415 # زَيْدُ بنُ حارثةَ بنِ شَرَاحِيْل، القُضَاعِيُّ، الصَّحابيُّ.
وإنَّما أخَّرتُ ذِكرَه عن موضعه، فإنَّه ليس من رجال البخاريِّ، ولكنْ له ذِكرٌ فيه، فأحببت أن لا يخلوَ كتابي عن ذكره، فتأمَّل.
وأمُّه سُعْدَى بنت ثَعْلَبَةَ.
قال ابن إسحاق اسم جدِّه شُرَحْبِيْلُ [1] .
ولم يتابَع عليه.
يُكنى أبا أُسامة، وهو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل أشهَرُ مواليه، وحِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابنه كذلك.
روى عن [2] رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعةَ أحاديث.
أصابه سبيٌ في الجاهليَّة، وذلك أنَّ أمَّه خرجت به؛ لتَزور قومَها بني مَعْن، فأغارت عليهم خيلُ بني جِسْر، وأخذوا زيدًا (أسيرًا) ، فقدموا به سوق عُكَاظ، فاشتراه حَكِيْمُ بنُ حِزَام لعمَّته خديجة رضي الله تعالى عنها _ وقيل اشتراه من سوق حُبَاشة لها _ فوهبته للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بمكَّة قبل النُّبوَّة، وهو ابن ثمان سنين _ وقيل بل رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكَّة ينادَى عليه ليُبَاع، فأتى خديجةَ فذكَره لها، فاشتراه من مالها، فوهبته له _ فأعتقه، وتبنَّاه.
وقال ابن عمر ما كنَّا نَدعو زيد بن حارثة إلَّا زيد بن محمَّد، حتَّى أنزل الله تعالى {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} [الأحزاب 5] [3] .
وآخَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بينَه وبينَ حمزة.
وكان أبوه قد وَجد لفَقْدِه وَجْدًا شديدًا، وقال فيه أبياتًا _ من البحر الطَّويل _
~بكيتُ على زيدٍ ولم أَدْرِ ما فَعَلْ أَحَيٌّ يرجَّى أم أتى دونَه الأَجَلْ
~فوالله ما أدري وإن كنتُ سائلًا أشانَكَ [4] سهلُ الأرض أم غَالَكَ الجَبَلْ
~فيا ليتَ شِعْري هل لكَ الدَّهرَ رجعةٌ فحسبيَ في الدُّنيا رجوعك لي بَجَلْ
~تذكِّرُنيهِ الشَّمسُ عند طُلوعِها وتَعْرِضُ ذِكْراه إذا قاربَ الطَّفَلْ
~وإنْ هبَّت الأرياحُ هَيَّجْنَ ذِكْرَهُ فيا طولَ ما حُزني عليك ويا وَجَلْ
~سأُعْمِلُ نَصَّ العِيْسِ في الأرض جاهدًا [5] ولا أَسْأَمُ التَّطْوَافَ أو تَسْأَمَ الإبِلْ
~حياتيَ أو تأتي عليَّ مَنِيَّتي فكلُّ امرئٍ فانٍ وإنْ غَرَّه الأَمَلْ
~سأُوصِي به قَيْسًَا وعَمْروًا [6] كليهما وأُوصِي يزيدًا ثمَّ مِن بعدِه جَبَلْ
ج 1 ص 2
قال ابن الأثير [7] يعني به جَبَلَة بن حارثة، أخا زيد، وكان أكبرَ من زيد، ويعني بيزيد يزيدَ بن كَعْب بن شَرَاحيل.
ثمَّ قال [8] إنَّ ناسًا من كَلْبٍ حَجُّوا، فرأوا زيدًا، فعرفهم وعرفوه، فقال لهم أبلِغوا [عنِّي] أهلي [9] هذه الأبيات _ وهي من الطَّويل _
~أحنُّ إلى قومي وإن كنت نائيًا فإني قَعِيْدُ البيت عند المَشَاعرِ
~فكُفُّوا عن الوَجْدِ الذي قد شَجَاكُمُ ولا تُعْمِلُوا في الأرض نَصَّ الأَبَاعِرِ
~فإنِّي بحمد الله في خَيْرِ أُسْرَةٍ كرامِ مَعَدٍّ كابرًا بعد كابِرِ
قال فانطلق [10] الكَلبيُّون، فأعلموا أباه، ووصفوا له موضعه، وعند مَن هو، فخرج حارثةُ وأخوه كعب ابنا شَرَاحِيل؛ لفِدائه، فقدما مكَّة، فدخلا على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقالا يا ابنَ عبد المطَّلب، يا ابن هاشم، يا [ابن] سيِّدَ قومك، جئناك في ابننا عندك، فامنُنْ علينا، وأحسن إلينا في فدائه. فقال «مَن هو؟» قالوا زيد بن حارثة. فقال صلى الله عليه وسلم «فهلا [11] غيرُ ذلك؟» قالوا ما هو إلَّا ذلك. قال «ادعُوه وخَيِّروه، فإنْ اختارَكم، فهو لكم، وإن اختارني، فواللهِ ما أنا بالذي أَختار على مَن اختارني أحدًا» . قالا قد زِدْتنا على الإنصاف، وأحسنتَ. فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «هل تعرف هؤلاء؟» قال نعم، هذا أبي، وهذا عمِّي. قال «فأنا من قد عَرفتَ، ورأيتَ صحبتي لك، فاختَرني أو اخترهما» . قال ما أريدهما، ما أنا بالذي أختار عليك، أنت منِّي مكان الأب والعمَّ. فقالا وَيحَك يا زيد! أتختار العبوديَّة على الحرِّيَّة، وعلى أبيك وأهل بيتك؟! قال نعم، ورأيتُ من هذا الرَّجل شيئًا ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا. فلمَّا رأى ذلك صلى الله عليه وسلم منه أخرجه إلى الحِجر، فقال «يا مَن حضَر! اشهَدُوا أنَّ زيدًا ابني، يرثني وأرثه» . فلمَّا رأى ذلك أبوه وعمُّه، طابت قلوبهما ونفوسهما، وانصرفا.
قال الزُّهريُّ ما علمنا أحدًا أسلم قبل زيد بن حارثة.
وقد رُوي عن الزُّهريِّ من وجوه أنَّ أوَّل مَن أسلم خديجة، ثمَّ زيد، ثمَّ أبو بكر.
وقيل أبو بكر، ثمَّ علي، ثمَّ زيد.
وقيل غير ذلك. والجمع بين الأقوال أنْ يقال أوَّل مَن أسلم من الرِّجال أبو بكر، ومِن النَّساء خَديجة، ومن الصِّبيان عليٌّ، ومن العَبيد زيد.
وشهد بدرًا، وهو
ج 1 ص 2
البَشير إلى المدينة بالظَّفَر والنَّصر، وزوَّجه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مولاتَه أمَّ أيمن، فولدت له أُسامة بن زيد.
وكان زوجَ زينبَ بنتِ جحش، وهي ابنة عمَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتزوَّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيأتي قصَّة ذلك في ترجمة زينب، إن شاء الله تعالى.
قالت عائشة مَن قال إنَّ محمَّدًا كتَم من الوحي، فقد كذَب، لو كان كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} ، إلى قوله {وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا} [الأحزاب 37] ؛ فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا تزوَّج زينب، قالوا إنَّ محمَّدًا تزوَّج حَليلةَ ابنِه. فأنزل الله تعالى {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب 40] ، وكان زيد يقال له زيد بن محمَّد، فأنزل الله تعالى {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [الأحزاب 5] .
عن زيد، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّ جِبريلَ أتاه، فعلَّمه الوضوء والصَّلاة، فلمَّا فرغ الوضوء، أخذ غرفةً، فنضح بها فَرجَه [12] .
وشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشَّهادة، ولم يُسمِّ اللَّهُ تعالى أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا غيرِه من الأنبياء، إلَّا زيد بن حارثة؛ حيث قال في قصَّة زينب {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} [الأحزاب 37] ، فسبحان من يُكرم مَن يشاء، ولو كان عبدًا شَرِيًّا، ويهين مَن يشاء، ولو كان سَرِيًّا قرشيًّا.
ولمَّا أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خبرُ قتلِ جعفر وزيد، بكى، وقال «أخواي ومُؤنِساي ومحدِّثاي» .
وكان بطلًا شجاعًا مِقدامًا، لا يُصطلَى له بنار، ولمَّا سيَّر الجيشَ إلى الشَّام أمَّر عليهم زيدَ بن حارثة، كما بيَّنَّا في ترجمة جعفر.
قالت عائشة ما بَعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم زيدَ بن حارثة في سريَّةٍ إلَّا أَمَّره عليهم، ولو بقي لاستخلَفه بعدَه [13] .
قال ابن سيِّد النَّاس [14] بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدَ بن حارثة في ربيع الآخر سنة ستٍّ إلى بني سُليم، حتَّى أتى بطن مَرْوٍ [15] ، على أربعة بُرُدٍ من المدينة، أميرًا على سَريَّة، فأصابوا عليه امرأة من مُزينة، يقال لها حليمة، فدلَّتهم على محلَّة من محالِّ القوم، فأصابوا نَعَمًَا وشَاءً وأَسْرَى، وكان فيهم زوج حليمة، فلمَّا قَفَلَ زيد بما أصاب، وهب رسول الله صلى الله عليه وسلم
ج 1 ص 2
لحليمة المُزَنِيَّةِ نفسَها وزوْجَها.
قال ثمَّ بعث في جُمَادى الأُولى سنة ستٍّ إلى العِيْص، وبينها وبين المدينة أربع ليال، وذلك أنَّه بلغ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أن عِيْرًا لقريش قد أقبلت من الشَّام، فأمَّر زيدًا على سبعين ومئة راكب، فتعرَّضوا للعِيْر، وأخذوها وما فيها، وأخذوا فضَّةً كثيرة لصَفْوان بن أُميَّة، وأسروا ناسًا من العِيْر، فيهم أبو العاص بن الرَّبيع، زوجُ زينبَ بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدم بهم المدينة، فاستجار أبو العاص بزينب، فأجارته، ونادت في النَّاس حين صلَّوا الفجر إنِّي قد أجرت أبا العاصي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما علمتُ بشيءٍ من هذا، وقد أجرنا مَن أجرتِ» . ورَدَّ عليه ما أُخِذ منه.
ثمَّ بعثه أميرًا على خمسة عشر رجلًا إلى الطَّرْف _ اسم ماء _ بينه وبين المدينة [ستٌّ و] ثلاثون ميلًا، فأصاب نَعَمًا وشَاءً، وهربت الأعراب، وخافوا أن يكون الرَّسول سار إليهم، وصبَّح زيد بالنَّعَم المدينة، وهي عشرون بعيرًا، ولم يَلقَ كيدًا، وغاب أربع ليال، وكان شعارهم أَمِتْ أَمِتْ.
ثمَّ بعث إلى حِسْمَى _ بكسر المهملة، وسكون المهملة الأخرى، موضع من أرض جُذَام، ذكروا أنَّ الماء في الطُّوفان أقام به بعد [نضوبه] ثمانين سنةً_ وذلك في جُمادى الآخِرة سنة ستٍّ، أقبل دحْيَةُ بنُ خَلِيفةَ الكلبيُّ من عند قيصر، وقد أجازه وكساه، فلقيه الهُنَيْدُ بنُ عَارِض، وابنه عارض ابن الهُنْيد في ناس من جُذام بحِسْمَى، فقطعوا عليه الطَّريق، وأخذوا ما معه، ولم يتركوا عليه إلَّا سمل [16] ثوب، فسمع بذلك نفر من الضُّبَيْبِ، فنفروا [17] إليهم، فاستنقذوا لدحيَةَ متاعَه.
وقدم دحيةُ على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فبعث زيدًا أميرًا على خمس مئة رجل، ومعه دحية، وكان زيد يسير باللَّيل، ويكمن [18] بالنَّهار، ومعه دليل من بني عُذْرَةَ، فأقبل [19] بهم حتَّى هجم بهم مع الصُّبح [على] [20] القوم، فأغار عليهم، وأوجع القتل فيهم، وقتل الهُنيد بن عارض وابنه، وأغار على ماشيتهم وإبلهم ونسائهم، فأخذ من النَّعَم ألفَ بعير، ومن الشَّاء خمسة آلاف، ومن السَّبي مئة [21] من النِّساء والصِّبيان.
فدخل رِفَاعة بن زيد [22] إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من قومه، ودفع إليه كتابه الذي كان كتب له ولقومه
ج 1 ص 2
لياليَ قدم [23] عليه، فأسلم، وقال يا رسول الله! لا تُحِلَّ علينا حرامًا، ولا تُحرِّمْ علينا حلالًا. فقال «كيف أصنع بالقَتلى؟» قال أبو يزيد ابن عَمْرو أطلِقْ لنا يا رسول الله من كان حيًّا، ومن كان ميتًا، فهو تحت قدميَّ هاتين. فقال صلى الله عليه وسلم «صدق أبو يزيد» . فبعث معهم عليًّا إلى زيد، يأمرهم أن يخلِّي بينهم وبين أموالهم وحرمهم، فتوجَّه عليٌّ، فوجد رافعَ بن مَكِيث الجُهنيَّ بَشِيْرَ زيدٍ على ناقة من إبل القوم، فردَّها على القوم، ولقي زيدًا بالفَحْلَتَيْنِ، فأبلغه الرِّسالة، فرَدَّ إلى النَّاس كلَّ ما كان أخذ منهم.
واستُشهِد زيدٌ يومَ مُؤْتة _ بضمِّ الميم، وسكون الهمزة، ثمَّ مثنَّاة فوقيَّة، ضَيعةٌ بالشَّام _ فجهَّز رسول الله صلى الله عليه وسلم أُسامةَ على الجيش في آخِر صَفر، وقال «سِرْ إلى [24] مَقتل أبيك، فأَوطِئهُم الخَيلَ، فقد ولَّيتك هذا الجَيش، فأَغِرْ صباحًا على أهل أُبْنَى، وحرِّق عليهم، وأَسرع السَّير لسبق [25] الأخبار، فإنْ ظفَّرك الله، فأَقلِلْ اللُّبث فيهم، وخذ الأدِلَّاءَ معك، وقدِّم العُيونَ والطَّلائع» .
فلمَّا كان يوم الأربعاء، بُدئ برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعُه، فَحُمَّ، فلمَّا أصبح يوم الخميس، عقد لأسامة بيده لواءً، ثمَّ قال «اغزُ بسمِ الله، وفي سبيل الله، فقاتل مَن كفَر بالله» .
فخرج بلوائه معقودًا، فدفعه إلى بُريدةَ بن الحُصَيْب الأَسْلَمِيِّ، وعسكر بالجُرف، فلم يَبقَ أحدٌ من وجوه المهاجرين والأنصار إلَّا انتدب في تلك الغزوة، منهم أبو بكر، وعمر، وأبو عُبيدة بن الجَرَّاح، وسعد بن أبي وقَّاص، وسعيد بن زيد، فتكلَّم قومٌ، وقالوا يَستعمل هذا الغلامَ على المهاجرين!؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبًا شديدًا، فخرج، وقد عصب رأسه عصابة، وعليه قَطيفة، فصعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثمَّ قال «أمَّا بعد، أيُّها النَّاس! فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أُسامة؟ ولئن طعنتم في إمارتي أسامةَ، فلقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله، وايم الله، إنْ كان لخَلِيقًا للإمارة، وإنَّ ابنه من بعدِه لخَليق للإمارة، وإن كان لمِن أحبِّ النَّاس إِليَّ، وإنَّهما لَمَخِيْلان لكلِّ خَيرٍ، فاستوصوا به خيرًا، فإنَّه من خياركم» .
ثمَّ نزل فدخل بيته، وذلك يوم السَّبت، لعشر خلون من ربيع الأوَّل، سنة إحدى عشرة، وجاء المسلمون يودِّعونه للخروج مع أسامة إلى الجُرف، وثقل
ج 1 ص 2
رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول «أَنفِذُوا بَعْثَ أسامة» .
فلمَّا كان يوم الأحد اشتدَّ الوجع، فدخل أسامة من معسكره، وهو اليوم الذي لَدُّوه فيه، فطأطأ أسامة، فقبَّله، وهو صلى الله عليه وسلم لا يتكلَّم، فجعل يرفع يديه إلى السَّماء ثمَّ يضعهما، قال [26] أسامة فعرفت أنه يدعو لي.
ثم دخل أسامة يومَ الاثنين، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم مُفيقًا، فقال له «اغدُ على بركة الله» . فودَّعه أسامة، وخرج إلى معسكره، فأمر النَّاسَ بالرَّحيل.
فبينا هو يريد الرُّكوب إذا رسولُ أُمِّه أمِّ أيمن قد جاءه يقول إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يموت. فأقبل هو وعمر وأبو عبيدة، فانتهوا إليه وهو يموت، فتوفِّي حين زاغت الشَّمس، يوم الاثنين، لاثنتي [27] عشرة خلت من ربيع [28] الأوَّل، [وقال غيره مات عند ارتفاع الشَّمس] . ودخل العسكر إلى المدينة، ودخل بُرَيْدَةُ باللِّواء معقودًا إلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغَرزه عنده.
فلمَّا بُويع لأبي بكر أمر بُريدةَ أن يذهب باللِّواء إلى أسامة ليَمضي لوجهه، فمضى بهم إلى معسكره الأوَّل، فلمَّا ارتَدَّ العرب كلَّم [29] [الصَّحابة] أبا بكر في جيش أسامة [ليبطله] ، فأبى، وقال لا أحُلُّ لواءً عقده النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم [بيده] ، ولا بُدَّ من إنفاذه.
وكلَّم أبو بكر أسامةَ في عمر، أن يأذن له بالتخلُّف، ففعل، فلمَّا كان هلالُ ربيع الآخر خرج أسامة إلى أهل أُبْنَى عشرين ليلة، فشنَّ عليهم الغارة، وكان شعارُهم يا منصورُ أَمِتْ. فقتل من أشرافهم، وسبى، وحرَّق منازلهم وحرثهم ونخلهم، وأجال الخيل في عرصاتها، وأقاموا يومهم في تعبئة ما أصابوا من المغنم.
وكان أسامة على فرس [30] أبيه سُبْحَةَ، وقَتل قاتلَ أبيه في الغارة، فلمَّا أمسى أمر النَّاس بالرَّحيل، ثمَّ جَدَّ السَّير حتَّى ورد [31] وادي القرى، في تسع ليال، ثمَّ بعث بَشيرًا إلى المدينة بسلامتهم، ثمَّ قصد في السَّير، فسار إلى المدينة ستًّا، وما أُصيب من المسلمين أحدٌ.
وخرج أبو بكر في المهاجرين والأنصار، يتلقَّونهم سرورًا بسلامتهم، فحمل بُريدة اللِّواء حتَّى انتهى إلى المسجد، فدخل فصلَّى ركعتين.
وبلغ هرقلَ _ وهو بحمص _ ما صنع أسامة، فبعث رابطةً يكونون بالبَلْقَاءِ، فلم تزل هناك حتَّى قدمت البعوث إلى الشَّام في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
واستُشهِد زيد سنة ثمان، بمُؤتة، رضي الله عنه.
ج 1 ص 2
[1] في غير (ن) (شراحيل) وهو تصحيف.
[2] في (ن) تصحيفًا (روى عنه) .
[3] البخاري (4782) ، ومسلم (2425) .
[4] في (ن) (أغالك) .
[5] في (ن) تصحيفًا (جاهم) .
[6] في غير (ن) (عمرًا وقيسًا) .
[7] أسد الغابة 2/ 336.
[8] في غير (ن) (قال ثم) .
[9] في (ن) تصحيفًا (أهل) .
[10] في (ن) (فانطلقوا) .
[11] في غير (ن) (فهل) .
[12] المسند (17480) ، وابن ماجه (462) .
[13] المسند (25898) ، والنَّسائي في سننه الكبرى (8182) .
[14] عيون الأثر 2/ 98، وعند ابن إسحاق (عوض) بدل (عارض) ، وقوله [ست وثلاثين] بين حاصرتين مستدرك منه، وفيه (بطن نخل) بدل (بطن مرو) ، وهو الصحيح، والطَّرْف بين بطن نخل وبين المدينة المنورة.
[15] في (ن) تصحيفًا (مرد) .
[16] في (ن) تصحيفًا (شمل) .
[17] في (ن) (فغزوا) .
[18] في (ن) (ويكن) .
[19] في غير (ن) (فأقام) .
[20] سقطت من الأصول واستدركت لضرورة السياق.
[21] في (ن) تصحيفًا (مارة) .
[22] في (ن) (زيد بن فارعة) وفي غيرها (زيد بن رفاعة) ، وهو موافق لما في الطَّبقات الكبير لابن سعد 2/ 88، والمثبت من فتح الباري 7/ 489، وهو موافق لما في الطَّبقات أيضًا 7/ 435.
[23] في غير (ن) (قدموا) .
[24] في غير (ن) (على) .
[25] في (ن) تصحيفًا (بسبق) .
[26] في (ن) تصحيفًا (إلى) .
[27] في الأصول (لاثني عشر خلت) .
[28] في (ن) تصحيفًا (الربيع) .
[29] في (ن) تصحيفًا (تكلم) .
[30] في (ه) (فراش) وهو تصحيف.
[31] في غير (ن) (وردوا) .