-البغداديُّ، يونس بن محمَّد، وضبط بغداد، وبناؤها، وغير ذلك، ذكرناها [1] في ترجمة إبراهيم.
اعلم أنَّ حجَّة الإسلام الغزاليَّ ذكر في آخر كتاب المحبَّة، من الإحياء [2] كلامًا في ذمِّ بغداد، فقال اتَّفق جماعة على ذمِّ بغداد، وطلب الفرار منها، فقال عبد الله بن المبارك طفت المشرق والمغرب، فما رأيت بلدًا أشرَّ من بغداد. قيل وكيف ذلك؟ قال هو بلد تزدرَى فيه نعمة الله، وتستصغر فيها معصية الله. ولمَّا قدم ابن المبارك خراسان قيل له كيف رأيت بغداد، قال ما رأيت بها إلَّا شرطيًّا غضبان، أو تاجرًا لهفان، أو قارئًا حيران. قال الغزاليُّ ولا ينبغي أن يظنَّ أنَّ ذلك غيبة؛ لأنَّه لم يتعرَّض لشخص بعينه؛ حتَّى يستصغر ذلك الشَّخص ويستضرَّ، بل قصد تحذير النَّاس. قال وكان ابن المبارك يخرج إلى مكَّة، وكان يقيم ببغداد وقت استعداد القافلة ستَّة عشر يومًا، فكان يتصدَّق بستَّة عشر دينارًا، لكلِّ يوم دينار كفَّارة لمُقامه.
وقال بعض أصحاب الحديث كنَّا يومًا عند فُضيل بن عياض، فأتاه صوفيٌّ ملتفٌّ بعباءة، فأجلسه إلى جانبه، وأقبل عليه، ثمَّ قال له أين تسكن؟ قال بغداد. فأعرض عنه، وقال يأتينا أحدكم في زيِّ الرُّهْبان، فإذا سألناه أين تسكن؟ قال في عشُّ الظَّلَمة.
وقال بشر بن الحارث الحافي مثل المتعبِّد ببغداد مثل المتعبِّد في الحُشِّ. وكان يقول لا تتعبَّدوا في المقابر، من أراد أن يخرج فليخرج.
وقال الإمام أحمد بن حنبل لولا تعلُّق هؤلاء الصِّبيان بنا كان الخروج من هذا البلد أولى في نفسي. فقيل أين تختار السُّكنى؟ قال بالثُّغور.
وقال بعضهم _ وسئل عن أهل بغداد _ زاهدهم زاهد، وشرِّيرهم [شرِّير] .
قال وذمَّ العراقَ عمر بن عبد العزيز، وكعب الأحبار، وذكر كعب يومًا العراق، فقال فيه تسعة أعشار الشَّرِّ، وفيه الدَّاء العضال.
وقال ابن عمر _ رضي الله عنهما لمولى له _ أين تسكن؟ قال العراق. فقال ما تصنع به؟ بلغني أنَّ ما من أحد يسكن العراق إلَّا قُيِّض له قرين من البلاء.
وقيل قسم الخير بعشرة أجزاء، فتسعة أعشاره [3] بالشَّام، وعُشره بالعراق، وقسم الشَّرُّ بعشرة أقسام، فتسعة أعشاره بالعراق، وعشره بالشَّام.
ونقل كمال الدِّين الدَّميري [4] _ قبيل باب سجود السهو، في شرح المنهاج، نقلًا عن سنن أبي داود _ عن عليٍّ قال نهاني حبِّي [5] صلى الله عليه وسلم أن أصلِّي في أرض بابل، فإنَّها ملعونة. قال أبو سليمان الخطَّابيُّ في إسناد هذا الحديث مقال، ولا أعلم أحدًا من العلماء حرَّم الصَّلاة فيها، ويحتمل إن ثبت أن يكون نهاه عن اتِّخاذها وطنًا ومقامًا، فإنَّه إذا أقام بها كانت صلاته فيها. قَال ولعلَّ النَّهيَّ لعليٍّ بن أبي طالب _ رضي الله عنه _ خاصَّة، إنذارًا له ممَّا لقي من المحنة بالكوفة، وهي أرض بابل، فإنَّها الصَّقع المعروف بالعراق.
وقال كمال الدِّين أيضًا _ في مواقيت الحجِّ [6] _ إنَّ رجلًا قال لعمرو بن العاص صف لي أهل الأمصار. فقال أهل الشَّام أطوع النَّاس للمخلوق، وأعصاهم للخالق، وأهل مصر عبيد لمن غلب، وأهل الحجاز أسرع النَّاس إلى فتنة، وأعجزهم عنها، وأهل العراق أطلب النَّاس للعلم، وأبعدهم منه [7] .
ونقل النَّسفيُّ في تفسيره، على قوله عزَّ وجلَّ، في سورة الإسراء [8] {وَإِن مَّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ} الآية [الإسراء 58] عن مقاتل قال وجدت في كتب الضَّحَّاك في تفسيرها أمَّا مكَّة فتخرِبُها الحبشة، وتهلك المدينة بالجوع، والبصرة بالغرق، والكوفة بالتُّرك، والجبال بالصَّواعق والرَّواجف، وأمَّا خراسان فعذابها ضُروب، وأمَّا بلخ فيصيبهم هَدَّةٌ، فيهلك أهلها، وأمَّا بدخشان فتخرِبُها أقوام، وأمَّا ترمذ فأهلها يموتون بالطَّاعون، وأمَّا صغانيان إلى [واشجرد] فيقتلون بقتل ذريع، وأمَّا سمرقند فيغلب عليها بنو قنطوراء، فيقتلون قتلًا ذريعًا، وكذا فرغانة والشَّاش وأسبيجاب وخوارزم، وأمَّا بخارا فهي أرض الجبابرة، يموتون قحطًا وجوعًا، وأمَّا مرو فيغلب عليها الرَّمل، فيهلك بها العلماء والعبَّاد، وأمَّا هراة فيمطرون بالحيات، فتأكلهم أكلًا، وأمَّا نيسابور فيصيب أهلها رعد وبرق وظلمة، فيهلك أكثرهم، وأمَّا الرَّي فيغلب عليها الطَّبريَّة والدَّيلم، فيقتلونهم، وأمَّا أذربيجان وأرمينية فيهلكهما سنابك الخيول والجيوش والصَّواعق والرَّواجف، وأمَّا همدان فالدَّيلم تدخلها فتخرِبُها، وأمَّا حُلْوان فيمرُّ بها ريح ساكنة، [وهم نيام،] فيصبح أهلها قردة وخنازير، ثمَّ يخرج رجل من جُهينة، فيدخل، فويل لأهل مصر، وويل لأهل دمشق، وويل لأهل الرَّملة، وويل لأهل أفريقية، ولا يدخل بيت المقدس، وأمَّا سجستان فيصيبهم ريح عاصف أيَّامًا، ثمَّ هدَّة تأتيهم، ويموت فيها العلماء، وأمَّا كرمان وأصبهان وفارس فيأتيهم عدوٌّ، وصاحوا صيحة تنخلع القلوب منها، وتموت الأبدان.
[1] في غير (ن) (ذكرناه) .
[2] في غير (ن) (في آخر كتاب الإجياء المحبة من الإحياء ذكر) وانظر إحياء علوم الدين 4/ 354.
[3] في غير (ن) (أعشار) .
[4] النجم الوهاج 2/ 247.
[5] في غير (ن) (حبيبي) .
[6] النجم الوهاج 3/ 431.
[7] في غير (ن) (عنه) .
[8] في غير (ن) (الأنبياء) وهو سبق قلم، وانظر تفسير النسفي 2/ 163.