فهرس الكتاب

الصفحة 754 من 2285

[عبد الله بن عثمان أبو بكر الصديق]

698 # عبدُ الله بنُ عثمانَ بنِ عامرِ بنِ عَمْرو بنِ كَعْب، أبو بكر الصِّدِّيق، الصَّحابيُّ بنُ الصَّحابيَّين [1] ، والد الصَّحابة.

أوَّل من آمن بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من الرِّجال، الخليفة بالحقِّ، الدَّاعي إلى الهدى من غير أن يخاف [في الله] لومة لائم، القرشيُّ، التَّيميُّ، أبو بكر الصِّدِّيق بن أبي قُحَافة، وأمُّه أمُّ الخير، سَلْمَى بنت صَخْر بن عامر بن (عمرو بن) كَعْب، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار في الهجرة، والخليفة بعده، ويقال [له] العتيق؛ لأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال له «أنت عتيق من النَّار» . وقيل لحسن وجهه. وقيل لطيبة أصله؛ لأنَّه لم يكن في نسبه ما يعاب به. _ وسيأتي وجه آخر غير هذا _ شهد بدرًا والمشاهد كلَّها.

روى مئة واثنين وأربعين حديثًا. قال ابن حجر [2] للبخاريِّ منها اثنان وعشرون حديثًا.

روى عنه عبد الله بن عمر بن الخطَّاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وطارق بن شهاب.

نقل عنه البخاريُّ بالواسطة، في الصَّلاة [خ¦369] ، والأحكام [خ¦7191] ، واللُّقطة [خ¦2439] ، وغيرها.

تولَّى الخلافة يوم الثُّلاثاء، الغد من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لاثنتي عشرة [3] خلت من ربيع الأوَّل، سنة إحدى عشرة، إلى أن مات ليلة الأربعاء، لثمان بقين من جمادى الآخرة، سنة ثلاث عشرة، ودفن ليلًا، وهو ابن ثلاث وستِّين سنة، وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيَّام، واختلفوا في اسمه، فقيل كان (اسمه) في الجاهليَّة عبد الكعبة، فسمَّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله. وقيل له الصِّدِّيق؛ وذلك لأنَّه صلى الله عليه وسلم لمَّا أُسري (به) ، وأصبح بمكَّة قعد حزينًا، فأتاه جبريل، فقال مالك هكذا؟ قال «أتيت بأمر عظيم، أخاف أن يكذِّبني النَّاس» . (قال) فإن كان النَّاس يكذِّبونك، فإنَّ أبا بكر يصدِّقك. فلمَّا أصبح ورآه عدوُّ الله أبو جهل دعاه صلى الله عليه وسلم، وأعلمه أنَّه أتى البيت المقدس، فاستعظم عدوُّ الله، وقال أحقيق ما تقول؟ قال (نعم. قال) أو تقدر أن تقول بين النَّاس ما تقول. [قال نعم. قال] وتقول ذلك لصاحبك أبي بكر؟ قال نعم. فنادى بأعلى صوته يا بني فِهْر، يا أهل الوادي، اسمعوا ما يقول محمَّد. فأتوه من كلِّ أوب، فمن مكذِّبٍ، متعجِّبٍ، ومُرْتَدٍّ، وواضعِ يده على رأسه، ومن [4] نسبه إلى الجنون، فاشتدَّ عدوُّ الله نحو أبي بكر، وقال هلمَّ اسمع ما يقول محمَّد. قال ما يقول؟ قال يزعم أنَّه أتى اللَّيلة بيت المقدس؟ قال أوقال ذلك؟ قال نعم. قال قد صدق، والله لو أخبرني أنَّه أتى السَّماوات السَّبع في غدوة أو روحة لصدَّقته؛ فلذلك سمِّي صدِّيقًا.

وكان أبو بكر محبَّبًا في قومه، مَأْلَفًَا فيهم، وهو من رؤسائهم، وكان إليه الأَشْنَاقُ في الجاهليَّة، والأشناقُ الدِّيَاتُ، كان إذا حمل شيئًا صَدَّقَتْه قريش، وأمضوا حَمَالته، وحَمَالةَ من قام معه، وإن احتملها غيره خذلوه، ولم يصدِّقوه، فلمَّا جاء الإسلام سبق إليه، وأسلم على يديه جماعة؛ لمحبَّتهم له، وميلهم إليه، حتَّى إنَّه أسلم على يده خمسة من العشرة المبشَّرة، _ [كما سيأتي] _ وذهب جماعة إلى أنَّه أوَّل من أسلم، منهم ابنُ عبَّاس، وعَمْرو بن عنبسة، وإبراهيمُ النَّخَعِيُّ وغيرهم [5] ، وقيل أوَّلهم عليٌّ. وقيل زيد بن حارثة. وقيل خديجة [6] . والأحسن أنَّ أوَّلهم من الرِّجال أبو بكر، ومن النِّساء خديجة، ومن العبيد زيد، ومن الصِّبيان عليٌّ، رضوان الله عليهم أجمعين.

قال صلى الله عليه وسلم «ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلَّا كانت له كبوة وتردَّد ونظر (إلَّا أبا بكر) » .

قال أبو بكر [7] كنت جالسًا بفناء الكعبة، وكان زيد بن عَمْرو بن نُفَيْل قاعدًا، فمرَّ به أميَّة بن (أبي) الصَّلت، فقال كيف أصبحت يا باغي الخير؟ قال بخير. قال هل وجدت؟ قال لا. قال ولم آلُ من طلب. ثمَّ أنشد _ من البحر الخفيف _

~كلُّ دِيْنٍ يومَ القيامةِ إلَّا ما قَضَى اللَّهُ والحنيفةَ بُوْرُ

[قال] أمَّا هذا النَّبيُّ الذي يُنتظر، منَّا، أو منكم، أو من أهل فلسطين. قال ولم أكن سمعت قبل ذلك بنبيٍّ ينتظر، فخرجت أريد وَرَقَةَ بنَ نَوْفَل، وكان كثير النَّظر في السَّماء، كثير همهمة الصَّدر، قال فاستوقفته، ثمَّ اقتصصت عليه الحديث، فقال نعم يا ابن أخي، أَبَى أهلُ الكتاب والعلماء إلَّا أنَّ هذا النَّبيَّ ينتظر من أوسط العرب نسبًا، ولي علم بالنَّسب، وقومك أوسط العرب نسبًا. قال قلت يا عمُّ، وما يقول النَّبيُّ؟ قال يقول ما قيل له إلَّا أنَّه لا ظلم ولا تظالم. فلمَّا بعث صلى الله عليه وسلم آمنت وصدَّقت.

