فهرس الكتاب

الصفحة 1125 من 2285

1054 # فُضَيْلُ بنُ عِيَاض _ بكسر المهملة، وخفَّة التَّحتيَّة المثنَّاة، آخره معجمة _ بن مسعود، أبو عليٍّ، التَّميميُّ. ولد بسمرقند، ونشأ بِأَبِيْوَرْدَ _ بموحَّدتين مكسورتين، بينهما همزة مفتوحة، وبعدها مثنَّاة تحتيَّة ساكنة، ثمَّ واو مفتوحة_ وكتب الحديث بالكوفة، وتحوَّل إلى مكَّة، فأقام بها حتَّى مات. هو والد عليٍّ، ومحمَّد، وعمر.

سمع منصور بن المُعْتَمِر.

روى عنه القعنبيُّ.

نقل عنه البخاريُّ بالواسطة، في موضعين من كتاب التَّوحيد [خ¦7397] [خ¦7414] .

هذا هو الزَّاهد المشهور، ثقة عابد، [إمام،] أحد رجال الطَّريقة، كان في أوَّل أمره شاطرًا، يقطع الطَّريق بين أبيورد وسرخس، ثمَّ تاب، وحسنت توبته، وارتقى في درج الكمال إلى أن صار أحد المرشدين، وكان سبب توبته أنَّه عشق جارية، فبينما هو يرتقي الجدران إليها سمع تاليًا {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} [الحديد 16] فقال يا ربِّ! قد آن. فرجع عن ذلك، وآواه اللَّيل إلى خَرِبَةٍ، فإذا فيها رفقة، فقال بعضهم لبعض نرتحل. وقال بعضهم حتَّى نصبح، فإنَّ فُضيلًا على الطَّريق يقطع علينا. فتاب الفُضيل، وأمَّنهم، فكان من السَّادات، حدَّث سفيانُ بنُ عُيينة قال دعانا هارون الرَّشيد، فدخلنا عليه، ودخل الفُضيل آخرنا مُقنِّعًا رأسه برداء، فقال لي يا سفيان، أيُّهم أمير المؤمنين؟ فقلت هذا. وأومأت إلى الرَّشيد، فقال له يا حسن [1] الوجه! أنت الذي أَمْرُ هذه الأمَّة في يدك [2] وعنقك؟ لقد تقلَّدت أمرًا عظيمًا…فبكى الرَّشيد، ثمَّ أتى كلَّ رجل منَّا بَبْدَرةٍ، فكلٌّ قبلها إلَّا الفُضيل، فقال له الرَّشيد يا أبا عليٍّ، إن لم تستحلَّ أخذها فأعطها ذا دين، أو أشبع بها جائعًا، أو اكس بها عريانًا. [3] فاستعفاه منها، فلمَّا خرجنا قلت له يا أبا عليٍّ، أخطأت هلاَّ أخذتها، وصرفتها في أبواب الخير؟ فأخذ بلحيتي، ثمَّ قال يا أبا محمَّد، أنت فقيه البلد، والمنظور إليه، وتغلط مثل هذا الغلط، لو طابت لأولئك لطابت [4] لي.

ويحكى أنَّ الرَّشيد قال له يومًا ما أزهدك! فقال الفضيل أنت أزهد منِّي. فقال وكيف ذلك؟ فقال لأنِّي أزهد في الدُّنيا، وأنت تزهد في الآخرة، والدُّنيا فانية، والآخرة باقية. قلت ويشبه هذه الحكاية ما روي أنَّ [شقيقًا] البَلْخِيَّ، أو تلميذه حاتم الأصمَّ دخل بغداد، فاجتمع بالخليفة، فقال أنت الزَّاهد الذي يقال عنك؟ قال هكذا يزعم النَّاس يا أمير المؤمنين! ولكنَّهم غلطوا، أنت الزَّاهد يا أمير المؤمنين! قال وكيف ذلك ولي كذا وكذا؟ إلى آخر ما ذكر، فقال لأنَّك رضيت بالقليل، وهو الدُّنيا، قال الله تعالى {قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ} [النساء 77] بل أنت رضيت بالقليل من القليل، وأنا ما أرضى بالآخرة جميعًا، ما أريد إلَّا وجه الله تعالى.

ومن كلام الفُضيل إذا أحبَّ الله عبدًا أكثر غمَّه، وإذا أبغض عبدًا أوسع عليه [من] دنياه. وكان أكثر النَّاس حزنًا؛ حتَّى قال سفيان إذا مات فُضيل ارتفع الحزن من الدُّنيا.

وقال أبو عليٍّ الرَّازيُّ صحبت الفضيل ثلاثين سنة، ما رأيته ضاحكًا، ولا متبسِّمًا إلَّا يوم مات ابنه عليٌّ، فقلت له في ذلك، فقال إنَّ الله أحبَّ أمرًا فأحببت ذلك. وكان ولده المذكور شابًّا سريًّا، من رجال الطَّريقة [5] ، ومن كبار الصَّالحين، وهو معدود في جملة من قتلهم محبَّة الباري [6] تعالى، وأتى [7] شخص فُضيلًا، وقال إنَّ ابنك عليَّا قال ليتني كنت في مكان لا أرى أحدًا. فبكى، فقيل له في ذلك، فقال إنَّما أبكي لأنَّه لم يكمل ابني بعد، ولو كمل لقال في مكان لا أرى أحدًا، ولا يراني أحد.

قال فضيل لو أنَّ الدُّنيا بحذافيرها عرضت عليَّ لا أحاسب عليها لكنت أتقذَّرها كما يتقذَّر أحدكم الجيفة إذا مرَّ بها أن تصيب ثوبه. وقال ترك العمل لأجل النَّاس رياء، والعمل لأجلهم شرك. وقال إنِّي لأعصي الله، فأعرف ذلك في خُلُق حماري وخادمي. وقال لو كانت لي دعوة مستجابة لم أجعلها إلَّا في الإمام؛ لأنَّه إذا صلح الإمام أَمِن البلاد والعباد. وقال لأَن يلاطف الرَّجل أهل مجلسه، ويحسن خلقه معهم خير له من قيام ليله، وصيام نهاره. وقال هذا أوان السُّكوت، وملازمة البيوت، والقناعة بالقوت. وقال فضيل ما ازداد رجل من ذي سلطان قربًا إلَّا ازداد من الله بعدًا.

وقال حجَّة الإسلام الغزاليُّ [8] وقع في يد الفُضيل درهمان، فلمَّا علم أنَّهما من غير وجهه رماهما بين الحجارة، (وقال) لا أتصدَّق إلَّا بالطيِّب، ولا أرضى لغيري ما لا أرضاه لنفسي.

مات فُضيل سنة سبع وثمانين ومئة، وقيل قبلها.

[1] في غير (ن) (ما أحسن هذا) .

[2] في غير (ن) (يديك) .

[3] في (ن) عطف بينها بواو.

[4] في غير (ن) (طابت) .

[5] في (ن) تصحيفًا (للطريقة) .

[6] في غير (ن) (محبة الله) .

[7] في (ن) تصحيفًا (وأنا) .

[8] إحياء علوم الدين 2/ 131.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت