلًا من الله عليكم.

وحكى الحسن بن زياد قال دفن رجل مالًا في موضع، ثمَّ نسي موضع الدَّفن، وطلبه فلم يقع عليه، فجاء إلى أبي حنيفة وشكاه، فقال (ما) هذا فقه فأحتال لك، ولكن اذهب فصلِّ اللَّيلة إلى الغد، فإنَّك ستذكر أيَّ موضع دفنته. ففعل الرَّجل ذلك، ولم يقم إلَّا أقلَّ من ربع اللَّيل حتَّى تذكَّر [29] الموضع، فجاء إلى أبي حنيفة فأخبره، فقال قد علمت أنَّ الشَّيطان لا يدعك تصلِّي حتَّى يذكِّرك، فهلَّا أتممت ليلتك شكرًا لله [30] تعالى.

وقال ابن شبرمة كنت شديد الإزراء على أبي حنيفة، فحضر الموسم، وكنت حاجًّا يومئذ، واجتمع إليه قوم يسألونه، فوقفت من حيث لا يعلم من أنا، فجاءه رجل، فقال يا أبا حنيفة، قصدتك أسألك عن أمر أهمَّني وأعجزني. قال ما هو؟ قال لي ولد، وليس لي غيره، فإن زوَّجتُه طلَّق، وإن سرَّيُته أعتق، وقد عجزت عن هذا، فهل لي من حيلة؟ فقال (له) نعم، اشتر الجارية التي يرضاها هو لنفسه، ثمَّ زوِّجها منه، فإن طلَّق رجعت إليك مملوكتك، وإن أعتق أعتق ما لا يملك، وإن ولدت ثبت نسبه لك. فعلمت أنَّ الرَّجل فقيه، فمن يومئذ كففت عن ذكره إلَّا بخير.

قال أبو يوسف دعا أبو جعفر المنصور أبا حنيفة، فقال الرَّبيع حاجب المنصور _ وكان يعادي أبا حنيفة _ يا أمير المؤمنين، هذا أبو حنيفة يخالف جدَّك، كان عبد الله بن عبَّاس يقول إذا حلف على يمين [31] ، ثمَّ استثنى بعد ذلك بيوم أو بيومين جاز الاستثناء. وقال أبو حنيفة لا يجوز إلَّا متَّصلًا [32] باليمين. فقال يا أمير المؤمنين، إنَّ الرَّبيع يزعم أنَّه ليس لك في رقاب جندك بيعة. قال كيف؟ قال يحلفون لك، ثمَّ يرجعون إلى منازلهم فيستثنون، فتبطل أيمانهم. قال فضحك المنصور، وقال يا ربيع، [لا تتعرَّض لأبي حنيفة. فلمَّا خرج أبو حنيفة قال له الرَّبيع] [33] أردت أن تشيط بدمي؟ قال لا، ولكنَّك أردت أن تشيط بدمي فخلَّصتك وخلَّصت نفسي.

وكان أبو العبَّاس الطُّوسيُّ يسيء الرَّأي في أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة يعرف [34] ذلك، فدخل على المنصور أبو حنيفة، وكثر النَّاس، فقال الطُّوسي اليوم أقتل أبا حنيفة. فأقبل عليه، فقال إنَّ أمير المؤمنين يدعو الرَّجل، فيأمر بضرب عنقه، لا يدري ما هو؟ أيسعه أن يضرب عنقه؟ فقال يا أبا العبَّاس، أمير المؤمنين يأمر بالحقِّ أم بالباطل؟ فقال [بالحقِّ. فقال] أنفذ الحقَّ حيث كان، ولا تسأل عنه. وقال أبو حنيفة لمن قرب منه إنَّ هذا أراد أن يوثقني فربطته.