قال عبد الله بن مسعود [8] إنَّ أبا بكر قال خرجت إلى اليمن قبل أن يبعث النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فنزلت على شيخ من الأَزْدِ، عالم، قد قرأ الكتب، وعلم من علوم النَّاس كثيرًا، أَتَتْ عليه _ كما قال (المالِيْنيُّ) _ أربع مئة إلَّا عشر سنين، قال فلمَّا رآني قال أحسبك حَرَمِيًَّا؟ قلت نعم. قال وأحسبك قرشيًّا؟ قلت نعم. قال وأحسبك تَيْمِيًَّا؟ قلت نعم. قال بقي لي فيك واحدة. قلت ما هي؟ قال تكشف عن بطنك. قلت لا أفعل، أو تخبرني لم ذلك؟ قال أجد في العلم الصَّحيح الصَّادق أنَّ نبّيًا يبعث في الحرم، يعاونه على أمره فتًى وكهل، فأمَّا الفتى فَخَوَّاضُ غَمَراتٍ، ودافعُ مُعْضِلاتٍ، وأمَّا الكهل فأبيض نحيف، على بطنه شامة، وعلى فخذه اليسرى علامة، وما عليك أن تريني ما سألتك؟ فقد تكاملت [لي] فيك الصِّفة إلَّا ما خفي. قال أبو بكر فكشفت له عن بطني، فرأى شامة سوداء فوق سُرَّتي، فقال أنت هو وربِّ الكعبة، وإنِّي متقدِّم إليك في أمر [9] فاحذره. قال أبو بكر قلت ما هو؟ قال إيَّاك والميلَ عن الهدى، وتمسَّك بالطَّريقة الوسطى، وخف الله فيما خَوَّلك وأعطاك. قال أبو بكر فقضيت باليمن أَرَبي، ثمَّ أتيت الشَّيخ لأودِّعه. فقال أحامل أنت عنِّي أبياتًا قلتها في ذلك النَّبيِّ؟ قلت نعم. فذكر أبياتًا، قال أبو بكر فقدمت، وقد بعث النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فجاءني عُقبة بن أبي مُعيط، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل، وأبو البَختريِّ، وصناديد قريش، فقلت لهم هل ظهر فيكم أمر؟ قالوا يا أبا بكر، عظم الخطب، يتيم أبي طالب يزعم أنَّه نبيٌّ مرسل، ولولا أنت ما انتظرنا به، فإذ قد جئت فأنت الغاية [والنِّهاية] والكفاية. قال أبو بكر فصرفتهم عنِّي أحسن شيء، وسألت عن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقيل في منزل خديجة. فقرعت عليه الباب، فخرج إليَّ، فقلت يا محمَّد، فقدت [10] من منازل أهلك، وتركت دين آبائك وأجدادك؟ قال يا أبا بكر، إنِّي رسول الله إليك، وإلى النَّاس كلِّهم، فآمِنْ بالله. فقلت وما الدَّليل على ذلك؟ قال الشَّيخ الذي لقيته باليمن. قلت وكم من شيخ لقيته باليمن؟! قال الشَّيخ الذي أفادك الأبيات، وحمَّلك. قلت ومن خبَّرك بهذا يا حبيبي؟ قال المَلَكُ العظيم، الذي يأتي الأنبياء قبلي. فقلت مدَّ يدك [11] ، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنَّك رسول الله. قال فانصرفت، وما بين لابتيها أشدُّ سرورًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامي.

قال الشَّعبيُّ سألت ابن عبَّاس من أوَّل من أسلم؟ قال أبو بكر، أما سمعت [12] قول حسَّان؟ _ يعني من البسيط _

~إذا تذكَّرتَ شَجْوًَا من أخي ثقةٍ فاذكرْ أخاكَ أبا بكر بما فَعَلا

~خيرَ البريَّةِ أتقاها وأعدلَها بعدَ النَّبيِّ وأوفاها بما حَمَلا

~الثَّانيَ التَّاليَ المحمودَ مَشْهَدُهُ وأوَّل النَّاسِ منهم صَدَّقَ الرُّسُلاَ

وقال في روض الأفكار إنَّ أبا بكر كان رجلًا تاجرًا، له أموال كثيرة، وكان أكثر سفره إلى الشَّام، فحضر إلى دمشق، فرأى في منامه كأنَّ القمر قد نزل من السَّماء إلى الأرض في حجر أبي بكر، فأخذه أبو بكر، وضمَّه إلى صدره، وانتبه وهو على هذا الحال، وكان نازلًا في دار صاحب له، فأيقظه، وقال إنِّي قد رأيت هذا المنام، فهل تدلُّني على من يفسِّره لي؟ قال نعم. فأحضره عند المعبِّرين، فقالوا ما نعرف تفسير هذا. فطاف به صاحبه دمشق على من عنده علم التَّعبير، فلم يعبِّره أحد، فقيل له إن أردت تفسيره فامض إلى ساحل البحر عند طرابلس الشَّام، فإنَّ هناك رجلًا راهبًا يقال له تمليخا _وقيل كان اسمه بحيرا_ فقد علم وقرأ كتبًا كثيرة، فامض إليه، فإنَّه يفسِّر رؤياك. فسار أبو بكر، فوصل طرابلس، واستدلَّ على الرَّاهب، فدلُّوه على ظاهر المدينة، فوجده في صومعة، فحضر عنده، فقال له الرَّاهب ما حاجتك؟ قال له أبو بكر إنِّي رأيت منامًا، وقد رعبت منه. قال وما هو؟ قال رأيت كأنَّ قمر السَّماء نزل إلى الأرض في حجري، فأخذته بيدي، وضممته إلى صدري، وانتبهت على هذا الحال. قال الرَّاهب من أين أنت؟ قال من الحجاز. قال وما تصنع؟ قال [13] أتَّجر. فضحك الرَّاهب، وقال يا أخا العرب، إنَّ في منامك هذا بشارة عظيمة لك، فإن أردت تفسيره، فأعطني جائزة على تفسيره. فأخرج أبو بكر اثني عشر دينارًا، ودفعها إليه، فقال يا أخا العرب، إنَّ القمر الذي نزل إليك هو نبيُّ آخر الزَّمان، سيظهر عن قريب، وتكون أنت وزيره في حياته، وخليفته في مماته، فأبشر، وبالله عليك إن أدركته وأنا حيٌّ، فأرسل إليَّ، وإن كنت ميتًا، فأعلمه أنِّي مسلم على دينه، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا عبده ورسوله. قال أبو بكر أعطني خَطَّكَ إن كان الأمر على ما ذكرت، ولك عندي مئة دينار وجائزة. فكتب الرَّاهب بسم الله الواحد الأحد؛ أمَّا بعد، فهذا كتابي مع أبي بكر بن أبي قُحافةَ المكيِّ إلى محمَّد بن عبد الله المكيِّ، المدنيِّ، التِّهاميِّ [14] ، نبيِّ آخر الزَّمان بأنَّك _ يا محمَّد _ تكون رسول ربِّ العالمين، وأنا تمليخا الرَّاهب، وحضر عندي أبو بكر بن أبي قُحافةَ، وقد فسَّر عليَّ منامًا يدلُّ على أنَّه وزيرك في حياتك، وخليفتك في مماتك، فإن أنا لحقتك جاهدت بين يديك، وإن [أنا] متُّ قبل مبعثك [15] فلا تنسني يا محمَّد، وهذا خطِّي شاهد عليَّ، والله على ما أقول (وكيل) . وكان عدَّة السُّطور اثني عشر سطرًا، فأخذ أبو بكر الكتاب، وحضر مكَّة، فلمَّا بعث الله نبيَّه طلع على جبل أبي قبيس، وقال في ظلمة اللَّيل أجيبوا داعي الله، وقولوا لا إله إلا الله. وكان أبو بكر نائمًا على سريره، فلمَّا سمع هذا الكلام قال أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّك _ (يا) محمَّد _ رسول الله، النَّبيُّ، الأميُّ الذي [16] ، أخبرني عنك الرَّاهب. وكان ذلك بعد مضي اثنتي عشرة [17] سنة من تاريخ كتبه الكتاب، فلمَّا كان بعد ذلك بأيَّام قلائل وجده النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في بعض أزقَّة مكَّة، فعارضه، وقال يا أبا بكر، لو جئت إلى الإسلام. قال إن كنت نبيًّا فلا بدَّ لك من آية. فأسنده صلى الله عليه وسلم وعصره حتَّى جَهِدَه، فقال يا أبا بكر، وما يكفيك الآية التي في بيتك منذ اثنتي عشرة سنة، والرُّؤيا التي رأيتها في دمشق، وذهابك إلى الرَّاهب بطرابلس، وأنَّه أودعك وديعة، وعاهدك عهدًا، فبلغ العهد، وذلك مدَّة اثنتي عشرة سنة، والكتاب اثنا عشر سطرًا، والدَّنانير التي دفعتها إليه اثنا [18] عشر دينارًا، ووعدته [19] إن حصل ما قاله تعطيه مئة دينار، وكلُّ ذلك قد اطَّلعت عليه. فلمَّا سمع ذلك أبو بكر عرف الحقَّ، فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله، وأنَّك النَّبيُّ، الأميُّ، التِّهاميُّ، الأبطحيُّ، المكِّيُّ، الذي أخبرني عنك الرَّاهب.

قال الحافظ أبو القاسم الأصبهاني قيل لأبي بكر أخبرنا عن نفسك، هل رأيت شيئًا قطُّ قبل الإسلام من دلائل نبوَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبو بكر نعم، وهل بقي أحد من قريشٍ أو غير قريش لم يجعل الله تعالى لمحمَّد في نبوَّته حجَّة، وفي غيرها، ولكنَّ الله هدى به من شاء، وأضلَّ (به) من شاء، بينا أنا قاعد في ظلِّ شجرة في الجاهليَّة إذ تدلَّى عليَّ غصن من أغصانها حتَّى صار على رأسي، فجعلت أنظر إليه، وأقول ما هذا؟ فسمعت صوتًا منها (يقول) هذا النَّبيُّ يخرج في وقت كذا وكذا. فقلت من هذا النَّبيُّ؟ قالت محمَّد بن عبد الله بن عبد المطَّلب الهاشميُّ. قال أبو بكر فقلت صاحبي وحبيبي وأليفي. فتعاهدت الشَّجرة حتَّى تبشِّرني بخروج النَّبيِّ، فلمَّا أتاه الوحي سمعت صوتًا من الشَّجرة جدَّ وتشمَّرْ يا ابن أبي قحافة، فقد جاء الوحي وربِّ موسى، لا يسبقك [20] إلى الإسلام أحد. قال أبو بكر فلمَّا أصبحت غدوت إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلمَّا رآني قال يا أبا بكر، إنِّي أدعوك إلى الله وإلى رسوله. قلت أشهد أنَّك رسول الله، بعثك بالحقِّ سراجًا منيرًا. فآمنت به وصدَّقت.

قال ولم يفته مشهد واحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثبت معه يوم أحد، ودفع إليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم رايته العظمى يوم تبوك، وكان يملك يوم أسلم أربعين ألف درهم، فكان يعتق منها، ويقوِّي المسلمين، وقال صلى الله عليه وسلم «ما نفعني مال أحد ما نفعني مال أبي بكر» . [21] فبكى [22] ، وقال هل أنا ومالي إلَّا لك يا رسول الله. وهو صاحب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في الغار لمَّا هاجر، وأنيسه فيه، ووقاه بنفسه.

قال بعض العلماء لو قال قائل إنَّ جميع الصَّحابة ما عدا أبا بكر، ليست لهم صحبة. لم يكفر، ولو [23] قال إنَّ أبا بكر لم يكن صاحب رسول الله. كفر؛ فإنَّ القرآن العزيز [24] نطق بأنَّه صاحبه.

قال أبو بكر قلت للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار لو أنَّ أحدًا نظر إلى تحت قدميه لأبصرنا. فقال «يا أبا بكر، ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما» . قاله ابن [25] الأثير.

قال في روض الأفكار _ نقلًا عن ابن فرحون القرطبيِّ _ إنَّ أنسًا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لمَّا أن حصلتُ مع أبي بكر في الغار مكثنا ثلاثة أيَّام ولياليهن [26] ، فكانت من أبي بكر التفاتة إلى أعلى الغار، فنظر طائرًا، ثمَّ طالت [27] مدَّته ولا يأكل ولا يشرب، فعجب أبو بكر من ذلك، وقال واعجبًا من هذا الطائر! من أين مأكله ومشربه؟ وقد قال الله تعالى {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا} [هود 6] فلمَّا اختلج هذا في خاطر أبي بكر هبط الأمين، فوقف في الهواء، ونادى إنَّ العليَّ الأعلى يقرئك السَّلام، ويقول قد علمتُ ما اختلج في سرِّ أبي بكر، فقل لأبي بكر يكلِّم الطَّائر، فإنِّي أمرت الطَّائر أن يكلِّمه. فقال صلى الله عليه وسلم «يا أبا بكر، ما الذي اختلج في سرِّك من أمر هذا الطَّائر؟» فقال يا رسول الله، لنا وله منذ ثلاثة أيَّام في هذا الغار [28] ، لا أراه يأكل ولا ويشرب. فقال صلى الله عليه وسلم هذا جبريل يخبرني عن ربِّ العالمين أن تكلِّم الطَّائر، فإنِّي أَمرتُ الطَّائر أن يكلِّمه. فعند ذلك فرح أبو بكر، وقال أيُّها الطَّائر كلِّمني بإذن الله، فإنِّي عبد مملوك مثلك، فأخبرني من أين مأكولك ومشروبك؟ فبكى الطَّائر حتَّى سقط إلى الأرض، ثمَّ تبسَّم، وقال سلني عمَّا شئت، ولا تسألني عن هذا، فإنَّ هذا سرٌّ بيني وبين الله تعالى، ولا أريد أن يطَّلع عليه أحد سوى الله تعالى. فقال أبو بكر أيُّها الطَّائر، إن كنت مأمورًا لي بالسَّمع والطَّاعة تقول لي عمَّا أسألك. فقال والذي فلق الحبَّة، وبرأ النَّسمة، وارتدى العظمة [29] لقد خلقني الله في هذه الكوَّة قبل أن يخلق أباك آدم بألفي عام، ومأكولي ومشروبي في كلمتين. قال ما هما؟ قال إذا جُعْتُ ألعنُ مبغضَك فأشبع، وإذا عطشت أستغفر لمحبِّيك [30] فأروى. فعند ذلك بكى صلى الله عليه وسلم لشقاوة بعض أمَّته لبغض [31] أبي بكر.

قال ابن الأثير [32] إنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر أنت أخي وصاحبي في الغار. وعن عليِّ بن أبي طالب قال [قال] لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأبي بكر يوم بدر «مع أَحَدِكُما جبريل، ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيل مَلَكٌ عظيم يشهد القتال، ويكون في الصَّف» . ودفع صلى الله عليه وسلم إليه رايته العظمى يوم تبوك، وكانت سوداء، وكان فيمن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد، ويوم حُنين حين ولَّى النَّاس، ولم يختلف أهلُ السِّير أنَّ أبا بكر لم يتخلَّف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشهد من مشاهده، وتصدَّق رضي الله عنه بجميع ماله حتَّى تخلَّل بعباءة، فنزل جبريل، وقال يا محمَّد، إنَّ الله يقرئك السَّلام، ويقول قل لعتيق بن أبي قحافة أنا راض عنه، فهل هو راض عنِّي؟ فبكى أبو بكر، وقال أنا راض من ربِّي، أنا راض من ربِّي.

