554 # شَيْبَانُ بنُ عبد الرحمن، أبو معاوية النَّحْوِيُّ، التَّميميُّ مولاهم، البصريُّ، سكن الكوفة، كان مؤدِّبًا لبني داود بن عليٍّ.
ثقة صاحب كتاب. يقال إنه منسوب إلى نَحْوَةَ بطن من الأزد، لا إلى علم النحو. قال ابن السَّمعانيِّ [1] قال لنا الشَّريف إنَّ شيبان بن عبد الرَّحمن النَّحوي لم يكن نحويًا؛ إنَّما هو من نَحْوِ ابن شُمْسِ بن مالك. وقال أبو العلاء نحوةُ بنُ شُمْس، بضمِّ الشِّين المعجمة بطن من الأزد، منهم شيبان بن عبد الرَّحمن المؤدِّب. سكن الكوفة زمانًا، ثمَّ انتقل منها إلى بغداد، وهكذا قال العسكريُّ وغيره، وذكر أبو الحسين المنادي أنَّ المنسوب إلى القبيلة هو يزيد النَّحويُّ لا شيبان. وقال أبو بكر بن [أبي] داود يزيد النحويُّ هو يزيد بن أبي سعيد منسوب إلى بطن من الأزد، ولم يرو منهم الحديث إلَّا رجلان، أحدهما يزيد هذا، وسائر من يقال له النَّحويُّ، فمن نحو العربيَّة، منهم [2] شيبان النَّحويُّ، وهارون النَّحويُّ [3] ، وأبو زيد النَّحويُّ.
قال ابن حجر [4] هو أحد الأثبات، وقال أحمد بن حنبل ثبت في كلِّ المشايخ. قال ابن معين هو أحبُّ إليَّ في [5] قتاده من مَعْمَر، وهو ثقة في كلِّ شيء.
ج 1 ص 2
وثَّقه النَّسائيُّ، والعجليًّ، وابن سعد، والتِّرمذيُّ، والبزَّار. قال السَّاجيُّ صدوق، عنده مناكير، وأحاديث عن الأعمش تفرَّد بها. وقال قرأت بخطِّ الذَّهبيِّ في الميزان قال أبو حاتم صالح الحديث، ولا يحتجُّ (به) . وهو وهم في النَّقل، فإنَّ الذي في كتاب ابن أبي حاتم عن أبيه كوفيٌّ، حسن الحديث، صالح، يكتب حديثه. وكذا نقله الباجيُّ عنه، وكذا في تهذيب الكمال، وهو الصَّواب. وقول السَّاجيِّ معارَض بقول الإمام أحمد _ كما مر _ ومع ذلك، فلم أر في البخاريِّ من حديثه عن الأعمش شيئًا، لا أصلًا، ولا استشهادًا، نعم أخرج له أحاديث عن منصور بن المعتمر، وفراس بن يحيى وغيرهما، واعتمده الجماعة.
سمع قَتَادة بن دِعامة، ويحيى بن أبي كثير، ومنصورًا، وزياد بن عِلاَقة، وهلالًا الوزَّان.
روى عنه يونس بن محمَّد، وحسين المَرْوَرُّزيُّ، وأبو النَّضر، وأبو نُعيم، وعبيد الله بن موسى، [وآدم،] وسعد بن حفص.
نقل عنه البخاريُّ بالواسطة في مواضع، أوَّلها في باب كتابة العلم، من كتاب العلم [خ¦112] .
توفِّي ببغداد في خلافة المهديِّ، ودفن بمقبرة الخيزران، (أو بباب التِّين) سنة أربع وستِّين ومئة. قال الكرمانيُّ [6] حدَّث عنه أبو حنيفة، وعليُّ بن الجَعْد، وبين وفاتيهما تسع وسبعون سنة.