وقال يزيد بن الكميت كان أبو حنيفة شديد الخوف من الله، فقرأ بنا عليُّ بن الحسن المؤذِّن ليلة العشاء الآخرة سورة «إذا زلزلت» وأبو حنيفة خلفه، فلمَّا قضى الصَّلاة، وخرج النَّاس، نظرت إلى أبي حنيفة وهو جالس يتفكَّر ويتنفَّس، فقلت أقوم لا يشتغل قلبه بي [35] . فلمَّا خرجت تركت القنديل، ولم يكن فيه إلَّا زيت قليل، فجئت وقد طلع الفجر، وهو قائم، وقد أخذ بلحية نفسه، وهو يقول يا من يجزي بمثقال ذرَّةِ خيرٍ خيرًا، ويا من يجزي بمثقال ذرَّةِ شرٍّ شرًّا، أجر النُّعمان عبدك من النَّار، وممَّا يقرِّب منها من السُّوء، [وأدخله] في سعة رحمتك. قال فأذَّنت، وإذا القنديل يزهر، وهو قائم، فلمَّا دخلت قال لي تريد أن تأخذ القنديل؟ قلت أذنت لصلاة الغداة. فقال اكتم عليَّ ما رأيت. وركع ركعتين وجلس، حتَّى أقمت الصَّلاة، وصلَّى معنا الغداة على وضوء أوَّل اللَّيل.

وقال أسد بن عمرو صلَّى أبو حنيفة _ فيما حفظ عليه _ صلاة الفجر بوضوء صلاة العشاء أربعين سنة، وكان عامَّة ليله يقرأ جميع القرآن في ركعة واحدة، وكان يُسمع بكاؤه في اللَّيل حتى يرحمه جيرانه، وحفظ عليه أنَّه ختم القرآن في الموضع الذي توفِّي فيه سبعة آلاف مرَّة.

وقال إسماعيل بن حمَّاد بن أبي حنيفة _ نقلًا عن أبيه _ لمَّا مات أبي سألنا الحسن بن عمارة أن يتولَّى غسله، ففعل، فلمَّا غسَّله قال رحمك الله، وغفر لك، لم تفطر منذ ثلاثين سنة، ولم تتوسَّد يمينك في اللَّيل منذ أربعين سنة، وقد أتعبت من بعدك.

ومناقبه أجلُّ من أن تذكر، وفضائله أكثر من أن تعدَّ [36] (وتصرَّح) .

قال ابن خلكِّان [37] ولم يكن هذا الإمام يعاب بشيء سوى قلَّة العربيَّة، فمن ذلك ما روي أنَّ أبا عمرو بن العلاء المقرئ النَّحويَّ سأله عن القتل بالمثقَّل، هل يوجب القود أو لا؟ فقال لا _ كما هو مذهبه _ خلافًا للإمام الشَّافعيِّ، فقال أبو عمرو ولو قتله بحجر المنجنيق؟. فقال ولو قتله بأبا قبيس. يعني الجبل المطلَّ على مكَّة، حرسها الله تعالى، وقد اعتذروا عن أبي حنيفة بأنَّه قال ذلك على لغة من يقول إنَّ الكلمات السِّتَّ المعربة بالحروف _ وهي أبوه وأخوه وحموه وفوه وهنوه وذو مال _ أنَّ إعرابها يكون في الأحوال الثَّلاث بالألف، وأنشدوا على ذلك _ من البحر الرَّجز _

~إنَّ أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها

(قلت وهي لغة مشهورة،) ومات رحمه الله ببغداد، في السِّجن ليلي القضاء، فلم يفعل، هذا هو الصَّحيح. قاله ابن خلِّكان، ودفن بمقبرة الخيزران، وقبره مشهور يزار، وبنى شرفُ المُلْك أبو سعد محمَّد بن منصور الخوارزميُّ _ المستوفي مملكة السُّلطان ملكشاه السَّلجوقيُّ _ على قبر الإمام أبي حنيفة مشهدًا وقبَّة، وبنى عنده مدرسة للحنفيَّة، ولمَّا فرغ من العمار [38] ركب إليها في جماعة من الأعيان ليشاهدوها، وإذا بالشَّريف أبي جعفر مسعود البياضيِّ الشَّاعر، فأنشد _ من (البحر) الطَّويل _

~ألم تر أنَّ العلم كان مبدَّدًا فجمَّعه هذا المغيَّبُ في اللَّحْدِ

~كذلك كانت هذه الأرض ميتة فأنشرها (فعلُ) العميد أبي سَعْدِ

فأجازه أبو سعد جائزة سَنِيَّة، وكان بناء القبَّة والمشهد سنة تسع وخمسين وأربعمئة، وذكر أنَّ الذي بناها ألب أرسلان محمَّد، والظَّاهر أنَّ أبا سعد بناها نيابة عن ألب أرسلان، كما هو عادة النُّوَّاب مع ملوكهم، ويدلُّ لذلك أنَّ العمارة كانت [39] على زمن ألب أرسلان، وأبو سعد كان مستوفيًا على زمانه، ثمَّ استمر على زمن ولده ملكشاه.