قال ابن عيينة عاتب الله المسلمين كلَّهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم إلَّا أبا بكر، فإنَّه خرج من المعاتبة، فقال {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} [التوبة 40]

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم «من أصبح منكم صائمًا» ؟ قال أبو بكر أنا. قال «من شهد جنازة» ؟ قال أبو بكر أنا. قال «من أطعم اليوم مسكينًا» ؟ قال أبو بكر أنا. قال «من جمعهنَّ في يوم واحد وجبت له الجنَّة، أو غفر له» .

عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، قال وفد ناس من أهل الكوفة، وناس من أهل البصرة إلى عمر بن الخطَّاب، فلمَّا نزلوا بالمدينة [33] تحدَّثوا بينهم [34] ، إلى أن ذكروا أبا بكر وعمر، ففضَّل بعض القوم أبا بكر على عمر، وفضَّل بعضهم عمر على أبي بكر، وكان الجارودُ بن المعلَّى [35] ممَّن فضَّل أبا بكر على عمر، فجاء عمر، ومعه درَّته، فأقبل على الذين فضَّلوه على أبي بكر، فجعل يضربهم بالدُّرَّة، فقال الجارود أَبْقِ [36] يا أمير المؤمنين، (فإنَّ الله لم يكن ليرانا) نفضِّلك على أبي بكر، وأبو بكر [37] أفضل منك في كذا، وأفضل منك في كذا. فسرِّي عن عمر، ثمَّ انصرف، فلمَّا كان من العشيِّ صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثمَّ قال ألا إنَّ خير هذه الأمَّة بعد نبيِّها أبو [38] بكر، فمن قال بعد مقامي هذا، فهو مفترٍ، عليه ما على المفتري.

قال النَّزَّالُ بنُ سَبْرَةَ وافقنا من عليٍّ طيب نفس ومزاج، فقلنا يا أمير المؤمنين حدِّثنا عن أصحابك. قال كلُّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابي. قلنا حدِّثنا عن أصحاب رسول الله. قال سلوني. قلنا [39] حدِّثنا عن أبي بكر. قال ذاك امرؤ سمَّاه الله تعالى على لسان جبريل، ولسان محمَّد صلى الله عليه وسلم صِدِّيقًا، وكان خليفته على الصَّلاة، رضيه لديننا، فرضيناه لدنيانا.

وعن زيد بن أرقم قال دعا أبو بكر بشراب، فأُتي بماء وعسل، فلمَّا أدناه من فيه نحَّاه، ثمَّ بكى حتَّى بكى أصحابه، فسكتوا وما سكت، ثمَّ عاد فبكى حتَّى ظنُّوا أنَّهم لا يقوون على مسألته، ثمَّ أفاق، فقالوا يا خليفة رسول الله، ما أبكاك؟ قال كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يدفع عن نفسه شيئًا، ولم أر أحدًا معه، قلت يا رسول الله، ما هذا الذي تدفع، ولا أرى معك أحدًا؟ قال هذه الدُّنيا تمثَّلت (لي) ، فقلت لها إليك عنِّي. فتنحَّتْ، ثمَّ رجعت، فقالت أما إنَّك إن أفلتَّ منِّي فلن يفلت منِّي من بعدك». فذكرت ذلك، فخفت أن تلحقني.

قال الأصمعيُّ كان أبو بكر إذا مُدح قال اللهم أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيرًا ممَّا يظنُّون، واغفر لي ما يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون.

قال أبو السَّفَر دخلوا على أبي بكر في مرضه، فقالوا يا خليفة رسول الله، ألا ندعو لك طبيبًا ينظر إليك؟ قال قد نظر إليَّ. قالوا ما قال لك؟ قال إنِّي فعَّال لما أريد.

عن الشَّعبيِّ قال لمَّا نزلت {إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} [البقرة 271] إلى آخر الآية، جاء (عمر) بنصف ماله، يحمله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على رؤوس النَّاس، وجاء أبو بكر بماله أجمع، يكاد يخفيه عن نفسه، فقال صلى الله عليه وسلم «ما تركت لأهلك» ؟ قال عِدَةُ الله وعِدَةُ رسوله. قال يقول عمر لأبي بكر بنفسي أنت وبأهلي، ما استبقنا باب خير (قطُّ) إلَّا سبقتنا إليه.

وعن عمر قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدَّق، ووافق ذلك مالًا عندي، فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته، قال فجئت بنصف (مالي) ، فقال «ما أبقيت لأهلك» ؟ [قال] قلت مثله. وجاء أبو بكر بكلِّ ما عنده، فقال «يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك» ؟ قال أبقيت الله لهم ورسوله. قال قلت لا أسبقه إلى شيء أبدًا.

قال عروة أسلم أبو بكر وله أربعون ألفًا، فأنفقها في الله، وأعتق سبعة كلُّهم يعذَّب في الله، أعتق بلالًا، وعامِرَ بن فُهيرة، وزِنِّيْرَةَ _ بكسر الزَّاي، وشدَّة النُّون، بعدها [ياء] تحتيَّة [نقطتان] ، ثمَّ راء وهاء _ وعُبَيْسَ _ بضمِّ المهملة، وفتح الموحَّدة، وسكون التَّحتيَّة المثنَّاة، آخرها مهملة _ والنَّهْديَّة وابنتها، وجارية بني مؤمِّل.

قال سعيد بن المسيَّب _ كما قال محيي [40] السُّنَّة _ بلغني أنَّ أميَّة بن خلف قال لأبي بكر في بلال حين قال أتبيعه؟ قال ابتعه بنِسْطَاسَ. عبدٍ لأبي بكر صاحب عشرة آلاف دينار، وغلمان، وجوارٍ، ومواشي، وكان مشركًا، حمله أبو بكر على الإسلام على أن يكون ماله له، فأبى، فأبغضه أبو بكر، فلمَّا قال له أميَّة ابتعه بغلامك نِسْطَاس. اغتنمه أبو بكر [41] ، وقال المشركون ما فعل ذلك أبو بكر إلَّا ليد كانت لبلال عنده، فأنزل الله تعالى {وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى} [الليل 19] الآية.

عن أبي صالح الغِفَاريِّ أنَّ عمر بن الخطَّاب كان يتعاهد عجوزًا كبيرة عمياء في بعض حواشي اللَّيل، فيسقي لها، ويقوم بأمرها، فجاءها غير مرَّة، وإذا غيره قد سبقه [42] إليها، فرصده عمر، فإذا هو بأبي بكر الصِّدِّيق الذي يأتيها، وهو يومئذ خليفة، فقال عمر أنت هو لعمري.

وأقام بالسُّنْح بعدما بويع له سبعة أشهر، يغدو على رِجْليه، وربَّما ركب على فرس له، فيوافي المدينة يصلِّي الصَّلوات بالنَّاس، فإذا صلَّى العشاء الآخرة رجع إلى أهله، وكان يحلب للحيِّ أغنامهم، فلمَّا بويع بالخلافة قالت جارية من الحيِّ الآن لا يحلب لنا. فسمع أبو بكر، فقال بلى، لأحلبنَّها لكم، وإنِّي لأرجو أن لا يغيِّرني ما دخلت فيه عن خُلُقٍ كنت عليه. فكان يحلب لهم، فربَّما قال للجارية أتحبِّين أن أُرْغِيَ لك أو أُصرح [43] ؟ (فأيَّ) ذلك قالت فعل. قاله ابن الأثير [44] ، ثمَّ قال وله في تواضعه أخبار كثيرة نقتصر منها على هذا القدر.

قال محمد بن (الزُّبير) أرسلني عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصريِّ أسأله عن أشياء، فصعدت إليه، فإذا هو متَّكئ على وسادة من أَدَم، فقلت أرسلني إليك عمر؛ أسألك عن أشياء. فأجابني إلى ما سألته عنه، وقال [45] اشفني فيما اختلف فيه، هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلف أبا بكر؟ فاستوى الحسن قاعدًا، فقال أوفي شكٍّ هؤلاء؟ لا أبا [46] لك! إي والله الذي لا إله إلا هو، لقد استخلفه، ولهو [47] أعلم بالله، وأتقى له، وأشدُّ مخافة من أن يموت عليها [لو] لم يأمره. قالت عائشة قال صلى الله عليه وسلم «ليصلِّ أبو بكر بالنَّاس» . قالوا لو أمرت غيره. قال «لا ينبغي لأمَّتي أن يؤمَّهم إمام وفيهم أبو بكر» .

قال جُبير بن مُطْعِم أتت امرأةٌ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فأمرها بأمر، فقالت أرأيت إن لم أجدك يا رسول الله؟ قال «إن لم تجديني، فأْتِي أبا بكر» [48] .

عن عليِّ بن أبي طالب قال قدَّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر، فصلَّى بالنَّاس، وإنِّي لشاهد غير غائب، وصحيحٌ غير مريض، ولو شاء أن يقدِّمني لقدَّمني، فرضينا لدنيانا من رضيه الله ورسوله لديننا.

عن سالم بن عُبيد [49] _ وكان من أصحاب الصُّفَّةِ _ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لمَّا اشتدَّ مرضه أغمي عليه، فلمَّا أفاق قال «مروا بلالًا فليؤذِّن، ومروا أبا بكر فليصلِّ بالنَّاس» . ثمَّ أغمي عليه، فقالت عائشة إنَّ أبي رجل أَسِيف، فلو أمرت غيره؟ فقال «مروا أبا بكر فليصلِّ بالنَّاس» . فقالت عائشة كما قالت أوَّلًا، فقال «إنَّكنَّ صواحبُ يوسف، مروا أبا بكر فليصلِّ بالنَّاس» . ثمَّ قال «أقيمت الصَّلاة» ؟ قالوا نعم. قال «ادعوا لي إنسانًا أعتمد عليه» . فجاءت (بَريرة) وإنسان آخر، فانطلقا يمشيان [به] ، وإنَّ رِجْلَيه تخطَّان في الأرض، قال فأجلسوه إلى جنب أبي بكر، فذهب أبو بكر يتأخَّر، فحبسه حتَّى فزع النَّاس، فلمَّا توفِّي قال _ وكانوا قومًا أمِّيِّين، لم يكن فيهم نبيٌّ قبله _ فقال عمر لا يتكلَّم أحد بموته إلَّا ضربته بسيفي هذا. قال فقلت اذهب إلى صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم _يعني أبا بكر_ فادعه. فذهبت، فوجدته في المسجد [_وفي رواية أنَّه كان بالسُّنح، اسم موضع_] قال فأجهشت أبكي، قال لعلَّ نبيَّ الله توفِّي؟ قال قلت إنَّ عمر قال لا يتكلَّم أحد بموته إلَّا ضربته بسيفي هذا. فأخذ بساعدي، ثمَّ أقبل يمشي حتَّى دخل، فأوسعوا له، فأكبَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى كاد وجهه يمسُّ وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر نَفَسَه حتَّى استبان أنَّه توفِّي، فقال {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} [الزمر 30] {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران 144] . {فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ} [آل عمران 149] قالوا يا صاحب رسول الله، توفِّي رسول الله؟ قال نعم. فعلموا أنَّه كما قال، قالوا يا صاحب رسول الله، هل نصلِّي عليه؟ قال نعم، يجيء نفر منكم فيكبِّرون ويذهبون، حتَّى يفرغ النَّاس. فعلموا أنَّه كما قال، فقالوا يا صاحب رسول الله، هل يدفن رسول الله؟ قال نعم. قالوا أين يدفن؟ قال حيث قبض الله روحه، فإنَّه لم يقبض إلَّا وهو في موضع طيِّب. فعرفوا أنَّه كما قال، ثمَّ خرج إليه المهاجرون، أو من اجتمع إليه، فقالوا انطلقوا إلى إخواننا من الأنصار، فإنَّهم ليتآمرون [50] ؛ إذ قال رجل من الأنصار منَّا أمير ومنكم أمير. فقام [51] عمر، وأخذ بيد أبي بكر، فقال سيفان في غمد إذن لا يصطحبان. ثمَّ قال من له هذه الثَّلاثة {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} ؟ [التوبة 40] فبسط عمر يد أبي بكر، فضرب عليها، ثمَّ قال للنَّاس بايعوا. فبايع النَّاس أحسن بيعة.

وروي أنَّ الأنصار لمَّا قالوا منَّا أمير ومنكم أمير. أتاهم عمر، فقال يا معشر الأنصار، ألستم تعلمون أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يؤمَّ النَّاس؟ فأيُّكم تطيب نفسه أن يتقدَّم أبا بكر، وأن يزيله من مقامه الذي أقامه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا نعوذ بالله، كلُّنا لا تطيب نفسه بذلك. واستغفروا، فكان رجوع الأنصار يوم سقيفة بني ساعدة بكلام عمر.

ولمَّا توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجَّتْ مكة، فسمع بذلك أبو قحافة، فقال ما هذا؟ قالوا قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أمر جليل، فمن ولي بعده؟ قالوا ابنك. قال فرضيت بذلك بنو عبد مناف وبنو المغيرة؟ قالوا نعم. قال لا مانع لما أعطى [52] الله، ولا معطي لما منع. وكان عمر أوَّل من بايعه تحت سقيفة بني ساعدة يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمَّ كانت بيعة العامَّة من غد، وتخلَّف عن بيعته عليٌّ، وبنو [53] هاشم، والزُّبير بن العوَّام، وخالد بن سعيد بن العاص، وسعد بن عبادة، ثمَّ إنَّ الجميع بايعوا بعد موت فاطمة بعد ستَّة أشهر. قاله ابن الأثير [54] .

وقام في قتال الرِّدَّة مقامًا عظيمًا، قالت عائشة نزل بأبي بكر ما لو نزل بالجبال الرَّاسيات لهاضها.

وقال عليٌّ كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا نفعني الله بما شاء أن ينفعني، وإذا حدَّثني غيره استحلفته، وإذا حلف صدَّقته، وإنَّه حدَّثني أبو بكر _وصدق أبو بكر_ أنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «ما من رجل يذنب ذنبًا فيتوضَّأ، فيحسن الوضوء، ويصلِّي ركعتين، يستغفر الله إلَّا غفر له» .

قال في روض الأفكار إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لمَّا كان اللَّيلة التي ولد فيها أبو بكر الصِّدِّيق أوصى ربُّكم إلى جنَّة عدن، فقال لها وعزَّتي وجلالي، لا أسكنت فيك إلَّا من أَحَبَّ هذا المولود» .