خاتمة
قد ذكرنا اختلافهم في أنَّ شيبان هذا من علم النَّحو أو من نحوة، فأمَّا نحوة، فقد بيَّنَّا أنَّها بطن من الأزد، وأمَّا النَّحو فهو علم بأصول يُعرف به أحوال الكلام العربيِّ، أعني آخر [7] الكلم إعرابًا وبناء؛ ليعصم العارف المراعي (له) عن الخطأ في اللِّسان، ولا يوقع في الخطأ السَّامع؛ لأنَّك إذا رفعت الفاعل والمفعول [8] ، أو نصبتهما، أو رفعت المفعول ونصبت الفاعل، فسد المعنى، ولا يَرِدُّ خَرَقَ الثَّوبُ المسمارَ، برفع الثَّوب، ونصب المسمار؛ لأنَّه من باب القلب الذي يعطي ملاحةً عند المعاني [9] ، نحو عرضت النَّاقة على الحوض، أي عرضت الحوض على النَّاقة، فإنَّ المعروض عليه ينبغي أن يكون من أهل الإرادة ليختار المراد، وليس كذلك الحوض، ونحو قوله _ من البحر [10] الرَّجز_
~ومَهْمَهٍ مغبرَّةٍ إرجاؤُه كأنَّ لونَ أرضِه سماؤُه
يعني، كأنَّ لونَ السَّماء لونُ الأرض، إلى غير ذلك، فموضوع النَّحو، الكلمة العربيَّة من حيث التَّركيب، وما يترتَّب عليه إعرابًا وبناء، وغايته حفظ اللِّسان عن الخطأ، وإدراك معاني القرآن والحديث وكلام العرب، وهو منقول من القصد. يقال نحوت نحوك. أي قصدت قصدك،
ج 1 ص 2
أو المثْل [11] ، يقال مررت برجل نحوك. أي مثلك، أو الجهة، يقال اذهب نحو فلان. أي جهته وناحيته، أو النَّوع، يقال عنده ثلاثة أنحاء من الطَّعام. أي أنواع (من الطَّعام) ، أو المقدار، يقال جاء بجيش نحو ألف. أي مقداره؛ لأنَّه به يقصد به صواب الكلام [12] ، وهو مثل علم الصَّرف من حيث إنَّه يبحث عن الكلمة العربيَّة؛ إلَّا أنَّ الصَّرف يبحث في نفس الكلمة، والنَّحو في آخرها، وهو جهة وناحية من العلم، ونوع منه، ومقدار منه، ولا يمكن أن يكون مأخذه من النَّحو الذي هو اسم قبيلة، أو موضع لعدم المناسبة، وإن أمكن ذلك بالتَّكلُّف والعناية.
قال الواحِديُّ في كتاب الإغراب في الإعراب اعلم أنَّ أولى ما تصرف الهمم إلى تعلُّمه، وتوقف العناية على تفهُّمه (النَّحو) ، الذي من أجلِّ العلوم قَدْرًَا وأرفعها ذكرًا، وهو المعيار لما نطقت به العرب من اللُّغات، ونبَّه عليها صاحب الشَّريعة بأفصح العبارات، وأورثته السَّلف الكبار من الصَّحابة والتَّابعين. قال _ من البحر الكامل _ [13]
~النَّحو يُصْلِحُ من لسانِ الأَلْكَنِ والمرء تكرمه إذا لم يلحن
~لحنُ الفقيه يَحُطُّه عن قَدْرِهِ وتراه يَصْغُر في لحاظ الأَعْيُنِ
~وترى الفقيهَ إذا تكلَّمَ مُعْرِبًَا يُكْسَى المَهَابَةَ باللِّسان الأَحْسَنِ
~وإذا طلبتَ من العلوم أَجَلَّها فأجلُّها منها مقيمُ الأَلْسُنِ
وقد حثَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَّته على إصلاح ألسنتهم وطلب الإعراب، فقال «رحم الله امرءًا أصلح من لسانه» . [14] رواه عمر بن الخطَّاب، وقال «أعربوا القرآن، والتمسوا غرائبه» . [15] رواه أبو هريرة.
قال الواحديُّ وكانوا يكرهون اللَّحن في الكلام أشدَّ الكراهية، ويبالغون في الزَّجر عنه، ويرون اللَّحن في الكلام أقبح من البخل في الطَّعام [16] ، وكان ابن عمر إذا سمع بعض ولده يلحن ضربه، وخرج عمر على قوم بعضهم يقرئ بعضًا، فقال ما كنتم تراجعون؟ قالوا كان بعضنا يقرئ بعضًا. قال اقرؤوا ولا تلحنوا، فإنَّ حفظ بعض إعراب القرآن أحبُّ إليَّ من حفظ بعض حروفه.
قال الأصمعيُّ تعلَّموا النَّحو، فإنَّ بني إسرائيل كفرت [17] بكلمة واحدة، قال الله تعالى لعيسى أنت نبيِّي وأنا وَلَّدتك. بتشديد اللَّام، فخفَّفوها.
قال الشَّعبيُّ النَّحو في الكلام كالملح في الطَّعام. قال عبد الملك بن مروان اللَّحن من الرَّجل الشريف كالجُدَرِيِّ في الوجه، وما النَّاس إلى شيء أحوج منهم إلى إقامة ألسنتهم، التي بها يتحاورون، ويستخرجون غوامض العلم من مخابيها، ويجمعون ما تفرَّق منها، إنَّ الكلام قاض يحكم بين الخصوم، وضياء يجلو الظُّلَم، وحاجة النَّاس إلى موادِّه كحاجتهم [18]
ج 1 ص 2
إلى موادِّ [19] الأغذية، واللَّحن في الكلام أقبح من الدَّنَس [20] في الثَّوب النَّفيس.
قال مالك بن أنس لكلِّ شيء حليٌّ، وحليُّ اللِّسان الإعراب. ومرَّ الأصمعيُّ برجل يقول في دعائه يا ذو الجلال والإكرام. فقال له الأصمعيُّ ما اسمك؟ قال ليث. فقال الأصمعيُّ [21] _ من البحر الوافر _
~يُناجِي رَبَّهُ باللَّحْنِ لَيْثُ لِذَاكَ إذا دَعَاهُ لا يُجِيْبُ
وذكر المفسِّرون أنَّ الله لا يقبل دعاء اللَّحَّان.
ودخل أعرابيٌّ السُّوق، فسمعهم يلحنون، فقال سبحان الله! يلحنون ويربحون. وقال أبو الأسود إنِّي لأجد لِلَّحن غمرًا كغمر اللَّحم. ودخل على زيادٍ رجل، فقال إنَّ أبينا هلك، وإن أخينا غصبنا على ميراثنا من أبانا، فقال زياد ما ضيَّعت من نفسك أكثر ممَّا ضاع من مالك.
ولمَّا استعدى [22] شَبِيْبُ بنُ شَيْبَةَ إلى بلال على خصم له، فقال أحضرنيه، فإنِّي قد دعوتُه، وكلُّ ذلك يأبى. برفع كلُّ، قال له بلال الذَّنب لِكُلُّ.
وسمع أعرابيٌّ [23] إمامًا يقرأ {وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} بفتح التَّاء، فقال سبحان الله! هذا قبل الإسلام قبيح، فكيف بعده؟! فقيل له إنَّه لحن، والقراءة {وَلاَ تَنكِحُواْ} [البقرة 221] بضمِّ التَّاء. فقال قبَّحه الله، لا تجعلوه بعدها إمامًا، فإنَّه يحلُّ ما حرَّم الله.
وأنشد إبراهيم بن محمَّد بن عرفة الشَّهير بنَفْطَوَيْه النَّحويِّ _من البحر البسيط_
~كلُّ العلومِ إلى الإِعْرابِ مَقْصِدُهُ والنَّحْوُ لا شكَّ في الإعراب أَوْحَدُهُ
~لا تَبْغِ بالنَّحوِ شيئًا أنتَ طالبُه [24] فالنَّحْوُ أفضلُ شيءٍ أنتَ تَقْصِدُهُ
ودخل رجل على بعض الأمراء مستعديًا على خَتَنِه، فقال الأمير ما شانَك؟ بفتح النُّون، قال اعوجاجٌ وشَجَّةٌ. قال على من تستعدي؟ قال على خَتَني. قال ومن خَتَنَك؟ بفتح النُّون، قال إسحاق اليهوديُّ. قال الوزير السُّكوت أولى من مثل هذا الكلام أيَّها الأمير.
ولهذا قيل عورة كلِّ رجل بين رجليه، وعورة ذي اللَّحن بين فكَّيه؛ وذلك لأنَّه كان ينبغي أن يرفع نون شأنك؛ ليكون من الشَّأن، لا يفتحها ليكون من الشَّيْن؛ لأنَّه فعل ماض حينئذ، وكان ينبغي أن يضمَّ نون الختن؛ ليكون اسمًا بمعنى الصِّهر، لا أن يفتحها لتكون فعلًا من الخِتَان. فانظر حركة واحدة أيَّ نقل تنقل، وأيَّ قبيح تُظهر، فلله درُّ النَّحو والواضع والسَّاعي فيه.
وكان بعض أئمَّة الدِّين _ كما قال ثعلب [25] _ يعيب النَّحو، يقول أوَّل تعلُّمه شُغْلٌ، وآخره بَغْيٌ، يزدري العالم به النَّاس، فقرأ يومًا {إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} برفع الله، ونصب العلماء، فقيل له كفرتَ من حيث لا تعلم؛ بجعلك الله تعالى يخشى العلماء، وإنَّما العلماء تخشاه. قلت هكذا روى الواحديُّ عن ثعلب، وأنت خبير أنَّه قراءة شاذَّة، قرأها أبو حنيفة، والزُّهريُّ وغيرهما، وأَوَّلوا الخشية بلازمها على ما هو دأب المتشابه، وهو التَّوقير، يعني إنما يوقِّر الله ويعظِّم
ج 1 ص 2
العلماء، فإنَّ من خاف أحدًا وَقَّره وبَجَّله، ولا يمكن حمل الخوف على حقيقته، فلا بدَّ إمَّا التَّفويض أو التَّأويل بمجمل يوافق الشَّرع، فتأمَّل.
ومن مَلِيح الحكايات ما وقع بين الكسائيِّ وأبي يوسف، قال الواحديُّ دخل الكسائيُّ على الرَّشيد وعنده أبو يوسف، فقال له أبو يوسف يا كسائيُّ، ضيعت روزجارك _قلت هو لفظ عجميٌّ يعني أيَّامك_ في النَّحو والعربيَّة، ولم تشتغل بالفقه، فتبلغ مبالغ الرِّجال. فقال له الكسائيُّ مسألة. قال سل ما شئت. قال ما تقول في رجل قال لامرأته أنت طالق إن دخلت الدار. بكسر همزة إن، و [آخر] قال كذلك، لكن بفتحها. فقال أبو يوسف كلاهما واحد. فقال الكسائيُّ بل أنت _ أيَّها القاضي _ ضيعت أيَّامك؛ حين لا تفرِّق بين إن وأن، ثمَّ تحكم في الفروج والدِّماء والأموال. قال فأفحم أبو يوسف، كأنَّه ألقمه الحجر. قال [26] الكسائي ما أحسن ما ينكر على من لا يعرف النَّحو، ولا يهتدي إلى أحكامه، ثمَّ يتصدَّى للإفتاء والحكم في الأموال والدِّماء، أكثر [27] ما يبيح المحجور، ويحلُّ المحظور، ويسفك الدَّم الحرام، ويغيِّر الأحكام.
قال الفاضل السمرقنديُّ في ضرام السَّقط [28] سمع المأمون بعض أوليائه يلحن في المخاطبة، فقال ما على أحدكم أن يتعلَّم العربيَّة، فيقيم بها أوده، ويزين بها مشهده، ويملك مجلس سلطانه بظاهر نطقه وبيانه، ويَفُلُّ حجة خصمه بمشكلات حُكْمِه، أو ليس [29] يأنف أحدكم أن يكون لسانه كلسان عبده أو أمته؟ ولا يزال في الدَّهر أسير كلمته. انتهى.
وقد مضى في ترجمة حمَّاد بن سلمة قصَّة سيبويه، فراجعها، وأمَّا (قصَّة) سيبويه مع الكسائيِّ في قولهم كنت أظنُّ العقرب أشدَّ لسعة من الزَّنبور، فإذا (أنا بالزَّنبور) هو هي، أو هو إياها. فقد ذكرها في مغني اللبيب [30] فراجعه، وهو مشهور.
قال الحلبيُّ قال عليه (الصَّلاة) والسَّلام «أعربوا في الكلام لتعربوا في القرآن؛ فإنَّ الله يحبُّ أن تعرب آياته» . وقال عمر تعلموا العربيَّة، فإنَّها تزيد في العقل والمروءة. ولمَّا ورد كتاب أبي موسى على عمر من أبو [31] موسى. كتب إليه عمر إذا أتاك كتابي هذا، فضع على رأس [32] كاتبك سوطًا _أي اضربه بالسَّوط_ واعزله من عملك.
وكان الحسن إذا عثر لسانه يقول أستغفر الله. فقيل له لم تستغفر؟ قال من اخطأ فقد كذب على العرب، ومن كذب فقد عمل سوءًا، وقال الله تعالى {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء 110]
قال (عبد الله) بن المبارك مات أَبي وخلَّف ستِّين ألف درهم، فأنفقت منها ثلاثين ألفًا في تعلُّم الفقه، وثلاثين ألفًا في تعلم النَّحو والأدب، وليت الذي أنفقته في الفقه أنفقته في تعلم النَّحو والأدب، فإنَّ النَّصارى كفروا بتحريف
ج 1 ص 2
حرف من كتاب الله، وجدوا في الإنجيل مكتوبًا إنِّي أنا الله وَلَّدْتُ عيسى [بن مريم] من عذراء بَتُول، أي بكر، منقطعة عن الأزواج. بتشديد اللَّام من ولَّدْتُ، فخفَّفوها فكفروا.
تتمَّة
أوَّل من وضع علم النحو أمير المؤمنين [33] عليُّ بن أبي طالب _ كرَّم الله وجهه _ (وهو لا يعمد إلى شيء إلَّا وهو يقرِّب إلى الله تعالى) .
وروى ظالم بن عمرو أبو الأسود الدُّؤليُّ أستاذ الحسن والحسين قال دخلت على عليِّ بن أبي طالب _ كرم الله وجهه _ فرأيته مطرقًا، فقلت ففيم تفتكر؟ قال إنِّي سمعت لحنًا ببلدكم، فأردت أن أصنع كتاباَ في أصول العربيَّة. ثمَّ أتيته بعد ذلك، فألقى إليَّ صحيفة فيها بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، الكلام كلُّه ثلاثة اسم، وفعل، وحرف جاء لمعنى، فالاسم ما أنبأ عن المسمَّى، والفعل ما أنبأ عن الفاعل، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل. وإذا فيها جملة من باب التَّعجُّب، وقال انح هذا وتتبَّعه، وزد فيه ما وقع، واعلم يا أبا الأسود أنَّ الأسماء ثلاثة ظاهر، ومضمر، وشيء ليس بظاهر ولا مضمر. يعني به الموصولات، وأسماء الإشارة. قال أبو الأسود فجمعت الأشياء، وعرضتها عليه، وكان في ذلك حروف النَّصب، ولم أذكر لكن، قال لم تركتها؟ قلت لم أحسبها منها. فقال بلى، هي منها، فزدها.
وحُكي أنَّ امرأة دخلت على معاوية زمن عثمان رضي الله عنه، وقالت إن أَبُوي مات وترك لي مالًا، فاستقبح معاوية ذلك، فبلغ عليًّا، فبعث إلى أبي الأسود الدُّؤليِّ [34] أن يضع النَّحو، فوضع أوَّلًا باب إن، وباب الإضافة، ثمَّ سمع رجلًا يقرأ {أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} [التوبة 3] بجَرِّ رسوله، فصنَّفَ بابي العطف والنَّعت، ثمَّ قالت له ابنته يومًا يا أبت ما أحسنُ السَّماء؟ بالضَّمِّ على لفظ الاستفهام، فقال لها نجومُها. قالت إنَّما أتعجَّب من حسنها. قال قولي ما أحسنَ السَّماء! وافتحي. قال فصنَّف بابي التَّعجُّب والاستفهام، فأخذ منه النَّحوَ أبناؤه، ثمَّ أخذ أبو إسحاق الحضرميُّ، وعيسى بن عمر الثَّقفيُّ، وأبو عَمْرو بن العَلاَء، وأخذ الخليل بن أحمد من عيسى، وأخذ منه [35] سيبويه، والكسائيُّ أخذ من أبي عمرو بن العلاء، ثمَّ صار أهل النَّحو كوفيَّا وبصريَّا، فالكسائيُّ، وتلميذه الفرَّاء، وتلميذه محمَّد الأنباريُّ كوفيُّون، وسيبويه، وتلميذه الأخفش، وقُطْرُب، وتلميذاه صالح الجرميُّ، وبكر المازنيُّ، وتلميذهما الملقب بالمبرد [36] ، وتلامذته أبو إسحاق الزَّجَّاج، وأبو بكر السَّرَّاج، ومحمَّد بن كَيْسَان، وتلامذتهم الذين أخذوا [37] منهم الفَسَوِيُّ أبو علي، وأبو سعيد السِّيرافيُّ، وعليُّ (بن) الرُّمَّانيُّ، وتلميذهم أبو عليٍّ الفارسيُّ، وتلميذه أبو الفتح ابن جِنِّيٍّ، وتلميذه عبد القاهر
ج 1 ص 2
الجُرْجَانيُّ بصريُّون، ثمَّ قيل لم يأت بعدهم من يُعبأ به، قاله الحلبيُّ [38] .
قال الواحديُّ اعلم أنَّ مبادئ علم النَّحو وُجدت من عليٍّ كرم الله وجَّهه، فإنَّه نبَّه [39] عليه، ونهج سبيله. قال الخليل بن أحمد كان أبو الأسود ضنِّينًا بما أخذه من عليٍّ؛ وذلك أنَّه سمع لحنًا، فقال لأبي الأسود اجعل للنَّاس حروفًا، وأشار [له] إلى الرَّفع والنَّصب والجرِّ، ثمَّ سمع أبو الأسود رجلًا يقول وقع عصاي. بالمدِّ، وسمع قارئًا يقرأ {أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} بالجرِّ، فقال ما بعد هذا شيء. فطلب كاتبًا يفهم عنه ما يقول له، فجيء برجل من عبد القيس، فلم يرض فهمه، فأتي بآخر من قريش، فقال إذا فتحتُ فمي بالحرف فانقط نقطة على أعلاه، وإذا ضممت فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإذا كسرت الحرف فاجعل النُّقطة تحت الحرف، فإن أَتْبَعْتُ ذلك غُنَّةً [40] فاجعل النُّقطة نقطتين. ثمَّ اختلف النَّاس إلى أبي الأسود يتعلَّمون منه النَّحو، ففرَّع لهم ما كان أَصَّلَه، فأخذ عنه ذلك جماعة، فكان أبرعهم عَنْبَسَة بن مَعْدان [41] الذي يقال له عنبسة الفيل، فلمَّا مات أبو الأسود [42] أقبل النَّاس على عنبسة، وبرع من أصحابه ميمون الأقرن، وزاد في الشَّرح، وتوفِّي، وليس في أصحابه مثل [ابن] أبي إسحاق [43] الحضرميِّ، وهو الذي ردَّ على الفرزدق في قوله _ من البحر الطَّويل _
~وعَضُّ زمانٍ يا ابنَ مروانَ لم يَدَعْ من المالِ إلا مُسْحَتًَا أو مُجَلَّفُ
فقال بم رفعت مجلف، وقد عطفت على المنصوب؟ فهجاه الفرزدق، فقال _ أيضًا من (البحر) الطَّويل _
~فلو أنَّ عبدَ اللَّهِ مَوْلَىً هَجَوْتُه ولكنَّ عبدَ اللَّهِ مَوْلَى مَوَالِيَا
فقال وأخطأت أيضًا في قولك مولى مواليا. وكان أعلم أهل البصرة وأعقلهم، ففرَّع النَّحو وقاسه، وكان أبو عمرو بن العلاء أخذ عنه، فكان يقدَّم على أبي عمرو في النَّحو، وأبو عمرو يُقَدَّم عليه في اللُّغة. ثمَّ برع من أصحابه عيسى الثَّقفيُّ، ويونس بن حبيب، وأبو الخطَّاب الأخفش، فألَّف عيسى في النَّحو كتابين الكامل والجامع، وفيه يقول الخليل بن أحمد _ من الرَّمل _
~بَطَلَ النَّحْوُ جميعًا كلُّه غيرَ ما أحدثَ عيسى بنُ عُمَرْ
~ذاكَ إكمال وهذا جَامِعٌ فَهُمَا للنَّاسِ شَمْسٌ وقَمَرْ
فأوَّل من وضع النَّحو أبو الأسود، ثمَّ ميمون الأقرن، ثم عنبسةُ الفيل، ثمَّ [ابن] أبي إسحاق، ثمَّ عيسى بن عمر، ثم أخذ عن عيسى الخليلُ، ولم يكن قبله، ولا بعده مثلُه، ثمَّ أخذ عن الخليل جماعةٌ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، والنَّضْرُ بنُ شُمَيْل المازنيُّ، وأبو محمَّد اليَزِيْدِيُّ [44] ، وعليُّ بن نَصْر الجَهْضَمِيُّ، والمُؤَرِّجُ السَّدوسِيُّ، وعمر بن عثمان الملقَّب بسيبويه، ولم يكن فيهم مثلُه، وهو أعلم النَّاس بعد الخليل، وألَّف كتابه