قال في الرَّوض الفائق ولد أبو حنيفة بالأنبار سنة ثمانين زمن الصَّحابة، وتفقَّه زمن [40] التَّابعين، وعاش سبعين سنة، وأبوه ثابت هو الذي أهدى الفالوذج لعليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه يوم النَّيروز أو المهرجان، وكان أبو حنيفة يقول أنا في دعوة صدرت من عليٍّ _ رضي الله عنه _ (في) حقِّه. وسقطت في حجره حيَّة، فقام النَّاس عنه، فنفض الحيَّة، وهو في مكانه لم يتغيَّر. قال عليُّ بن يزيد الصُّدَّائيُّ رأيت أبا حنيفة ختم القرآن في شهر رمضان ستِّين ختمة بالنَّهار. قال أبو الجويرية لقد صحبت أبا حنيفة ستَّة أشهر، فما منها ليلة وضع جنبه على الأرض. وروي أنَّه كان يقوم نصف اللَّيل، فأشار إليه إنسان وهو يمشي، فقال غيره هذا هو الذي يحيي اللَّيل كلَّه. فلم يزل بعد ذلك يحيي اللَّيل كلَّه، وقال أنا أستحي من الله أن أوصف بما ليس فيَّ من عبادته.

روي أنَّ أبا جعفر المنصور دعا أبا حنيفة وسفيان الثَّوريَّ وشريك بن عبد الله، فقال لسفيان هذا عهدك على قضاء البصرة. وقال لشريك [بن عبد الله] هذا عهدك على قضاء الكوفة. وقال لأبي حنيفة هذا عهدك على قضاء مدينتي وما يليها، فليمض كلٌّ لحاجته. وقال لحاجبه وجِّه معهم متوكِّلًا، فمن أبى منهم فليضربه مئة سوط. فأمَّا شريك فإنَّه تقلَّد القضاء، وأمَّا سفيان فإنَّه ألقى التَّوقيع إلى الدِّجلة، وهرب إلى اليمن. وأمَّا أبو حنيفة فلم يقبل، فضرب مئة سوط، وحبس إلى أن مات، وقال عبد الله بن المبارك _ لمَّا ذكر عنده أبو حنيفة _ أتذكرون رجلًا عرضت عليه الدُّنيا بحذافيرها ففرَّ منها؟!

وقيل لأبي حنيفة إنَّ أبا جعفر أمر لك بعشرة آلاف درهم. فما رضي، فلمَّا كان في اليوم الذي توقَّع أن يؤتى بالمال فيه صلَّى الصُّبح، ثمَّ تغشَّى بثوبه، فلم يتكلَّم، فجاء رسول الحسن بن قَحْطَبَةَ بالمال، فدخل عليه، فلم يكلِّمه، فقال من حضر ما يكلِّمنا إلَّا بالكلمة بعد الكلمة، وهذه عادته. فقال ضعوا هذا المال في هذا الجراب في زاوية البيت. ثمَّ أوصى أبو حنيفة بمتاع بيته، وقال لابنه إذا متُّ ودفنتموني؛ فخذ هذه البدرة، واذهب بها إلى الحسن بن قحطبة، وقل له هذه وديعتك التي أودعتها أبا حنيفة. قال ابنه ففعلت ذلك، فقال الحسن رحمة الله على أبيك، لقد كان شحيحًا على دينه.

قال شريك النَّخعيُّ كان أبو حنيفة دائم الفكر، قليل المحادثة. روي أنَّ أبا حنيفة كان جالسًا في المسجد، فدخل عليه طائفة من الخوارج الذين يكفِّرون مرتكب الكبيرة، وقد شهروا السُّيوف، فقالوا نسألك عن مسألتين، فإن أجبت نجوت، وإلَّا قتلناك. قال أغمدوا سيوفكم، فإنَّ برؤيتها يشتغل قلبي، ثمَّ سلوا. فقالوا جنازتان على الباب، أحدهما شرب الخمر، فغصَّ فمات سكرانًا، والأخرى امرأة حملت من الزِّنا، فماتت في ولادتها قبل التَّوبة، أهما كافران؟ فقال من أيِّ فريق، من اليهود؟ قالوا لا. قال من النَّصارى [41] ؟ قالوا لا. قال فمن المجوس، أو من عبدة الأوثان؟ قالوا لا. قال فممَّن [42] هما؟ قالوا من المسلمين. قال قد أجبتم. قالوا كيف؟ قال قد اعترفتم أنَّهما من المسلمين، ومن كان من المسلمين، كيف تجعلوه كافرًا؟ قالوا فهما في الجنَّة أو في النَّار؟ قال أقول _ كما قال إبراهيم في حقِّ من هو شرٌّ منهما _ {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [إبراهيم 36] وأقول كما قال عيسى _ فيمن هو شرٌّ منهما _ {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة 118] فتابوا واعتذروا إليه.