قال العبَّاس بن عبد المطَّلب إنَّ أمَّ أبي بكر كانت تدعى أمَّ الخير، وكانت كلَّما ولد لها ولد مات؛ حتَّى مات لها عشرة من الولد، فلمَّا ولدت أبا بكر احتضنته وحملته، وأتت به إلى المقام، وطافت به الأركان، ثمَّ عادت إلى المقام، وقالت اللهم إنَّك لست بربٍّ استحدثناك، ثناك اللهم، فهب لي ولدي هذا من الموت. فإذا بكفٍّ بيضاء قد خرجت من المقام، لا مِعْصَمَ [55] لها، فقبضت على ناصية أبي بكر، وهاتف يقول _ من البحر الرَّجز [56] _

~يا أَمَةَ اللَّهِ على التَّحقيقِ

~فُزْتِ بحَمْلِ الولدِ العتَيقِ

~وصاحبِ الرَّسولِ والرَّفيقِ

وقد وهبه الله لك من الموت، وجعله الخليفة من بعد نبيِّه.

قال أبو هريرة اجتمع المهاجرون والأنصار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر وعيشِك إنِّي لم أسجد لصنم قطُّ، فغضب عمر، وقال تحلف بعيش رسول الله، وقد كنت في الجاهليَّة كذا كذا سنة. فقال أبو بكر إنَّ أبا قحافة أخذ بيدي، فانطلق بي إلى بيت الأصنام، فقال هذه آلهتك الشُّمُّ العُلا، فاسجد لها. وخَلاَّني وذهب، فدنوت من الصَّنم، وقلت أنا جائع فأطعمني. فلم يجبني، فقلت أنا عطشان فاروني. فلم يجبني، فقلت أنا عار فاكسني. فلم يجبني، فأخذت صخرة، وقلت إنِّي ملقٍ عليك هذه الصَّخرة، فإن كنت إلهًا فامنع نفسك. فلم يجبني، فألقيت الصَّخرة عليه فخرَّ لوجهه، وأقبل والدي، فقال ما هذا يا بنيَّ؟ فقلت هذا الذي ترى. فانطلق بي إلى أمِّي فأخبرها، فقالت دعه، فإنَّ هذا هو الذي ناجاني الله به. فقلت وما ناجاك الله به؟ فقالت ليلة أصابني المخاض، ولم يكن عندي أحد، سمعت هاتفًا يقول _ أسمع الصَّوت ولا أرى الشَّخص _

~يا أَمةَ اللَّهِ على التَّحقيقِ ألا ابشري بالولدِ العتيقِ

اسمه في السَّماء الصِّدِّيق، لمحمَّد صاحب ورفيق. قال أبو هريرة فلمَّا انقضى كلام أبي بكر نزل جبريل، وقال صدق أبو بكر ثلاثًا.

عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنَّ الله تعالى خلقني من نوره، وخلق أبا بكر من نوري، وخلق عمر وعائشة من نور أبي بكر، وخلق المؤمنين من أمَّتي من نور عُمر، وخلق المؤمنات من نور عائشة، فمن لم يحبَّني، ويحبَّ أبا بكر وعمر وعائشة، فما له من نور» . فنزل جبريل، وتلا الآية {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ} [النور 40] [57]

قال محمَّد بن الحنفيَّة [58] _ هو ابن عليِّ بن أبي طالب _ قلت لأبي أيُّ النَّاس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال أبو بكر. قلت ثمَّ من؟ قال عمر. قال وخشيت أن أقول ثمَّ من؟ فيقول عثمان. فقلت ثمَّ أنت؟ قال ما أنا إلَّا رجل من المسلمين.

قال ابن قدامة وقد اشتهر عن عليٍّ في أخبار تبلغ رتبة التَّواتر أنَّه قال خير النَّاس بعد النَّبيِّ أبو بكر، ثمَّ عمر _ زاد ابن منده، عن عليٍّ _ ثمَّ عثمان.

وعن عليٍّ لا أوتى برجل يفضِّلني [59] على أبي بكر وعمر إلَّا جلدته الحدَّ.

وقال عمر لأن أقدم فيضرب عنقي في غير ما يقرِّبني إلى إثم أحبُّ إليَّ من أن أتقدَّم على قوم فيهم أبو بكر، لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح إيمان أبي بكر.

ولقي أبو عبيدة بن الجراح عمر، فقال هلمَّ أبايعك. فقال عمر يا أحمق، من يتقدَّم بين يدي أبي بكر؟ ورأى عمر رجلًا يتصدَّق عام الرَّمادة، فقال الرَّجل إنَّ هذا لخير هذه الأمَّة بعد نبيِّها. _ يعني عمر _ فضربه بالدُّرَّة، وقال [60] كذبت الخبر، أبو بكر هو خير منِّي، ومن أبي، ومنك، ومن أبيك.

قال عليٌّ ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى عرفنا أنَّ أفضلنا بعده أبو بكر، ولمَّا قبض أبو بكر ارتجَّت المدينة بالبكاء، كيوم (مات) النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم. وجاء عليٌّ باكيًا، وقال [61] اليوم انقطعت خلافة النُّبوَّة؛ حتَّى وقف على باب البيت الذي فيه أبو بكر مُسَجَّىً، فقال رحمك الله يا أبا بكر، كنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنيسه، وثقته، وموضع سره ومشورته، وأوَّلَ القوم إسلامًا، وأشدَّهم يقينًا، وأخوفَهم لله، وأعظمهم في دين الله، وأحزنهم [62] على رسول الله، وأيمنهم على أصحابه، وأحسنهم له صحبة، وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سوابق، وأرفعهم درجة، وأقربهم وسيلة، وأشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم هديًا وسمتًا، وأشرفهم منزلة، وأكثرهم غُنية، وأوثقهم عنده، فجزاك الله عن الإسلام ورسوله خيرًا، كنت عنده بمنزلة السَّمع والبصر، صدَّقته حين كذَّبه النَّاس، فسمَّاك [الله] في تنزيله صدِّيقًا، فقال {وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} [الزمر 33] وواسيته حين بخلوا، وقمت معه حين قعدوا، وصحبته في الشِّدَّة أكرمَ الصُّحبة، ثاني اثنين، وصاحبه في الغار، والمنزل عليه السَّكينة، ورفيقه في الهجرة، وخليفته في دين الله وأمته، أحسنت الخلافة حين ارتدَّ [63] النَّاس، وقمت بالأمر ما لم يقم به خليفة نبيٍّ، فنهضت حين وهن أصحابك، وبرزت حين استكانوا، وقمت حين ضعفوا، ولزمت منهاج سبيله إذ وهنوا، وكنت خليفته حقًّا، لم تنازع برغم المنافقين، وكُره الحاسدين، وغيظ الباغين، وقمت بالأمر حين فشلوا، ومضيت بنور الله إذ وقفوا، فاتَّبعوك فهدوا، كنت أكبرهم رأيًا، وأشجعهم نفسًا، وأعرفهم بالأمور، وأشرفهم عملًا، كنت والله للدِّين يعسوبًا حين نفر عنه النَّاس، كنت للمؤمنين أبًا رحيمًا؛ إذ صاروا لك عيالًا، فحملت أثقال ما ضعفوا، ورعيت ما أهملوا، وحفظت ما ضيعوا [64] ، فشمَّرت إذ خشعوا، وعلوت إذ هلعوا، وصبرت إذ جزعوا، فأدركت آثار ما طلبوا، وراجعوا رشدهم برأيك، فظهروا، ونالوا بك ما لم يحتسبوا، كنت على الكافرين عذابًا صبًّا، وللمؤمنين رحمة، وظفرت والله بفضائلها، وأدركت سوابقها، لم يزغ قلبك، ولم تجبن نفسك، كنت كالجبل لا تحرِّكه العواصف، ولا تزيله القواصف، فكنت كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ضعيفًا في بدنك، قويًّا في أمر الله، متواضعًا في نفسك، عظيمًا عند الله، جليلًا في أعين الناس» . لم يكن لأحد فيك مطمع، الضَّعيف الذَّليل عندك قويٌّ عزيز حتَّى تأخذ له حقِّه، والقويُّ العزيز عندك ضعيف ذليل حتَّى تأخذ منه الحقَّ، القريب والبعيد في ذلك عندك [65] سواء، أقرب النَّاس إليك أطوعهم لله، قولك حكم، وأمرك حتم، ورأيك علم، وأقلعت [66] وقد نهج السَّبيل، وسهل العسير، وأطفئت النِّيران، واعتدل بك الدِّين، وقوي المسلمون، وظهر أمر الله ولو كره الكافرون [67] ، فجللت عن البكاء، وعظمت مصيبتك في السَّماء، وهدَّت مصيبتك الأنام، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، رضينا عن الله قضاءه، وسلَّمنا إليه أمره، فوالله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثلك أبدًا، كنت للدِّين حصنًا، وللمؤمنين خصبًا، وعلى المنافقين غلظة وغيظًا [68] ، فألحقك الله بنبيِّه، ولا حرمنا أجرك، ولا أضلَّنا [69] بعدك. وسكت القوم حتَّى انقضى كلامه، وبكوا حتَّى علت أصواتهم، وقالوا صدقت يا ختن رسول الله.

ومن فضائل أبي بكر أنَّه قال لنبيِّه {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى 5] وقال لأبي بكر {وَلَسَوْفَ يَرْضَى} [الليل 21] (الثَّاني) ، قال لنبيِّه {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى} [الأعلى 8] وقال لأبي بكر {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} [الليل 7] الثَّالث، أن جبريل نزل بالسَّلام على أبي بكر، كما نزل بالسَّلام على نبيِّه. الرَّابع، أنَّه كان يسمع الوحي. قال جُبير بنُ مُطْعِم لم يسمع أحد الوحي (حين) يلقى على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلَّا أبو بكر الصِّدِّيق، فإنَّه أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فوجده يوحى إليه، فسمع {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاء} [القصص 56] سمعه من جبريل، فغشي عليه، ونزلت الآية في أبي طالب لمَّا أبى الإسلام، وخاف أن يعيِّره الكفَّار. الخامس أنَّه تنزَّه عن شرب الخمر في الجاهليَّة، قال أبو العالية سئل أبو بكر في مجمع من الصَّحابة، هل شربت خمرًا في الجاهليَّة؟ قال أعوذ بالله! قالوا ولم؟ قال كنت أصون عرضي، وأحفظ مروءتي؛ لأنَّ من شرب الخمر كان لعرضه ومروءته مضيِّعًا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال «صدق أبو بكر» .

قال عُبيد بن مالك رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبِّل أبا بكر، وضع فاه على فيه سواء، فقلت يا رسول الله، أتقبل أبا بكر؟ فقال «لا تلمني، فوالله ما شبَّهت ثناياه إلَّا بلؤلؤ رأيته في الجنَّة» . فقلت إنَّه لعظيم المنزلة عندك. فقال «إنَّ الله لأشدُّ حبًّا له [70] منِّي» .

روى حذيفة بن اليمان قال (صلَّى) رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا انفتل من صلاته قال «أين أبو بكر» ؟ فلم يجبه أحد، فقام قائمًا على قدميه، فقال «أين أبو بكر» ؟ فأجابه من آخر الصَّفِّ لبَّيك يا رسول الله. فقال «أفرجوا لأبي بكر، ادنُ يا أبا بكر» فدنا، فقال «ألحقت معي الرَّكعة الأولى» ؟ قال كنت معك في الصَّفِّ الأوَّل، فكبَّرت، واستفتحت الفاتحة، فوسوس لي شيء في [71] الطَّهارة، فخرجت من باب المسجد، وإذا بهاتف يا أبا بكر. فالتفتُّ، فإذا أنا بإناء من ذهب، وإذا فيه ماء أبيض من الثَّلج، وأعذب من الشَّهد، وعليه منديل مكتوب عليه لا إله إلا الله، محمَّد رسول الله، أبو بكر الصِّدِّيق. فأخذت المنديل، فوضعته على منكبي، وتوضَّأت للصَّلاة، وأسبغت الوضوء، ورددت المنديل على الإناء، ولحقتك وأنت راكع الرَّكعة الأولى. فقال «أبشر يا أبا بكر، فإنِّي لمَّا فرغت من القراءة أخذت ركبتي، فلم أقدر على الرُّكوع حتَّى جئت، وإنَّ الذي وضَّاك جبريل، والذي مَنْدَلَكَ ميكائيل، والذي أخذ بركبتي إسرافيل» .

ومن فضائله أنَّه أسلم على يده خمسة من العشرة (المبشَّرة) ، عثمان، وطلحة، والزُّبير، وسعد، وعبد الرَّحمن بن عوف، وهو أوَّل من جمع القرآن، فأرسل إلى زيد بن ثابت مَقْتَلَ [72] أهل اليمامة، وقال إنَّ القتل قد استحرَّ بالقرَّاء، وإنِّي أخشى ذهاب القرآن. فجمع ما بين اللَّوحين من الصُّحف [73] ، والعسب وصدور الرِّجال.

ومن فضائله أنَّه مضيف لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، فإنَّه أنفق ماله عليه في حياته، ودفنه في حجرة عائشة.