ج 1 ص 2
الذي سمَّاه النَّاس قرآن النَّحو، ثمَّ أخذ عنه سعيد بن مَسْعَدَةَ الأَخْفَشُ، وكان أسنَّ [45] من سيبويه، ولكن لم يأخذ من [46] الخليل، ثمَّ رحل سيبويه إلى بغداد، وناظر الكسائيَّ، ثمَّ رحل [47] منها إلى خُراسان، فمات في الطَّريق. قيل مات بشيراز، ثمَّ انتهى العلم إلى المبرِّد، وثعلب، ثمَّ تلاهما في هذا أبو إسحاق إبراهيم الزَّجَّاجُ، صاحب كتاب المعاني في القرآن، ثمَّ خلفه أبو بكر السَّرَّاجُ، وأبو عليٍّ الحسن بن عبد الغفار الفارسيُّ، تلميذ الزَّجاج والسرَّاج. أجمعت الأمَّة على أنَّ الفارسيَّ كان واحد العصر، منقطع القرين، استنبط من الأصول ما لم يسبقه إليه أحد، وفرَّع [عليها] فروعًا كثيرة، وأبدع مسائل تفرَّد بها، واستدرك على الزَّجَّاج، وصنَّف كتابًا سماه إصلاح ما أغفله الزَّجَّاجُ.
قال الواحديُّ قَلَّ من بقي على البسيطة [48] [من] يفهم كلامه، أو يشرح ألفاظه، أو يهتدي إلى معانيه [49] ، أو يقف على شيء من مودعات كتبه، ثمَّ أورث هذا العلم أبا الفتح عثمان بن جِنِّي الموصليَّ، فقام بعده مقامه في هذه الصَّنعة، ولو لم يكن له إلَّا سرُّ الصِّناعة لكفى به دليلًا على فضله، ثمَّ انقرض هذا العلم إلا أنَّ أبا الحُسين [50] الفَسَوِيَّ كان قد أخذ النَّحو عن خاله أبي عليٍّ الفارسيِّ، فأملى على المختلفة إليه بنيسابور شرحًا وجيزًا على الإيضاح، ثمَّ اتُّهم بالاعتزال، فتوارى، ثمَّ التحق بجُرْجَانَ، فارتبط هناك على ولد رئيسها الجُوْلَكِيِّ أبي المَحَاسِن، فبرع [51] عليه في صنعة الإعراب، ثمَّ أخذ النَّاس منهم، قوم بعد قوم، ومن بحرهم يستمدُّون إلى اليوم، فطيَّب الله تعالى مثواهم، وجعل الجنَّة متقلَّبهم ومثواهم [52] .
[1] الأنساب 5/ 468، والشريف هو عمر بن علي بن الحسين، أبو علي الصوفي النسابة، يعرف بابن أخي اللبن.
[2] المصنف ينقل عن السمعاني في الأنساب 5/ 469، وهو هنا يناقض قوله من قبل بهذا الإيراد؛ إذ أثبت أنه ينسب لنحو العربية، وذكره ابن حجر في تهذيب التهذيب 11/ 290.
[3] في (ن) تصحيفًا (النحو) وكذلك الموضع بعده.
[4] مقدمة الفتح ص 408.
[5] في (ن) تصحيفًا (أبي) .
[6] شرح البخاري 2/ 121.
[7] في (ن) تصحيفًا (أجزاء) .
[8] في (ن) (أو المفعول) ولا يستقيم المعنى بهذا.
[9] في (ن) تصحيفًا (المعانين) .
[10] في غير (ن) (بحر) والرجز لرؤبة بن العجاج، ورواية الديوان وبلدٍ عاميةٍ أعماؤه، والبيت من شواهد التصريح 2/ 339، والعيني 4/ 557، ومعاهد التنصيص 1/ 178، وأمالي ابن الشجري 1/ 366.
[11] في (ن) (والمثل) .
[12] في غير (ن) (الكلم) .
[13] تقدم البيت الأخير في غير (ن) إلى أول الأبيات، وهي في الكامل للمبرد 2/ 19 الأول والثاني منها، ورواية البيت الأول النحو يبسط .... ونسبهما لإسحاق بن خلف البهراني، وكذا صاحب زهر الآداب الحصري 2/ 121، وفي المستطرف للأبشيهي 1/ 55 لإبراهيم بن خلف البهراني، وفي التمثيل والمحاضرة للثعالبي ثلاثة منها، وروايته (لحن الشريف) ، وأوفى روايةٍ للأبيات من غير نسبة في غرر الخصائص الواضحة للوطواط.
[14] أخرجه الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/ 24.
[15] مصنف ابن أبي شيبة 6/ 116.
[16] في غير (ن) (بالطعام) .
[17] في غير (ن) (كفروا) .
[18] في (ن) تصحيفًا (لحاجتهم) .
[19] في غير (ن) (موادة) في الموضعين.
[20] في (ن) (النقش) .
[21] البيت مع الخبر في أمالي القالي 3/ 32.
[22] في (س) استدعى، وهو سبق قلم، وسقطت (إلى بلال) من النسخ كلها إلا من (ن) و (د) .
[23] في (س) وسمع أعرابيًا إمامًا.
[24] في (س) أنت قاصده، وفي (د) في الآداب أو حده.
[25] في (هـ) (تغلب) في المكانين، وهو تصحيف.
[26] في (ن) تصحيفًا (قاله) .
[27] في (د) (ما أكثر) .
[28] في (ن) تصحيفًا (حرام المسقط) ، كتاب (ضرام السقط) في شرح سقط الزند للمعري، هو لصدر الأفاضل القاسم بن الحسين بن أحمد الخوارزمي مجد الدين توفي 617 هـ، لا للفاضل السمرقندي كما توهمه المؤلف، وهو كتاب مطبوع طبعة حجرية، تبريز 1276 هـ.
[29] في (ن) (إذ ليس) .
[31] يعني لحنَ أبي موسى، فرفع كلمة (أبي) وحقها الجر.
[32] في غير (ن) (فقنع رأس) .
[33] سقطت (أمير المؤمنين) من (د) .
[34] في غير (ن) (الديلي) .
[35] في (ن) تصحيفًا (من) .
[36] في (ن) (وتلميذهما المبرد) .
[37] في غير (ن) (أخذ) .
[38] في (ن) تصحيفًا (قال الكلبي) وسقطت (قاله الحلبي) من النسخ كلها إلا من (د) ، وانظر كتاب سبب وضع العربية للسيوطي 1/ 35، وأظن الحلبي القائل هو أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي تلميذ عيسى بن يونس.
[39] سقطت جملة (فإنه نبه عليه) من (د) .
[40] في (ن) تصحيفًا (عنه) .
[41] في (س) (عنبسة بن سعدان) .
[42] سقط من (د) من قوله (يتعلمون إلى قوله مات أبو الأسود) .
[43] كذا في الأصول جميعها (أبو إسحاق) وهو عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي أبو بحر، أخذ القراءة عن يحيى بن يعمر، ونصر بن عاصم، قال أبو بكر السراج في تاريخ النحاة توفي عبد الله سنة سبع عشرة ومئة، وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وصلى عليه بلال بن أبي بردة خزانة الأدب 1/ 84، وما بين حاصرتين من مصادر الترجمة، والبيت في أمالي المرزوقي ضمن قصيدة نيفت على مئة بيت في مدح الخليفة عبد الملك بن مروان، ويهجو بهذا البيت جريرًا.
[44] في (ن) تصحيفًا (الترمذي) .
[45] سقط من (د) مقدار سطر من قوله (وكان أس منه) إلى قوله (وناظر الكسائي) ، وفيها (كتاب النحو) بدل (قرآن النحو) والبيتان في تهذيب الكمال 8/ 320، وفيه اسم أحد الكتابين (المكمل) وفي المصنف لابن جني اسمه الإكمال، كما ورد في البيت، والبيتان عنده.
[46] في غير (ن) (عن) .
[47] في غير (ن) (شخص) .
[48] في (ن) (البسيط) .
[49] في غير (ن) (مقايسه) .
[50] في غير (ن) (إلى أن أتى الحسين) .
[51] في غير (ن) (فرسم) .
[52] في غير (ن) (ومأواهم) .