وروي أنَّ امرأة دخلت مسجده وهو جالس بين أصحابه، فأخرجت تفَّاحة أحد جانبيها أحمر، والآخر أصفر، فوضعتها بين يديه، ولم تتكلَّم، فأخذها أبو حنيفة، وشقَّها نصفين، فخرجت المرأة، ولم يعرف أصحابه مرادها [43] ، فسألوه عن ذلك؟ فقال إنَّها ترى الدَّم تارة أحمر مثل أحد جانبي التُّفَّاحة، وتارة [44] أصفر مثل الجانب الآخر، أيُّهما يكون حيضًا أو طهرًا؟ فشقَّيت التُّفَّاحة، وأريتها باطنها، وأردت بذلك، أنَّها لا تطهر حتَّى ترى البياض مثل باطنها، ففهمت.

قال أبو حنيفة دخلت البصرة، فظننت أنِّي لا أسأل عن شيء إلَّا أجبت عنه، فسألوني عن أشياء لم يكن عندي فيها جواب، فجعلت على نفسي أن لا أفارق حمَّادًا، فلازمته عشرين سنة، وما صلَّيت صلاة إلَّا واستغفرت لحمَّاد مع والديَّ، وكلَّ من قرأت عليه.

وكان أبو حنيفة يقول ما جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلناه على الرَّأس والعين، وما جاءنا عن الصَّحابة اخترنا منه، ولم نخرج عن قولهم، وما جاءنا عن التَّابعين فهم رجال ونحن رجال، وأمَّا غير ذلك فلا يسمع.

قال عبد العزيز الدَّرَاوَرْدِيُّ رأيت أبا حنيفة ومالك بن أنس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد عشاء الآخرة، وهما يتذاكران، ويتدارسان؛ حتَّى إذا وقف أحدهما عن القول أمسك الآخر من غير تعنيف ولا تعيير، ولا تخطئة حتَّى صلَّيا العشاء في مجلسهما. وكان يقول قولنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاء بأحسن منه فهو أولى بالصَّواب.

قال [45] الخطيب قيل لسفيان ما أبعد أبا حنيفة من الغيبة! ما سمعته يغتاب أحدًا قطُّ. قال هو أعقل _والله_ [من] أن يسلِّط على حسناته ما يذهبها.

قال ابن عاصم لو وزن عقل أبي حنيفة بعقل نصف أهل الأرض لرجح بهم.

وسئل أبو حنيفة عن علقمة والأسود، أيُّهما كان أفضل؟ فقال والله ما قدري أن أذكرهما إلَّا بالدُّعاء والاستغفار إجلالًا لهما، ولا أفضل بينهما.

قال قيس بن الرَّبيع كان أبو حنيفة يجمع ما يكسبه [46] من بضائعه، فيشتري بها الكسوة للمشايخ والمحدِّثين وما يحتاجون إليه، ويقول احمدوا الله تعالى، فهو الذي أعطاكم. وكان إذا جلس إليه الرَّجل سأل عنه، فإن كان به فاقة أعطاه، فجلس إليه رجل عليه ثياب رثَّة، فلمَّا تفرَّق النَّاس وخلا به، قال له ارفع المصلَّى وخذ من تحته ألف درهم، أصلح بها حالك. فقال الرَّجل أنا موسر، وأنا في نعمة. فقال أما بلغك الحديث «إنَّ الله يحبُّ أن يرى أثر نعمته على عبده» ؟ فينبغي لك أن تغيِّر حالك حتَّى لا يغتمَّ بك صديقك.

وكان _ رضي الله عنه _ لا يكلِّمه أحد في حاجة إلَّا قضاها، وكان يتَّجر، ويقول لوكيله _ واسمه حفص _ في ثوب كذا عيب، فبيِّن إذا بعته. فباع حفص المتاع، ولم يبيِّن؛ لأنَّه نسي، فلمَّا [47] علم أبو حنيفة تصدَّق بثمن الثِّياب كلِّها، وقال حجَّة الإسلام الغزاليُّ _ في إحيائه [48] _ إنَّ أبا حنيفة راسل وكيله أن بع [49] القماش اليوم الفلانيَّ. ثمَّ بعد مدَّة راسله الوكيل [50] أنَّه بلغني أنَّ التُّجَّار والمراكب يخرجون الموسم اليوم الفلانيَّ، وإنِّي أخَّرت البيع عن اليوم الذي عيَّنت، وبعت بعده، وربحت ربحًا جزيلًا. فأرسل [51] إليه ويحك، أفسدت عليَّ مالي، لم خالفتني؟ إن كنت تعلم صاحب المال فردَّ عليه، وإلَّا فتصدَّق به على الفقراء والمساكين. أو كما قال، رضي الله عنهما.

وروي أنَّ الخليفة بعث إلى أبي حنيفة وابن أبي ذئب بمال، فردَّا، فقال ابن أبي ذئب (أما) إنِّي [52] لا أرضى بهذا المال له، فكيف أرضاه لنفسي؟ وقال أبو حنيفة لو ضربت على أن أمسَّ من هذا المال درهمًا ما مسسته.

وروي أنَّ الخليفة دعاه، وقال له كم للرَّجل الحرِّ من النِّساء؟ قال أربع. فقال الخليفة اسمعي يا حرَّة. فقال أبو حنيفة على البديهة [يا أمير المؤمنين،] لا يحلُّ لك إلَّا واحدة. فغضب الخليفة، فقال يا أمير المؤمنين، قال الله تعالى {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً} [النساء 3] فلمَّا سمعتك تقول اسمعي يا حرَّة، علمت أنَّك تخاف العدل. فلمَّا خرج بعثت إليه زوجة الخليفة ألف دينار، وشكرت له، فردَّها، وقال للرسول قل لها ما تكلَّمت إلَّا لله.

وكان إذا أنفق على عياله نفقة كان يتصدَّق بمثلها، وإذا اكتسى ثوبًا جديدًا كسا بقدر ثمنه العلماء، وإذا وضع له الطَّعام ترك على الخبز مثل ما يأكل، ثمَّ يطعمه لفقير.

قال محمَّد بن الحسن [53] اللَّيثيُّ قدمت الكوفة، فسألت عن أفقه أهلها، فدفعت إلى أبي حنيفة، ثمَّ قدمتها وأنا شيخ، فسألت عن أفقه أهلها، فدفعت إلى أبي حنيفة.

قال [54] مسعر بن كدام أتيت أبا حنيفة في مجلسه، فرأيته يصلِّي الغداة، ثمَّ يجلس للنَّاس [55] للعلم إلى أن يصلِّي الظُّهر، ثمَّ يجلس إلى العصر، فإذا صلَّى جلس إلى المغرب، فإذا صلَّى المغرب جلس إلى العشاء، فقلت في نفسي هذا متى يتفرَّغ للعبادة؟ فتعاهدته تلك اللَّيلة، فلمَّا هدأ اللَّيل خرج إلى المسجد [56] ، فانتصب للصَّلاة إلى الصُّبح، ثمَّ دخل منزله، ولبس ثيابه، وخرج إلى المسجد، وفعل كفعله اليوم الأوَّل [57] ، فقلت لألزمنَّه إلى أن أموت أو يموت.

قال القاسم بن معن إنَّ أبا حنيفة قرأ هذه الآية {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر 46] يردِّدها ويبكي ويتضرَّع.

قال ابن زائدة [58] صلَّيت مع أبي حنيفة العشاء، وخرج النَّاس، وأنا في المسجد أريد أن أسأله عن مسألة، وهو لا يعلم بي، فقرأ حتَّى بلغ إلى قوله {وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} [الطور 27] فلم يزل يردِّدها حتَّى طلع الفجر.

قال جعفر بن الحسن رأيت أبا حنيفة في المنام، فقلت ما فعل الله بك؟ قال غفر لي.

قال عبد الحميد رأيت في المنام كأنَّ نجمًا [59] قد سقط من السَّماء، فقيل أبو حنيفة. ثمَّ سقط آخر، فقيل مسعر بن كدام. ثمَّ سقط آخر، فقيل سفيان الثَّوريُّ. فمات أبو حنيفة، ثمَّ مسعر، ثمَّ سفيان. َ

قال [60] صَدَقَةُ المَقَابِريُّ _ وكان صدقة مجاب الدَّعوة _ لمَّا دفن أبو حنيفة سمعت صوتًا في اللَّيل ينشد [61] _ من البحر الرَّمل _

~ذهب الفقهُ فلا فقهَ لكم فاتَّقوا الله وكونوا خلَفَا

~مات نعمانُ فمن هذا الذي يحييَ [62] اللَّيلَ إذا ما سَجَفَا

قيل لمَّا دخل قتادة الكوفة نزل على أبي بردة، فخرج يومًا إلى الجامع، واجتمع عليه خلق كثير، فقال في كلامه لا يسألني أحد عن الحلال والحرام إلَّا أجبته. فقام إليه أبو حنيفة، فقال يا أبا الخطَّاب، ما تقول في رجل غاب عن أهله أعوامًا، فظنَّت زوجته أنَّه مات، فتزوَّجت بغيره، ثمَّ رجع زوجها الأوَّل، ما تقول في صداقها؟ ثمَّ التفت أبو حنيفة إلى الذين اجتمعوا حوله، وقال لئن يحدِّث فيها بحديث ليكذبنَّ، ولئن قال برأيه ليخطئنَّ. قال قتادة هل وقعت هذه المسألة؟ فقال لا. قال لم تسألني عن شيء ما وقع؟ فقال أبو حنيفة إنَّا لنستعدُّ للبلاء قبل نزوله، فإذا وقع عرفنا الدُّخول والخروج. فقال قتادة والله لا أحدِّثكم بشيء في الحلال والحرام، سلوني عن التَّفسير. فقام إليه أبو حنيفة، فقال ما تقول في قول الله {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ} [النمل 40] قال هو آصف بن برخيا كاتب سليمان، يعرف اسم الله الأعظم. قال فهل كان سليمان يعرف ذلك الاسم أم لا؟ قال لا. قال أيجوز أن يكون في زمن نبيٍّ من هو أفضل منه، وأعلم منه، وهو من رعيَّته؟ قال قتادة والله لا أحدِّثكم بشيء من التَّفسير، سلوني عمَّا اختلف فيه العلماء. فقال أبو حنيفة له أمؤمن أنت؟ قال أرجو. قال ولم؟ قال لقول إبراهيم {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [63] [الشعراء 82] قال فهلَّا قلت كما قال إبراهيم {أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى} [البقرة 260] فقام قتادة مغضبًا، ودخل الدَّار، وحلف أن لا يحدِّثهم.

قال أبو مطيع مات رجل، وأوصى إلى أبي حنيفة، فارتفع إلى ابن شبرمة، وادَّعى الوصيَّة، وأقام البيِّنة بأنَّ فلانًا مات وأوصى إليه، فقال ابن شبرمة يا أبا حنيفة، احلف أنَّ شهودك شهدوا بالحقِّ. فقال ليس عليَّ يمين؛ لأنِّي كنت غائبًا. قال ابن شبرمة قد ضلَّت مقاليدك. قال أبو حنيفة بل ضلَّت مقاليدك، ما تقول في رجل أعمى شجَّه رجل، فشهد شاهدان أنَّ فلانًا شجَّه، هل على الأعمى يمين أنَّ شهوده شهدوا بالحقِّ، وهو لا يرى؟ فبهت ابن شبرمة، ثمَّ لم يعد، فقال له أبو حنيفة بهذا العلم تتولَّى القضاء والحكم، وتفصل بين الحلال والحرام.

قال عبد الرَّحمن بن مهديٍّ رأيت رجلًا يقول والله ما رأيت أشجع ولا أسخى من أبي حنيفة. فقلت ما الذي رأيت من سخائه؟ قال كان لي أخ، فقال لي يومًا أريد ثوبًا بأربعين دينارًا يكون خزًّا. فأتيت أبا حنيفة، وكان خزَّازًا، فقلت أريد ثوبًا بأربعين دينارًا. فقال نعم، اجلس. فأحضر سَفَطًا، فأخرج منه ثوبًا حسنًا، و (قال) زن درهمًا وخذه. فقلت أتهزأ بي؟ فقال لا والله، ولكنِّي اشتريت ثوبين بثمانين دينارًا ودرهم، فبعت أحدهما بثمانين دينارًا، وبقي هذا عليَّ بدرهم، فزن درهمًا وخذه. ففعلت، وأخذت الثَّوب، وأمَّا ما رأيت من شجاعته، فصلَّى بنا يومًا، وكنَّا نحو خمسين رجلًا، ولمَّا فرغ من صلاته، وكان لا يقوم من موضعه حتَّى يسبح ألف تسبيحة، فوقعت حيَّة من السَّقف، فتنافر أهل المسجد كلُّهم إلَّا أبا حنيفة، فإنَّه مدَّ رجله، فوضعها على رأس الحيَّة، وكان فيها ثمانية أرطال.