قال ضَبَّةُ بنُ مِحْصَن كان علينا أبو موسى الأشعريُّ بالبصرة أميرًا، فكان إذا خطبنا حمد الله، وأثنى عليه، وصلَّى على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثمَّ يدعو لعمر، [قال] فغاظني ذلك، فقلت أين أنت من [74] صاحبه أبي بكر تفضِّله عليه؟ قال فصنع ذلك جميعًا، ثمَّ كتب إلى عمر يشكوني، يقول إنَّ ضَبَّةَ بنَ مِحْصَن تعرَّض لي في خطبتي. فكتب إليه عمر أن أشخصه إليَّ. فأشخصني، فقدمت عليه، فضربت عليه الباب، فخرج إليَّ، فقال من أنت؟ فقلت ضبَّة بن محصن. قال فلا مرحبًا، ولا أهلًا. فقلت أمَّا المرحب فمن الله، وأمَّا الأهل، فلا أهل، ولا مال، فيم استحللت إشخاصي من مصري بلا ذنب أذنبته، ولا شيء أتيت؟ قال ما الذي شجر بينك وبين عاملي؟ قلت الآن أخبرك يا أمير المؤمنين، إنَّه كان إذا خطب، فحمد [الله] ، وصلَّى على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ودعا لك، فغاظني ذلك، فقلت أين أنت عن صاحبه تفضِّله عليه؟ فكتب إليك يشكوني. فاندفع عمر باكيًا، وهو يقول [75] أنت والله أوفق منه وأرشد، فهل أنت غافر لي ذنبي، يغفر الله لك؟ قلت غفر الله لك. ثمَّ اندفع باكيًا، وهو يقول والله ليلة من أبي بكر ويوم خير من عمر وآل عمر، فهل لك أن أحدِّثك بليلته ويومه؟ قلت نعم. قال أمَّا ليلته، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا خرج مهاجرًا خرج ليلًا، فجعل أبو بكر مرَّة يمشي أمامه، ومرَّة خلفه، ومرَّة عن يمينه، ومرَّة عن يساره، فقال صلى الله عليه وسلم «ما هذا يا أبا بكر؟ (ما) أعرف هذا من فعالك» . فقال يا رسول الله، أذكر الرَّصَد فأكون أمامك، وأذكر الطَّلب فأكون خلفك، وعن يمينك، وعن شمالك، لا آمن عليك. فمشى صلى الله عليه وسلم ليلته على أطراف أصابعه حتَّى حفيت رجلاه، فلمَّا رأى أبو بكر ذلك حمله على عاتقه، حتَّى أتى فم الغار، فأنزله، ثمَّ قال والذي بعثك بالحقِّ نبيًّا، لا تدخله أنت حتَّى أدخله، فإن كان فيه شيء بدأ بي قبلك. فلم ير شيئًا يستريبه، فحمله فأنزله، وكان في الغار خرق فيه حيَّات، فألقمه أبو بكر قدمه، فجعلن تلسعه وتضربه، ودموعه تنحدر على خده من ألم ما يجده، وهو صلى الله عليه وسلم يقول «لا تحزن إنَّ الله معنا» . فأنزل الله سكينته _ أي الطُّمأنينة _ على رسوله لأبي بكر، فهذه ليلته، وأمَّا يومه؛ فلمَّا توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد [76] العرب. فقال بعضهم نصلِّي ولا نزكِّي، وقال بعضهم نزكِّي [77] ولا نصلِّي. (قال) عمر فأتيته [78] لا آلو نصحًا، فقلت يا خليفة رسول الله، تألَّف [79] النَّاس، وارفق بهم. فقال لي جبَّار في الجاهليَّة، خوَّار في الإسلام، قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتفع الوحي، والله لو منعوني عقالًا، كانوا يؤدُّونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم [عليه] . فقاتلنا معه، وكان والله رشيد الأمر، فهذا يومه. ثمَّ كتب إلى أبي موسى يلومه.

وروى أنس أنَّ أبا بكر دخل الغار يلتمس [80] بيديه، فكلمَّا رأى حجرًا قال بثوبه، فشقَّه ثمَّ ألقمه؛ حتَّى فعل [ذلك] بثوبه أجمع، فبقي موضع، فوضع عقبه عليه، فلمَّا أصبح صلى الله عليه وسلم قال «أين ثوبك يا أبا بكر» ؟ فأخبره، فرفع يديه، وقال «اللهم اجعل أبا بكر معي في درجتي يوم القيامة» . فأوحى الله إليه إنِّي قد استجبت لك.

قال الثَّعلبيُّ في قوله تعالى {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} لم يكن حزن أبي بكر جبنًا منه، ولا سوء ظنٍّ، ولكن إشفاقًا منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنَّه قال إن قتلتُ فأنا رجل واحد، وإن قُتلتَ هلكت الأمَّة. وأنشد أبو بكر _ من البحر البسيط _

~قال النَّبيُّ ولم أجزعْ يوقِّرني ونحن في سَدَفٍ من ظُلمةِ الغارِ

~لا تخشَ شيئًا فإنَّ الله ثالثُنا وقد تكفَّلَ لي منهُ بإظْهاري

~وإنَّما كيدُ مَنْ تخشى بوادره كيدُ الشَّياطينِ قد كادتْ لكُفَّارِ [81]

~والله مُهِلكُهمُ طُرًَّا بما صَنعوا وجاعلُ المنتهَى منهم إلى النَّارِ

قال ابن فرحون نهى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عن القيام له، ثمَّ قام يومًا لأبي بكر، ثمَّ قال «كنت نهيتكم عن القيام، فقمت لأبي بكر، ما قمت له، وإنَّما كان عندي جبريل، فقام لأبي بكر، فقمت لقيام جبريل» .

وقال أبو بكر لأبي عبيدة تعال، فإنِّي سمعت رسول الله يقول إنَّك أمين هذه الأمَّة. فقال أبو عبيدة لا أفعل، أأصلِّي [82] بين يدي رجل أمَّره رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأمَّنا حتَّى قبض.

عن أبي هريرة قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس مع جبريل؛ إذ مرَّ أبو بكر، فقال جبريل هذا أبو بكر، قال «أو تعرفه يا جبريل» ؟ قال والله (إنَّه) لفي السَّماء أشهر منه في الأرض، وإنَّ الملائكة تسمِّيه حكيم قريش، إنَّه قرينك في حياتك، وخليفتك بعد موتك.

وأجمعت الصَّحابة أنَّه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتَّى إنَّ عليًّا لمَّا رآه شاهرًا سيفه، راكبًا بعيره، خارجًا إلى قتال أهل الرِّدَّة، قال له يا خليفة رسول [الله] ، أقول لك ما قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد اغمد سيفك، ولا تفجعنا بنفسك، فوالله لئن أصبنا بك لا يكون للإسلام بعدك نظام أبدًا، فرجع ومضى الجيش وانتصروا.

قال جابر بن عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أُري اللَّيلة رجل صالح أنَّ أبا بكر نيط برسول الله، ونيط عمر بأبي بكر، ونيط عثمان بعمر» . قال جابر فلمَّا قمنا قلنا أمَّا الرَّجل الصَّالح فرسول الله، ونوط بعضهم، فهو الأمر الذي بعث الله به نبيَّه.

قال سفينة [83] مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا بنى رسول الله المسجد جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثمَّ جاء عمر بحجر فوضعه، ثمَّ جاء عثمان بحجر فوضعه، فقلت يا رسول الله، ما أرى من أصحابك [معك] غير هؤلاء. فقال «هؤلاء الخلفاء من بعدي» . وعن يونس بن عُبيد، عن أنس أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل حائطًا، فجاء أبو بكر، فاستأذن، فقال «ائذن له وبشِّره بالجنَّة وبالخلافة [84] بعدي» . ثمَّ جاء عمر يستأذن، فقال «ائذن له وبشِّره بالجنَّة، وبالخلافة بعد أبي بكر [85] » . ثمَّ جاء عثمان يستأذن، فقال «ائذن له وبشِّره بالجنَّة وبالخلافة بعد عمر» . قال أبو نعيم الأصفهانيُّ [86] هذا حديث غريب.

وعن أنس قال بعثني [87] بنو المصطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا إلى من ندفع زكاتنا إن حدث بك حدث؟ قال «ادفعوها إلى أبي بكر» . فقلت ذلك لهم، قالوا فاسأله إن حدث بأبي بكر حادث الموت، فإلى من ندفع زكاتنا؟ فقلت ذلك له، فقال «يدفعونها إلى عمر» . فقالوا إلى من ندفعها بعد عمر؟ فقلت له، فقال «يدفعونها إلى عثمان» . فقال صلى الله عليه وسلم «فإذا مات عثمان فتبًّا لكم آخر الدَّهر» .

عن سليمان بن عبد الله القرشيِّ، عن كعب الأحبار، قال خرجت وأنا أريد الإسلام، فلقيني حبر من اليهود، فقال أين تريد؟ قلت هذا النَّبيَّ أسلم على يدي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت