1535 # زينب بنت جحش بن رِياب [1] ، الصَّحابيَّة، أمُّ المؤمنين، أمُّها أميمة بنت عبد المطَّلب، عمَّة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
تزوَّجها صلى الله عليه وسلم بعد زيد بن حارثة، سنة خمس، أو ثلاث من الهجرة، وكانت من المهاجرات القديمة الإسلام، زوَّجها منه ربُّه [2] من السَّماء، وكانت تفتخر بذلك، وتقول زوَّجكن أهلكم، وزوَّجني الله تعالى. وهي يومئذ بنت خمس وثلاثين سنة، وغضب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم لقولها لصفيَّة بنت حيي تلك اليهوديَّة. فهجرها لذلك، ذا الحجَّة، والمحرمَّ، وبعض صفر، ثمَّ رضيها.
وكانت _ أوَّلًا _ تحت زيد بن حارثة، تزوَّجها ليعلِّمها كتاب الله وسنَّة رسوله، وكانت قد ذُكرت أوَّلًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى، ثمَّ لمَّا مكثت عند زيد حينًا، ودخل صلى الله عليه وسلم على زيد، فأبصر زينب، وكانت بيضاء جميلة سمينة، من أتمِّ نساء قريش، فأعجبته، فقال «سبحان مقلب القلوب» . ففطن زيد، فقال يا رسول الله، أئذن [3] لي في طلاقها؟ فإنَّ فيها كبرًا، تؤذيني بلسانها. وكانت تتعلَّى عليه؛ لأنَّها كانت قرشيَّة، وبنت عمَّة رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم «اتَّق الله، وأمسك عليك زوجك» . فزاد الشِّقاق بينهما، وكلَّما شاور سيِّد الخلق أشار عليه بالإمساك، مع أنَّه صلى الله عليه وسلم كان رأى في منامه أنَّها زوجته، وكان يحبُّ ذلك، وكان زيد عبدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فأعتقه وأسلم على يده، فأنزل الله تعالى {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ} يعني بالإسلام {وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} يعني بالعتق {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ} أي مظهره، وهو أنَّك تعلم أنَّها ستصير زوجتك للرُّؤيا التي رأيتها، ورؤيا الأنبياء وحي، أو أنَّك تحبُّ طلاقها [4] لتتزوَّجها {وَتَخْشَى النَّاسَ} يعني أن يقولوا تزوَّج محمَّد زوجة عبده الذي تبنَّاه، وأمره بالطَّلاق. {وَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} [الأحزاب 37] فلا تكتم ما تعلم أنَّه واقع.
قالت عائشة من زعم أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كتم شيئًا من الوحي، فقد كذب؛ فإنَّه لو كان كاتمًا شيئًا لكتم هذه الآية.
وقال ابن مسعود وعائشة ما نزل على رسول الله [5] صلى الله عليه وسلم آية أشدُّ عليه من هذه.
فلمَّا طلَّقها زيد، وانقضت عدَّتها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد «اذهب واذكرني لها» . قال فلمَّا قال لي ذلك عظمت في عيني، فذهبت إليها، (فرأيتها تعجن، فما استطعت أن أنظر إليها،) فجعلت ظهري إلى الباب، فقلت يا زينب، بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك. فقالت ما كنت لأحدث شيئًا حتَّى أؤامر [6] ربِّي، عزَّ وجلَّ. فقامت إلى مسجدها، فأنزل الله على رسوله {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} [الأحزاب 37] فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير إذن، وأولم عليها بخبز ولحم، وما أولم على أحد من نسائه ما أولم على زينب، حتَّى شبع النَّاس لحمًا، وتركوه، فتكلَّم المنافقون، وقالوا تزوج محمَّد زوجة ابنه، وهو ينهى عن ذلك. فأنزل الله تعالى {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب 40] وقال تعالى {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} [الأحزاب 5] وكانوا [7] قبل هذا يقولون زيد بن محمَّد. فمن يومئذ جعلوا يدعونه زيد بن حارثة، ولمَّا دخل عليها صلى الله عليه وسلم سألها «ما اسمك» ؟ قالت برَّة. فسمَّاها زينب. قالت [8] دخل صلى الله عليه وسلم على أمِّ سلمة [9] حين تزوَّجني، واسمي برَّة، فسمعها تدعونني ببرَّة، فقال «لا تزكُّوا أنفسكم، يا أمَّ سلمة، إنَّ الله أعلم بالبَرِّ منكم والفاجر» . فقالت أمُّ سلمة إنَّما هو اسمها. فقال «غيِّريه» . فقالت إلى ماذا؟ قال «سمِّيها زينب» .
قال أنس لمَّا تزوَّج صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا، ثمَّ جلسوا يتحدَّثون، وأطالوا القعود، وأراد صلى الله عليه وسلم أن يدخل على أهله، فجعل كأنَّه يتهيَّأ للقيام لكي ينصرفوا، فلم يقوموا، فلمَّا رأى ذلك قام، فقام من قام، وقعد ثلاثة نفر، فجاء النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثمَّ إنَّهم قاموا، فانطلقت، فجئت فأخبرت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أنَّهم قد انطلقوا، فجاء حتَّى دخل، فذهبت لأدخل، فألقى الحجاب بيني وبينه، وأنزل الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ} [الأحزاب 53]
وعن أنس أيضًا لمَّا بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب، أرسلني داعيًا للنَّاس على الطَّعام، فيجيء قوم يأكلون، ثمَّ يجيء قوم فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتَّى ما أجد أحدًا أدعوه، فقال «ارفعوا طعامكم» . وبقي ثلاثة رهط يتحدَّثون في البيت، فانطلق صلى الله عليه وسلم إلى حجرة عائشة، فقال «السَّلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته» . فقالت وعليك السَّلام ورحمة الله وبركاته، كيف وجدت أهلك (يا رسول الله) ؟ بارك الله لك [10] . ودار على حجر نسائه كلِّها، يقول لهنَّ كما قال لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة، ثمَّ رجع، فإذا هم قعود يتحدَّثون، وكان صلى الله عليه وسلم شديد الحياء، فخرج منطلقًا نحو حجرة عائشة، فما أدري أخبرته أو أخبر أنَّ القوم قد خرجوا؟ فرجع فدخل على أهله، فأنزل الله تعالى آية الحجاب. وقد ذكرتُ في ترجمة الرُّميصاء قبل هذه ما فيه من إظهار كرامة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في وليمة زينب هذه، فراجعها.
قالت عائشة زينب هي التي كانت تساميني من أزواج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في المنزلة عند النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولم أر امرأة في الدِّين خيرًا من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل للرَّحم، وأعظم صدقة، وأشدَّ ابتذالًا لنفسها في العمل الذي تتصدَّق به، وتتقرَّب إلى الله تعالى، ما عدا سورة كانت فيها تسرع [11] منها الرُّجوع،
وقالت [12] قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم «أسرعكنَّ لحاقًا بي [13] أطولكنَّ يدًا» قالت فكنَّ يتطاولن بأيديهنَّ، أيَّتهنَّ أطول يدًا؟ فكانت أطولنا يدًا زينب؛ لأنَّها كانت تعمل بيدها وتتصدَّق. وفي رواية لعائشة أيضًا، فكنَّا إذا اجتمعنا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم نمدُّ أيدينا في الحائط نتطاول [14] ، فلم نزل نفعل ذلك حتَّى توفِّيت زينب، ولم تكن أطولنا يدًا، فعرفت أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أراد بطول اليد الصَّدقة، وكانت امرأة صَنَاعًا، وكانت تعمل بيدها، وتتصدَّق به في سبيل الله.