وروى مكِّيُّ بن إبراهيم أنَّ أبا حنيفة كان في مسجده يصلِّي إذ دخل عليه سارق، وخطف عمامته ومضى، ثمَّ إنَّه تفكَّر، وقال لقد صنعت اللَّيلة أمرًا قبيحًا، أتيت إمامًا من أئمَّة المسلمين، فأخذت عمامته، وكشفت من رأسه، لقد اجترأت في ذلك على الله. ثمَّ عاد إلى المسجد، ووضع العمامة على رأس الإمام، وخرج نادمًا، ثمَّ تفكَّر، وقال لقد صنعت ما صنعت، ولا بدَّ لي أن أستحلَّه، وأجعله في حلٍّ ممَّا صنعت. فلمَّا قضى صلاته تقدَّم إليه السَّارق باكيًا، فقال ما شأنك؟ فقصَّ عليه القصص، فقال لا تثريب عليك يا هذا، والله ما شعرت بك لمَّا أخذتها، وما شعرت بك لمَّا رددتها، فخذ العمامة، واتَّسع بها على عيالك.

قال وكيع جعل أبو حنيفة على نفسه أن لا يحلف بالله في عرض كلامه إلَّا تصَّدق بدرهم، فحلف فتصدَّق، ثمَّ جعل على نفسه إن عاد إلى الحلف أن يتصدَّق بدينار، [فحلف، فتصدَّق، ثمَّ جعل على نفسه إن عاد إلى الحلف أن يتصدَّق بدينار،] ففعل.

توفِّي سنة إحدى، أو ثلاث وخمسين ومئة، ولم يثبت أنَّه مات في اليوم الذي ولد فيه الشَّافعي.

-تنبيه

اعلم أنَّ الإمام أبا حنيفة ليس من شيوخ البخاريِّ، ولكن له ذكر في صحيحه، حيث يقول قال أهل الكوفة. وقال بعض النَّاس [64] . مع أنِّي ذكرت الأئمَّة الثَّلاثة [65] ، وناجيتهم [66] في كتابي، وما يكون من نجوى ثلاثة إلَّا هو رابعهم، فذكرته تتمَّة للفائدة، وازديادًا للشَّرف، وطلبًا للسَّعادة، فإنَّ عند ذكره تنزل الرَّحمة، فرضي الله عنه وأرضاه.

[1] في غير (ن) (نعمان) .

[2] في غير (ن) (نرجو من الله أن يكون استجاب) .

[3] جاء في حاشية (هـ) ما نصه قال كاتبه عبد الله الصديقي النسابة قد ساق بعض النسابين نسب أبي حنيفة إلى ملوك الفرس الأكاسرة، فقال نعمان بن ثابت .. بن نعمان، وقيل زوطى بن مرزبان بن ثابت بن قيس بن يزدجرد بن شهريار بن ابرويز بن هرمز بن أنوشروان، ثم ساق بقية نسب ملوك الفرس. وما بين حاصرتين من وفيات الأعيان 5/ 405، والمصنف ينقل منه.

[4] في غير (ن) (مهرجونا) (نوروز .. نورزونا) .

[5] في (ن) تصحيفًا (إلى الكوفة) .

[6] في غير (ن) (ألا ترى أمير المؤمنين يحلف؟) .

[7] في (ن) (أيماني) .

[8] كذا في الأصول، وفي وفيات الأعيان ولا تُرْعي.

[9] في غير (ن) (أو تفعل) .

[10] في (ن) تصحيفًا (أثار) .

[11] جاء في حاشية (هـ) ما نصه التور بلغة أهل الكوفة الشمعدان، والصَّفَّار هو النَّحَّاس، بالحاء المهملة، وبالمعجمة هو الذي يبيع العبيد، والأول الذي يبيع النُّحاس.

[12] في (ن) (صنعه) .

[13] في غير (ن) (يا أبي) .

[14] تهذيب الكمال 29/ 441، وترجمته فيه، والبيت الأول لحاتم الطائي، وهو من شواهد شرح الأشموني على ألفية ابن مالك، وأما البيت الثاني فقائله عمر بن لجأ، وهو في وفيات الأعيان 6/ 283، ونسبه آخرون إلى المغيرة بن حسناء شاعر آل المهلب، وهو في ربيع الأبرار 3/ 577 والبيت الثالث في رسالة الطيف للإربلي في أربعة أبيات، وهو لمهيار الديلمي، وهو على الشابكة في قصيدة طويلة منسوبة له.

[15] في (ن) (حال الجاهل) .

[16] في غير (ن) (ذكره) . وانظر النجم الوهاج 9/ 244 - 245.

[17] في (ن) (آملك) .

[18] في (ن) (فسار) وكذلك الموضع بعده.

[19] في (ن) (أله) .

[20] في غير (ن) (قصر) .

[21] في غير (ن) (فعليه) .

[22] في غير (ن) (أن) .

[23] الخبر في وفيات الأعيان 5/ 408، وفي تاريخ بغداد 13/ 350، وفيه (أخطأ فيها في ستة مواضع، وزاد والمجنونة ليس عليها حد) . وفيه أيضًا (وإن كان قصره قبل أن يغصبه) .

[24] في (ن) (وأحلاهم نغمة) .

[25] تاريخ بغداد 13/ 334.

[26] الخبر في وفيات الأعيان 5/ 409، وفيه ومن أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي، ومن أراد أن يتبحر في التفسير فهو عيال على مقاتل بن سليمان، والشعر مع الخبر فيه أيضًا، وهو للعرجي.

[27] في (ن) (من غد) .

[28] في غير (ن) (فانطلقوا) .

[29] في (ن) (حتى ذكر) .

[30] في (ن) (تشكر الله) .

[31] في غير (ن) (اليمين) .

[32] في غير (ن) (إلا الاتصال) .

[33] ما بين حاصرتين سقط من الأصول واستدرك من وفيات الأعيان 5/ 412 والخبر فيه، والعبارة في (ن) (فضحك المنصور فقال له الربيع)

[34] في (ن) (يرى) .

[35] في (ن) (لي) .

[36] في غير (ن) (تعدد) .

[37] وفيات الأعيان 5/ 413، وما بين حاصرتين منه، والخبر مع الشعر فيه، وجاء في (هـ) (أبو سعيد) ، و (المستولي) ، بدل (أبو سعد) ، و (المستوفي) .

[38] في غير (ن) (من عمارة) .

[39] في غير (ن) (العمارة على زمن .. كانت) .

[40] في (ن) (من) .

[41] في (ن) (من أي النصارى) .

[42] في (ن) تصحيفًا (فمن هما) .

[43] في (ن) (مراده) .

[44] في غير (ن) (وترى) .

[45] تاريخ بغداد 13/ 363.

[46] في (ن) (يكتسبه) .

[47] في (ن) تصحيفًا (فلم) .

[48] 2/ 73، وفيه بع هذا الطعام.

[49] في (ن) (راسل إلى وكليه البائع) .

[50] في (ن) (راسل الوكيل إليه) .

[51] في (ن) (فراسل) .

[52] في (ن) (إن) .

[53] في (ن) (محمد بن الحسين) .

[54] في (ن) (فقال) .

[55] في غير (ن) (يجلس إلى الناس للعلم) .

[56] في غير (ن) (من المسجد) .

[57] في (ن) تصحيفًا (كفعله البارحة) .

[58] في غير (ن) (ابن زيادة) .

[59] في (ن) تصحيفًا (لحمًا) .

[60] في غير (ن) (ثم قال) .

[61] الشعر مع الخبر في أخبار أبي حنيفة لأبي عبد الله الصيمري 1/ 94.

[62] في (ن) (ينشيء) .

[63] سقطت في (ن) (يوم الدين) .

[64] وهذا كثير في صحيحه، فمنه في، باب في الركاز الخمس، برقم (66) وقال بعض الناس، وهو في هذا يشير إلى أبي حنيفة رحمه الله.

[65] في (ن) (الثلاث) .

[66] في غير (ن) (ومحاسنهم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت