1229 # محمَّد بن مُقاتِل _ بضمِّ الميم، وكسر المثنَّاة الفوقيَّة _ أبو الحسن، المروزيُّ، نزيل بغداد، ثمَّ انتقل، وجاور بمكَّة [1] المشرَّفة إلى أن توفِّي بها.
سمع عبد الله بن المبارك، ووكيعًا، وخالد بن عبد الله، وأسباط بن محمَّد، والنَّضر بن شميل، والحجَّاج الأعور.
نقل عنه البخاريُّ من غير واسطة في مواضع، أوَّلها في باب ما ذكر في المناولة، في أوائل كتاب العلم [خ¦65] ، ثمَّ في الهبة [خ¦2579] ، وتفسير (سورة) النِّساء [خ¦4579] .
مات في أواخر سنة ستٍّ وعشرين ومائتين.
-تنبيه
اعلم أنَّ ممَّن سمع منه البخاريُّ محمَّد بن مقاتل الرَّازيَّ، لكنَّه لم ينقل عنه؛ لأنَّه ضعيف، تكلَّم الحفَّاظ فيه، لكنَّه غير متروك، وتركه البخاريُّ.
قال مهيب بن سليم سمعت البخاريَّ يقول حدَّثنا محمَّد بن مقاتل، (فقيل له الرَّازيُّ؟ فقال لأن أخرَّ من السَّماء إلى الأرض أحبُّ إليَّ من أن أروي عن محمَّد بن مقاتل) الرَّازيِّ. لكن قال بعض الفضلاء [2] هذا جرح مبهم، وهو غير مؤثِّر عند أرباب الحديث، إذ يمكن [3] أن يظنَّ شيئًا طعنًا، ولم يكن طعنًا.
ومحمَّد بن مقاتل الرَّازيُّ هو الذي حكى عنه الغزاليُّ في [أوائل] إحيائه [4] _ نقلًا عن أبي عبد الله الخوَّاص _ قال كنت مع حاتم الأصمِّ، ومعنا ثلاثمئة وعشرون رجلًا يريدون الحجَّ، وليس معهم [5] جراب ولا طعام، فدخلنا الرَّيَّ على رجل من التُّجَّار متقشِّف يحبُّ المساكين، فأضافنا تلك اللَّيلة، فلمَّا أصبحنا قال لحاتم أريد أن أعود فقيهًا لنا مريضًا. قال حاتم عيادة المريض لها فضل، والنَّظر إلى (وجه) الفقيه عبادة، فأنا أجيء معك. وكان العليل محمَّد بن مقاتل الرَّازيَّ، قاضي الرَّيِّ، فلمَّا أتينا [6] الباب، فإذا هو [7] مشرف حسن، فبقي حاتم متفكِّرًا، ويقول باب عالم على هذه الحال. ثمَّ أذن لهم، فدخلوا، فإذا دار مزخرفة، ونزه واسعة، وستور مرخية، فتحيَّر حاتم، ثمَّ دخلوا إلى مجلسه، فإذا بفرش [8] منضودة، وهو راقد عليها [9] ، وعند رأسه غلام ومذبَّة، فقعد الرَّازيُّ، وسُئل عن حاله، وحاتم واقف، فأومأ إليه ابن مقاتل أن اجلس، فقال لا. فقال هل لك حاجة؟ قال نعم. قال وما هي؟ قال مسألة أسألك عنها. قال سلني. قال قم فاستو حتَّى أسألك. فاستوى، فقال حاتم علمك هذا ممَّن أخذته؟ قال من الثِّقات. قال عمَّن؟ قال عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال عمَّن؟ قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال عمَّن؟ قال عن جبريل. قال (عمَّن؟ قال) عن الله عزَّ وجلَّ. قال حاتم ففيم أدَّاه جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله، فأدَّاه إلى الصَّحابة، فأدَّوه [10] إلى الثِّقات، فبلَّغوه إليك أنَّ من كان في داره أميرًا، وكانت سعته أكثر كان له عند الله من المنزلة أكثر؟ قال لا. قال فكيف سمعت؟ قال سمعت من زهد عن الدُّنيا [11] ، ورغب في الآخرة، وأحبَّ المساكين، وقدَّم لآخرته كانت له عند الله من المنزلة. قال حاتم فأنت بمن أخذت [12] ؟ بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه الصَّالحين أم بفرعون ونمرود، أوَّل من بنى بالجصِّ والآجر؟! يا علماء السُّوء، مثلكم يراه الجاهل المتكالب على الدُّنيا الرَّاغب فيها، فيقول العالم على هذه الحالة، لا أكون أنا شرًّا منه. وخرج من عنده، فازداد ابن مقاتل مرضًا، وبلغ أهل الرَّيِّ ما جرى بينه وبين ابن مقاتل، فقالوا لحاتم إنَّ الطَّنافسيَّ بقزوين أكثر أثاثًا منه. فسار حتَّى دخل عليه، فقال رحمك الله، أنا رجل أعجميٌّ أحبُّ أن تعلِّمني مبتدأ ديني، ومفتاح صلاتي، كيف أتوضَّأ؟ قال نعم وكرامة، يا غلام، هات إناء فيه ماء. فأتي به، فقعد الطَّنافسيُّ، وتوضَّأ ثلاثًا ثلاثًا، ثمَّ قال هكذا الوضوء [13] . فقال حاتم مكانك حتَّى أتوضَّأ بين يديك، فيكون آكد لما أريد. فقام الطَّنافسيُّ، وقعد حاتم، فغسل الذِّراعين أربعًا، فقال الطَّنافسيُّ يا هذا، أسرفت. قال حاتم فيم؟ قال غسلت أربعًا. قال سبحان الله! أنا في كفِّ [من] ماء وضوء أسرفت، وأنت في هذا الجمع [14] كلِّه لم تسرف؟! فعلم الطَّنافسيُّ أنَّه قصد ذلك دون التعلُّم [15] ، فدخل بيته، ولم يخرج إلى النَّاس أربعين يومًا، فلمَّا دخل حاتم بغداد اجتمع النَّاس إليه، فقالوا يا أبا عبد الرَّحمن، أنت رجل أعجميُّ اللَّكن، وليس [16] يكلِّمك أحد إلَّا قطعته. قال أجمع [17] ثلاث خصال بهنَّ أظهر على خصمي أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن إذا أخطأ، وأحفظه [18] أن لا أجهل عليه. فبلغ ذلك الإمام أحمد، فقال سبحان الله، ما أعقله! قوموا بنا إليه. فلمَّا دخلوا عليه، قالوا يا أبا عبد الرَّحمن، ما السَّلامة من الدُّنيا؟ قال يا أبا عبد الله، لا تسلم من الدُّنيا حتَّى يكون معك أربع خصال تغفر للقوم جهلهم، وتمنع جهلك، وتبذل لهم شيئك، وتكون من شيئهم آيسًا، فإذا كنت هذا سلمت. ثمَّ سار إلى المدينة، فاستقبله أهل المدينة، فقال يا قوم [19] ، أيَّة مدينة هذه؟ قالوا مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال فأين قصر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى أصلِّي فيه؟ قالوا ما كان له قصر، إنَّما كان له بيت لاطئ بالأرض. قال فأين قصور أصحابه؟ قالوا ما كان لهم قصور، إنَّما كانت لهم بيوت لاطئة. فقال حاتم يا قوم، فهذه مدينة فرعون. فأخذوه وذهبوا به إلى السُّلطان، وقالوا هذا العجميُّ يقول إنَّ هذه مدينة فرعون. قال الوالي لم ذاك؟ قال حاتم لا تعجل عليَّ، أنا رجل أعجميٌّ غريب دخلت البلد، فقلت مدينة من هذه؟ وقصَّ عليه القصَّة، ثمَّ قال [وقد قال الله تعالى] {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب 21] فأنتم بمن تأسَّيتم؟ بفرعون أم برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أوَّل من بنى الجصَّ والآجر (فرعون) . فخلَّوا عنه وتركوه. انتهى كلام الغزاليِّ.
وبالجملة لا يلتبس عليك محمَّد بن مقاتل المروزيُّ الثِّقة صاحب هذه التَّرجمة [20] بمحمَّد بن مقاتل الرَّازيِّ الضَّعيف صاحب هذه الحكاية، وإن كان البخاريُّ سمع من كليهما، فتأمَّل.
[1] في غير (ن) (مكة) .
[2] في غير (ن) (بعضهم من الفضلاء) .
[3] في غير (ن) (أو يمكن) .
[5] في غير (ن) (وليس معه) .
[6] في غير (ن) (أتيت) .
[7] في غير (ن) (فإذا قصر مشرف) .
[8] في غير (ن) (فإذا فرش) .
[9] في (ن) (عليه) .
[10] في غير (ن) (فأداه) .
[11] في غير (ن) (في الدنيا) .
[12] في (ن) (اقتديت) .
[13] في غير (ن) (هكذا توضأ) .
[14] في غير (ن) (الجميع) .
[15] في غير (ن) (دون العلم) .
[16] في غير (ن) (أنت أعجمي ولكن ليس) .
[17] في (ن) (مع) .
[18] في (ن) (وأحفظ) .
[19] في غير (ن) (أي قوم أي مدينة) .
[20] في غير (ن) (صاحب هذه الترجمة الثقة) .