عن عبد الله بن شدَّاد، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر «إنَّ زينب بنت جحش أوَّاهة» . فقال رجل يا رسول الله، ما الأوَّاهة [15] ؟ قال «الخاشع المتضرِّع» {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ} [هود 75]
قالت برزة بنت رافع لمَّا جاء العطاء، بعث عمر إلى زينب بالذي لها، وكان اثني عشر ألفًا، فلمَّا دخل المال عليها، قالت غفر الله لعمر، لَغَيْري من أخواتي كانت أقوى على قسم هذا منِّي. قالوا هذا لك وحدك. قالت سبحان الله! واستترت [16] دونه بثوب، وقالت صبُّوه، واطرحوا عليه ثوبًا. ففعلوا ذلك، قالت فقالت لي أدخلي يدك فاقبضي منه قبضة، واذهبي بها إلى فلان، وإلى (آل) فلان. من أيتامها وذوي رحمها، فقسمته حتَّى بقيت منه بقيَّة، فقالت لها برزة غفر الله لك، والله لقد كان لنا في هذا حظٌّ. قالت فلكم ما تحت الثَّوب. فرفعنا، فوجدنا قد بقي خمسة وثمانون درهمًا، ثمَّ رفعت يدها، وقالت اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا. فماتت قبل ذلك.
قال مجاهد لمَّا خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش على زيد بن حارثة، قالت أتزوَّج زيدًا، وأنا سيِّدة بني عبد شمس؟ فأنزل الله تعالى {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} الآية [الأحزاب 36] فقرأها عليها، فقالت رضيت. وكانت أتبع النَّاس لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنَّه قال لنسائه عام حجَّة الوداع «هذه، ثُمَّ ظُهُورَ الحُصُر» . [17] أي اسكنَّ يا أمَّهات المؤمنين في بيوتكنَّ، ولا تسافرن. قال أبو هريرة فكان كلُّهن يحججن إلَّا زينب بنت جحش، وسودة بنت زمعة، كانتا تقولان والله لا تحرِّكنا دابَّة بعد أن سمعنا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهي أخت أبي أحمد، وحمنة، وعبد الله بن [18] جحش.
وروت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد عشر حديثًا.
روت عنها أمُّ حبيبة، وزينب بنت أبي سلمة.
نقل عنها البخاريُّ بالواسطة، في الجنائز [خ¦1282] ، والطَّلاق [خ¦5335] ، وغيرهما.
قال الواقديُّ ماتت سنة [19] عشرين، في خلافة عمر، عام افتتحت فيها مصر، وقيل سنة إحدى وعشرين، عام افتتحت [فيها] الإسكندريَّة. وهي أوَّل نساء النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وفاة بعده، ولحوقًا به، وعاشت ثلاثًا وخمسين سنة، وهي أوَّل امرأة صنع لها النَّعش من المسلمين، وفعلته لها أسماء بنت عميس؛ لأنَّها رأته كذلك في الحبشة، فقال عمر نعم خبء الظَّعينة.
وقال ابن عبد البر [20] أوَّل من غطِّي نعشها في الإسلام فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمَّ زينب بنت جحش.
قال ابن الأثير [21] وصلَّى على زينب عمر بن الخطاب، ودخل قبرها أسامة بن زيد، ومحمَّد بن عبد الله بن جحش، وعبد الله بن أبي أحمد بن جحش.
[1] في غير (ن) (رئاب) والمثبت بتسهيل الهمزة.
[2] في غير (ن) (ربها) .
[3] في غير (ن) (أتأذن) .
[4] في (ن) (طلاقه) .
[5] في غير (ن) (على محمد) .
[6] في (ن) (حتى يأذن) .
[7] في (ن) (وكانوا يقولون قبل هذا يقولون) وهو وهم.
[8] في (ن) (قال) .
[9] في (ن) هنا (قالت) كتبت فوق الكلام استداركًا ولا معنى لها.
[10] في (ن) (بك) .
[11] في غير (ن) (شرع) .
[12] في غير (ن) (وقال) .
[13] في (ن) تصحيفًا (أسرعكن لي فإلي) .
[14] في (ن) (نتناول) .
[15] في غير (ن) (ما الأواه) .
[16] في (ن) تصحيفًا (واسترت) .
[17] في (ن) تصحيفًا (الخطري) والحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده، برقم (21905) وهو حسن لغيره.
[18] في (ن) (بنت) .
[19] في (ن) تصحيفًا (سنة سنة وعشرين) .
[20] الاستيعاب 4/ 1898.
[21] أسد الغابة 7/ 126.