فهرس الكتاب

الصفحة 369 من 2285

336 # خُبَيْبُ بنُ عَدِيٍّ _ بضمِّ المعجمة، وفتح الموحَّدة الأُولى، وفي الوالد بفتح المهملة، وكسر الدَّال المهمَلة _ بن مالك، الأنصاريُّ، الأوسيُّ، الصَّحابيُّ.

شهد بدرًا.

قال أبو هريرة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرةَ أنفس عينًا، وأَمَّر عليهم عاصمَ بنَ ثابت الأنصاريَّ _ جَدَّ عاصم بن عمر بن الخطَّاب لأمِّه _ فانطلقوا، حتَّى إذا كانوا بالهَدَاةِ، بين عُسْفَانَ ومكةَ، ذُكِرُوا لِحَيٍّ من هُذَيْل، يقال لهم بنو لِحْيان، فنَفَروا إليهم بقريب من مئة رجل رامٍ، فاقتصُّوا آثارَهم، حتَّى وجدوا مَأْكلَهم التَّمر في منزل نزلوه، قالوا نوى تمر [1] يَثرب. فاتَّبَعوا آثارَهم، فلمَّا أحسَّ [2] بهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى فَدْفَدٍ _ أيْ سُفْلِ تَلٍّ _ فأحاط بهم القوم، فقالوا انزِلوا وأَعطونا بأيديكم، ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدًا. فقال عاصمُ بنُ ثابت أميرُ القوم أمَّا أنا، فو اللهِ ما أنزل في ذمَّة كافر، اللَّهمَّ أَخبِرْ عنَّا نبيَّك.

[قال محيي السُّنَّة في تفسيره [3] فنثر عاصم كنانته وفيها سبعة أسهم، فقتل بكلِّ سهم رجلًا من عُظَماء المشركين، ثمَّ قال اللَّهم إنِّي حَمَيت دينك صدر النَّهار فاحمِ لحمي آخر النَّهار. فأحاط بهم المشركون،] فرمَوهم بالنَّبل، فقتلوا عاصمًا في سبعة، ونزل إليهم خُبيب، وزَيْدُ بنُ الدَّثِنة، وعُبيد الله (بن طارق) ، فلمَّا استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قِسِيِّهم فربطوهم بها، فقال الرَّجل الثَّالث هذا أوَّلُ الغدر، واللهِ لا صحبتكم [4] ، إنَّ لي بهؤلاء أُسْوَةً. يريد القتلى، فجرُّوه [5] وعالجوه، فأبى أن يصحبهم، فقتلوه. فأمَّا عاصم، فكان قد قَتَلَ يوم بدر عظيمًا من صناديد قريش، قيل هو عُقبة ابن أبي مُعيط. وقيل مُسَافِعُ بنُ طَلْحَةَ وأخاه كِلابًا، فنذرت أمُّهما سُلاَفَةُ [6] بنتُ سعد إن أمكنها الله من رأس عاصم، لتشربنَّ فيه الخمر، وجَعلت لمن يأتي برأسه مئة ناقة، وكان عاصم قد عاهد الله أن لا يمَسَّ مشركًا، ولا يمسُّه مشرك، فلمَّا أُصيب عاصم أرادوا أن يأخذوا رأسَه ليبيعوه من سُلافة، فبعث الله عليه سَحابةً

ج 1 ص 2

مثل الظُّلَّة من الدَّبْر ذكورِ النَّحل، فحمته من مسِّ الكفَّار، فلم يقدروا على شيء منه، فلمَّا أعجزهم الدَّبْرُ قالوا إنَّ الدَّبْرَ سيذهب ليلًا فاصبروا. فبعث الله تعالى مطرًا، فجاء سيل فحمله [7] إلى حيث أراد الله، فلم يوجَد له أثر، فبرَّ الله يمينَه.

سبحانه وتعالى، ما أكرمه بأوليائه وأصفيائه! حشرنا الله تعالى في زمرتهم.

[قال محيي السُّنَّة في تفسيره [8] احْتَمَل السَّيل عاصمًا إلى الجنَّة، وحَمَل خمسين من المشركين إلى النَّار، ولمَّا بلغ عمرَ ذلك قال عجبًا لحفظ الله المؤمنَ. [9] فمنعه الله بعد وفاته كما منعه في حياته].

وقنت [رسول الله] صلى الله عليه وسلم شهرًا يلعن رِعْلًا وذَكْوَانَ وبني لِحْيَان، وقد كانت الوقعة في صَفَر على رأس ستَّة وثلاثين شهرًا من الهجرة.

وأمَّا خُبيب وزيدُ بن الدَّثِنة، فانطلقوا بهما حتَّى باعوهما بمكَّة، فابتاع بنو الحارث بن عامر خُبيبًا، وكان خبيبٌ هو قَتَلَ الحارث بن عامر [10] يومَ بدر، فلبث خُبيب عندهم أسيرًا حتَّى اجتمعوا على قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسًى يستَحِدُّ [11] بها للقَتل، فأعارته إيَّاها، فَدَرَجَ ابنٌ لها وهي غافلة حتَّى أتاه، فوجَدَتْه مُجْلِسَهُ على فخذه، والمُوسى في يده [12] ، فقالت فَزِعت فزعةً عرفها خُبيب، فقال أتحسبين أنِّي أقتُلُه؟! ما كنت لأفعل ذلك؛ [لأنَّ الغدرَ ليسَ من شأننا] . قالت واللهِ ما رأيت أسيرًا خيرًا من خُبيب، والله لقد وجدته يومًا يأكل قِطْفًَا من عنب في يده، وإنَّه لموثق في الحديد، وما بمكَّة من ثمَرَة. وكانت تقول إنَّه لرزقٌ رزقه الله خُبيبًا.

فلمَّا خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحِلِّ، قال لهم خُبيب دعوني أركع ركعتين. فتركوه، فصلَّى ركعتين، ثمَّ قال والله لولا أن تحسبوا أنَّ ما بي جَزَعٌ من الموت لزِدت، اللَّهمَّ أَحصِهم عَددًا، واقتلهم بددًا، ولا تُبْقِ [13] منهم أحدًا. ثمَّ أَنشَد أبياتًا _ تأتي _ [قال محيي السُّنَّة [14] ثمَّ صلبوه حيًّا، فقال اللَّهم إنَّه ليس أحدٌ حولي يُبلغ سلامي رسولَك، فأبلغه سلامي]. ثمَّ قام [15] إليه أبو سِرْوَعَةَ عُقْبَةُ بنُ الحارث _ وأسلَم أبو سَرْوَعَةَ بعد ذلك _ وضرب [16] عنقه، وكان خُبيب [هو] أوَّلَ مَن سنَّ لكلِّ مسلم قُتل صَبْرًا الصَّلاةَ.

وكان عاصمٌ حين دهمهم الكفَّار قال اللَّهمَّ أَخبِرْ عنَّا نبيَّك. فأَخبَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أصحابَه بذلك، واستجاب الله لعاصم دعاءَه [17] .

كذا في هذه الرِّواية، أنَّ بني الحارث اشتروا خُبيبًا، وقال ابن إسحاق ابتَاع خبيبًا حُجَيْرُ [18] بن أبي إهاب التَّميميُّ، وكان حُجَير أخا الحارث، ابتاعه لعُقبة بن الحارث؛ ليقتله بأبيه [19] .

وقيل اشتَرَك في ابتياعه أبو إِهَاب بن عَزيز، وعِكْرَمَةُ بن أبي جهل، والأَخْنَسُ بنُ شَرِيق، وعُبيدة بنُ حَكيمِ بن الأَوْقَص، وأُميَّة بن أبي عُتْبَةَ، وبنو الحَضْرَمِيِّ، وهم أبناءُ مَن قُتل من المشركين

ج 1 ص 2

يوم بدر، ودفعوه إلى عُقْبَةَ بنِ الحارث، فسجنه في داره، فلمَّا أرادوا قَتلَه خرجوا به إلى التَّنعيم، إلى أرض الحِلِّ، فصلَّى ركعتين، ثمَّ أنشأ أبياتًا _ من البحر الطَّويل _ يقول

~لقد جَمَعَ الأحزابُ حولي وألَّبُوا قبائلَهم واستجْمَعُوا كلَّ مَجْمَعِ

~وقد قَرَّبُوا أبناءَهم ونساءَهم وقُرِّبْتُ من جِذْعٍ طويلٍ مُمَنَّعِ

~وكلُّهُمُ يُبدي العداوةَ جاهِدًا عليَّ لأنِّي في وثاقٍ بمَضْيَعِ

~إلى الله أشكو غُربَتي بعد كُربَتي وما جَمَعَ الأحزابُ لِيْ عند مَصْرعي

~فَذَا العَرْشِ صَبِّرني على ما أصابني فقد بَضَعُوا لَحْمي وقد ضَلَّ مَطْمَعِي

~وقد عَرَضُوا بالكُفر والموتُ دونَهُ وقد ذَرفَتْ عينايَ من غير مَدْمَعِ

~وذلكَ [20] في ذاتِ الإله وإنْ يَشَأْ يُبَارِكْ على أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ

~ولستُ أُبالي حين أُقْتَلُ مُسْلِمًا على أيِّ شِقٍّ كان لله مَصْرَعي

~وما بي حِذارُ الموتِ إنِّي لميِّتٌ ولكنْ حذاري حَرُّ نارٍ تَلفَّعُ

~فلستُ بِمُبْدٍ للعدوِّ تَخَشُّعًَا ولا جَزَعًا إنِّي إلى الله مَرْجِعِي

قال ابن الأثير [21] وهو أوَّل من صُلب في ذات الله، واسمُ الصَّبيِّ الذي دَرَجَ إلى خُبيب أبو الحُسين [22] بن الحارث، وهو جَدُّ عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي حُسين، شيخِ مالك.

عن جعفر بن عَمْرو بن أُميَّة الضَّمْريِّ _ وهو تابعيٌّ، ابنُ الصَّحابيِّ، ابنِ الصَّحابيِّ _ يروي عن أبيه، عن جدِّه أُميَّةَ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بعثه عينًا وَحْدَه، قال جئت إلى خشبة خُبيب، فرقِيتها، وأنا أتخوَّف العيونَ، فأطلقْتُه، فوقع إلى الأرض، ثمَّ اقتَحمت، فالتفَتُّ، فكأنَّما ابتلعته الأرض، فما ذُكِرَ لخُبيب رِمَّةٌ حتَّى السَّاعة. انتهى.

[قال محيي السُّنَّة [23] لَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم الْخَبَرُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ «أَيُّكُمْ يُنْزِلُ خُبَيْبًا عَنْ خَشَبَتِهِ وَلَهُ الْجَنَّةُ» . فَقَالَ الزُّبَيْرُ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَصَاحِبِي الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ. فَخَرَجَا يَمْشِيَانِ اللَّيْل وَيَكْمُنَانِ النَّهَار، حَتَّى أَتَيَا التَّنْعِيمَ لَيْلًا، وَإِذَا حَوْلَ الْخَشَبَةِ أربعون رجلًا من المشركين نيام، فَأَنْزَلَاهُ، فَإِذَا هُوَ رَطْبٌ يَنْثَنِي لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ شَيْءٌ بعد أربعين يومًا، وَيَدُهُ عَلَى جِرَاحَتِهِ وعليها دَمٌ، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ، فَحَمَلَهُ الزُّبَيْرُ عَلَى فَرَسِهِ وَسَارَا، فَانْتَبَهَ الْكُفَّارُ وَقَدْ فَقَدُوا خُبَيْبًا، فَأَخْبَرُوا قُرَيْشًا، فَرَكِبَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ، فَلَمَّا لَحِقُوهُمَا قَذَفَ خُبَيْبًا فَابْتَلَعَتْهُ الْأَرْضُ، فَسُمِّيَ بَلِيعَ الْأَرْضِ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ مَا جَرَّأَكُمْ عَلَيْنَا يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ. ثُمَّ رَمَى الْعِمَامَةَ عَنْ رَأْسِهِ وَقَالَ أَنَا [24] الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَصَاحِبِي الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ أَسَدَانِ رَابِضَان يَدْفَعان عن سبيلهما [25] ، فَإِنْ شِئْتُمْ نَاضَلْتُكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ نَازَلْتُكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمُ انْصَرَفْتُمْ. فَانْصَرَفُوا إِلَى مَكَّةَ عنهما، فَقَال جِبْرِيلُ يَا مُحَمَّدُ إنَّ اللهَ باهى الملائكةَ [26] بهذين مِنْ أَصْحَابِكَ].

وذكر ابن سيِّد النَّاس [27] _ نقلًا عن ابن سعد _ أنَّه قيل لخُبيب لمَّا أرادوا قتلَه أتُحبُّ أنْ يكون محمَّدٌ مكانَك؟ فقال لا واللهِ. فضَحكوا منه، فقال خُبيب اللَّهمَّ إنِّي لا أَجِد إلى رسولِك رسولًا غيرَك، فأبلِغْه منِّي السَّلامَ.

ونَقَلوا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال _ وهو جالس في ذلك اليوم الذي قُتل هو وزيد بن الدَّثِنة فيه _ «وعليكما، أو عَليك السَّلام، خُبَيْبٌ قتلته قريش» .

قال وقال بعضهم إنَّ عَمْرو بن أُميَّة دَفَنَ خُبيبًا.

قال وقال أبو عمر قال عَمْرو بن أُميَّة الضَّمْرِيُّ بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خُبيب لأُنزلَه من الخشبة، فصعدت خشبتَه ليلًا، فقطعت عنه وألقيته، فسمعت وَجْبَةً خلفي، فالتفتُّ، فلم أر شيئًا.

قال ابن عُقبة موسى وفيه نزل

ج 1 ص 2

{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ} [البقرة 207] .

قال ابن سيِّد النَّاس [28] كذا رُوِّينا هذا الخبرَ، من طريق البخاريِّ في جامعه [خ¦3045] ، وفيه أنَّ خُبيبًا هذا قَتَلَ الحارثَ بن عامر يوم بدر.

قال وهذا ليس عندهم بمعروف، وإنَّما الذي قتل الحارثَ خُبَيْبُ بنُ يَسَاف بن عِنَبة [29] ، وخُبَيْبُ بنُ عَديٍّ لم يشهد بدرًا عند أَحَدٍ من أرباب المغازي. انتهى.

قلت وقد مضى الآنَ زمن قتله، وقيل كان سنة ثلاث من الهجرة.

[1] سقطت (تمر) من الأصل، والمثبت من (س) .

[2] في (ن) (احتسَّ) .

[3] تفسير البغوي 1/ 264، وجاء في (ن) (نشر) بدل (نثر) و (واحمي) بالياء والتصويب من المصدر.

[4] في غير (ن) (لا أصحبكم) .

[5] في (ن) (فجرَّروه) .

[6] في (ن) تصحيفًا (سيلافة) .

[7] في (ه) (فحملته) .

[8] تفسير البغوي 1/ 265.

[9] في تفسير البغوي قول عمر هنا هكذا (كان عاصمًا نذر ألا يمسَّه مشرك ولا يمس مشركًا أبدًا فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع عاصم في حياته) .

[10] في (ن) تصحيفًا (الحارث بن هم) .

[11] في غير (ن) (ليستحدَّ) .

[12] في غير (ن) (بيده) .

[13] في (ن) (ولا تبقي) .

[14] تفسير البغوي 1/ 265.

[15] في (ن) تصحيفًا (قال) .

[16] في غير (ن) (وضربت) .

[17] الخبر بطوله في البخاري (3989) ، والمسند (7928) .

[18] في (ن) تصحيفًا (حجيرة) وكذا الموضع بعده.

[19] في (ن) (ليصله) وليس فيها (بأبيه) .

[20] في (ن) تصحيفًا (وذلك) .

[21] أسد الغابة 2/ 150.

[22] في غير (ن) (أبو حسين) .

[23] تفسير البغوي 1/ 265 - 266.

[24] سقطت (أنا) من (ن) واستدركت من المصدر.

[25] في (ن) تصحيفًا (سبليهما) .

[26] سقطت (الملائكة) من (ن) والمثبت من المصدر.

[27] عيون الأثر 2/ 14.

[28] عيون الأثر 2/ 12.

[29] في (ن) تصحيفًا (عنبة) وتصحف فيها أيضا (زمن قتله) إلى (زمن قبله) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت